en
Feedback
روايات لَامْ

روايات لَامْ

Open in Telegram

"روائية" ولي خمس مولودات. #الشريد_المتيم #بقايا_روح رابطها: https://tkweenonline.com.sa/product/%d8%a8%d9%82%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%b1%d9%88%d8%ad/ #مأساة_السحاب #الفراق_العزيز ✍🏻 لا أحلل ولا أسمح النقل أو الإقتباس🚫 للتواصل: https://t.me/RALOOOS/1316

Show more
741
Subscribers
-224 hours
+17 days
+230 days
Posts Archive
. . . أكملت التدوين بنفسٍ منشرحةٍ مُبتهِجة… ( سأراك يومًا ما.. لا، لن أراك وحسب، بل ستجلس مَعي.. سنتحدَّث وسنضحك سويةً.. ولن أحكي لكَ ما كابدّته من شوقٍ جَمٍ وحنينٍ حارقٍ في غياهب ذلك الفراق؛ كبريائي الأنثوي لا يسمح لي، ولن أسمح له أنا إن هو سمح لي. سأغنِّي لكَ فقط، قصيدةً ارتبطت ذكرياتيًا بِك، رغم أن صوتي سيء وأدائي الغنائي أسوأ إلا أنني لن أُسمعكَ إيَّاها؛ لأن مؤديتها أنثى وأنا أغار على سمعك من صوتها. ولا تظن أنني أغني لك لأنني 'رومانسية' معاذَ الله! سأغني لك لأخبرك عندما أنتهي أنني بكيتُ مرّةً عندما سمعتها؛ لأنها ذكرتني بك. أتمنى أن تكون ذكيًا عاطفيًا بما يكفي؛ لتفهم أن هذهِ حكاية تحمل بين طياتها قصة شوقٍ عظيم كنت أخبِّئه عَنك في بُطين قلبي الأيمن، لن أحدّثك عنها أبدًا.. وأنني أقول لكَ على استحياءٍ " أُحبَّك يا رَجُل! ". إن انتابك شكٌ فاستيقن؛ فإنني لا أقوى على البوح أكثر مما بحت به. إن كنتَ تُحبني من قبل هذا، فيا أهلًا ومرحبًا بليالي السَّمر الممتلئة بالاعترافات، ولكنني لن أبادر طبعًا! الاعتراف بالاعتراف والبادئ أحق بالتوابع.. وعلى الرَّجُل أن يعترف أولًا؛ لأن المرأة ستكب عواطفها عليه بعد ذلك.. وأنا ممتلئة أكاد أنفجر.. ولكن هيهات هيهات.. ليتنازل هو باعترافٍ صغير، وسأفوز أنا بالسخاء والكَرم؛ لأنني سَأسقِطُ أمتعتي كلها، أو كما نقول بالعامية (بكب عفشي كله). . . . " أقـبِّـل طيفك إن جـانـي.. أجـل لو قـلـت لـي بـجيـك وش اللـي يـا تـرى بيـصـير؟ بينبت لي جَنـاح من الفـرح.. وأطيــر… " . . . #الفراق_العزيز

. . . توقَّفت عن الكتابة قليلًا.. أغلقت عينيها لتعود الجموع الغفيرة من الدمع الذي اصطف على أبواب عينيها من حيث خرج، لقد وعَدَت نفسها ألا تبكي. اعتدلَت في جلستها، فللتو لاحظت أن ساعتين ونصف من الوقت مرَّت وهي على نفس جلستها لم تتغير، ولم تنتبه للوقت إلا بعدما شعرت بالعطش. شربت ماءًا ثم عادت للكتابة بروحٍ جديدة.. (ولأنني لا أحب النهايات الحزينة، ولم أكن سأجرؤ على تدوين كل هذه المأساة، وتسطير كل هذه الدموع، ووصف كل تلك الأيام البائسة، بهذه التفاصيل التعيسة، لو لم تكن النهاية سعيدة! وصلتني رسالة منه مساء الأمس، رسالةٌ سألني فيها بكل وضوح: -"ترضين تكونين أنيستي بالغربة، ورفيقة دربي طول العُمر؟". لقد حفظتُ رسالته لدرجةٍ أظن فيها لو أن أحدًا ما سألني عن اسمي فسأجيب كالمُغيَّبة: "ترضين تكونين أنيستي بالغربة، ورفيقة دربي طول العُمر؟". حفظت رسالته عن ظهر غيب، قرأتها سبعون مرة في الدقيقة الأولى -كنت أقرأها بعينيّ لأن لساني نسي كيف يقرأ من الصدمة التي كان يعيشها- ثم ستُّون مرةً في الدقيقة الثانية، ثم ثلاثون في الدقيقة الثالثة، ثم عشر مرَّات في الدقيقة الرابعة.. قرأتها برويَّة.. بصوتٍ عالٍ قرأتها. كان باستطاعتي أن أرى قلبي وهو يمسك برأسه ويهوي أرضًا. وعلى الرغم من كثافة المشاعر التي انتابتني، والفرحة التي كادت أن تقتلني، وتودي بفؤادي إلى سكتةٍ قلبية، إلا أنني التزمتُ الصمت.. ثقلًا ربما! تخيلوا أنني بعد كل ما كابدته من عناءٍ كان فالقًا كبدي ما زلتُ أكابر! قِيل أن الغـرور من أسبـاب الغـرام… سيقتلني هذا الثقل يومًا ما، أنا موقنة ومتأكدة من ذلك. ) كتبتها وهي تضحك بسعادةٍ كانت قد نست طعمها. . . .

