النظرات النحوية للدكتور محمد ذنون
Open in Telegram
النظرات النحوية الدكتور محمد ذنون هذه القناة خاصة بالنظرات النحوية
Show moreThe country is not specifiedLinguistics11 462
726
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
نظرات نحوية (610)
كثير من معاني الحروف التي يسردها علماء المعاني ترجع إلى معان محدودة في الأصل، وتكثّرُ المعاني حصل بطريق اللزوم المقيد بحالة دون أخرى أو بطريق الإشارة دون العبارة، ويتجلى ذلك في الحرف (لعل)، الذي يدل في أصل وضعه على توقع الأمر المحبوب او المكروه إن كان صادراً من العباد والإطماع إن كان صادراً من الله تعالى، لكن ذهب بعضهم إلى أنها تدل على (التعليل)، مستندين إلى ظاهر النصوص، كقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) فيرون أن المعنى: وافعلوا الخير لكي تفلحوا، وأمثال ذلك كثير في القرآن، حتى يتوهم أن من معاني (لعل) الوضعية التعليل، لكن المحققين يرون غير ذلك، وأن نشوء دلالة التعليل جاء من طريق المفهوم واللزوم، فقالوا: إن (لعل) الواردة في القرآن الكريم تدل على الإطماع في حصول الشيء الذي هو (الفلاح) في الآية، وبما أن المُطمِع في الآية الكريمة هو (الله) تعالى، فيكون المُطمَع فيه حاصلاً لا محالة؛ لأن الله لا يخلف وعده، وهكذا تحول الفلاح المطموع في حصوله (غرضاً) يبحث عنه فاعلو الخير ، ونتيجة تحوله إلى غرض مقصود لهم صار علةً باعثة للفاعل على الفعل، فنشأت دلالة التعليل لـ(لعل) حينئذ، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن (لعل) موضوعة للتعليل، مع أنها موضوعة للإطماع، والتعليل حصل بطريق الاستلزام والإشارة، من خلال تحول (المُطمَع فيه) بالنسبة للمتكلم إلى غرض بالنسبة للمخاطب لكونه لا يتخلف، فأشبه العلة الباعثة، فتوهم أنها وضعت للتعليل، والدليل على أنها ليست موضوعة للتعليل قولهم: (زرت المريض كي أطمئنّ عليه) ولا يقولون: (زرت المريض لعلي أطمئن عليه)، ولو كانت للتعليل لأفادت تلك الدلالة المجردة عن الإطماع، لكن التعليل لا يكون إلا معنى متولداً عن الإطماع من المطمع الذي لا يتخلف وعده.
نخلص من هذا إلى أن المعاني التي تذكر للحروف ينبغي التعامل معها بدقة متناهية بغية تأكيد المعنى الأصلي والمعاني المتولدة منها، وأن نميز بين المعاني المجازية أيضاً والمعاني الحاصلة بطريق الاستلزام والإشارة، فالتعليل ليس معنىً حقيقياً ولا مجازياً لـ (لعل) بل تولد من الإطماع الصادر من المُطمِع الذي يتخلف إطماعُه، ولو صدر الإطماع من غير الله تعالى ما حصلت دلالة الغرضية والتعليل أصلاً؛ لبقاء الشك في حصول المُطمَع فيه.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (608)
لعملية الوضع اللغوي أطراف متعددة، منها: (الواضع) الذي يقوم بتخصيص اللفظ بإزاء المعنى، و(الموضوع) وهو عبارة عن اللفظ غالباً، و(الموضوع له) وهو عبارة عن معنى اللفظ، و(الوضع) وهو ذات عملية التخصيص، ولكن هنالك دافعٌ لعملية الوضع أو باعث حفّز الواضع للوضع، وهو ما نسميه بـ(علة الوضع)، وهذه العلة تتقدم على عملية الوضع ذهناً وتحصل غاية بعد وجود الموضوع والموضوع له، لأن عملية (الوضع) فعل اختياري؛ فلا بد له من علة تقتضي وجوده من الفاعل العاقل، وتلك العلة المتقدّمة حصولاً ذهنياً هي (دلالة اللفظ المختار على المعنى المراد)، وهي وإن تقدمت ذهناً لكنها متأخرة وجوداً؛ لأنها غاية للواضع يطمح إلى تحقيقها، فتلك الدلالة لها تقدُّم ذهني وتأخُّر حصولي، ولا مانع من أن يتصف شيء واحد بالتقدم والتأخر باعتبارين، فإن ذات الأب متقدم على ذات الابن بالوجود، لكنه قد يكون متأخراً عنه بالاتصاف بالرشاد أو العلم مثلاً، والذي يهمنا من هذا التأصيل أن النحويين قد يعبرون عن الموضوع له بـ(العلة) المقتضية للوضع دون ذكر الموضوع له مباشرة؛ كقولهم: (من موضوعة للدلالة على الابتداء) و (كاد موضوع للدلالة على قرب الخبر من الاسم)، فيضطر الناقد للخطاب النحوي أن يقول معلقاً: (اللام تعليلية لا صلة للوضع)؛ بمعنى أن (اللام) الواردة في هذين التعبيرين هي لام التعليل، وليست للربط بين الوضع وما بعده، وتسمى (لام الصلة)؛ لأن الموضوع له في (من) هو نفس الابتداء لا دلالته عليه، والموضوع في (كاد) هو نفس القرب لا دلالته على القرب؛ لأن الدلالة باعثةٌ للواضع على الوضع؛ فهي متقدمة ذهناً؛ فلا يجوز أن يكون موضوعاً له، والدلالة أيضاً حاصلة وجوداً عقيب الموضوع والموضوع له؛ فلا تصلح أيضاً أن تكون الموضوع له، ففي الحالتين؛ أعني كونها علة غائية أو حاصلة وجوداً غائياً بعد عملية الوضع بكمالها لا يجوز أن تكون هي الموضوع له، ومن ثم فإن (اللام) في تلك الخطابات النحوية تكون للتعليل دون الصلة.
نخلص من هذا إلى أن الخطاب النحوي قد تعرّض من النقاد إلى تحليل عميق؛ حيث يدخلون في أعماق العبارات بغية تحليلها وتفكيكها وصولاً إلى الدلالة العميقة فيها، ولم يكن ذلك التفكيك بطبيعة الحال مقتصراً على الخطاب النحوي، بل يقع في كل الخطابات العلمية وفي مختلف الحقول المعرفية مما يشكل مادة دراسية لا يقوم بها إلا من أوتوا ذخيرة معرفية مترامية الأطراف قادرة على الفهم أولاً والتحليل ثانياً بغية وضع المعايير والقواعد التي تحكم ذلك الخطاب.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (607)
يتميز النحو العربي بالنظرة التأصيلية الثاقبة، التي لا تكتفي بما يقرره الدرس النحوي بل تعمد إلى تحقيقه وإثارة مواطن الإشكال أو الخلل فيه بغية الإصلاح والتطوير وإنضاج البحث العلمي المعمق، ولذلك أمثلة كثيرة منها: أنه اشتهر إعمال (ما ولا ولات وإن) لشبههم بـ(ليس) في النفي؛ بمعنى أن العرب الحجازيين قد أعملوا هذه الحروف عمل الفعل (ليس)، وعلّل النحويون عمل العربي الحجازي ذلك بمشابهة هذه الحروف للفعل (ليس) في معنى النفي، والمشابهة المعنوية تفيد الحمل عليه، فيستلزم العمل مثله رفعاً للمبتدأ ونصباً للخبر، وهذه العلة أمر مقرر وثابت يعرفه القاصي والداني، لكن الذي ينظر في الموضوع تفكيكياً يرى أن المسألة راجعة إلى باب (القياس)، وهو: حمل الفرع على الأصل لعلة جامعة بينهما فيتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع، ولا بد من التوقف عند شروط عمل العلة الجامعة، وهي وجودها في الأصل كوجودها في الفرع، فمثلاً (النبيذ حرام) لأنه محمول على (الخمر) بعلة الإسكار، وعلة الإسكار هي السبب في الحكم على الخمر بأنه حرام أو بالحرمة، ولو أردنا نقل هذا إلى موضوعنا وجدنا أن هنالك عنصراً غير متحقق؛ إذ شبهنا هذه الحروف بـ(ليس)؛ لأنها تفيد معنى النفي كـ(ليس)، لكن السؤال: هل عملت (ليس) عمل (كان) بسبب كون النفي متحققاً فيها، وبعبارة أخرى: هل عمل (ليس) متحقق بسبب أنها تدل على معنى النفي، والظاهر أنها لم تعمل العمل المذكور بسبب وجود النفي فيها، بدليل أن ليس ينقض عملها بـ (إلا) وتبقى مؤثرة، فنقول: (ليس زيد إلا عالماً)؛ فقد انتقض النفي وبقي العمل، ومن ثم فإن عمل (ليس) عمل (كان) لم يتحقق بسبب دلالتها على النفي، وإنما لأمر آخر علينا البحث عنه، وما دام أن علة العمل لم تتحقق في الأصل أعني (النفي)؛ فكيف يكون وجود ذلك النفي في الفروع أعني (الحروف) سبباً للعمل؟ بمعنى أن (الخمر) في المثال السابق لم يحرم لـ(لإسكار) ومع ذلك نقول إن النبيذ مثلاً حرام بسبب مشابهته للخمر في الإسكار، وهذا قادح في العلة لعدم تحقق شروط القياس، وهو وجود المناط في الفرع والأصل معاً حتى يسوغ الحمل عليه.
