وَاكِف
Open in Telegram
Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
2 047
Subscribers
+124 hours
-17 days
-930 days
Posts Archive
2 047
إنَّ للمحبَّة نسيمًا يسري في رياض القُلوب، فتُداعِب أزهارًا للمودَّةِ غافية، وتُحرِّك ينابيعَ بالطُّهر صافية، ثُمَّ يشتدُّ هُبوبها فتهتزُّ غُصُون الأرواح، فتتفرَّق منها طيرُ الأشواق، وتجتمع لها في سماء العِشق غمامةٌ هطَّالة، وتفيضُ بمُزن المُوافقة لهفةٌ سيَّالة، فتُنبِتُ بالوِصال مرْجًا، وتفوحُ بالعلائق أرْجًا، وتُضيء جنَباتُ النُّفوس بأنوار المآقِي، وتزهُو أيَّامُ المُحبِّين بطِيب التَّلاقي ..
2 047
مُحِبُّك مَن تفقَّدك، ولازَمَك، وأمَّل فيك، واشتاقَك، ورجا منك، وتلقَّاك، وبَشَّ لك، وحاطَك، وتجاوَز زلَّتك إليك، وعفا عن تقصيرك لأجلك، وسبَّب معَك، وقدَّمك، وسعَى بجانبك، وأحلَّك في نفسه فنَظَر كيف يُرضيها ليُرضيك ..
هذا مُحِبُّك، أمَّا سِوى ذلك من الناس فمُلاقٍ ثُمَّ مُتفرِّقٍ ..
2 047
قالت العربُ : الدهرُ يومان ..
وقلتُ : هُو ذاك ..
فاليومُ الذي لك ما كان فيه صفيُّك معك، والوقتُ مسعودٌ بحضرته، وغُصنُ اللقا به رطيب، وأفياحُ إقباله عَرْفٌ وطِيْب ..
وأمَّا يومُك الذي عليك فإعراضه عنك وصدُّه لك، ووحشتُك دونه، ووُقُوفك على الباب وحُزنك عليه ..
وغايةُ السؤال وبقاء الآمال في داوم أوَّلهِمِا ضاحِكًا مُتَّصلًا، والعيشُ يا حبيبي بك أحسن نضرته، والقلبُ فديتُك لأجلك سكَنَته وحركته ..
2 047
يتغاضبُ المُحبَّان وفي قلبِ كُلٍّ أُوَارٌ ليس من الغضب في شيء، إنَّما لعادةٍ غابَت بعد إشراقها، وأشواقٍ حُبِسَت بدل إطلاقها، ووصلٍ خُشِيَ عليه، ووُدٍّ كان اللجأُ إليه، والمُحبُّ لا يعجلُ من ساعته للمُنافَرة، ولا يستبدلُ الإلْفَ الجميلَ بالمُكابَرة، بل يصبِر ويرجو ويتحنَّن، فإن عاد محبُوبه طَوَى ما كان وأرضى وتقرَّب وتفنَّن ..
2 047
أنتِ عندي أعزُّ من دارِ عبلةَ ..
وأضوأ من سُهيلٍ والشِّعرى واليماني ..
وأجملُ من رُصافة بغداد ..
وأحسنُ من نواسِم الربيع وابتلال غُصُونه ..
وآنَقُ من قصر المُورِق في إشبيلية الخضراء ..
وأروى للأرواح من نهر برَدَى ..
وكإطراق شاعرٍ حين رأى نجلاء عينٍ ..
وأطربُ من هديل الحمائم وشَدْوِ البلابل ووقوع المطر ..
وأعذبُ من مُلاطفة مُشتاقٍ لِمَشُوْقِه ..
هذه أطرافُ محاسنك وزوائدُها وما تعلَّق بها ..
أمَّا أُصُولها وأنوارها وأسرارها فشيءٌ أحصيتُه ودبَّجتُه وخبَّأتُه إلى أن يكون نظرُ العين للعين وسُكُونُ اليدِ في اليدِ واتِّفاقُ الأنفاس ..
2 047
أجِدُها بِشارةً في الهموم، وبلسمًا في عِلَّتي، وأمانًا في حِيرتي، ونُورًا في دُلْجَتي، وسكَنًا آوِي إليه ..
فأشواقي لها كالنهر يتجدَّدُ كُلَّ حين، وهي - حقًّا- كِفايتي عن الناس، وغُنْيَتي وقُنْيَتي، وأثماني وألحاني ..