. . . مرّ رمضان وأنا أتذبذب بين التحسّن وسوء الحال. كانت فترة عصيبة، توطدت بها علاقتي مع الله، فترة ساعدتني على الحفاظ على ركعة الوتر، والسنن الرواتب مهما كان وأين ما كنت. مرّت عليّ أيامًا كنت أنهار فيها انهيارًا هستيريًا ولا أحد يدري بي، أي شيء كان بمقدوره أن يثير مشاعري الملتاعة لأدخل في دوامة من البكاء الشديد. كنت مضغوطة نفسيًا، وعمليًا،.. فترة اجتمع بها ضغط العمل، مع ضغط الحلقة، مع قرب العِيد وأنا لوحدي بنفسية متدمرة تمامًا، بظاهرٍ برَّاقٍ يخفي كمًا هائلًا من البؤس الرهيب في بواطنه. التفكير بالعِيد فقط كان يزيد همي همًا وكربًا واستعدادية خالصة للإنفجار بالبكاء في أيةِ لحظة، تكالبت عليّ الأمور حتى كدت أنفجر وأتحول إلى أشلاء. أذكر أنني في عصر أحد الأيام، في أواخر الشهر الفضيل.. كنت أتناقش مع إحدى المشرفات في نقاش عادي طبيعي بخصوص العمل، والشيء الذي لا يعرفه أحد أنني في النقاشات -وإن كانت عادية- فدائمًا ما تنتابني رغبة بالبكاء دون سبب يذكر، ولكنني بالأوضاع الطبيعية أكبتها وما ان ينتهي النقاش حتى تختفي تلك الرغبة الغير مبررة. ولكن في حالتي النفسية هذه، الرغبة بالبكاء كانت تعني بكاءً هستيريًا لا مثيل له، فأنا مستعدة للانهيار، وليس للبكاء وحسب. بمجرّد أن انتهيت من الحديث مع المشرفة عدت إلى منزلي، كنت أتمنى أن يكون الآن وقت صلاة، كنت أريد أن أصلي، أريد أن أصلي بشدة، ولكن للأسف كان وقت تحريم، فاكتفيت بارتداء شرشف الصلاة، وجلست على سجادتي، ورفعت الأكف بالدعاء وأنا منهارة بالبكاء، لولا صريخ أطفال العمارة على الدرج بين الشقق، ولعبهم في الخارج لتمكن الجيران من سماع بكائي الذي حاولت كبته وكتمه بأكمام عبائتي ولكنني لم أفلح. لا أعلم كم مرّ من الوقت وأنا أجلس بنفس الجلسة، أنظر إلى السماء من نافذة غرفتي، ويداي مرفوعتين، بذلٍ وخضوع وخنوع أرجو الله وأتوسّل إليه أن يخفف عني ما أصارعه من شعور. لأول مرة منذ ولدتني أمي شعرت بأنني قريبة من الله إلى هذا الحد، كنت أستشعر وجوده وقربه وكأنني أجلس على بابه. كنت أردد والدموع المالحة تحرق وجنتي حتى حولتها لبقعة حمراء: "يارب أنا على بابك لا تردني يالله" كنت أحدثه وكأنني أراه، أدعوه بلهجةٍ عامية غير متكلفة، كان التعب والأسى قد بلغ مني ما بلغ، كنت مستيقنة بأنه معي يقينٌ لم أشعر به في حياتي قط. استشعرت وحدتي، وضعفي وقلة حيلتي، كنت أعلم أن أبواب الدنيا كلها قد أغلقت في وجهي، ولم يبقَ لي إلا بابه سبحانه وتعالى الذي لا يغلق. ثم وبعد كل هذا الانهيار أغسل وجهي وأخرج إلى عملي، أمارس يومي وكأن شيئًا لم يكن! . . .

. . . مرّت عليّ أوقاتٌ كنت أشعر فيها بأن كيلي طفح، وأنني وصلت لأقصاي.. أنني أحتاج أن أفضفض لأحدٍ ما وأخبره بما يعتريني، أحتاج شخصًا يواسيني ويطبطب علي.. أحتاجُ شخصًا يرد صوتي، فالصمت الذي أعيش تحت سقفه قاتلٌ فتَّاك. جارتي أم وسيم ربما؟ هل أتعرف عليها وأكون صحبةً معها؟ أو ربما فتحية زميلتي في الحرم؟ فتاةٌ لطيفة، مُضحكة، تجلس بجواري في الحلقة.. نكتت عفشها كله بين يدي، حتى أنني أصبحت أعرف إخوتها المشاكسين، وأختها التي تزوجت حديثًا ولكنها تزورهم في كل يوم حتى طردتها والدتها وقالت لها أنها لن تستقبلها إلا في نهاية الاسبوع، ووالدها كثير المراسيل، الذي يطلبهم جلب ريموت التلفاز حتى وإن كان بجانب يده… أعرفُ كل شيء عنها، فلمَ لا تعرف شيئًا واحدًا عني على الأقل؟ أو استاذتي؟ هي الوحيدة التي لاحظتني، وعرضت عليّ أن تستمع إليَّ، وتساعدني وتقف معي، امرأة كبيرة، عاقلة، حكيمة، قد تُحسن مواساتي، وتُرشدني… ولكن سرعان ما كنت أتراجع، أأنب نفسي؛ لن أبوح بشيء لأي كائنٍ من كان، ومهمها يكن. أعود أدراجي بائسةً، خالية الوفاض.. بعينين جفف الوجْدُ دمعها، وقلب رق صَبابة.. بنفسٍ تواقة، وروحٍ قتلها الحَنين. . . .