نخلص من هذا إلى أن النحو خلال مسيرته الطويلة خضع لدراسات تحقيقية لما صدر عن النحويين الأوائل، بسبب تعدد المرجعيات العلمية التي يظهر في هذه القضية بالذات الوعي الأصلي بالمشكلة، وأن النحو لم يستقر ولن يستقر وينضج ويحترق في يوم ما، ما دام أن هنالك أفكاراً تتواصل وعقولاً تتأمل وأفهاما تناقش وتفكك المشكلات وتعمل جاهدة على حلها.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (605)
للمتعلِّق (الجار والمجرور والظرف) أهمية كبيرة في رسم دلالة التراكيب، ويحقق وظائف عدة في دلالات الكلام، وعندما يأتي في التعريف قد يمارس دوراً (احترازياً) كما شأن (الفصول) الواردة في عملية الشرح والتفسير للماهيات، ويعني هذا أنه ليس مجرد رابطة بين المتعلق والمتعلق يقوم بالتوضيح والتفسير، والمتعلَّق به من يمارس تلك الوظيفة الفصلية، وهذا الأمر يحتاج إلى رصد وتسجيل، ولا بأس أن نورد مثالاً تركزت فيه هذه الظاهرة بشكل بارز خارج الدائرة اللغوية، فقد ذكر الشراح المنطقيون في تعريف مصطلح (القياس) أنه: (قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر)، فقد وردت في هذا التعريف ثلاثة متعلقات، الأول (من أقوال) والثاني (عنها) والثالث (لذاتها) فإن المتعلق الأول قد احترز به عن القول الواحد؛ فإنه لا يسمى قياساً منطقياً مثل: (كل إنسان حيوان)، والمتعلق الثاني الذي احترز به عن الأقوال المستلزمة أحدَها من استلزام الكل للجزء؛ فإنه لم يلزم عنها، بمعنى أن القول اللازم لم يصدر عنها جميعاً كما هو الأصل في دلالة (عن) عن الصدور الذي لأجزائه دخل في حصوله، إذ ليس لبقية الأجزاء والمقدمات دخل في ذلك الاستلزام، فلا يكون استلزام قولنا: (زيد قائم وعمرو قاعد) لـ(زيد قائم) إلا من استلزام الكل وجوداً وجود جزئه إذ الكل يتوقف وجوده على وجود أجزائه، ويستلزم وجود الكل وجود كل جزء من أجزائه، وليس لجملة (عمرو قاعد) دخل في عملية الاستلزام تلك، ومن ثم لا يسمى هذا النوع من التكوين والتأليف من الأقوال (قياساً منطقياً)، والمتعلق الثالث (لذاته) احترز به عن مثل (قياس المساواة) فإن ذلك اللزوم ليس لذات الأقوال والمقدمات؛ بل بواسطة مقدمة اجنبية تقول: (مساوي المساوي للشيء مساو لذلك الشيء).
نخلص من هذا إلى أنّ للمتعلقات (الجار والمجرور والظروف) التي ترد في الكلام أهمية كبرى في تحديد دلالة النص، وفي توضيح تفاصيله وتفسيرها، ويجب العناية بهذا المكون التركيبي الذي يحصل التغاضي عنه في كثير من التحليلات الأدبية والعلمية، على الرغم من خطورته ودوره الحيوي في الاحتراز، وبيان بؤرة الارتكاز ومحط الاهتمام.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (606)
يتميز النحو العربي بالنظرة التأصيلية الثاقبة، التي لا تكتفي بما يقرره الدرس النحوي بل تعمد إلى تحقيقه وإثارة مواطن الإشكال أو الخلل فيه بغية الإصلاح والتطوير وإنضاج البحث العلمي المعمق، ولذلك أمثلة كثيرة منها: أنه اشتهر إعمال (ما ولا ولات وإن) لشبههم بـ(ليس) في النفي؛ بمعنى أن العرب الحجازيين قد أعملوا هذه الحروف عمل الفعل (ليس)، وعلّل النحويون عمل العربي الحجازي ذلك بمشابهة هذه الحروف للفعل (ليس) في معنى النفي، والمشابهة المعنوية تفيد الحمل عليه، فيستلزم العمل مثله رفعاً للمبتدأ ونصباً للخبر، وهذه العلة أمر مقرر وثابت يعرفه القاصي والداني، لكن الذي ينظر في الموضوع تفكيكياً يرى أن المسألة راجعة إلى باب (القياس)، وهو: حمل الفرع على الأصل لعلة جامعة بينهما فيتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع، ولا بد من التوقف عند شروط عمل العلة الجامعة، وهي وجودها في الأصل كوجودها في الفرع، فمثلاً (النبيذ حرام) لأنه محمول على (الخمر) بعلة الإسكار، وعلة الإسكار هي السبب في الحكم على الخمر بأنه حرام أو بالحرمة، ولو أردنا نقل هذا إلى موضوعنا وجدنا أن هنالك عنصراً غير متحقق؛ إذ شبهنا هذه الحروف بـ(ليس)؛ لأنها تفيد معنى النفي كـ(ليس)، لكن السؤال: هل عملت (ليس) عمل (كان) بسبب كون النفي متحققاً فيها، وبعبارة أخرى: هل عمل (ليس) متحقق بسبب أنها تدل على معنى النفي، والظاهر أنها لم تعمل العمل المذكور بسبب وجود النفي فيها، بدليل أن ليس ينقض عملها بـ (إلا) وتبقى مؤثرة، فنقول: (ليس زيد إلا عالماً)؛ فقد انتقض النفي وبقي العمل، ومن ثم فإن عمل (ليس) عمل (كان) لم يتحقق بسبب دلالتها على النفي، وإنما لأمر آخر علينا البحث عنه، وما دام أن علة العمل لم تتحقق في الأصل أعني (النفي)؛ فكيف يكون وجود ذلك النفي في الفروع أعني (الحروف) سبباً للعمل؟ بمعنى أن (الخمر) في المثال السابق لم يحرم لـ(لإسكار) ومع ذلك نقول إن النبيذ مثلاً حرام بسبب مشابهته للخمر في الإسكار، وهذا قادح في العلة لعدم تحقق شروط القياس، وهو وجود المناط في الفرع والأصل معاً حتى يسوغ الحمل عليه.
