روايات لَامْ
Open in Telegram
"روائية" ولي خمس مولودات. #الشريد_المتيم #بقايا_روح رابطها: https://tkweenonline.com.sa/product/%d8%a8%d9%82%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%b1%d9%88%d8%ad/ #مأساة_السحاب #الفراق_العزيز ✍🏻 لا أحلل ولا أسمح النقل أو الإقتباس🚫 للتواصل: https://t.me/RALOOOS/1316
Show more741
Subscribers
-224 hours
+17 days
+230 days
Posts Archive
741
.
.
.
أما في الغرفة المجاورة فلم تتحفظ غصون على أيِّ تفصيل، قصَّت على محسن وحسام القصة كاملة، واختتمتها بأن والدهم الآن في منزلهم في قودم.
شهق محسن فضربته غصون على ركبته قائلة بصوتٍ خفيض:
-اصص، أغصان للحين ما تدري!
انعقدت حواجب حسام، ثم وباستغراب سأل:
-ليش ما تبغون تعلمونها؟
نظرت إليهما مطولًا وهي تفكر بطريقةٍ تشرح بها الأمر دون أن تتطرق لما حدث بين طالب وأغصان.. فذلك الموضوع قد تمَّ التكتم عليه، ولن يخرج عن علمها هي وغسَّان من طرف أغصان، وفهَّاد وزوجته من طرف طالب.
قالت بأناةٍ واتزان:
-أغصان تعرضت لظرف صحي مؤخرًا، ومطلوب منَّا نبعدها عن الانفعالات سواء كانت إيجابية أو سلبية، لذلك احنا نحاول نمهِّد لها الموضوع بالتدريج عشان ما نعرضها لصدمة.
تحفَّز محسن بنخوةٍ وحَميَّة:
-وشبها أغصان؟ أنا ملاحظ أنها مهي على بعضها، وآخر اسبوعين ما تواصلت معي أبدًا.. مهو عشاني بالغربة تهمشوني ولا توصلون لي الأخبار!
-شيء خاص يا محسن، وأغصان طيبة وما عليها خلاف.
بشكٍ ورَيبٍ قال حسام:
-طالب؟ هذا الرجال…
قاطعته غصون فورًا:
-بس بس لا تسوي فيها محقق، أغصان تحب طالب وتعزه وتغليه أكثر منك أنت وياه.. لا تدخل بذمة الرجال.
التفت حسام على محسن قائلًا وهو يشير على غصون:
-تقول تحبه أكثر منك "أنت ويَّاه" وكأنها خارجة منها!
بغرورٍ مبتذلٍ قالت غصون:
-الله خلق وفرَّق، أنا توأمها لا تحط نفسك في مقارنة معي.
عاد محسن إلى موضوع كريدم الذي لم يستوعبه بعد..
-طيب مهو غلط أننا تاركين عمي كريدم لوحده في قودم؟ وهو توّه طالع من المستشفى وصحته ماش على ما تقولين؟
-أنا وغسَّان ما تركناه يوم واحد، كل يومين نزور أغصان ونرجع له، وهو الحمدلله تحسَّن بنسبة كبيرة، صار يقوم ويمشي ويتحرك أكثر من قبل.. رجعته للبيت وللغنم وللمزرعة نفعته أكثر من قعدته بالمستشفى.
.
.
.
741
.
.
.
على أحد الأرائك في غرفة المعيشة جلست أغصان تحت إضاءةٍ صفراء خافتة.. رأت غسَّان قادمٌ نحوها، فمسحت دموعها بسرعة.
سكب لها كأس ماءٍ ثم وضعه بين يديها، وقبل أن يتحدث سبقته أغصان قائلةً بعَتب:
-ليش يا غسَّان، ليش جبتوا الوصية معكم؟ ليش اليوم؟
كنت فرحانة بجمعتنا، كنت أطير من الفرح وأحس إن جنحاني تقطعت الحين.. أوجعني الطاري يا غسَّان، ليتكم خليتوها بوقت ثاني.
رد عليها بتفهِّم امتزج ببعض اللين:
-أجّلنا موضوعها كثير، اليوم هو أنسب وقت يا أغصان؛ الموضوع لازم نتكلم فيه اليوم قبل بكره..
-بتمر سنة على وفاة أبوي وحنّا ولا درينا عن الوصية تفرق يومين؟
-طبعًا تفرق!
سكت قليلًا وهو ينظر إليها، يستشير نفسه في طرح الموضوع عليها الآن، تبدو حالها مستقرةً إلى حدٍ ما، ليست منفعلة، وإنما هي متأثرة فقط.. وهذا التأثر طبيعي جدًا بغض النظر حن حالتها الصحية والنفسية.
-أبوي كتب في وصيته عن عم ثالث لنا اسمه "كادم" الله يرحمه، شقيق لهم وتوأم لأبوي.. كان هو سبب المشاكل بين أبوي وعمي الله يرحمه.. أو هم تمشكلوا بسببه…
ثم قصَّ عليها تفاصيل المشكلة ومن أين ابتدأت تمامًا كما قصتها عليه غصون، وكما قصَّها والدهم على غصون من قبل ذلك. -ولم يتطرق إلى يوم الحادثة وكيف انتهى الأمر-.