. . . رمضان، صيام، ودوام صباحي ومساءي، ولكن الطبخ كان يسليني ويشغلني، كنت ألتهي به عن نفسي، انكببت عليه هاربةً من الوحدة التي تلازمني؛ وقلقًا من ارتفاع معدل اكتئابي المرتفع أصلًا، وخوفًا من انهياري الذي لا يُتنبؤ بمواعيده وأوقاته والأسباب التي قد تشعل شرارته. كوُّنت صحبة لطيفة مع "وسيم" طفل جارتي الذي كان يطرق بابي قبل اذان المغرب بنصف ساعة ليأخذ طعام الإفطار. بدون مبالغة، رسائل والدته في نهاية كل يوم كانت تبهجني جدًا تطير بي إلى السماء، وكأن هاتفي يرقص فرحًا عندما تصل إليه، فهاتفي قد هُجر في الآونة الأخيرة.. لا أحد يذكرني إلا جهة عملي، ولا يضج هاتفي إلا بالرسائل الحكومية والإعلانية. في نهاية كل يوم كانت تشكرني "أم وسيم" على الأطباق، ثم تمتدح طبخي، ثم تشكرني مرةً أخرى، وتتأسف على العناء الذي تظن أنني أتكبده من أجلها، وتُذكِّرني أنه في أي وقتٍ يمكنني أن أعتذر عن إعداد الفطور، وتوصيني بقولها: "لا تستحين، ولا تترددين، أنتِ ما قصرتي أبدًا" وفي الحقيقة هي التي لم تقصر في موافقتها على عرضي، الذي هي بحاجته بسبب ظروفها الصحية، وأنا بأشد الحاجة إليه منها بسبب ظروفي النفسية؛ فالطبخ كان متنفسًا لي. . . .

. . . كل شيء في ذلك الرمضان كان سوداويًا، عليه هالة من حزنٍ رماديٍ كئيب. انكببت على الطبخ، لدرجة أنني كنت أطلب من جارتي التي تسكن تحتي والتي وَلَدت في شعبان أن تترك لي إعداد سفرة الإفطار لها ولعائلتها، رغم أننا لم نكن نعرف بعضنا جيدًا؛ ولكنني تصيدت الفرصة ذات يوم وأخبرتها بذلك، عندما أرسلت لي في أول أيام الشهر الفضيل طبقًا من الكيك مع أحد أطفالها… وبالرغم من أنني لم أكن أطبخ لنفسي، بل وكنت أنوي أن أفطر كل الأيام في الحرم حتى أقلل من صرفيتي وأقتصد، قررتُ أن أتولى مسؤولية إعداد الفطور لعائلة جارتي النفساء.. احتسبتها صدقةً لله، وزوج جارتي لم يقصِّر أبدًا، فقد كان يوصل "المقاضي" بشكلٍ مستمر إلى منزلي، رفضتُ بالبداية، ولكن زوجته أصرَّت على ذلك، وأخبرتني أنها لن تقبل بعرضي ولن تأخذ طبقًا واحدًا من عندي إن لم أقبل بعرضها وأوافق على أخذ المقاضي اللازمة لإعداد سفرة فطورهم الذي سأتكفل به.. فالطبخ لوحده كما تقول كان كافيًا عليّ. . . .

. . . بعد مرور أقل من ٤٨ ساعة، تحديدًا عند الواحدة بعد منتصف الليل، نعم في وقت يشابه وقت انقلاب حالي.. قابلتُ إحدى زميلاتي في الحلقة، تبادلنا بعض الأخبار العابرة، وسردت لي هي بعض الأمور التي حدثت لها.. أضحكتني قليلًا بطريقة سردها، وهذا الضحك رغم قلّته إلا أنه أزاح الكثير من على صدري، تنفست، ابتسمت، هدَّأتُ من روعي. عند الثانية بعد منتصف الليل بدأتُ أشعر بأنني أعود للحياة، لطبيعتي. مضى الوقت.. اقتربت الرابعة فجرًا، كنت أجلس على السرير أستعد للنوم، طرأ طارئ في عقلي، فكرة عابرة أفزعتني خفت، خفت جدًا أن يكون تحسُّن حالي ماهو إلا إبتلاء واختبار، خفت أن أخسر في هذا الإختبار، خفت أن أكون غير صابرة على مجريات هذه الحياة، وغير راضية على ما يحدث لي فيها. شعرت بالرَّوعِ والفزع والهلع، جلست، وقد كنت مستلقية.. استقبلت القِبلة وجلست أدعو الله من صميم قلبي، أدعوه بكل توسل ورجاءٍ حتى رقَّ قلبي وانسكبَ الدمع أخيرًا، غزيرًا، غزيرًا غزيرًا، وأنا أدعو وأدعو وأبكي وأشهق، وأرجو وأتوسل إلى الله أن يعوضني خيرًا مما فقدته في هذه الحياة، وأن يجبر قلبي جبرًا هو وليُّه. في البكاء عند الدعاء راحة غريبة، راحة تشرح النفس وتملؤها بالطمأنينة. اختتمت دعائي، بقراءة شيء من القرآن الكريم، ثم استلقيت مجددًا. كنت أشعر براحةٍ وسعادةٍ ليسَ لهما مثيل، كنت أشعر بأنني ريشةً خفيفة، فهمومي بأكملها وضعتها بين يديّ خالقي ووكَّلته أمري. ثم لم ألبث أيامًا حتى عدت إلى سابق عهدي، عادت روحي ملتاعة مضطربة متوترة، تخشى القادم، وتخشى نفسها، وتخشى الماضي، وتخشى كل شيء، وتريد أن تبكي فقط، فقط تبكي ولا تتوقف عن البكاء. . . .