نخلص من هذا إلى أن النحو خلال مسيرته الطويلة خضع لدراسات تحقيقية لما صدر عن النحويين الأوائل، بسبب تعدد المرجعيات العلمية التي يظهر في هذه القضية بالذات الوعي الأصلي بالمشكلة، وأن النحو لم يستقر ولن يستقر وينضج ويحترق في يوم ما، ما دام أن هنالك أفكاراً تتواصل وعقولاً تتأمل وأفهاما تناقش وتفكك المشكلات وتعمل جاهدة على حلها.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (604)
من المعلوم أن كل (جار ومجرور وظرف) لا بد له من متعلَّق يتعلقان به؛ فإن كان المتعلَّق كوناً خاصاً أعني (الأكل والشرب والضرب والنوم...الخ)؛ فإن ذلك المتعلِّق يسمّى (ظرفاً لغواً)؛ مثل (مررت بزيد، وصعدت فوق الدار)، ولا يطلق على هذا النوع مصطلح (شبه الجملة)، وأما إنْ كان المتعلَّق كوناً عاماً مثل (الاستقرار والثبوت والحصول...الخ) فإن ذلك المتعلِّق يسمى (ظرفاً مستقَراً)؛ لاستقرار الضمير فيه بعد حذف متعلَّقه أعني الكون العام، ويطلق على ذلك المتعلِّق (شبه الجملة) أيضاً؛ لأنه إن كان تقدير متعلَّقه فعلاً فهو جملة مثل (استقر)، وإن كان تقدير متعلَّقه اسماً فهو مفرد، فلم يرجح في التسمية الاصطلاحية أحد العنوانين، واختير مصطلح (شبه الجملة) رعايةً للشبهين، ومن ثم يكون إطلاق مصطلح شبه الجملة على (الجار والمجرور والظرف) المتعلِّقين بكون عام فقط، كأن يكونا خبراً مثل (زيد في الدار) أو صفة مثل (مررت برجل في الدار) أو حالاً مثل (مررت بزيد في الدار) أو صلة مثل (مررت بالذي في الدار)، وقد يتوهم بعض المبتدئين أن كل جار ومجرور يسمى (شبه جملة)، كما يتوهمون من مصطلح (الظرف المستقر واللغو) أنه يقصد به الظروف المكانية والزمانية فقط، مع أن الظرف هنا يعم ذلك والجار والمجرور أيضاً.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (603)
يشتق النحويون مصطلحاتهم من الوظيفة التي تمارسها الكلمات داخل النصوص، ويكون ذلك الاشتقاق محكماً ودقيقاً، فيحتاج إلى بيان وجه التسمية وبيان العلاقة المنظور إليها عند الإطلاق الاصطلاحي، ويتجلى ذلك في مصطلحي (المؤكد لنفسه) و (المؤكد لغيره) في باب (المفعول المطلق)؛ فقد واجه النحويَّ تركيبان؛ الأول مثل: (له عليّ ألف اعترافاً) و (أنت ابني حقاً)؛ فسموا الأول (المصدر المؤكِّد لنفسه)، والثاني (المصدر المؤكِّد لغيره)، ومن البديهي أن المؤكِّد مغايرٌ للمؤكَّد مغايرة طبيعية وبديهية؛ إذ الشيء لا يؤكد نفسه؛ فكيف يكون المصدر مؤكِّداً لنفسه، وما معنى أن يختصَّ الثاني بـ(المؤكِّد لغيره)، ولو تأملنا في وظيفة كلٍّ من المصدرين المذكورين في الجملتين؛ تبينت لنا دقة التسمية من خلال وضع اليد على طبيعة العلاقة المنظور إليها عند الاجتراح الاصطلاحي؛ إذ الجملة الأولى تفيد الإقرار والاعتراف بالمبلغ المالي بحيث لا تحتمل غير تلك الدلالة الوضعية، فيكون المصدر (اعترافاً) مؤكِّداً لنفسه، مع أنّ المؤكِّد غيرُ الموكَّد، لكنهم يريدون من هذه التسمية التي يؤكد فيها الشيء نفسه وتبدو لأول وهلة غير معقولة: أن الجملة الموكَّدة نصٌّ في الاعتراف، فلم يفد المصدر الموكِّد دلالةً زائدة إلا التوكيد والتقوية للدلالة النصية الوضعية، فليست هنالك علاقة تأثيرية دلالية على معنى الجملة المؤكَّدة، في حين أن الجملة الثانية أعني (أنت ابني) تفيد البنوة الحقيقية الصلبية التي هي دلالة وضعية حقيقية، وتحتمل البنوة المجازية التنزيلية للمحبة والشفقة والمعاملة، وهي دلالة تأويلية غير تحقيقية، وعندما يأتي المصدر المؤكِّد (حقاً) فإنه لا يكون مفيداً للتوكيد فحسبُ، بل ينفي الدلالة الاحتمالية ويؤكد الدلالة الحقيقية الوضعية؛ فهو ليس مؤكِّداً لنفسه؛ إذ الجملة التي هو بصدد تأكيدها ليست نفس المصدر في الدلالة، بل دلالتها واسعة بسبب الاحتمالية الحقيقية والمجازية، ومن ثم فإن تسمية هذا المصدر بـ(المؤكِّد لغيره) قد لوحظت فيه المغايرة بين الجملة المؤكَّدة والمؤكِّد، توسُّعاً وتنصيصاً، بمعنى أن هذا المصدر قد مارس تأثيراً دلالياً في الجملة السابقة، فتولدت (علاقة التأثير)، وهي تستلزم مؤثِّراً ومتأثراً، ومن البديهي أن تكون هنالك مغايرة بينهما، ولذا اختصَّ هذا المصدر بمصطلح (المؤكد لغيره)، لكن ذاك الأول لمّا لم يمارس أيَّ تأثير دلالي سوى التوكيد سمِّي بـ(المؤكِّد لنفسه)، مع أن المؤكد غير المؤكد، لكنه تمييزاً له عن المصدر الذي يمارس التأثير والتنصيص الدلالي حظي بهذه التسمية، ولم يلتفت إلى مغايرة المؤكد للمؤكد؛ لأن محط الاهتمام ليست المغايرة التوكيدية عند التسمية والإطلاق، بل علاقة التأثيرية بينهما؛ فالمصدر الذي لا يمارس التأثير وإن غاير المؤكد الموكد يسمَّى (مؤكِّداً لنفسه)، والمصدر الذي يمارسه يسمى المؤكِّد لغيره.
نخلص من هذا إلى أن تسمية المصطلحات هو نفوذ النحويين إلى دلالات الجمل، والآثار الوظيفية التي تنتج من خلال العلاقات بين تلك المكونات التركيبية، وطبيعة العلاقة المنظور إليها عند الإطلاق وحين التسمية، وهنا لم ينظر إلى علاقة المؤكد بالمؤكد تغايراً، بل نظر إلى علاقة المؤثر والمتأثر تغايراً؛ فكلا المصدرين يفيدان التأكيد، إلا إن المصدر المؤكد لنفسه مقصور على تلك الدلالة، والمصدر المؤكد للغير دال على التأثير الدلالي من خلال تضييق الدلالة وتخصيصها.