وكان هذا بمثابة تمهيد لأغصان، ليخبروها غدًا بتتمة الحكاية.
.
.
.
741
.
.
.
بعد أن صرفت انتباههم ببعض الأجوبة وغطَّت نصف تساؤلاتهم، تنحنحت قليلًا لتدخل في محورٍ جديد؛ فهناك ما هو أهم من قصتها.. هم هنا مجتمعون، وهناك من يجلس بمفرده في قودم.
أخرجت من حقيبتها صندوقًا حديدًا عليه بوادر الصَّدئ، ثم قالت على مرأى ومسمعٍ من الجميع:
-هذه وصية أبوي اللي دفنها تحت شجرة اللوز…
كلنا شفنا وعشنا المشاكل اللي دارت بين أبوي وعمي، حتى إن صيتها وصل لغسَّان اللي ما حضرها ولا شهد شيء منها.
مات عمي ومات أبوي في نفس اليوم وظنينا إن المشكلة اللي محد يدري عن تفاصيلها ماتت معاهم، لكن أبوي كان كاتب كل التفاصيل بهذه الوصية!
ألقت نظرةً على أغصان ثم أكملت:
-أبوي كان يوصينا دائمًا لذلك ما جاء على بالنا أنه ترك لنا وصية مكتوبة.
ناولت أغصان الوصية لتقرأها، ولكن الرؤية كانت ضبابية وشبه منعدمة في عينيّ أغصان.. حاولت أن تحبس دموعها، حاولت أن تعيدها من حيث خرجت ولكنها لم تفلح، آلمها أن والدها ترك رسالةً لهم لم تفطن لها، ولم تدري بها إلا بعد كل هذه الشهور.
لم تتماسك، فوضعت الوصية على الأرض وقامت من بينهم..
اتجهت كل الأنظار نحوها، ثم نظرت غصون نحو غسَّان بخشية..
تخشى أن هذا التأثر ينعكس عليها سلبًا، خشيا أن تمر بها حالةً من حالات الانهيار…
أشار غسَّان لغصون أن تكمل شرح الأمر لمحسن وحسام، وخرج هو ليلحق بأغصان…
.
.
.
741
.
.
.
في منتصف جلستهم الدائرية.. حيث كانت أغصان تجلس بين غصون ومحسن، وبجوار محسن غسَّان ثم حسام تحدُّه غصون من الطرف الآخر..
استفسر حسام عن أين كانت غصون وكيف مرَّت عليها كل تلك الشهور، وجل اهتمام محسن وتركيزه وانتباهه كان معهما، في حين أن غسَّان وأغصان كانا يتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما..
أجابت غصون على استفسار إخوتها باختصارٍ قائلةً "أنها قصة طويلة، مفادها أنها أجبرت على البقاء قسرًا في مزرعةٍ مهجورة ولم تستطع الخروج منها إلا عندما أُذِن لها من قِبَل الجن!"
عندما قالتها بهذه الطريقة شعرت وكأنها تقص عليهم قصةً من وحي الخيال.. في حين أن وجهيّ محسن وحسام كانت تحكي عدم استيعابهما لما تقول..
ضحكت غصون وعلَّقت نيابةً عنهما:
-تحسون إني كذابة، مو منطقي، ما يدخل العقل صح؟
بجديةٍ سأل حسام:
-كيف وصلتِ لمزرعة الجن أصلًا!
-ما أدري! فجأة لقيت نفسي بين يدين المستذئب، مت وحييت وما صحيت إلا وأنا في أرض مسوَّرة ولا أدري وين راسي من ساسي.
عندما نطقت كلمة "المستذئب" جذبت انتباه أغصان، رغم أنها لم تعد تحتمل هذا الطارئ، تشعر بالضيق الشديد إزاء تكرار أحداث ذلك اليوم وما ترتب عليه بعد ذلك، ولكن مع هذا توقفت هي وغسَّان عن الحديث وجلسا يستمعان لما يدور بين هؤلاء الثلاثة.
بطريقةٍ توبيخيةٍ غير جادة قال محسن:
-وأنتِ وش خرجك بأنصاف الليول ها!
-ما جاني نوم ذيك الليلة وخرجت أتمشى بالمزرعة، ثم سمعت صوت خلف السور وجرَّتني لقافتي إلى حتفي.
كل أجوبتها عليهم كانت كذبٌ في كذبٍ في كذب؛ فهي لا تريد التطرُّق إلى عروج بأيَّة طريقة.
يبدو اللطف على إخوتها، يبدون هادئين، متزنين، عاقلين، ولكنها لم ترهم وهم غاضبين أو حانقين!
لا تستطيع التنبأ بردات فعلهم إن علموا أن هناك رجلًا حقيقيًا على أرض الواقع -أيّ يمكنهم الذهاب إليه والاقتصاص منه- هو من تسبب بما حدث لها، وتسبب بالأضرار التي لحقت بهم وبأغصان المسكينة التي لحقها أكبر قدرٍ من الضرر والمعاناة.
صحيح أنه بفضل الله ثم عروج عثرت على والدها، ولكن مع هذا فعروج يتحمَّل نسبةً كبيرة من الخطأ الذي قد لا يُغتفر مهما حاولوا تبريره.
.
.
.
741
.
.
.