. . . تأمَّلت حالي قليلًا الرابعة والربع عصرًا في اليوم الثامن والعشرين من رمضان الذي مرَّ سريعًا بطيئًا… كنت أفكر في بدايات رمضان؛ بدأته مُتحمسةً، مُتشوِّقة لا أفكِّر إلا باستغلال أيَّامه ولياليه. ثم بدأت الأمور تجتمعُ وتجتمعُ، بدأ يصبح ثقيلًا، ثقيلًا من ناحية أنني كنت مُحمَّلة بالأماني، مثقلة بالمآسي، مشغولة جدًا، ووقتي مزدحمٌ عن آخره. كانت وسيلتي الوحيدة للراحة هي الصلاة والدعاء، ولكن مع هذا كنت أشعر بالثِّقل الشديد، وأشعر بأن همومي تزداد لا تنقص، وهذا الثقل بدأ يفقدني صوابي. كنت أكرف نفسي بالعمل، وأعمل بساعاتٍ إضافية، حتى لا أعود إلى المنزل مبكرًا، ثم تستفرد بي الوحدة وتأكلني. في العاشر من رمضان إحدى الأيام التي لن أنساها ما حييت، تحديدًا بعد منتصف الليل.. كنت منهمكة في تنظيم المسارات في ساحات الحرم، أربط الشرائط على أطراف المصليات المزدحمة حتى لا يتكدس الناس، ثم.. ثم سمعت صوتًا يشبه صوت أمي! التفت بسرعةٍ نحو مصدر الصوت، ولكنني لم أميِّز من أيِّ امرأةٍ قد صدر، كنت أود أن أستمع إليها وأسمع صوتها مرةً أخرى.. صوتها شلَّ قلبي، شعرت بغصةٍ في صدري ذكرتني بكل مواجعي.. وكأنني تلقيت كفًا صفعني على وجهي، تغيرت ملامحي وانقلبت، توقفت عمّا كنت أفعله. أكاد أجزم أن أحدًا ما قد انتبه إلى انقلاب حالي، كنت أقف متصنمةً في مكاني وكأنني تحولت إلى عمود إنارة. عُدت إلى شقتي بسرعة، قبل أن تنتهي ساعات عملي… ارتفع آذان الفجر دون أن أتسحر، كنت كالمغيَّبة من شدة الحزن، والضيق الذي تملَّكني. صليتُ الفجر في المنزل ذلك اليوم، وكنت أصليها في الحرم سابقًا.. دعوت في سجودي لححت بدعوتي المعهودة التي أدعوها في كل مرةٍ أشعر بأنني سأموت من الضِّيق الذي يخنقني: "اللهم هوّن على قلبي، اللهم هوّن على قلبي، اللهم هوّن على قلبي، اللهم هوّن على قلبي…" لا أعرف كم مرة قلتها، كنت أرددها فقط. كنت أشعر من شدة الضيق وكأن رقبتي أحيطت بسلاسل حديدة لا تنفك، تخنقني بقوة بقوة شديدة. . . .

. . . كانت أيامًا قلائل ثم مات أحدُ الصوصين، وفي اليوم التالي مات الآخر، كنت أعلم أن أعمار الصيصان -الملونة- قصيرة جدًا، ولكنني عشت معهما تلك الأيام بحذافيرها، وتعمدت أن أخوض وأغوص في تفاصيلها بطولها وعرضها. ضحكت كثيرًا، ورفرفتُ في سماء البهجة متجاهلةً حقيقة أن هذه الأيام ستمر خفافًا، ولن تتكرر في حياتي مرةً أخرى؛ على الأقل بنفس ظروفها؛ فربما هذه آخر هدية من جابر؛ لأنه تخرج من الثانوية، وسينتقل من هنا لإكمال دراساته العليا. مرّت تلك الاسبوعين، وأذكر أنني كتبت في مذكرتي بعد انقضاءها بحزنٍ بائس "أن الأيام السعيدة انتهت وانقضت بسرعة". بدأ ينتهي مخزون السعادة لديَّ تزامنًا مع ابتداء العام الدراسي، بدأت الأمور تتكالب عليّ من كل حدب وصوب، بدأتُ أرى أمورًا كنت أخشاها منذ سنين، لأنني أعلم أنها ستحدث عاجلًا أم آجلًا. تدهور حالي من سيء إلى أسوء منذ انتقالي إلى قودم، شهورًا مرّت ثقال على صدري كالجبال، بكيت فيها بكاءً يخيّل إليّ أنه سيكفيني إلى نهاية عمري. ثم انتقلت إلى مكة بعد حين.. لا يمر يومين بالكثير إلا وأنا منهارة في إحدى الليالي، وفي الساعات المتأخرة من الليل؛ لئلَّا يشعر أحدٌ بي. لم أكن أريد أن يحس أحدٌ بأنني لستُ على ما يرام، وأنني حزينة جدًا، لأنني لا أملك الإجابة عن سؤال: "ماذا بِك؟" أقابل معلمة الحلقة بوجهٍ بشوش، وأضحك في وجه زميلاتي، ثم أنخرط في عملي دون أن أُظهر شيئًا مما يكتظ به صدري. عشت معاناتي وحدي، قطعت وعدًا على نفسي ألّا أخبر أحدًا مهما بلغ الأمر مني. دخل شعبان وأنا مثقلة بالهموم، موجوعةٌ أكاد أتقيأ روحي من ثقلها على صدري، الوِحدَة القاتلة، الفَقر المُدقع، قِلَّة الحيلة، وعذاب الحُب الفظيع. ضاقت عليّ الأرض بما رحبت؛ لا شيء يخفف عني وطأة الألم سِوى أن رمضان على الأبواب، وأنني في مكة قرب بيت الله، وأن الله معي، قريبٌ منّي، يسمعني وسيفرّج عني كربي. . . .