#نظرات_نحوية
نخلص من هذا كله إلى أن التفكير النحوي العربي لم يكن مقتصراً على الجانب الإفرادي من التكوينات النحوية إعراباً وبناءً؛ كما يحاول البعض تصويره لأسباب مجهولة، وأنه كان يتصف بالتحقيق للأقوال والتعليلات والأحكام؛ فلم يكن فكراً تقليدياً يرضى بما يقوله السابقون دون إعادة تمحيص وفحص ونظر، كما أنه يحاول كشف الأسباب التي تجعل بعض التراكيب سائغةَ التكوين، وعندما تتحول إلى نمط آخر بدخول مؤثر أو عامل لا يسوغُ فيها ذلك، فلا يكتفي بالوصف، وإنما يبحث عن الكامن في ذهن الواضع الذي أحال تلك التراكيب؛ لما فيها من مخالفة للتفكير البديهي كـ(التناقض والتنافي والإحالة في الكلام)؛ لأن الكلام تصويرٌ للمعاني الذهنية، وهي لا يمكن أن تكون في الذهن متنافيةً متدافعة، وأما تصوير البعض هذه التعليلات بأنها منطقية أو عقلية، وللغة منطق خاص بها، فهي قائمة على افتراض يحتاج في ذاته للإثبات، بأن الكلام لا يرتبط بالعمليات الذهنية، وأن السلسلة الكلامية تعبير عما يجري داخل الذهن من قواعد وقوانين؛ فإن كان المعنى محالاً في الذهن كاجتماع الماضي والمستقبل؛ فإن الكلام لا يخالف ذلك المقتضى العقلي، ولذا منع سيبويه المثالين المشهورين: (أتيتك غداً وسآتيك أمس)؛ لما فيهما من التنافي والتدافع والتناقض.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (602)
يعد اجتماع النقيضين باطلاً تقطع ببطلانه بدائه العقول السليمة؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيء موجوداً ولا موجوداً في الوقت ذاته، كما لا يمكن أن يقع الشيء نفسه مستقبلاً وماضياً، ولا يمكن أن يتصف أحد على سبيل الحقيقة بأنه نائم ومستيقظ في الوقت ذاته، وقد اعتمد النحويون هذا الأمر البديهي الفطري في بحوثهم النحوية، وتمظهر هذا الأصل في جهودهم، وله أمثلة وتجليات متعددة؛ منها: ما تقرر من أن الجملة الاسمية النحوية العربية البسيطة تتألف من اسمين أو من اسم وفعل أو ظرف، مثل (زيد قائم) أو (زيد قامَ أو يقوم) أو (زيد فوق الدار أو في الدار)، فيكون خبر المبتدأ مفرداً أو جملة فعلية خبرية، والعلاقة بين المبتدأ والخبر علاقةٌ إسنادية؛ حيث يكون المبتدأ محكوماً عليه، ويكون الخبر محكوماً به، ويتولد من الحكم دلالةٌ تركيبية مفيدة؛ لكن هل يجوز أن يكون الخبر جملةً فعلية طلبية؟ وبعد مراقبة دقيقة لاستعمالات الناطقين تبين أنّ من أنماط الخبر كونه جملة فعلية طلبية؛ فيجوز أن نقول: (زيد اضرِبْه)، فيقع الطلب خبراً عن المبتدأ، وقد وقع التباس بين (جملة الخبر) المقابلة للمبتدأ، والجملة الخبرية المقابلة للإنشاء، نتيجة تقارب في المصطلح بصورة شكلية؛ إذ قال بعضهم: لا يصح أن تكون جملةُ الخبر طلبيةً؛ لأنه سبق إلى ذهنه من مصطلح (جملة الخبر) أنها الجملة التي تحتمل الصدق والكذب، مع أنّ المراد بـ(جملة الخبر): الجملة التي تكون خبراً عن المبتدأ، ويحصل بإسنادها إلى المبتدأ معنىً مفيدٌ تام، ولذا بعد فك الاشتباه بين (جملة الخبر) و(الجملة الخبرية) أثبت النحويون استقامة كون الخبرِ جملةً طلبية، إذ لا تناقض بين كونه خبراً عن المبتدأ وكونه طلبياً إنشائياً مقابلاً للجملة الخبرية المحتملة للصدق والكذب، وهذه الخاصية - أعني دفع وقوع الاشتباه نتيجة التداخل الاصطلاحي - من سمات التفكير النحوي التحقيقي، الذي يبحث عن أصل الإشكال، ويفرق مفكِّكاً بين مفاهيم كل مصطلح على حدة، وهكذا استقر لدى النحويين جواز أن نقول: (زيد اضربْه) و (زيد لا تهنْه) و (زيد هل جاءك؟)؛ فتقع الجمل الطلبية أخباراً عن المبتدأ، لكن هذا كله ليس ببيت القصيد، إذ من المعلوم أنّ (النواسخ) أعني كان وأخواتها تدخل على المبتدأ والخبر، فيرتفع الأول بها اسماً لها وينتصب الثاني بها خبراً لها، لكنهم لاحظوا عند دخول الناسخ عدم ورود نص فصيح عن العرب يسمح بدخول الناسخ على جملة اسمية خبرها طلبيٌّ، فلا يقولون: (كان زيد اضربْه) أو (كان زيد قمْ)، وهنا تتجلى عظمة التفكير النحوي العربي، الذي يبحث عن السبب الذي يمنع الناسخ من الدخول على هذا النوع من أنماط الجمل الخبرية، وبعبارة أخرى: فإن التكوين التركيبي المتألف من (مبتدأ وخبر طلبي) جائز قبل دخول الناسخ، لكن هذا النمط يمتنع عند دخول الناسخ عليه، فراح الفكر النحوي يبحث عن المغزى والسبب، فقرروا أنّ الناسخ يأتي على نوعين: خبري مثل (كان ويكون)، وطلبي مثل (كن)؛ فإن كان الناسخ خبرياً والخبر طلبياً يحصل التناقض؛ لأن معنى (كان زيد اضربْه): زيد مطلوبٌ ضربه في الزمن الماضي، وهذا المعنى محالٌ؛ إذ كيف يجوز أن يطلب ضربه المختصّ بالاستقبال بأن يكون في الزمن الماضي، لكن قد يكون الناسخ نفسه طلبياً مثل (كن قم)، وهنا لا يحصل التدافع بين المضي والاستقبال، بل يحصل ما يؤدي إلى التناقض لزوماً، من خلال ظاهرة (تحصيل الحاصل)؛ وتحصيل الحاصل يعني أن الشيء الحاصل يطلب تحصيله؛ فيكون غير حاصل، فيلزم أن يكون حاصلاً ولا حاصلاً في الوقت ذاته، وهو اجتماع النقيضين وذلك باطل ومحال أيضاً، لكن هذا التناقض ليس زمنياً، ولذا يكتفى بـ (قم) عن القول (كن قم)؛ لأن العقل يمنع تحصيل الحاصل لما فيه من لزوم التناقض، ولذا كان التعليل بالاكتفاء تعليلاً مخلصاً من ظاهرة التناقض الضمنية اللزومية.
