وَاكِف
Open in Telegram
Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
2 047
Subscribers
+124 hours
-17 days
-930 days
Posts Archive
2 047
الكلامُ المُدهِشُ ما كُتِبَ من مُدَدٍ فوافق حالًا أنت فيه، فرأيت صوابه، وأدركت صِدقه، وحلَّت في نفسك عِبرتُه، فهُو مُرسَلٌ إليك مُستنطِقٌ ما فيك، فكأنَّك المقصودُ غير أنَّك لم تُدرِك زمانًا كُتِبَ لك فيه ..
2 047
أجودُ الحديث وأطيبُه وأحلاه ما تفتَّق عن عقلٍ بالعِلم ظاهرٍ، أو سرَحَ مِن قلبٍ بالمحبَّة زاهرٍ، فإنَّ هذين الحالين يُربِّيان في المُتكلِّم حِسًّا شامِلًا وحُسنًا كامِلًا، فتجِدُ اللسانَ ناطِقًا بكُلِّ مُشرِقٍ وجزْلٍ، ويُعلي الخاطر إلى ترتيبٍ وتطريبٍ، ويكسو الشَّكلَ حُلَّةً تجعلُ الأرواحَ ترُوحُ إليه وتغدِي ..
وهذا لا يكونُ إلَّا بعد دُربةِ خاطرٍ وتليينِ طبعٍ وشُرودٍ عن الناسِ ..
2 047
صفيُّك من قام في همِّك فتقاسمه معك، ورأى حُزنك فلم يتركك حتى يُسرِّيه عنك، وعلِم ثغرةَ عيبٍ فيك فسدَّها بمودَّته، وأدرك زلَّتك فسترها بمُروءته، ولم يطلبك على هذا جزاءً وِفاقًا، وانظر إلى جُلِّ الناس تجدهم لا يُصاحبون إلَّا في أوقات السرور وأحوال المُوافقة، فهؤلاء صُحبةُ طريقٍ ولكُلِّ طريقٍ مُفتَرَق ..
2 047
إنِّي أُخبِرُكم عن خَلَّةٍ ونقيضها أجِدُها في نفسي :
ذلك أنَّ من أقبل عليَّ بمحبَّته، وصافحني بمودَّته، وارتضاني لنفسه، كُنتُ له لصيقًا ولعهوده وثيقًا، وبذلتُ له مُهجتي وأعلى، وأهديتُه من صفو الحال أحلى، واستعذبتُ أيَّامه ولياليه، ورجوتُ تحقيق أمانيَّ فيه ..
فإن بدا منه عتَبٌ رفعتُ له بالمعاذير رايتي، وإن بارَزَ بالهجرِ صبرتُ على ذلك غايتي، حتى إذا أيقنتُ أنَّه عنِّي صَدَّ، ولأبواب قُربنا سَدَّ، هجرتُ محلَّه ومكانه، ونسيتُ رُسومه وزمانه، ولستُ والله قاسيًا أو جافيًا، إنَّما أُشفِقُ على خاطري من رؤية أطلالهم، وتذكُّر آمالهم، وفي هذا ضياعُ أوقات وطُولُ حسَرات ..
والله يعصِمُكُم بكِفايته ..
2 047
جلستُ عند الجدول الرقراق حين اجتمعنا أوَّل مرَّة ..
حكيتُ له حُبًّا حتى فاض ..
حكيتُ له حُرقةً حتى جفَّ ..
2 047
ما اجتمع اثنان على محبَّةٍ إلَّا قامت بينهما محاسِنُ الأفعال ومكارم الأحوال، كالبذل ولِيْن الكلام وإهداء الجميل والمودَّة ومُبادأة مُوجِبات السرور ..
فإن تخاصما وتنافرا وحصَل التفرُّقُ تبيَّن صِدقُ ما كان بينهما، فجمَعَا ما تقدَّم من تلك الأحوال في مجموعٍ واحدٍ فكان ذلك حِفظُ العهد، وهذا لا يفعلُه إلَّا أماجِدُ الناس وسُراتِهم ..
فتجِدُهم يرون حِفظَ العهد ذُخرًا يرجونه لا دَينًا يقفُونه ويطلبونه، وأنت لا تلقى اثنين حفِظا ما بينهما إلَّا كان بابُ الهجر فيه فُرجةٌ وضِيا، وحَرِيٌّ بالرجوع ولو طالت المُدَّةُ أو حالَت الأيَّام ..
فترى من العتبِ المليحِ ما هُو أقربُ للأشواق، والصُّلح قريب، فتُنشَرُ سِجلَّاتٌ للفضل، وتُرفعُ للإحسان راية، ويجري ما كان من الوفا وسالِف المعروف ..