. . . في مثل هذه الأيام؛ بدايات الصيف من العام المنصرم. عشت اسبوعين من أجمل أيام عمري التي عشتها.. من أجملها، وألذها وأحلاها، وأروعها. كنت فيها سعيدةً جدًا، أكاد ألمس السحاب من فرط سعادتي، رغم أنني كنت موقنة تمامًا وأعلم تمام اليقين أنها ستزول ولن تطول، ولن تتكرر في أسوء الظروف أو أجملها. أحضر لي "جابر" صوصين ملونين صغيرين جميلين، كنت أصحو معهما، وأنام معهما، وآكل معهما… أحببتهما كمخلوقين لطيفين، وأحببتهما أكثر لكونهما هديةً من جابر. لا أعرف المناسبة التي أهداني من أجلها، ولكنني تعودت على هداياه البسيطة. منذ وفاة أمي، وتخرُّجي من التعليم العام الذي تلته جلسة مملة في المنزل كان جابر دائمًا ما يحضر لي شيئًا بين الحِين والآخر؛ فلم يعد هناك شيءٌ أخرج من أجله إلا السوق الذي يأخذني له في الشهر مرةً أو مرتين. كان يداريني كثيرًا، يداري نفسيَّتي التي يخاف أن تسوء وهو لا يعلم، ولن يعلم بطبيعة الحال؛ فهو يعيش في غرفة خارجية منفصلة عن المنزل. . . .

. . . بـعـد يومـيـن الحادية عشرة صباحًا - مـكَّـة جلست على الأريكة تضم وسادةً بين ذراعيها تتكئ عليها وتمسك بهاتفها بين يديها.. كانت تكتب في مذكرة الجوال، معتمدةً على ضوء الشمس الخافت، المتسلل من بين شقوق الستارة المنسدلة على النافذة… (لا أحد يعلم كم أخذ مني هذا الأمر، وكم كلفني من الدموع، والوجع والبؤس لتذكّر تفاصيل هربت منها كمن كان يريد النفاد بجلده والنجاة بنفسه من الهلاك. اليوم، الثاني من ذو الحجة بعد سبعة أشهر واثنتي عشرة يومًا من الهرب، والتناسي والتلاهي. في كل مرة تنتابني فيها رغبة التدوين أتراجع بخوفٍ عارم؛ كمن يرى الأشباح في الظلام فيفر هاربًا إلى أمان النور. رغبة التدوين لم تفارقني أبدًا، كل يوم كانت تنتابني بشكل أكبر وأشد، حتى ظننت أنني لن أتخلص من معاناتي إلا بمواجهة رغبة التدوين هذه، وتنفيذها على أكمل وجه. اليوم، بعد سبعة أشهر واثني عشرة يومًا من استقراري في مكة.. ما زال تقويم العام معلقٌ على باب غرفتي؛ لم أقوَ على نزعه، على الإمساك به، وتمزيقه، ومن ثم رميه في سلة المهملات. ما زلت أخشى الاقتراب منه، لمسه، أو إمعان النظر فيه؛ يخيفني، أرى به الليالي التي مرّت عليّ بشق الأنفس حتى ظننت أنها ستبتلعني ولن أنجو منها. أخشى النظر إلى بعض التواريخ التي ويا للأسف أنني أحفظها عن ظهر غيب، أيامًا عانيتُ بها معاناةً صقلتني وجعلت منّي شخصًا آخر. . . .

. . . عندما أنهى قراءة تلك الصفحة وذلك النص توقف عن توزيع النقود بين الصفحات، وأخرج كل المال الذي وضعه، ثم أغلق المذكرة وأعادها إلى مكانها. ثم خرج وأغلق الباب، وأعاد المفتاح إلى قاع الجرَّة. خرج من المنزل يسحب حقيبته الكبيرة خلفه، وضعها في سيارته ثم خرج من عذاب مُسرعًا وهو لا يكاد يُحسن التفكير. من الجيد أنه فكر قبل قليل وتراجع عن أخذ المذكرة معه، كان سيواجهها بمذكرتها إن أنكرت حبه، ورفضت العودة معه وإليه. كان يردد عليها أثناء بقائهما معًا بعد وفاة والدتها "أنا أخوك، وأنتِ أختي" وجُملٌ تحمل نفس المعنى لتشعر بالأمان إن كان قد راودها الشك يومًا، لتشعر أنه ليسَ غريبًا إن كانت بحاجةٍ لشيء ما، لتعلم أن لديها أحدًا تستند عليه، ولتعلم أنه سيبقى كالأخ الذي مهما بَعُد فهو لا يتخلى عن عائلته، لتحارب أفكار الوحدةِ القاتلة التي نكَّدت ونغَّصت عليه سنينًا من عمره عندما أدرك أنه لا ينتمي إلى هذه العائلة، وأن دمه لا يحمل دم هذه الأم التي ربته ولا هذه الفتاة التي كانت بمثابة الأخت له. كان قد جرَّب هذه المشاعر وعاشها بحذافيرها، فهو يعرف تمامًا تلك المشاعر التي حاصرت ليلى بعد وفاة والدتها. "احنا أخوان!" كلمتين كان يقولها ليثبت لليلى أن هناك غِصنٌ باقٍ معها ليسَ من نفسِ الشجرة، ولكنه نمى معها على نفس الأرض. وأما ليلى فكانت تقولها لتُذكِّره بأنه ينتسب لوالدتها، ولها، ولمنزلهما.. وأنه مهما حدث "فأنتَ جزءٌ لا يتجزَّأ مِنَّا". ولم يعرف الاثنان أن كلاهما يدلِّس على الآخر ليبقى معه. . . .