نظرات نحوية (601)
عندما استقرأ النحويون تراكيب الجملة الاسمية المتكونة من المبتدأ والخبر وجدوا أن قسماً من الجمل لا تدخل الفاء متوسطة بينهما، مثل (زيد قائم) فلا يقال: (زيد فقائم)، ورأوا أن بعضها الآخر تتوسط الفاء المفصحة عن الجواب بين المبتدأ والخبر، مثل (الذي يأتيني فله درهم)، لكن ما هي الحالة الأصلية والحالة الفرعية؛ إذ لا بد من وجود أصل وضعي للتركيب وحالة فرعية اقتضت هذا الدخول، فقرروا أن الحالة الأصلية هي العدم؛ مستندين في ذلك إلى رؤية في طبيعة العلاقة بين المبتدأ والخبر؛ فهذه العلاقة هي عبارة عن ثبوت شيء لشيء، وعندما نطوح النظر في العلاقات التركيبية المشابهة لهذه العلاقة كعلاقة الفعل بالفاعل وعلاقة الصفة بالموصوف؛ إذ يكون هنالك حكم ومحكوم عليه وأمر موصوف وصفة له، وفي هذه الصور التركيبية لا تدخل الفاء، وبما أن التركيب الاسمي يشبه في نسبته وعلاقته هذه النسب التركيبية التي لا تدخل الفاء متوسطة بينها فكان حقه وأصله عدم دخول الفاء عليه أيضاً، وعند معرفة الأصل والمعيار الثابت نستطيع أن نعلل ونتصور الأسباب التي دفعت إلى دخول الفاء في بعض التراكيب الاسمية، ومن ثم قرر النحويون أن مشابهة المبتدأ لأداة الشرط الذي تقترن الفاء به لتفصح عن الجواب يكون مدعاة لدخولها جوازاً، فنقول: (الذي يأتيني فله درهم)؛ بإدخال الفاء على الخبر لمشابهة المبتدأ اسم الشرط، ولولا تلك المشابهة لما انحرف التركيب عن اصله وخرج عن طوره المعهود، لكنهم لم يكتفوا بذلك في حدود الجملة الاسمية البسيطة، بل راقبوا ذلك الاستعمال بعد دخول النواسخ عليها؛ ووجدوا أن بعضاً من النواسخ يزيل الفاء، وهي (ليت ولعل وكأن) وبعضاً من النواسخ تبقى الفاء معه، كقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم) فتقترن الفاء بالخبر، فكان لا بد من دراسة الفرق بين تلك النواسخ دون الاكتفاء بمرحلة الوصف، فربطوا بقاء المشابهة بين المبتدأ وأداة الشرط بطبيعة العامل وقوته التأثيرية؛ فإن كان العامل قوياً في التأثير والوظيفة فإنه يزيل المبتدأ من المشابهة لأداة الشرط، وذلك أن مشابهة المبتدأ أداة الشرط تعني أن هذا المبتدأ صار كالشرط في وجوب الصدارة وعدم التأثر بالعوامل المتقدمة عليه، وعندما يدخل الناسخ فإنه يزيل تلك الصدارة فيضعف شبهه بالشرط فلا يقترن خبره بالفاء، لكن لم بقيت الفاء مع (إن وأن ولكن) دون (ليت ولعل وكأن) مع أنها نواسخ تزيل المبتدأ من الصدارة المقتضية المشابهة، فحكموا بأن تأثير النواسخ من حيث القوم مختلف، مستندين في ذلك إلى جواز العطف في (إن وأن ولكن) بالرفع على محل اسمها المنصوب دون بقية النواسخ، وما ذلك إلا دليل واضح على ضعف تأثير هذه العوامل في المبتدأ الذي دخلت عليه، فتبقى مشابهته أدوات الشرط في الصدارة، فيقترن خبره بالفاء.
نخلص من هذا إلى أن البحث النحوي في التراكيب يبحث أولاً عن الحالة الأصلية له، ثم سر العدول عنها في الاستعمالات، ومراقبة كافة التغييرات التي تحصل لتلك الجمل البسيطة باحثين عن الأسباب والموجبات والموانع والشرائط أثناء ذلك البحث المتواصل المتدفق بالعمق والنظرة الثاقبة دون تناسي كل الحلقات في ذلك التشكيل الهرمي المتماسك تنظيراً وتطبيقاً.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (600)
لعلم الوضع تأثيرٌ كبير في دراسة علوم العربية قاطبةً، ومن تلك التأثيرات ما نجده في (صناعة الإعراب وعلم الإعراب)، إذ عندما نعرب الضمير في مثل (كتبتُ) مما هو موضوعٌ على حرف واحد، لا نقول: (تُ) فاعلٌ؛ إذ لا يوجد اسم بهذه الشاكلة، بل نقول: (التاء)، وبعبارة أخرى: لا نعبر عن الضمير بلفظه بل نعبر عنه باسمه؛ لأنه موضوع على حرف واحد، وأما إذا كان الاسم موضوعاً على حرفين فأكثر؛ فإننا عند الإعراب نعبر عنه بلفظه ولا يجوز لنا أن نعبر عنه باسم حروفه المكونة له، فنقول في إعراب (قد) مثلاً من قولنا: (قد قام زيد) إنّ (قد): حرف تحقيق، ولا نقول: القاف والدال، وكذلك (هل) من قولنا: (هل قام زيد) إنّ (هل): حرف استفهام، ولا نقول: الهاء واللام؛ فالموضوع على حرف واحد عند الإعراب نعبّر عنه باسمه دون لفظه، وبالعكس عندما يكون موضوعاً على حرفين؛ فإننا نعبر عنه بلفظه دون اسم حروفه، وأما ما حدث من مجيء بعض الكلمات في (الاستعمال) دون (الوضع) على حرف واحد مثل (قٍِ) فعل أمر من (الوقاية) و (تِ) فعل أمر من (أتى)؛ فإنه يعبر عند الإعراب عنه بلفظه، فنقول: (قِ فعل أمر)، وإن كان على حرف واحد؛ لأن كينونته على حرف واحد ناشئةٌ عن الاستعمال دون الوضع، فهو موضوع على أكثر من حرف واحد باعتبار أصله واشتقاقه، فيجري مجرى أصله الوضعي دون حالته الاستعمالية الطارئة.
نخلص من هذا إلى أثر ثنائية (الوضع والاستعمال) في التحليل النحوي، ومن أهم عناصر ذلك التحليل علم الإعراب وصناعته المعنية ببيان موقع الكلمات ووظائفها داخل التراكيب.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (599)
صناعة الإعراب نظير صناعة التعريف المنطقية؛ لأن المعرب يعمد إلى معلومات تصورية حول الموقع التركيبي للكلمة أو الجملة توصل إلى المجهول التصوري المتمثل بجهالة الموقع دون الماهية، كما في الغاية من التعريف المنطقي؛ فكلاهما يشتركان في بيان لمجهول؛ لكن المجهول النحوي في علم الإعراب هو الموقع الوظيفي للكلمة او الجملة، والمجهول التصوري الذي يبحث عنه في علم المنطق ويراد الوصول إليه من خلال آليات المنطق ووسائله هو المجهول المتعلق بحقيقة الشيء وماهيته وطبيعته وخواصه، ونتيجة لوجود التقارب يشترط في الإعراب ما يشترط في التعريف؛ من كونه جامعاً ومانعاً، وأن لا يشتمل الإعراب على المجاز واللفظ المشترك الملبس، وأن لا يكون هنالك خفاء، وتطويل تنشأ عنه جملة من الاستدراكات بالزيادة، وأن لا يكون التعريف الإعرابي موجزاً خفياً يحتاج إلى تقديرات للمحذوفات، ونتيجة لهذه الشرائط في عملية الإعراب نجد اختلافاً كبيراً بين المعربين، بحثاً منهم عن العبارة الأدق والأسلوب الأمثل في تقديم أعاريبهم أو تعريفاتهم المحددة للموقعية اللفظية داخل التراكيب والنصوص.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (598)
لما كان الفعل باعتبار مادته المعروضة للهيئة موضوعاً للحدث، وباعتبار هيئته وتأليفه من الحركات والسكنات والترتيب للحروف العارض للمادة موضوعاً للدلالة على نسبة الفعل إلى الفاعل المعين، والنسبة بطبيعتها يتوقف تعقلها على كل من طرفيها، أعني الفعل والفاعل، كان لا بدّ لكل فعل من فاعل؛ فإن ظهر فبها ونعمت وإن لم يظهر فهو ضمير استتر، لكن كل هذا التنظير قد يواجه بإشكال عندما يوجد المقتضي السابق ويقوم المانع منه، لكن إذا قام المانع يتحقّق الفعل لفظاً وحده دون فاعله، ويكون الفعل في الظاهر بلا فاعل ظاهر أو ضمير مستتر، وذلك المانع قد يكون أداةً خارجية تتصل بالفعل، فتمنعه من تحقق مقتضاه، كما يظهر في الأفعال المكفوفة عن العمل؛ مثل: (قلما يدوم الوصال عن طول صدود) و(كثر ما يزورني زيد) و(طالما عصيت نفسك)، فتمارس (ما الكافة) - التي سُمِّيت باسم وظيفتها النحوية - دورَ المانع من وجود الفاعل للفعل، لكن لو جئنا إلى تحقيق هذه المسألة؛ فهل يعني هذا انتقاض القاعدة الكلية وهي أنّ لكلِّ فعلٍ فاعلاً، والذي يبدو أنّ اللفظ من حيث الظاهر فعل، لكنه انتقل إلى مجرّد معنى من معاني الحروف نتيجة دخول (ما) عليه، ومن ثَمَّ لا يقتضي فاعلاً أصلاً، ويكون مهيئاً للدخول على الجمل الفعلية، ويمكن أنْ نتلمّس ذلك عندما يأتي الفعل مؤكِّداً لفعل سابق عليه توكيداً لفظياً؛ فهنا لا يتصل بالفعل أمر خارجيٌّ عنه، بل يكون وقوعُه في السلسلة اللفظية سبباً لتحول دلالته الوضعية، مثل (قام قام زيد)؛ فإن الفعل الثاني خال عن الفاعل؛ لأنه وإن كان فعلاً في الظاهر، إلا إنّه لم يُقصد دلالته على النِّسبة إلى الفاعل، بل أُريد منه مجرّدُ التوكيد؛ فصار مجرّدَ معنى من معاني الحروف المؤكدة، ومن ثَمَّ لم يتطلّب فاعلاً، فلا يمكن أن نعد مثل هاتين الصورتين استثناءً من قاعدة (أن لكل فعل فاعلاً) كما درج عليه بعضهم، بل نعتقد أن الفعل المكون من معنى اسمي وهو الحدث (المستقل بالفهم) ومعنى حرفي وهو نسبة الحدث إلى الفاعل (غير المستقل بالفهم) قد جرى نتيجة دخول (ما الكافة) عليه إزالة لمعنى الحدث الفعلي الدال على التقليل أو التكثير من حيث المادة بإحداث معنى حرفي فيه وهو النفي أو التكثير أو التوكيد؛ فصار فعلاً من حيث اللفظ وحرفاً من حيث الوضع، ومن ثم لم يتطلب فاعلاً كالحروف، وافتقر غلى الضميمة، لكن الضميمة هنا الدخول على الجملة الفعلية، لأنه لما صار حرفاً كالنفي والشرط والاستفهام كان الأصل فيه أن يدخل على الجمل الفعلية.