صادف وصولهما وصول حسام، تمامًا كما خططوا ورتَّبوا..
صعد الثلاثة سويةً، ودخلوا إلى الشقة معًا، عبرا المَدخل أولًا، ثم انعطفا إلى غرفة الجلوس، نسي محسن أمر المفاجأة؛ لأنه لم يأخذ الأمر بجديةٍ، أو أنه لم يحاول أن يفكر ماذا تكون أصلًا...
وقفت أغصان عندما دخل محسن واستقبلته بالتراحيب والأحضان، في حين أن حسام كان يقف خلفه ينتظر دوره في السَّلام..
ثم سمع الاثنان صوت أنثى يأتي من الخلف بينما هم يسلِّمون على أغصان.. يعني أن الصوت لم يأتِ منها!
التفت الاثنان إلى الوراء في نفس الوقت، ثم عادا ينظران إلى التي كانوا يسلمون عليها قبل قليل..
وقفا مندهشين، مشدوهين، مذهولين؛ مَـ مَن هذه!
أين أغصان، وأين غصون منهما؟
قال غسَّان يُنهي لحظات التعجُّب والصدمة بقوله:
-وأخيرًا أبناء الرحم الواحد مجتمعين في نفس الغرفة بعد سنين من الفراق المُضني.
لحظة لم يتخيَّل، ولم يحلُم، ولم يتأمَّل أحدٌ منهم أن تحدث في يومٍ من الأيام.
وعلى عكس ردات الفعل الطبيعية دخل محسن في حالةٍ من الضحك الهستيري.. وأما حسام فجلس يسأل باستمرار:
-عيَّاتها غصون؟ أيّ وحدة منكم؟
ضحكت غصون.. وقد كانت هي التي دخلت عليهم بصينية الشاي:
-هذه أنا غصون.
اتجه حسام نحوها فاتحًا ذراعيه وهو يردد:
-يا هلا!
يا هلا!
يا هلا!
ظل يرددها حتى وصل إلى غصون وضمَّها إليه، شعرت بنبضات قلبه المتسارعة تصطدم بصدرها، استمر في ضمها لدقائق طويلة لم يحتمل محسن خلالها انتظار دوره، فانضم إليهما ليصبح عناقًا ثلاثيًا…
وبالعِناق أزالوا أشواقهم.
.
.
.
741
.
.
.
في اليوم التالي..
عاد مُحسن من بعثته، كان غسَّان هو الذي أحضره من المطار إلى منزل طالب فورًا.
تساءل محسن؛
-مضيِّع طريق قودم؟
-أغصان عند بعلها، مهي بقودم.. وجمعتنا اليوم عندها بمناسبة تخلُّصك من عِبئ الابتعاث؛ مجهزين لك مفاجأة هذا كبرها.
-الله أكبر عليكم!
ابتسم غسَّان، ثم قال يحاول تهيئة محسن للمفاجأة قدر المستطاع:
-حاول تستعد لها نفسيًا وجسديًا، حاول تفكر بكل شيء، حط ببالك كل الاحتمالات الممكنة والغير ممكنة؛ لأن المفاجأة لو تفكر فيها من اليوم لين بكرة ما ظنتي بتوصل لها.
-الله أكبر!
-ايه كبِّر وهلل واجد، وفكِّر فكِّر خارج الصندوق…
-عاد بعد هذه المقدمة أحس اللون الأسود ساد عقلي، ما خطر لي خاطر، حشى وش بتجيبون لي يعني!
ثم أردف بتفكيرٍ وتأمُّل:
-المشكلة أنكم فقرانين كل واحد أفقر من الثاني ما عندكم ما عند جدتي.
-عاد أنت لا تصير مادي؛ الفلوس وصخ دنيا، مفاجأتنا شيء أكبر، شيء يسوى الدنيا وما فيها.
.
.
.
741
.
.
.
بعد نصف ساعةٍ تقريبًا..
خرج فهَّاد أولًا ثم أوصلت أغصان "أم شادن" إلى الباب، وأوصتها بزيارةٍ أخرى، ثم أغلقت الباب وذهبت تبحث عن طالب في غرف المنزل… فهي لم تجده في مجلس الرجال.
أطلَّت برأسها على المطبخ، فوجدته يقف أمام الطاولة الرخامية يسكب الماء المغليّ في كوبين زجاجيين..
يُعدِّ كأسيّ بابونج بالطبع.
لقد أصبح روتينًا وعادةً وفقرةً أساسيةً في مساء كل يوم.
هو أول شيء اشتروه في طريق عودتهم إلى المنزل بعد خروجهم من المشفى.
دخلت ببطء، مشت بخِفَّةٍ حتى وصلت إلى طالب دون أن يشعر بها، وقفت خلفه تمامًا بينما كان يخلط مشروب البابونج بملعقةٍ فضيَّةٍ صغيرة.
وضعت رأسها على ظهره دون أن تتحدث..
شعر بها، فابتسم ولم يتحرَّك.
بعد لحظاتٍ من السكون قالت:
-طالب..
-يا نظر طالب، سَمِّي..
تهدَّج صوتها:
-أنـا آسفة!
لانت ملامحه وازدادت ابتسامته اتساعًا وهو ينظر إلى البابونج الذي يدور في الكأس.. ربما هذه المرة المائة التي تعتذر له فيها.