. . . عاد إلى الحقائب والأكياس المنثورة في منتصف صالة الجلوس، جلس بينها، وفتح بعضها؛ يبحث عن حقيبةٍ صغيرةٍ، أو محفظةٍ، أو صندوقٍ قد يضع فيه المال، ولكنه لم يجد شيئًا مناسبًا.. لم يجد إلا مذكرة متوسطة الحجمِ رماديةَ اللونِ رُبطت جلدتيها بمطاطٍ سميك. "هممم…" فكَّر أن يضع الأوراق النقدية بين الصفحات ثم يغلق المذكرة، ويُعيدها إلى إحدى الأكياس القماشية التي أخرجها منها.. بل سيضعها في قاع الكيس وتحت الأغراض؛ حتى يصعب الوصول إليها.. بل لا يصل إليها إلا الشخص الذي ترك مذكرته بين كل هذه الأغراض ويريد الوصول إليها بعينها. فتح المذكرة وبدأ بتوزيع الأوراق النقدية بين الصفحات بعشوائيةٍ… ثم استوقفته إحدى الصفحات.. لم تكن صفحةً مميزة، كانت تشبه الصفحات التي قبلها. السطور ممتلئة، الكلام كتب بخطٍ صغير.. بقلمِ حِبرٍ أخضرٍ غامقٍ يميل لونه للأسود. كلامٌ كتب بخطِّ النسخ.. خطٌّ مرتب واضح يُقرأ بسهولة، وكأنه كلامٌ مطبوع لا مكتوب بخط اليد. ولكن هذه الورقة كانت مجعدةً وكأن بللًا أصابها. هل كانت تبكي عندما كتبت ما كتبت هنا؟ بدافع الفضول جلس يقرأ ما كُتب… (لم تسعني سعادتي عندما وصلتني رسالتهُ الأخيرة، تعدل مزاجي بشكل رهيب.. كدت أطير إليه بمفتاح المنزل. ما إن هدأت مشاعر الحُب في قلبي وامتلأ خزان الشوق، واطمئن الفؤاد برؤيته سليمًا مُعافى ازدريتُ نفسي.. ازدريتها حقًا؛ لماذا فرحت؟ لماذا رسالة منه حملتني على بساط السعادة؟ لماذا؟ لماذا؟ ) انعقدت حواجبه وانقبض قلبه.. رسالةُ مَن هذه التي حملت ليلى على بساط السعادة؟ من هذا الذي كادت تطير إليه بمفتاح المنزل؟ من هذا الذي اطمئن فؤادها لرؤيته سليمًا معافًا؟ مَن ذا الذي عصف قلب ليلى، وامتلأ خزان شوقها من أجله؟ لا يعرف أن ليلى تعرف أحدًا أصلًا، ليس لها إخوةٌ ولا أقارب! أكمل القراءة مستعجلًا، يأكل الحروف أكلًا؛ لعله يصل إلى هوية هذا الذي هَذَت ليلى بذكره بين صفحات هذه المذكرة… (المسألة ليست مجرد "ثقيلة وخفيفة" المسألة مسألة إسراف بالمشاعر. أنا أحرق قلبي بكل تفانٍ، تعلُّقٌ أرويه من خزاني الخاص، ولا أعلم هل أسقي وردة أم شوكة؟ هل هي بذرة صالحة ستُنبِت شجرة، أم بذرة فاسدة لن تنبت شيئًا! ثم إنه ياله من خزي، ياله من ذل، ياله من شعور بشع، أن أكون متلهفةً، مشتاقةً، فارغةً بهذا الشكل.. نعم فارغة؛ أصبحت كل أفكاري تدور في فلكه، هو أول من يقفز إلى عقلي عندما أفرغ من أي شيء. "طفشت، يلا وش نسوي؟ نفكر بجابر…" ) توقف مشدوهًا مندهشًا.. جابر! أقالت جابر؟ مَن جابر؟ ألم يكن هو جابر؟ أكان هو المقصود! يا للهول! ضحك.. ضحك بذهولٍ وهو يعيد قراءة السطر بصوتٍ مسموعٍ يتخيَّل به نبرة صوت ليلى وهي تحدِّث نفسها: -طفشت، يلا وش نسوي؟ نفكر بجابر… ضحك مرةً أخرى وهو يهتف قائلًا: -يا حبيِّبتي! يااااااااااااااحبيِّبتي! يفديك جابر، ويفدي طفشك وأفكارك. . . .