نخلص من هذا إلى أن قاعدة (لكل فاعل فاعل) مطردة اطراداً كلياً ما دام أن الفعل مستعمل في معناه الوضعي وهو الحدث مع الدلالة على النسبة إلى الفاعل، فإن أريد بالفعل المستعمل غيرُ دلالته الوضعية؛ كأن أريد به التقليل أو التكثير أو التأكيد، وهذه معان حرفية؛ فإنّ التكوين بحسب الظاهر فعلٌ، لكنه من حيث الدلالة صار حرفاً، والحرف لا يتطلب فاعلاً، فالمانع من وجود فاعل في هذه التكوينات النحوية استعمال الفعل خارجَ دلالته الوضعية الأصلية، فلم يبق فعلاً إلا من حيث اللفظ والظاهر، لكن العبرة عند الاقتران بالفاعل للمعنى دون مجرد الهيئة الفعلية.
#نظرات_نحوية
- نظرات نحوية (597)
يعتري الأحكام النحوية (الجواز والوجوب والامتناع)، وهي أحكام من مباحث (الأمور العامة) التي تتعلق بالحكم وطبيعته، ولكي نوضح المقصود هنا في الدرس النحوي أن طبيعة العلاقة بين المبتدأ والخبر مثلاً من حيث التقديم والتأخير تنتابها هذه الأحكام؛ فنقول: يتقدم الخبر على المبتدأ (جوازاً)، ونقول: يتقدم الخبر على المبتدأ (وجوباً)، ونقول: يتقدم الخبر على المبتدأ (امتناعاً)، أي: بعبارة أصرح وأوضح: يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ، ولو ألقينا النظر في حالة الجواز في أي حكم نحوي رأينا انتفاء الموانع من التقديم وعدم وجود مقتضيات وجوب التقديم وأسبابه، وهو يعبر عن الحالة الأصلية؛ لأن الأصل عدم وجود موجب للتقديم، وعدم وجود مانع للتقديم؛ فنقول: (الزيدان قاما، وقاما الزيدان)، في حين لو جئنا إلى حالات وجوب تأخير الخبر لألفينا أن هنالك موانع معنوية أو لفظية لا تجيز تقديم الخبر على المبتدأ؛ ولذا يعللون بأنه لو قدم الخبر لأدى إلى التباس المبتدأ بالخبر، أو التباس الجملة الاسمية بالفعلية، أو انعكاس المعنى المقصود، أو لأخرج الكلمات الفلانية عن الصدارة، وبالمجمل فهنالك موانع معنوية تمنع تقديم الخبر على المبتدأ، ومن ثم يجب تأخير الخبر ويمتنع تقديمه، وهذا الوجوب أو الامتناع بسبب تعذر الحمل على الأصل وهو الجواز لوجود المانع، ولو جئنا إلى مواطن وجوب تقديم الخبر على المبتدأ رأينا أنّ هنالك مقتضيات وأسباباً وجدت أوجبت تقديمه عليه، منها معنوية كدفع الالتباس، ومنها تركيبية تتعلق بالمعنى كالكلمات التي لها الصدارة في الكلام، أو انعكاس المعنى المقصود للمتكلم.
والحاصل أن هذه الأحكام الثلاثة تعرض على الأحكام النحوية، فيكون الحكم (جائزاً أو واجباً او ممتنعاً)، وأن الجواز هو الحالة الأصلية، وما الوجوب والامتناع إلا لوجود مقتضيات وانتفاء موانع توجب الحكم، أو وجود موانع تمنع الحالة الأصلية، ولا بأس أن نمثل بالمثال الآتي توضيحاً، فنقول:
(أنا موصلي، وما أنا إلا موصلي، وما موصلي إلا أنا)؛ ففي المثال الأول يجوز التقديم والتأخير؛ إذ لا يوجد نحويا مقتض يوجب التقديم ولم يقم مانع نحوي يمنعه، في حين أن المثال الثاني يجب فيه تأخير الخبرنحويا وبلاغيا؛ لأن أسلوب الحصر يفيد حصر الموصوف أعني المبتدأ في الصفة أعني الخبر، فلو قدم الخبر على المبتدأ لا نعكس المعنى المقصود؛ إذ يلزم حصر الموصلي في (أنا)، وهو عكس مقصد المتكلم، ومن ثم وجد مانع يمنع تقديم الخبر على المبتدأ وهو مانع معنوي، وفي المثال الثالث يجب تقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن الغاية المبالغة من الكلام؛ إذ حصر المتكلم (الموصلي) فيه مبالغة وادعاءً، فلا يجوز تأخير الخبر هنا لوجود مقتض وسبب نحوي وبلاغي أوجب تقديم الخبر على المبتدأ.
ونخلص من هذا كله إلى أن كل هذه التعليلات راجعة إلى أمرين أساسيين، الأول: إيصال الرسالة إلى المتلقي واضحة لا غموض فيها ولا احتمال، والثاني: المحافظة على النظام التركيبي والتكوين اللفظي والقوالب المعهودة بالتزام ما يجب تقديمه منها وتأخيره.