التفت عليها، فرأى الدموع مجتمعةٌ في مقلتيها..
سألها برأفةٍ وتَحْنَان:
-وش اللي ممكن أسويه ويريّح قلبك الملتاع يا أغصان؟
أمسك بيديها الإثنتين فأجهشت بالبكاء قائلةً وصوتها يتقطع في ارتعاش:
-أخاف أطيح من عينك ولا شيء يردني!
-إن طحتي من عيني رجَّعتك بيديني..
نقفل هذا الباب؟
-ما أضمن إني أقدر أوصده.
-ليش ما تقدرين؟
-لأني أخاف..
-وش اللي تخافين منه؟
-الفِراق.
-لا تطرينه، ووسعي صدرك محدٍ مفارق أحد قبل يومه.
كانت ستقول شيئًا، ولكنه قاطعها حتى لا تسترسل في مخاوفها، وطلب منها أن تأخذ نفسًا عميقًا، فأخذت شهيقًا ثم زفرت أنفاسها، ومسحت دموعها، فناولها كأس البابونج خاصتها، ثم أخذ بيدها وخرجا من المطبخ معًا..
بقربه يغمرها شعورٌ بالأمان لا يوصف.
.
.
.
741
.
.
.
• منزل طـالب
بعد اسبوعٍ من خروجهما من المشفى زارهم فهَّاد مع زوجته وابنته الصغيرة.. كانت زيارةً قصيرة؛ عبارةً عن عيادة مريض..
ولكن أغصان تطرقت فيها إلى "المستذئبين" استفسرت من "رنا" عن كل شيء طرأ في عقلها؛ تريد أن تستوعب ماهية هذا الداء.
-هل هو خطير؟
-هل يؤثر على الأبناء؟
-كيف تعاملت وتعايشت مع فهَّاد؟
فأجابت رنا بإسهاب وإطناب؛ تعتقد أنها باتت خبيرة في هذا الخصوص بفضل فهَّاد الذي يشاركها كل صغيرةٍ وكبيرةٍ ولا يخبئ شيئًا عنها؛ فلطالما كانت رنا هي الزوجة، والصديقة، والشريكة، والحبيبة.. هي القريبة والبعيدة، هي الحب والعائلة، وهي كل شيء.
أخبرتها عن الدم وما أدراك ما الدم.. عدو كل مذؤوب.
-"اللي دهور حياة أبو طالب الله يرحمه هو تذوقه للدم، انجرح اصبعه وبحركة لا إرادية حطه بفمه.. وبمجرَّد ما تذوق الدم بدأت حالته تتدهور بسرعة، حتى اضطر أنه يهرب من بيته بدون علم ولده خوفًا عليه، وحمايةً له… وصار اللي صار"
أوجعها قلبها كثيرًا..
لقد كان الأمر صعبًا على طالب كما كان صعبًا عليها، بل وربما كان أشد وطأةً عليه منها.
تذكرت قوله..
"اجتمعت علي مصيبتين في ليلة وحدة؛ موت أبوي قاتل تحت وطأة مرضه، ومقتول بسبب دِفاع طرف ثالث.
مات بسبب عِلة كنت أجهلها طوال عمري، وليتني كنت أجهلها وبس، كذَّبتها ،وجحدتها، وضحكت عليها يوم سمعت بها، ثم اكتشفت أن الشيء اللي أنكرت وجوده، واللي مات أبوي بسببه أني مُصاب به!"
تذكَّرت توتره، ارتباكه، وانفعاله عندما خبأت حبوبه بكل صفاقة.. تذكرت اتصاله على فهَّاد، تذكرت اضطرابه واهتياجه…
لقد كان خائفًا عليها أكثر من نفسه، صاح على فهَّاد قائلًا:
"عجّل علي بالحبوب، لا أتحوّل عليها وتطيح بين يديني مثل ما طاحت أختها بين..."
كانت التكملة التي لم تسمعها هي "بين يدين أبوي".
لم يفكر بنفسه والضرر الذي سيلحق به إثر توقفه عن تناول الحبوب بقدر ما فكِّر وقلق على وجودها بجانبه تحت هذا الظرف.
راودتها رغبة للقيام الآن من أمام ضيفتها والذهاب إلى طالب؛ لتخبره بأنها تحبه جدًا.
.
.
.741
.
.
.
أخرج والده في نفس الليلة من المشفى بعد أن تأكدوا أن حالته الصحية باتت مُستقرةً ولم يعد بحاجةٍ للمكوث في المشفى.
أخذه مع غصون إلى منزلهم في قَودم، وخطط مع غصون على التالي..
في نهاية الاسبوع سيعود محسن من بعثته، وستكون العودة الأخيرة التي لا رحيل بعدها.. خلال هذه الأيام سيحاولان بما أمكنهما التردد على أغصان لتحسين نفسيتها، حتى تكون مستعدةً ومتهيأةً لاستقبال خبر والدها.
وسيتفقان مع حسام على أن يأتي في نفس اليوم الذي سيعود فيه محسن، ويلتقون معًا في نفس التوقيت عند بيت طالب في المدينة.
وهنالك سيفاجؤون محسن وحسام بعودة غصون.
ثم سيمهد غسَّان وغصون خبز حياة "كريدم" للجميع.