🪞 #الفراق_العزيز (33) . . . كان قد خطط وكتب جدولًا للأعمال التي يجب عليه إنجازها قبل سفره إلى الخارج، ومن ضمن تلك الأعمال كانت استقالته من وظيفته المؤقتة؛ التي عمل بها ليدخر مبلغًا معينًا، يقضي به حاجاته. قدَّم استقالته قبل يومين ثم عاد إلى قودم، وعليه الآن أن يذهب إلى عذاب ليفرِّغ "منزل ليلى" من كل أغراضه. جمع حاجيَّاته وكل شيءٍ يخصه في حقيبةِ سَفرٍ كبيرةٍ، خرج من غرفته وهو يجرُّها خلفه.. وبيده كان يحمل علبة مدخراتٍ كان قد صنعها قبل سنواتٍ من علبة الحليب المجفف.. نسي أمرها عندما رحلوا عن عذاب أول مرة، ولكن الآن جمع مبلغًا لا بأس به، وليس بحاجةٍ ماسةٍ لهذه المدخرات التي وجدها بين أغراضه في إحدى الأدراج. قرر أن يتركها هنا لليلى، علَّها تعود إلى منزلها ذات يوم، وتكون بحاجةٍ لبعض المال فتجد مبلغًا لا بأس به قد تُرك لها. لا يوجد مكانٌ آمنٌ في هذا المنزل سوى غرفة نوم ليلى ووالدتها المرحومة، ولكن باب غرفة المعيشة الذي يؤدي إلى غرفتيهما مغلق، قد أقفلته ليلى قبل أن تذهب! بعد لحظاتٍ من التفكُّر والتأمُّل تذكََر أن ليلى تركت له نسخةٌ من المفاتيح في جرَّة الفخار في المطبخ. وبالفعل، وجد مفتاحًا في قاع الجرَّة أدخله إلى غرفة المعيشة. تفاجأ بحقائبٍ وأكياس متروكة على الأرض بعشوائيةٍ ودون ترتيب! فتح بعض الأكياس وتفقد الأغراض، فتبيَّن له أنها ذات الأغراض التي نقلوها إلى قودم. يبدو أن ليلى عادت إلى عذاب على عجلٍ، ثم رحلت إلى مكة دون أن تتمكن من ترتيب هذه الأغراض حتى! ذهبت إلى مكة خفيفة لم تأخذ إلى ملابسها على ما يبدو! حاول أن يفتح غرفة والدتها أو غرفتها ولكنهما كانتا مقفلتين، ولم يجد مفاتيحها من بين المفاتيح التي عثر عليها. كان يريد أن يضع المال في مكانٍ آمنٍ قدر الإمكان، رغم أن المنزل ليسَ آمنًا بشكل عامٍ وهو مهجور بهذا الشكل، فهناك احتمال واردٌ لأن يقتحمه أيّ أحد، ولكن يريد أن يترك المال في مكانٍ قد تعثر عليه ليلى إن عادت في يومٍ من الأيام. . . .

. . . وهطلت أمطارُ السعادةِ أخيرًا على قَودم! أوقف سيارته أمام المنزل الذي كان منزلهم يومًا ما، أمَّا الآن فهو عاد لصحابه… وقبل أن يوقف السيارة تمامًا فتحت أغصان باب السيارة ونزلت بسرعة وتهورٍ أسقطها أرضًا، ولكنها قامت بسرعة وركضت مسرعةً نحو باب المنزل، كان مفتوحًا؛ فإخوتها وصلوا قبلها وتركوا الباب مردودًا خلفهم.. تعثرت بعتبة الباب وسقطت مرةً أخرى، ولكنها قامت مجددًا.. تركض متلهفةً، مشتاقةً، متهللةً، يكاد يقتلها التَّوق والوله. أطلَّت برأسها على صالة الجلوس وهي مستعدةً للركض إلى المزرعة إن لم تره في صالة الجلوس.. تشعر وكأنها تركض في الهواء لا على الأرض. كان جميع إخوتها مجتمعين عند والدها، ولكنها لم ترَ أيًا منهم، لم ترَ إلا رجلًا وقورًا يقف بينهم، لم ترَ إلا ذلك الوجه السَّمحِ وضَّاح المُحيَّا.. بمجرَّد أن لمحته مجرَّد لمحةٍ فقط.. صرخت.. صرخت "أبووي!" ثم شهقت وبكت وهي تدخل راكضةً نحوه كطيرٍ يحلِّق في السماء دون عوائق أو قيودٍ… تعثرت وسقطت للمرة الثالثة قبل أن تصل إليه.. تهاتفت الأصوات قائلة "بسم الله عليك" ولكنها قامت بسرعة؛ فاختل توازنها فسقطت مرة أخرى، ثم قامت وسقطت وقامت وسقطت حتى وصلت إلى والدها… قبَّلت كتفيه، وبكت عليهما كثيرًا.. بكت عليها بقدر كل الدموع التي انسكبت من عينيها بعد فراقه. . . . مُتُّ عِند الفَقدِ حُزنًا فلمّا عُـدتَّ لــي مِــتُّ ســرورًا قـد مُـتُّ فـي الحالتـين لكننـا عُدنا كما كُنا.. وعاد اللِّقاء يُحيينا.. . . . #الفراق_العزيز