- نظرات نحوية (596)
إن العلاقة بين المصطلحات يرسمها المفهوم الاصطلاحي الذي يظهر من خلال التعريف، وصناعة التعريف منطقية؛ لأنها تتعلق بالعناصر الذاتية للمفهوم والعناصر العرضية الخارجة عنه، ومن دون التعرف على بعض من مباحث تلك الصنعة يكون التحديد المفهومي غير دقيق، ومن ثم تتأثر العلاقات الاصطلاحية نتيجة عدم الدقة في تحديد تلك المفاهيم ومكوناتها، من ذلك مصطلحا (الشاهد والمثال) عند النحويين أو في الدرس اللغوي بعامة، إذ قد اشتهرت العلاقة الاصطلاحية القائلة: إنّ كل شاهد مثال ولا ينعكس كلياً، وهي التي يعبر عنها علمياً بعلاقة (العموم والخصوص المطلق)، بمعنى: إن الشاهد يكون أخصَّ مطلقاً من المثال، والسرُّ في ذلك أنّ الشاهد قد عُرِّف بأنه: (الجزئي من كلام الفصحاء فقط)، والمثال: (الجزئي الذي يكون من كلام الفصحاء وغيرهم)، ونتيجة لهذين المفهومين الذاتيين اللّذين يشكلان حقيقة (الشاهد والمثال) تتولّد علاقة (العموم والخصوص المطلق) المشهورة بين الدارسين، وأما عند إضافة عنصر عرضي خارج عن حقيقة المعرّف، أعني: العنصر الوظيفي لكل من الشاهد والمثال؛ لأن التعريف الذي يلاحظ فيه الجانب الوظيفي للمفهوم متكون من عنصر عرضي أو خارجي عن ماهية المعرّف، بأن نقول في تعريف (الشاهد) إضافةً لما سبق: (يذكر لإثبات القاعدة فقط)، وفي تعريف المثال: (يذكر لإيضاح القاعدة وإيصالها إلى فهم المستفيد فقط)، وهذان العنصران المفهوميان في التعريف عرضيان عن حقيقة وماهية المعرّفين أعني (الشاهد والمثال)، ونتيجةً لهذه الإضافة العرضية تتولد علاقة أخرى بين المصطلحين، يعبر عنها علمياً بعلاقة (التباين الكلي)، أي: لا شيء مما يصدق عليه الشاهد بمثال، ولا شيء مما يصدق عليه المثال بشاهد، لكن ينجم من هذه الإضافة العرضية في التعريف: أن هنالك واسطةً لا يصدق عليها كلٌّ من الشاهد والمثال معاً، أعني: (الجزئي الذي يذكر للإثبات والإيضاح معاً)؛ فهذا النوع الذي يمكن تحققه لا يصدق عليه المفهومان الاصطلاحيان، ووجودُ هذا الفرد الخارج عن المفهومين لا ينفع في عملية تكوين مفهوم يتناول جميع الأمثلة والشواهد الواردة في الدرس النحوي واللغوي؛ بل سوف نحتاج إلى اجتراح مصطلح جديد يتناول تلك الأفراد، ونتيجة لهذا البعد في الحمل والتوجيه حاول النحويون أن يستبعدوا كلمة (فقط) الواردة في ذيل التعريف الوظيفي للشاهد والمثال، بمعنى: أنه لا يشترط في الشاهد مثلاً أن يذكر لإثبات القاعدة فقط، بل يجوز أن يذكر لتلك الوظيفة مع الإيضاح، وكذلك فعلوا في جانب المثال متخلصين بذلك من علاقة (التباين الكلي) المؤدية إلى وجود واسطة بين المفهومين اللذين يتجاذبان كل الشواهد والمثلة الواردة في الدرس النحوي، ممّا يؤدي ذلك الصنيع إلى توليد علاقة منطقية أخرى يعبر عنها علمياً بعلاقة (التباين الجزئي)، أعني العموم الوجهي؛ إذ يتصادق كلٌّ من المثال والشاهد في تلك الواسطة السالفة الذكر، وينفرد كل واحد منهما فيما اختص به من إثبات أو إيضاح.
نخلص من هذا إلى أن صناعة التعريف فيها فكر منطقي وهو جانب مهم يتميز فيه المكونات الذاتية من المكونات العرضية؛ لأنه يتعامل مع المفاهيم، وفي جانب يختص بذلك العلم الذي يجترح المصطلحات من أجل استيعاب الأفراد والمكونات التي هو بصدد بحثها ودراستها، ونفيد ان التعريف بالمكونات الذاتية هو وقوف على ماهية المعرف، وأما التعريف بالوظائف والأغراض فهو تعريف بالعرضيات التي تدرس الأمور الخارجة عن المفاهيم التي تنشأ العلاقات المنطقية بينهما وتتأثر بهما.
#نظرات_نحوية
- - نظرات نحوية (595)
يبتغي النظام النحوي بقواعده المتماسكة تحقيق عملية تواصلية لا يشوبها الالتباس، ولا يعتريها الغموض وعدم الفهم للمقصود؛ لأن الغاية من الكلام برمته تحقيق الإفادة وتقديم المعلومة الواضحة التي ينجلي بها المراد وينكشف بها المرام، ولذلك تجليات عديدة في قواعد النحويين، منها أن قولنا: (زيد صديقي) و (صديقي زيد) المركب من جملتين اسميتين بسيطتين، لهما معنى عام، وهو أن شخصاً اسمه (زيد) هو صديق لي، لكن هذا المعنى العام له خصوصية وظرف خطابي يستدعيه؛ ففي المثال الأول يكون مقتضى الحال أن (زيداً) معلومٌ ويُجهَل صداقته له أو عداوته، فيقول الفصيح حينئذ: (زيد صديقي)، وأما المثال الثاني فإن المعلوم أنّ له صديقاً لكنه يجهل أهو زيد أم عمرو أم بكر؟ فيتطلب مقتضى الحال القول: (صديقي زيد)، ويفهم من هذا أن المتقدم المسمّى عند النحويين مبتدأً أنه المعلوم الذي يعلمه المخاطب ولا يجهله، وأنّ المتأخر المسمّى عندهم خبراً هو المجهول لديه؛ لأنه الحكم الذي سيق الكلام لأجله، وهو محط الفائدة ونقطة الإبلاغ، التي قام التواصل بين الطرفين من أجلها، وما دام أنّ المتقدم أياً كان يحمل على الابتداء ويصح كونه مبتدأً عند الخطاب فإنّ الذهن يقع في الالتباس لو أن المتكلم قدّم الخبر عليه؛ إذ يظن أنّه المبتدأ مع أن المتكلّم قد قدّم الخبر، وهنا يحدث الغموض والالتباس، وليس الإجمال والإغماض الذي هو من مقاصد البلغاء، وبناءً عليه قرر النحويون قاعدةً تمنع تقديم الخبر على المبتدأ في هذه الحالة؛ لأنه قد يتصوره المخاطب مبتدأ، وبعد تفتيش نحوي عميق وجدوا أن ذلك الالتباس يقع عندما يتساوى (المبتدأ والخبر) في (التعريف) كما في المثال المتقدم؛ إذ (زيد) علَمٌ و(صديقي) المضاف إلى الضمير بمنزلة العلَم في التعريف؛ وهذا التساوي يجعل ذهن المخاطب يتصور أنّ اللفظة التي بدئ الكلام بها مبتدأة مع أن المتكلم كان يقصدها خبراً مقدماً.
نخلص من هذا إلى أن النظام النحوي بقواعده الراسخة يقوم على إيصال الرسالة من المتكلم إلى المتلقي واضحة جلية، قد تكون مغلفة بالإجمال والإبهام، لكن لا يرافقها الغموض والإلباس، ومن ثم كانت هنالك عمليات مراقبة دقيقة لصور الكلام وأنماطه المتعددة من أجل تحديد المعاني الخاصة بكل نمط، وماذا يؤدي التغيير في ذلك النمط التركيبي من إيهام غير المقصود؛ فلم تكن القواعد حاجزةً للمبدع في إبراز طاقاته بقدر ما هي خادمةٌ له من أجل توضيح فكرته وإيصال إبداعه للجمهور.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (594)
من المعلوم ان الغاية من الكلام الافادة من اجل تحقيق التواصل بين المتكلمين، ونتيجة لذلك كان الحكم على المجهول النكرة غير مفيد، لانه لا فائدة لتحقيق تواصل فعال يكسب المخاطب معلومة ذات بال لو قال له المتكلم مثلا: (رجل جاءني) نعم انه افاد ان الجائي رجل لا امراة، لكن هذا لا يحقق تواصلا نافعا مطلوبا، ومن ثم منع النحويون الابتداء بالنكرة، وعللوا ذلك بعدم حصول الفائدة، لكنهم اجازوا عند حصول الفائدة الابتداء بها؛ فالحكم بالجواز والامتناع يدور مع العلة وجودا وعدما؛ لان الغاية تحقيق التواصل والإفادة ، وكلما كانت هنالك فائدة جاز الكلام وان كان المحكوم عليه مجهولًا، ومن ثم كان هنالك باب طويل يبحث في (مسوغات الابتداء) بالنكرة، التي اوصلها بعضهم الى نيف وثلاثين مسوغًا ، واختصرها بعضهم بمسوغين اساسين هما التخصيص والتعميم، ومنهم من توسط بين ذلك، والذي يهمنا ان كل هذه المسوغات المستنبطة من كلام الفصحاء كانت تشرح حصول الفائدة وتثبتها، ومن ثم اختار المتكلم الفصيح الابتداء بتلك الأسماء النكرات، وعند غياب الفائدة من العملية الكلامية فان العربي لا يختار نكرة لتكون مبتدأ الكلام لديه، ومن تلك المسوغات (العطف) على ما يجوز الابتداء به؛ واوردوا مثالا له وهو (طاعة وقول معروف) لان العطف يقتضي التشريك في الخواص؛ فلما وصف القول بانه معروف تخصص وجاز وقوع الابتداء به، اما (طاعة) فإنها غير مخصصة لكن جاز الابتداء بها لعطف ما يجوز الابتداء به عليه؛ وهكذا اكتسب المعطوف عليه التخصيص من المعطوف المخصص، فتولدت علاقة تكميلية بين أجزاء النص جعلت الكامل مبلغا الناقص الكمال، ومن الجدير بالذكر ان احد الناشرين توهم ان المثال المذكور انفا هو ماخوذ من (سورة محمد) صلى الله عليه وسلم ليردف المثال بالتخريج للآية ، وفاته ان هذا لا علاقة له بالاية الواردة في سورة محمد؛ اذ نص الآية هو: (فأولى لهم طاعة وقول معروف) ويكون من تقديم الخبر على المبتدأ دون الابتداء بالنكرة؛ لكنه الاستعجال في النشرة وعدم التركيز على الموضوع المبحوث فيه، لاننا نبحث في الابتداء بالنكرة وليس الابتداء بالخبر ووقوع المبتدا نكرة موخرا.