.
.
.
741
.
.
.
كان والدها مُغلقًا عينيه مُسترخيًا عندما دخل، وأمَّا غصون فقد كانت تتصفح بهاتفها.
أغلقت الهاتف بمجرَّد رؤيتها لغسَّان..
سَرَت رعشةٌ في أنحاء جسدها، قامت من مكانها ووقفت عند رأس والدها، تريد أن تقول له افتح عينيك وانظر.. ولكنها لم تستطع، شعرت وكأنها ابتلعت صوتها!
سالت الدموع على خديها بتأثرٍ بالغٍ وهي تهز كتف والدها برفقٍ، ثم قالت بهمسٍ وهي بالكاد تصفف حروفها:
-أبـوي.. غـسَّـان جـاء!
جُملةٌ وكأنهُ سمعها في المنام، وكأنها خاطرةٌ تطفو فوق الخَيال.
فتح عينيه بتمهُّل فرأى شابًا جميل المُحيَّا، مُشرِقَ الوجه، باسم الثَّغرِ، زاهرٌ زاهٍ.
كان وجهه مألوفًا، لقد رآه من قبل!
إن لم تخنه ذاكرته فلقد حلَّ ضيفًا عند ظافر ابن زاهية ذات يوم..
كم أن هذه الدنيا صغيرةٌ جدًا!
ولكن والبرغم من ذلك، كان وكأنه اللقاء الأول، شعر وكأن الحياة دبَّت في عروقه، وكأن قلبه شبَّ وحيا من جديد.
سأله وهو يبتسم بوهنٍ والدموع تبلل وجنتيه: ألا بالله أنك غسَّان؟
-ايه بالله!
قالها غسَّان بلهفةٍ وهو يرفع أكُفَّ والده ليقبلها، ولكن والده سحب رأسه إلى صدره وهو يردد: "الحمدلله، الحمدلله، الحمدلله" بنبرةٍ متأثرةٍ مُستعبرة.
لم يرفع غسَّان رأسه لئلًا يشق على والده بابتعاده عنه، اكتفى بتقبيل كتفه وهو يتحمَّد سلامته:
-الحمدلله على سلامتك يا الغالي، الله يجمعنا ولا يفرقنا.
وبعد حضنٌ طويل، اتجه نحو الواقفةِ الباكية، وسلَّم عليها، كان بشوش الوجه.. يشعر ببهجةٍ وسرورٍ وانشراحٍ لم يشعر به قطُّ في حياته.
.
.
.
741
.
.
.
• في جهةٍ أخرى
خرج غسَّان من المشفى التي ترقد فيها أغصان بعد ان استقرت حالها واطمئن عليها.. سلك طريقه إلى مشفى رفاه لرؤية والده.
كان الطريق طويلًا؛ تبعد عنهم محافظة رفاه قرابة الأربعمائة كيلومتر، ولكنه قطعها دون أن يشعر بطولها، وكأنه قطعها بغمضة عين.
وصل وقد تبقت ساعةٌ واحدة قبل انتهاء وقت الزيارة. ترجَّل من سيارته وهرول مُسرعًا إلى داخل المشفى..
سأل أول طاولة استقبالٍ تعج بالموظفين عن غرفة مريضٍ يدعى "كريدم" يرقد هنا في هذه المشفى، فدلُّوه عليها.
يريد أن يبطئ من سرعته، يريد أن يتزن قليلًا، ولكن أقدامه تهرول من تلقاء نفسها.
اندفاعٌ لا يستطيع التحكم به، يشعر وكأنه يسابق الزمن، وكأنه إن لم يصل حالًا سيختفي ذلك الأب الذي يتحرَّق شوقًا لملاقاته.
وصل إلى الغرفة المنشودةِ أخيرًا.
أخذ نفسًا عميقًا ليهدِّئ من روعه، ثم طرق الباب برويةٍ لا تعكس شيئًا من المشاعر والانفعالات التي تكتظ وتفيض بداخله.
أجاب طرقاته صوت الفتاةِ التي جادلها صباحًا، قائلةً:
-تفضَّل.
ظنَّت أنه أحد الأطباء، أحد الممرضين، ظنت أنه عروج قد عاد، ولكنها لم تتوقع أبدًا أن يدخل غسَّان عليهم!
.
.
.741
.
.
.
• ليلى
رأيته في منامي..
رأيت شخصًا…
أشعر بالسوء من أن أقول -كنت أحبه- ولو أنه شيء بالماضي، حدث وانتهى وانقضى إلا أن حبي حلَّ محله كُرهٌ ونفورٌ وبغضٌ واشمئزازٌ كبير من أيِّ طارئ يُطريه.. أكره نفسي التي أوقعتها في مزبلة الهَوى.
هو لا يعلم أنني كنت أحبه..
ولا أعلم إن كان هو يُحبني..
خطوتُ أنا خطوةً نحو الفِراق، ونفَّذ هو الفراق بحذافيره.
مرَّت فترةٌ تعتبر أطول فترةٍ محوتُ فيها غسَّان من عقلي وقلبي وحياتي وحتى خاطري وأفكاري.
تجاوزته تمامًا ونفوري منه خير دليل.
جائني في المنام بدون مقدمات، وبدون سبب يُذكر...