رُؤياها مجموعُ الحياة، ولُقياها أساريرُ وأُمنيات ..
2 047
متى هجَرني من أُحِبُّ واستَبدَّ به إعراضُه وطالَت مُغاضَبتُه فإنَّه يذوبُ مني قدْر هجْرِه، ويذهبُ من أيَّامي عِداد أيَّامه، ويحِلُّ في القلب شيئان :
حزَنٌ لحالي وحاله، وارتقابُ أخبارٍ، ومُسارَقةُ نظَرٍ، وكيف أنت ..
وحسْرةُ زمانٍ مضى فيه أحاديثُ ومُخبآتٌ وأشواقٌ كان حُصُولها لولا الهجْرُ ..
وهكذا المُحِبُّ ينسُجُ عُمُرَه بأنامل محبوبه ويحِيكُ الآمال على قُربه ورِضاه ..
لا أوحش اللهُ من كَفٍّ بيضاء ..
2 047
كم من مُلتفِتٍ وقلبُه يُنازِعه، ومُتشاغلٍ عن أشواقِه وهي تُراجِعه، ومُسْتقْوٍ بالصبر وفيه مواجِعه، ومُترحِّلٍ عن آثارِهم وهي تُتابِعه ..
2 047
إلْفُ النُّفوس إنَّما يكون بألفاظها منطوقةً أو مكتوبةً، كما الأبدان لا تستدلُّ على هِمَّتها إلَّا بحركتها وأفعالها، وشَتَّان ما بينهُما إذ أنَّ النُّفوسَ تتصِلُ بغيرها دُون حصول مُشاهدةٍ أو تدبير اجتماعٍ لِمُدهش ألفاظها أو صافي مقاصدها وحُسن موقعها، أمَّا الأبدانُ فأوعيةٌ تتشابه لا تُرغَب لذاتها، وتأمَّل اللهفة على التلاقي تجِدُ سببها شوق النظر إلى الأرواح في صورة الأشباح ..
2 047
كانَت وكنتُ ..
كانت رسائلُها مُضمَّخةً طِيبا ..
وكنتُ حين أنشُرُ طيَّها أرى سنا وجهها وضِيا حُسنها ..
وكانت تكتبُ في الليل إذ أرى نافذتها مُضاءةً ..
وكنتُ أرى حُرُوفها كأهداب الشمس أو هالَة القمر ..
وكانت تكتبُ الهمزة مَدًّا فاستدام لها شغَفِي ..
وكنتُ أحفظُ أوراقها في منديلِ حريرٍ أهدَتَه هِي، فحفِظتُ ما أردتُه منها في ما أرادته لي ..
وكانت تكتبُ : عسى يصِحُّ آقبالك وآشهَد تلاقيك ..
وكنتُ أردُّ : وأضُمَّ عليك الجوانِحَ وأرتشِفَ صافيك ..
سنلتقي يومًا ..
ونُهدِي لبعضٍ رسائلنا ..
ونترك الأشواق ..
لحُصول المُنى ..
وبعد كُنَّا وكُنَّا يصيرُ كُلٌّ لصاحبه كما تمنَّى ..
2 047
الأرواحُ لا يجمعُها إلَّا مُوافقةٌ نشَأت ومحبَّةٌ ابتدأت، وانظر إلى مُتجاوِرين لا يستقيم لهما وصلٌ والديارُ قريبة، وأباعِد تقاسمَا العهَد والعُمر معًا، فإن أردت خُلاصة القول وجوهَرَه فأرواحُ المُحبِّين هي المرابِعُ الخُضْرُ وحُلو الزمان ..
2 047
كتبتُ رسالتي ..
ثُمَّ جعلتُها تحت ناظريَّ ..
وتأمَّلتُها ..
حتى جَفَّ حِبرُها ..
فكان أن بلَّلتْهَا مدامِعي ..
ثُمَّ أجَّجَتْها أنفاسُ أشواقي ..
إن عُدت إليَّ ..
كيف أُقنِعُك أنَّي كُنتُ هذا الرَّماد ..
2 047
كانت هيفاء حسناء ..
وكانت عيناها تُغني عن أيِّ لفظٍ ..
وكان في صوتِها دِفءُ بحار الدنيا ..
ولقاؤها الحُبُّ وأحاديثُ كُلُّها أُنسٌ ..
وكُنَّا حين نجتمعُ أكتفي بها ..