#نظرات_نحوية
نظرات نحوية (593)
يرتبط حصول الفائدة في بعض التكوينات الاسمية بفكرة الثابت والمتغير، وان الحكم على الثابت يؤدي الى عدم حصول الفائدة بخلاف الحكم على المتغير وما هو في حكمه، ويتجلى ذلك في التعليل النحوي الرافض لبعض التراكيب النحوية بحجة عدم الفائدة الذي يحتاج الى بيان وجه عدم الفائدة، والسبب الذي يقف وراء عدم حصول الفائدة من ذلك التركيب بين اهل اللغة واثناء عمليات التحاور، من ذلك ما تقرر من انه لا يخبر باسم الزمان عن الذات، ومن ثم لا يصح نحو التركيب النحوي الاتي: (زيد اليوم) الذي علله النحويون بعدم الفائدة، لكن لماذا لا تحصل الفائدة من هذا التركيب، في حين تحصل الفائدة عندما يكون المبتدا اسم معنى مثل: (القتال اليوم)، وعند التامل في النصين لا يكون هنالك اختلاف بين التركيبين الا في المبتدأ ؛ اذ الخبر متحد بينهما، ولو تاملنا ذات المبتدا وجدنا ان المبتدا عندما يكون ذاتا لا يتصف بالتغير والتبدل لا تكون هنالك فائدة عند الاخبار عنها مثل (زيد) فانه نفسه امس واليوم وغدا؛ ومن ثم لا تكون هنالك فائدة بالاخبار عن زيد باليوم، اما (القتال) فانه معنى يتصف بالحدوث والتبدل، ولا يكون ثابتا مستمرا، ومن ثم فان تعيين حصوله باليوم مفيد ودال على معنى نافع ، وبهذه التفرقة بين طبيعة المبتداين ثبوتا وتحولا استمرارا وتجددا ادركنا سر عدم حصول الفائدة في تكوين وحصولها في تكوين اخر، بل نستطيع ان ندرك سر جواز (الهلال الليلة) مع ان الهلال اسم ذات مثل زيد، لكن زيداً ثابت الحصول امس واليوم وغدا غالبا بخلاف (الهلال) فانه يتحول شكله ويغيب ويظهر، وهذه السمة التحولية المتجددة في طبيعة المحكوم عليه جعلت الاخبار باسم الزمان عنه مفيدا من دون الحاجة الى تقدير اسم معنى مثل (طلوع) يكون محكوما عليه،
وتفيد من هذا التعليل والتفريق بين نوعي المبتدا ان الجوهر عند النحويين يطلق على الذات القائمة بنفسها ومنه ما يتصف بالثبات النسبي مثل (زيد) ومنه ما يتصف بالتغير الواضح مثل (الهلال) وان العرض مثل (القتال) يتصف بعدم الثبات وانه دائم التغير والتبدل.
#نظرات_نحوية
نظؤات نحوية (592)
لمعرفة (الجوهر والعرض) أثر في التقعيد النحوي، إذ الجوهر يدل على المستقل بنفسه المتحيز بذاته، ويقصد بالعرض الذي لا استقلال له بنفسه والمتحيز بتبعية الغير، ويظهر لهذا الفهم الفلسفي في النحو تأثيره في عملية التقعيد النحوي؛ فقد ذكروا أن (حتى) العاطفة تعطف بعضاً على كل، سواء كان المعطوف بعضاً حقيقياً مما قبله أو بعضاً حكمياً له، ومن البعضية الحقيقية قولهم: (أكلت السمكةَ حتى رأسَها) فإن (الرأس) بعض من السمكة بعضية حقيقية؛ لأن السمكة ذات بعضها الرأس وهو جزء من جوهرها ومادتها، ومن البعضية الحكمية قولهم: (أعجبتني الجاريةُ حتى كلامُها)؛ فإن (الكلام) ليس بعضاً حقيقياً من الجارية كرأسها، لأن الجارية جوهر مستقل والكلام عرض؛ فلا يمثل الكلام جزءاً حقيقياً من ذات الجارية وجوهرها، لكنه بعض لها حكماً؛ لأن الكلام عرض يتوقف وجوده على وجود الذات المتكلمة، ولأجل هذه الملاحظة الاعتبارية نُزِّل (الكلام) منزلة الجزء من الجارية، لوجود علاقة الاشتمال بين الذات المتكلمة والكلام، ولذا نعرب (كلامها) في مثل (أعجبتني الجاريةُ كلامُها) بدل اشتمال؛ لوجود تعالق بين الجوهر والعرض وارتباط بينهما، ولهذا الارتباط صار (كلامها) في (أعجبتني الجاريةُ حتى كلامُها) بعضاً حكمياً مما قبله، ومن ثم منع النحويون عطف (ولدها) في (أعجبتني الجاريةُ حتى ولدُها)؛ لأن الولد ليس بعضاً حقيقياً للجارية كالرأس مثلاً، لأنه جوهر مستقل، وليس بعضاً حكمياً مثل (الكلام) حتى ننزله منزلة البعض الحقيقي؛ لأن (الولد) ليس عرضاً للجارية، ومن ثم امتنع في بدل الاشتمال أن نقول: (أعجبتني الجاريةُ ولدُها) إذ لا تشتمل الجارية عليه وليس بعضاً منها كالرأس حتى يوجه على أنه بدل بعض، ويظهر لهذا تأثير في الاستثناء المتصل والمنقطع؛ فإن قلنا: (أعجبتني الجاريةُ إلا رأسُها أوْ إلا كلامُها) كان الاستثناء متصلاً؛ لأن الرأس والكلام بعض حقيقي وحكمي مما قبله، بخلاف (أعجبتني الجاريةُ إلا ولدَها) إذ يكون الاستثناء منقطعاً؛ لأن الولد جوهر مستقل لا يكون بعضاً منها بعضية حقيقية أو حكمية.
وهكذا أسهم مفهوم الجوهر والعرض في تقعيد باب العطف بـ(حتى) وتحديد نوع الاستثناء (المتصل والمنقطع)؛ فالجواهر مستقلة عن بعضها، بخلاف أجزاء الجوهر الواحد والجوهر وعرضه.
ملاحظة: إطلاق الجوهر يشمل (الجسم).
#نظرات_نحوية