"نكَّدت" عليه قاصدةً متعمدةً ليحتاجني فيأتي إليَّ مضطرًا..
وبالفعل جاءني بعد قليل يطلبني حاجته برسالة رسميةٍ جدًا.
أوكلته إلى نفسه، رددته إلى حوله بقولي "دبِّر نفسك" لم أعطه شيئًا، انتقمت لنفسي، ثم عاتبته على رحيله الأول، وإخفائه لأخباره عني.. بطريقة غير مباشرة، بطريقةٍ ممتلئة بالمكابرة والأنفة..
شعرت أنني سأسامحه إن برر واعتذر، شعرت أنني سأقبل به إن تمسَّك بي.. ولكنه رحل في المنام فجأةً تمامًا كما رحل في الحقيقة.
لا أعرف إلى ماذا كنتُ أطمح؟
ماذا كنتُ أنتظر؟
هزَّأتُ نفسي بالمنام كثيرًا..
لمَ أظهرت له أن ما حدث ما زال راسخًا في نفسي؟
لمَ ظهرتُ وكأنني لم أتخطَّاه أبدًا؟
نسيتُ حُلمي بمجرَّد استيقاظي.. ولكنني تذكرته عند الظهيرة عندما كنت أحذف ملفاتٍ صوتية من هاتفي؛ وصلت إلى ملفٍ كان بعنوان "سلب النوم خيالًا مرَّ بي"…
ولكن في الحقيقة؛ سَلبَ الخيال نومًا مرَّ بي.
.
.
.741
.
.
.
-ما قلت لك أن الرجل الأبيّ ما يغدر؟
ابتسمت بامتنانٍ ثم قالت:
-ما غدرت والله، وأنا وسلسالي ووقفتك معنا تشهد..
شكرًا جزيلًا لك.
ثم ولَّته ظهرها وهمَّت بالرحيل.. ولكنه لم يُنهي كلامه بعد!
بردة فعلٍ غير محسوبةٍ ولا موزونةٍ أمسك بذراعها ليوقفها؛ وبعجلةٍ قال يستوقفها:
-غصون!
استدارت بسرعةٍ إلى الخلف وقد فاجأها بفعله.
نظرت إلى يده التي أمسكت بذراعها والتي انسحبت سريعًا في نفس الوقت، ثم نظرت إلى وجهه وأجابت بإيماءةِ المُستغربِ:
-نعم؟
تنحنح قليلًا وبدا وكأنه مُتحيِّرٌ لا يدري من أين يبدأ، ولكن لسانه انطلق فجأةً، وأفصح عمّا يدور في خُلده بأناةٍ واتزانٍ مبتذل:
-يوم صادفنا بيت أبوك بميْسورة أول مرة، قلتي لي بصريح العبارة " أنا حتى وجهك ما عاد أطيقه ولا أتحمله"..
لكن بالنسبة لي شوفتك صارت ولع وإدمان يا غصون!
صمت قليلًا؛ شعر بأنه تخيَّر مفرداتٍ لا تليق، لا يُقال الأمر بهذه الطريقة! ولكنه قالها وانتهى ولا يمكنه تعديل ذلك، فلربما يزيد الأمور سوءًا ليس إلا.
بينما كانت غصون متوترة؛ تتنبأ بما سيؤول إليه مجرى الحديث، شعرت بالإعياء.. ومن شدة الحَرجِ لم تستطع التحكم بعينيها.
مرَّت لحظات من الصمت تبادلوا فيها نظراتٍ صامتةٍ أيضًا.
تعلقت الأعين ببعضها وكأنها لحظة سرمديةٌ لن تزول…
أكمل أخيرًا وأنقذ اللحظة وأنقذهما:
-انغثيتي مني، لكن بالنسبة لي أنا ما أبي من النساء إلا أنتِ.. فكري وقرري وتأملي واستخيري، معك من هنا إلى أن أشرّفكم في مجلسكم بعد ما يخرج أبوك بالسلامة.
ثم ركب سيارته وذهب، تاركًا غصون في مكانها تحاول أن تستوعب الحوار الذي دار بينهما قبل قليل.
"تمنيتُ مَن أهوى فلمَّا رأيته
حاولتُ إخفاء مابي فلم يخفا"
.
.
.
741
.
.
.
بعد قليل قاطعتهما طرقات عروج على الباب..
جاء ليسلم على كريدم ويودعه، بعد أن قرر العودة إلى دياره أخيرًا، فلم تعد غصون أو والدها بحاجته..
خبرهم وصل إلى أهلهم، وسيأتي إخوتها عمَّا قريب.. اليوم أو غدًا.
شرب معه فنجان قهوةٍ، ثم وقبل أن يخرج ترك محفظته عامدًا متظاهرًا بنسيانها لتراها غصون وتلحق به…
نزل إلى مواقف المشفى، جلس في سيارته ولكنه لم يذهب؛ جلس ينتظر غصون بفارغ الصبر.
مرت خمس دقائق فقط، ولكن وكأنها ساعتين..
إن فشلت خطته فسيضطر للعودة بنفسه ليأخذ محفظته.
نزل من السيارة، وقبل أن يخطو خطوة نحو المشفى رآها تخرج مُسرعةً تحمل بإحدى يديها محفظته الجلدية.