2 047
متى تأكَّدت المحبَّةُ وافق المُحبُّ محبوبه على ما كان من أحواله ..
فلو أحبَّ السحاب وتباشيره لاتَّبعت مواضع القطْر في الأرض ..
ولو مالَ للشعر لقرضته وتقفَّيت قوافيه وهلكت في بُحُوره ..
وإن رأيتَه تعلَّم عِلمًا تعلَّمته لأجله وكُنت باري أقلامه ..
فانظر كيف تُشاكِل الأحوالُ، وتتفَّقُ الطباع، ويشتبك غُصنٌ، كرامةً للمحبوب وغَناءً بأوصافه واتِّصالًا بأسبابه ..
2 047
يا بدْرًا قد اكتَمَل ..
قد كُنتُ والمحبوب زمانًا تحت سِراجك ..
وكنتَ معي ترجو لقاءه ..
سامِح مُحبًّا ..
كنتُ أجهلك حين إقباله ..
ولا أرى ضياءً سِواه ..
ولم أعرفك إلَّا لأجله ..
واليوم نحنُ في هجْرٍ ..
هل تراه ..!
وتُنير حوله ..!
وترعاه ..!
وهل ينظرُ إليك ويُتمتِم بشيء ..!
وهل الأشواق واحدة ..
ابقَ يا بدرُ وحدِّثني ..
فإن رحلت فلا تدَعْ مَن أحببتُ ..
وأبلغه السَّلام ..
2 047
إن كان العِتابُ يجري على قدْر المحبَّة فإنَّه أمَضُّ ما يكونُ على صبري، وأحَدُّ ما يقطعُ فؤادي، وأمَرُّ ما أستطعِمُه، كيف وقد ملَّكتُ مَن أحببتُه أيَّامي ووهبتُه إيَّاي، فأنا أتبعُه لأحيا به وأستبقيه لبقائي، ولستُ أفهمُ العِتاب والصدَّ إلَّا على وجهِ انقطاعِ ما كان من الآمال، أو خالَف زمن الرِّضى، وبدَّل عهد المسرَّات، هذا مذهبي في الحُبِّ وما استنجحتُه فيه وأجمعتُ أمري عليه ..
2 047
تتِمَّةٌ وخِتامٌ :
أمَّا جمودُ العين وتحجُّر محجرها فيكونُ في بعضِ الخلق أصلًا في الطبع، وهذا أشدُّ أثرًا وأكبرُ مشقَّةً، إذ أنَّ القُلوبَ إن لم تُسعفها أعينٌ ذارِفة وألسُنٌ بالبثِّ عارِفة؛ تصدَّعت من تتابع الأحزان، وتفرَّدت بها وحشةُ الآلام والأشجان ..
وفي الصبر تحصيلٌ للآمال والسُّرور، واللهُ المسئول في شرْح الصدور ..
2 047
والدمعُ مِن إخبارِها -أي العين- وهُو ممَّا يشهدُ على أهل المحبَّة ويُعرِّف بهم ويُظهِرُ شيئًا قد خفى، فإنَّ دمعَ العيون أصلُه من مِلء القلب واضطرابه ومُجالدة الأشواق الحاصلة واحتماله فوق طاقته، فسبيل ذلك وطريقُه وتنفيسه في مدامِعهم وجريان خُلاصة ما يجِدوا، وهذا أصدقُ ما تكون به المحبَّة إذ لا حيلة فيه أو تعمُّد له ..
2 047
المُعاتبةُ إن كانت بألفاظٍ حِسان ومقاصِدَ بالمودَّة سِمَان؛ أصلَحَت ما في الخواطر ودلَّت على علائِقَ القُلوب، وأنَّ الخلافَ طاريءٌ يزُول، وأصلَ ما بين المُحبِّين لا يحُول، وتأمَّل الأبدان كيف تشتاقُ إلى العافية في عِلَلِهَا، والأفهامَ تصيرُ إلى محامدها بعد زللِهَا، فهكذا المُغاضبة شيءٌ يعرضُ حِينًا فيدفعُه التحنُّن ويُذهِبُه عهدٌ يتجدَّدُ ويتلُوْه ما كان من الجميل ..
2 047
العينُ مُخبِرَةٌ بما حوَاهُ القلبُ وناطِقةٌ بحقيقته، وأكثرُ هذا عند من لم يُدرِّب لسانه بالكلام، أو أنَّ هذا الخفيَّ لا تكفيه الألفاظُ وتستوعِبُه، أو هُو ممَّا يجِبُ سِتْرَه لكنَّه رُغمًا يفيض ..
وإلى الله الشِّكاية ..
2 047
انظر إلى البحرِ كيف يُعلي أمواجَه، ويبعثُ إلى الساحل أفواجَه ..