إذ السرورُ في نُطقها ..
والنُّورُ حيث التفَتت بوجهها ..
والأشواقُ حين تضحكُ وتُغطِّي في دلالٍ فمها ..
وكانت في كُلِّ مرَّة تطلبُ أن أعيشَ لأجلها ..
وتُومِئ أن أعشقها ..
وتنأى لأطلُبها ..
فكان جوابي عن هذا : أنَّي صِرتُ لكِ ..
وأنَّ العَيش مُرتهَنٌ بكِ ..
وأنَّ أنفاسي تتردَّدُها منكِ ..
أين أنتِ كي أُوفِيكِ عُهُودكِ ..
وأُخبرُك بالأماني ..
وأنَّ الأيَّام دونكِ مُؤسِفة ..
ومن ذا يسقي روضكِ الأزهر ..
آهٍ من حبيبٍ ومن طَيِّ غياب ..!
2 047
المقصودُ من الوصلِ أن يكون انعِقادَ طرفين واكتِمالَ جُزئين والتِئامَ فِلْقَتين، وهو أُسُّ المحبَّة وصِحَّةُ مذهبها، والواصِلُون تأمَّلُوا فإذا هُم بأحبابهم قد اكتملُوا، ونظرُوا إلى أشباههِم فكأنَّهم بأثوابِ السرور قد اشتملُوا، فطابَت بتنْوِيل الوِصال أحوالهُم، ولانَت بتحصيل المودَّة آمالُهم ..
2 047
متى صدَّ قلبُ أحدٍ عنك وعلمت أنَّه لا يعُود فلا تُهرِق ماء الوجه معه، لأنَّ القلبَ المُنصرفَ لا يقبلُ شيئًا من الأفعال أو الأقوال ولو كانت يومًا عزيزةً، إذ الأحوالُ تُرضى حين كان الودُّ صافيًا والخاطِرُ مُلاقيًا، فإذا تبدَّل ما تقدَّم فلا شفاعة لما مضى فإنَّه انقضى ..
2 047
المُحِبُّ إن تيسَّر له الوصلُ اتَّصل به ولزِمَه ولم ينفكَّ عنه وكانت علائِقُه فيه، وإن حالَت الأحوال دون الوصل وقامَت عوارِضُه رضِيَ من المحبوب بكلمةٍ أو إشارةٍ والتِفاتةٍ، فيها الكِفايةُ إلى حِين، فهكذا المُحبُّ طامِعٌ وقنُوعٌ ومُتعجِّلٌ ومُتَّئِدٌ، والقلُوب يا وديدُ لها سوانِحُ تُغتَنَم ولها انصرافٌ يحسُنُ بها اللطف، وهل للمُحِبِّ غايةٌ إلَّا أن يبقى ..!
2 047
حين كُنتُ صغيرًا ..
أتيتُ بفُرشاتي وألواني ..
ورسمتُ وجهكِ ..
وانتظرتُ ليلةً وإصباحها، ثُمَّ ربيعًا وأفاوِيقَ سحابِه، وقصدتُ روْضًا فيه نرجسٌ غَضٌّ تُغازِلهُ نواسِمُه ..
ونقشْتُ ..
فكان الليلُ من عينيكِ ..
وهذا الصبحُ أسفر من تبسُّمكِ ..
وزمانُكِ الرَّبيع مُنتَظرٌ وفيه الأماني ..
ورِقَّةٌ فيكِ مزْجُها بالسَّحاب ..
وغُصنُ لبانٍ يرجو تثنِّيك حين تمشين ..
وانسِراحُ العُشب يُحاكي تلك الجدائل ..
والزَّهرُ بسَّامُ الثَّغرِ حين تُقبِلِين ..
طويتُ صحيفتي بالآمال ..
لأُعطيها لكِ ..
والأشواقُ أن أكبُرَ وتكبُرين ..
2 047
المُحبُّ إن غاضبَهُ محبوبه أسرع في رِضاه، واستدرَّ قلبه بأعزِّ مكنونٍ خبَّأه، ولم يُذكِّرهُ بما كان من العهد بل جَدَّ لهُ في عهدٍ جديدٍ، كأنَّه يُخبِرُه أنَّه يلبِسُ له في كُلِّ مرَّة حُلَّةَ ودٍّ صادقٍ لا تُبلِيه المواقف، ونجمًا لا تزيدُه الليالي إلَّا التماعًا ..