تراجع واتكأ متكتفًا على سيارته وابتسامته تتسع برضًا تام..
وفي المقابل تباطأت سرعة غصون عندما رأته يقف بجوار سيارته، وكأنه يعرف أنها ستأتي وينتظر مجيئها!
تبدَّل حالها، وحلَّ محل تعجُّلها تأنٍ يناقض استعجالها تمامًا.
على بعد مترٍ بينهما مدَّت يدها التي تمسك بمحفظته دون أن تتكلم؛ فأخذ عروج محفظته منها، ثم أخرج شيئًا من جيبه وطلب منها أن تفتح يدها.
لم يتبيَّن لها ما يُخفيه في قبضة يده، ولكنها فتحت يدها بترقُّب واستغراب، فوضع قلادتها الذهبية في يدها، ثم وبخشونة صوته قال مبتسمًا:
-وهذا هو ذهبك ورجّعناه.
ارتفعت حواجبها بدهشةٍ ولم تعلِّق، حقًا لم تتوقع ولم يخطر لها على بال.
بعد خروجهم من مزرعة الجان تلك لم تسأل عن قلادتها، ولم تبحث عنها، كانت متعطشة للخروج بأيِّ شكلٍ كان، ولو كان مقابل قلادتها… ظنَّت أن الجن أطلقوا سراحهم مقابلها، ولكن عروج حصل عليها بطريقةٍ ما!
.
.
.
741
.
.
.
مـسـاءً
نقلت أخبار غصون إلى والدها بالتدريج..
-أبوي تدري؟ أغصان تزوجت!
بانت الدهشة على تعابير وجهه، ثم علَّق على الأمر قائلًا:
-ايييه وأنا أسألها منهو اللي تبينه وتنتظريني أموت عشان تاخذينه؟ وتقولي "لا من قبلك ولا من بعدك" سوتها بنت كريدم وخذت اللي تبيه من ورانا.
ضحكت غصون، فضحك والدها معها، ثم عاد يسأل مُستفسرًا بجدية:
-منهو سعيد الحظ اللي أخذ بنتنا الأجودية؟
-على حد علمي أنه طالب.. طالب بن عايض، حفيد أم ظافر.
-ايه أشوى رجَّالٍ ما عليه خلاف..
ثم أردف:
-وأغصان وشلونها، عساها طيبة ومرتاحة؟
ترددت غصون قليلًا وظهر ارتباكها الذي أقلق والدها فأعاد سؤاله..
-أغصان طيبة، طيبة الحمدلله.. لكن…
تحفز والدها وانشغل باله فقاطعها دون قصد: لكن ايش؟
-حالتها النفسية تعبانة شوي، وأخذها غسَّان أمس لزوجها.
-ليش، وين زوجها عنها؟
-موجود موجود، هم كانوا ساكنين في نفس بيتنا والظاهر طالب احتاج بيته اللي بالمدينة لشغله، فاستوحشت أغصان ولحقته.
-طيب وش فيها نفسيتها تقولون تعيبانة!
-فقدك ثم فقدي سبب لها صدمة، ودكتورتها قالت لازم تعيش في وضع مستقر حاليًا؛ لذلك ما قدرت أعلمها أنك حي يبه..
ولا أغصان مستحيل يوصلها خبرك وتجلس بمحلها…
.
.
.
741
.
.
.
في صباح اليوم التالي
رأت سعد وهو يخرج من المشفى عائدًا إلى قودم، فدفعتها رغبةٌ دفينةٌ للذهاب معه، تريد رؤية أغصان مرةً أخرى؛ تريد أن تطمئن عليها.. فربما عادت!
استأذنت من والدها، ثم خرجت خلف سعد تسبر بحذرٍ وانتباهٍ حتى لا يراها عروج ويعترض طريقها…
وبدل أن تقابل أغصان، قابلت غسَّان!
وكانت تلك الصدفة التي جاءت بلا ميعاد.
ثم عادت مع سعد في نفس اليوم، عادت إلى والدها متهللةً مسرورة… كادت تجلطه وتُعيده إلى أسرِّة العناية المركزة عندما أخبرته بدون مقدمات أن "غسَّان على قيد الحياة، وأنه عاد إليهم، ويعيش مع أغصان!"
جسده الضعيف لم يستطع أن يبدي ردة فعلٍ قوية، لم تسعه سوى جموع من الدمع غفيرةٌ حارةٌ مشتاقةٌ، مُتلهفةٌ، تَحنُّ، وتتوق إلى لمِّ شمله مع أبناءه.
طلب من غصون أن تساعده في القيام والقعود؛ يُريد أن يسجد شكرًا وحمدًا وثناءً للرحمن الرحيم الذي رأف به وأمدَّ في عمره، ليجمع شمله مع ابنه المفقود من جديد.
وفي الخارج كان عروج محترقًا يكاد يترمَّد من ذهاب غصون مع سعد الذي يقف أمامه ببرودٍ مُستفزٍ وكأنه يرد اعتباره على أخذه لغصون بالأمس.
.
.
.
741
.
.
.
كنت أخشى أن يرانا أحدٌ ما عند وصولنا؛ فسيارة عروج غريبة على الديار، وهو بحد ذاته رجلٌ غريب، سيثير الانتباه، وسيثير كمًا من التساؤلات نحونا ونحوه.