وتأمَّل الشمسَ حين تُضيء من نارِها أنوارا، وتكشِفُ مُخبَّآتٍ وأسرارا ..
والمس الزَّهرَ النديَّ يُخبِرُك حكاية فجْرِه، وسبب عِطْرِه، وأُمنية عُمْرِه ..
هذه -على التَّحقيق- أشواقي إليك ..
وشواهِدُ محبَّتي، ودلائلُ مودَّتي، وولهِي عليك ..
فهِي تُحرُّك ثبَج البحر ..
ولها مشارِقُ ومغارِبُ ..
وقِصَّتُها ترويها ربْوَةٌ كُنَّا فيها ..
2 047
وا لهفِي إلى دِيار المحبوب وأكنافه، ورِقْبة موعده أعزُّ عندي من لُؤلؤٍ في أصدافه، ثُمَّ لقاءٌ يجعلُ الأناملَ في عِناق، والألحاظُ بين خفضٍ واستِراق، والفجرُ بعيدٌ والبدرُ ضاحكٌ والحال سعدٌ والرجاء في ذلك المُقامَة ..
2 047
لو مَرَّ أحدٌ بدِيارٍ مهجورة، وبالعَفاء مطمُورة، وكانت أبوابُها عقِبَ الزِّينة ساقِطة، وحِيطانُها بالوحشة هابِطة، ورأى زُروعًا بعد خُضرتها غدَت قحْلا، وأرضًا بعد الخصيب أضحت محْلا، وأُبدِلَت بعُمَّارِها خرابا، وبأهازِيجَ سُمَّارِها رِيحًا وتُرابا، لكان في النفس من شُهودها حسرة، وفي عَين الآمِل ترقرُق عَبرة ..
وكذا حالُ قلبِ مَن فارَقَ بالسَّعد أحبابا، واستعاض من وصلِهِم العهيدِ أشواقًا وأوْصابا، وكانت المُنى معهم على الأيَّام والآجَال، وعُقِدَ بهم حبلُ البقاء ورفْرفْت إليهم الآمال، والقُلوب يا صاحِ كالمنازِل لا يملؤها غير أهلها وخُلَّانها، والأرواح كالسَّواقي لا تجري إلَّا بين أفنانها ..
فإن تركك مُحِبٌّ وأنت بهِ صَبٌّ؛ فمَن يقومُ مقامَه أو يعتلِي سنامَه ..!
فقلبُك بعده فارِغٌ، ولهفُك عليه سابِغٌ، فلا يُغنِي عنه من الأبدال غيرُه، ولا يخفِقُ بجناحين في الحنايا إلَّا طيرُه ..
2 047
كُنتُ وإيَّاها على موعِدةٍ حُسنى ..
وعلى عهدٍ بتحقيقِ الآمال أسْنى ..
وكُنتُ أرقُبُ الليلَ لأراها بين مدارِج النُّجوم سائرة ..
وأنتظِرُ السَّحَرَ وصادقَ الفجرِ وضياءَ عينين بالملاحَةِ ساحِرة ..
وكانت في إقبالها تُنافِس ربوةً خضراءَ ودوحةً زهراء ومواسِمَ للربيع سَرَّاء ..
وكان في صمْتها فِتنةٌ علِقَت لها الرُّوحُ وزاد لأجلها في الأضالِع الغرام ..
ولها حديثٌ تغنَّت به العنادِل وتعطَّرت به الخُزامى كأنَّه الأحلام ..
وما اعتبرتُها والله في القلب إلَّا حبيبةً على التَّأبيد وشقيقة ..
ولا ظلَّت في العُمْرِ -مُفدَّاةً- إلَّا مُقاسِمَةً له ورفيقة ..
هذي حِكايتي معها ..
وكُلُّ مُنتظَرٍ آت ..
وأنا أرجو في ذلك تمامَه وبشارة غمَامه ..
وعليها مني السَّلام ..
2 047
متى عاد إليك مُحبُّك مُعتذِرًا فلا تكن في عِتابه كالمُطالِب والمُغالِب والمُؤاخِذ، فإنَّه يعُود إليك بقلبٍ مكسور وبالرَّجاء مجبور، واترك دعوى من قال إنَّ الودَّ لا يكون كأوَّله وإنَّ البحرَ لو كان عذبًا كدِّرتُه قطرةٌ، فهذا كلامُ من لم يعرف الحُبَّ ويُجرَّب حقيقته، وأنت إن قبلت مُحبَّك كان كأوَّل عهده معك بل أقربَ لك لشيءٍ مَسَّ قلبه في الخِصام والهجْر، والمحبَّةُ إن صدقَت ثبَتت في القلوب ولو تعرَّضت لها العوارِضُ، فهي كالجذْر لم يعرِف بتحريك الريح للأوراق ..