ولكن الديار كانت هادئة جدًا، ولم نرَ أحدًا أبدًا، بدا لي وكأن ديارنا قد هُجرت!
خفت ألا أجد أغصان في المنزل، كان الشوق قد أعياني، وطفح من قلبي وعينيّ حتى ظننتُ أنني سأموت إن لم أرَ أغصان اليوم.
وقبل أن أنزل من سيارة عروج طلبت منه أن يخرج من محيط منازل القرية، ولا يعود حتى أتصل به.
.
.
.
ثم بعد ذهاب أغصان لم أجد سببًا يدعوني للبقاء في قودم، اتصلت بعروج ثم عُدنا إلى مستشفى رفاه.
قابلنا سعد عند مدخل المشفى، رآني هذه المرة مع عروج، ومن الواضح أننا جئنا معًا.
هذه المرة لم يتجاهل سعد عروج، وجَّه إليه سؤالًا بنبرةٍ جادةٍ حازمة عمن يكون؟
بدا لي وكأنهما عملاقيّ الجليد والنار، أحدهما يحترق في حنقه، والآخر باردٌ هادئ.
بهدوءٍ بدا مُستفزًا بعض الشيء رد عروج وهو يمد يده إلى سعد ليصافحه:
-معك عروج بن عبدالعزيز، مُنقذ حياة العم كريدم وبنته الكريمة.
صافح سعد يد عروج، ثم شدّ عليها دون أن يظهر على وجهه أيِّ تعبير، قال بنفس النبرة، وبنفس الطريقة:
-معك سعد بن كريم، ولد عم الأخت الكريمة.. شكرًا لك، والله يشكر فضلك، أتعبناك معنا، تقدر تترك لي الدفَّة؛ الموضوع صار عندي بعد الآن.
هزّ عروج رأسه بمجاملة ولم يقل شيئًا؛ لن يجادل سعد بهذا الخصوص، هو لا ينوي فعلًا ترك غصون ووالدها أبدًا.
بدأ الأمر معه، وسينتهي معه..
وربما لن ينتهي!
.
.
.
741
.
.
.
تركها وذهب دون أن يقول شيئًا، ثم عاد بسيارته بعد قليل.. أوقفها أمامها، ثم أشار برأسه أن تأتي، ولكنها لم تره، أو بالأحرى تجاهلته؛ فهمت أنه أتى بسيارته ليأخذها بنفسه…
اتصل بها عن طريق هاتفٍ أحضره خصيصًا لها بحجة أنها قد تحتاج للاتصال بأحدٍ ما في الوقت الذي يكون هو غائبًا فيه، والسبب الرئيسي كان من أجله هو؛ يريد أن يكون على تواصلٍ معها حتى بعد عودته إلى دياره.
ردَّت على مكالمته بحزمٍ وحصافة:
-سعد رايح رايح لقودم، وأنا بروح معه ماله داعي تتعب نفسك.
-أذكِّرك بأنك اتصلتي على ظافر؟
أذكِّرك أنه بالطريق؟
مَن بيقابله إذا أنك بتروحين أنتِ وولد عمك؟
مَن اللي بيشرح له الموضوع؟
اتصلتي عليه تطلبينه ثم تقررين فجأة قرار ما حتى فكَّرتي فيه زين!
-ما يحتاج أقابل ظافر، الاستفسارات اللي جاوبني عليها بالاتصال تكفيني، هو جاي يقابل أبوي.
-وقالك لازم نقدّم إفاداتنا.
-واحنا بنقدِّمها، لكن…
قاطعها:
-ولد عمك ما عنده إفادة يقدمها، الإفادة تلزمني أنا وأنتِ..
امشي معي، آخذك لاختك ثم بطريقنا نمر على مركز الشرطة.
.
.
.
741
.
.
.
تقابلا عند باب غرفة والدي.
رأيت الاستغراب باديًا على وجه سعد، ولكنه لم يسأل عندما رأى عروج يخرج من الغرفة التي يرقد فيها أبي.
بعد دقائق من دخول سعد على والدي، قررت أن أذهب إلى قودم اليوم، سأرى أغصان بأيَّة طريقةٍ كانت؛ سأمهد لها خبر حياة والدنا، ثم سأعود إلى هنا بأقرب حجةٍ ممكنة.
كنت سأذهب مع سعد..
سأعود معه حين يعود، ولكن مَن يُعيدني إلى هنا مرةً أخرى؟
لا أعلم.
خرجت من المشفى وأنا أفكر بهذا، كنت سأنتظر سعد في المقاعد الخارجية للمشفى حتى أطلب منه أن يأخذني معه إلى قودم..
وبدل أن يخرج سعد، خرج عروج!
يبدو أنه رآني وتبعني..
سألته قبل أن يسألني:
-بترجع لديارك؟
لم يعطني إجابة، اقترب نحوي وهو ينظر إليّ بعمق، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في عقلي. أعاد إليَّ سؤالي:
-أنتِ بترجعين لديارك؟
أجبت بوضوحٍ وأنا أهز رأسي بـ "نَعم":
-ايه، بروح مع سعد، وبكره برجع.
-وكيف بترجعين؟
-اللي ودَّاني يجيبني.
.
.
.