. . . -ما قالوا لك أن أبوك كان له توأم؟ -قالوا لي، لكن مهو لدرجة أننا ما نميّز أبوي من أخوه! -ليش لا؟ مهو أنتِ وغصون توأم متطابق؟ يوم طبيت على غصون ذاك اليوم حسبتها أنتِ، لولا أنها انفجعت.. لو ما انفجعت كان كملت طريقي وحسبتها أنتِ. لذلك ليش لا؟ فكّري معي ليش.. واحد، يوم الحادثة كنتوا متأثرين بطبيعة الحال والمُصاب لذلك حتى ولو كان فيه فرق ما راح تنتبهون.. قولي ليش؟ لأنكم ما كنتوا تدرون أن لكم عم توأم لأبوكم، فبالتالي ما راح يجي على بالكم أن هذا اللي تشوفونه مهو أبوكم؛ ما فيه خيارات متوفرة، ما فيه إلا أن هذه الجثة تعود لكريدم. توقفت عن البكاء، تلاشى انفعالها وكأنه لم يكن، تسارعت نبضات قلبها وهي تنظر إلى طالب بوجوم.. سألته ببحةٍ وأطرافها بدأت بالارتعاش والارتجاف: وش اللي تبي توصل له؟ -وش اللي وصلتي له أنتِ؟ ضاقت أنفاسها، ففتحت النافذة رغم أن تكييف السيارة كان عاليًا.. -ما أتجرأ أقولها… ثم أردفت باندفاعٍ عندما لم يتكلم طالب، ولم يعلِّق، ولم يقل شيئًا: - ليش تسكت الآن وأنت من اليوم تهرِّجني، وتقاطعني، وتتكلم على راسي، ليش تسكت الحين؟ ابتسم وهو يقود.. هاهم دخلوا قودم، وهاهو منزلهم يراه على مرمى بصره.. أمسك بيدها التي ترتجف في حجرها وشد عليها بيده؛ لعلَّه يكسبها قوةً وأمانًا من الخشية والرهبة التي يعلم أنها تملأ صدرها الآن.. -أبيك تقولينها.. قولي الشيء اللي خايفة تقولينه، أنتِ قدها يا بنت كريدم لا يردِّك شيء. -طالب! قالتها بصوتٍ متحشرج باكٍ، فشجعها بقوله: -لبيه، سمِّي.. تعتعت، وترددت، وتلعثمت، وتلجلجت بقولها: -عمي توأم أبوي اللي مات.. وأبـوي مـا مـات؟ اتسعت ابتسامته، ثم قبَّل يدها وضحك قائلًا: -ايه يا بنت كريدم وذراعه اليمين، أبوك حي وراسه يشم الهواء، أبوك جالسٍ في صالة بيته ينتظر وصولنا.. أجهشت بالبكاء وهي تردد الشهادة بصوتٍ عالٍ تشهد أن الله لا إله إلا هو وحده وحده لا شريك له، المحيي المميت، المانع المُعطي، الكريم، الرؤوف الرحيم.. ذو الفضل العظيم. . . .

. . . سيصيبها بالجنون حتمًا، لمَ هو مُصرٌ على هذا الحديث وكأن كل مواضيع الحياة انتهت وانقضت ليتناقشوا في أمرٍ كهذا! لمَ لا يقدِّر أنهما يتحدثان عن والدها؟ عن جُرحٍ لن يبرأ أبدًا وسيظل يوجعها طوال العمر. نظرت إليه باستخفافٍ ثم قالت بعقلانية لتنهي هذا الأمر: -فيه قانون في نظام الكون اللي أوجدنا الله فيه ينص على أن الميت لا يعود للحياة. -صحيح، الميت لا يعود للحياة إن مات فعلًا، لكن المفقود ممكن يعود.. وغسَّان أكبر دليل. ببديهيةٍ قالت: -قلتها بلسانك.. غسَّان كان مفقود. -لكنكم حسبتوه مات، وأقمتوا عزاه. -غسَّان أقمنا عزاه، لكننا ما دفناه. -وأبوكِ أقمتوا عزاه، لكنه ما دُفن. نظرت إلى طالب مطولًا وهي تتسائل في نفسها، أيجادلها وهو بكامل قواه العقلية؟ أيعي ما يناقشها به بكل جدية؟ لا يعقل أنها ستثبت له الآن أن والدها مات حقًا! الكلام في أمرٍ يخص والدها حسَّاس بالنسبة لها جدًا، فكيف بأمر موته الذي فلق كبدها؟ انسكبت عبراتها، وبَكت وهي تحاججه محاولةً إيقافه وإنهاء هذا النقاش العقيم: -أبوي دُفن، وصلينا عليه صلاة الحاضر.. أبوي كان جثة هامدة شفتها بعيني، سلَّمت عليه وودَّعته بنفسي، بيديني! قاطعها بهدوء بدا مستفزًا لها: -يمكن ما كان أبوك! انفعلت، فصرخت عليه: -كيف ما كان أبوي! طالب يرحم أبوك وش قاعد تقول لا تجنني! خاف عليها من انفعالها، خاف أن يكون مؤشرًا سلبيًا سيُضِر بها، ولكن لا رجعة في هذا الأمر، لا يمكنهم تمهيد الأمر وتقسيمه وتأجيله أكثر من ذلك، ربما تصاب بنوبةٍ قلبية إن علمت أن والدها كان بقربها طوال هذا الوقت وهي آخر من يعلم.. ولكن في نفس الوقت يريدها أن تتوصَّل هي إلى الحقيقة بنفسها، سيقرِّب هو ويلمِّح، ولكن هي من ستكتشف وتنطق... . . .

. . . بعد منتصف الطريق، وبعد دقائق من الصمت التي حلَّت بينهما، سألها: -تذكرين حلمك بغصون رابع العيد؟ سمعها تتنهَّد بأسى، ثم رآها بطرف عينه تولِّي وجهها نحو النافذة وقد كدَّرها تذكر ذلك الفجر الشنيع: -أتذكر كيف ما أتذكر، الحمدلله أنه كان كابوس لا يمد للواقع بصلة، وهذه هي غصون في السيارة اللي قدامنا بخير ونعمة وفضل من الله. لم يكن هذا الذي يرمي إليه طالب، ولكنه أكمل بحلمٍ ورَويَّة: -ظنيتي أن غصون ماتت لكنها ما ماتت الحمدلله.. تذكرين مَن اللي كان معها بالحلم؟ بتلقائيةٍ أجابت: -أبوي الله يرحمه. اعتقدت أن ذلك اليوم طرأ على عقل طالب فذكَّرها به من باب تجديد مشاعر السعادة بوجود غصون بجوارها حيةً تُرزق، وأن ذلك الحُلم الكئيب لم يكن إلا من الشيطان ليحزنها. ولكن طالب لم يُنهِ الموضوع، بل ألقى سؤالًا غريبًا آخرًا لا تدري ما هو مغزاه! وهذه المرة هي من ألقت سؤالًا عليه: -ليش تسأل، وش الطاري؟ -أعتقد أن حلمك كان له تفسير ودلالة. -مثل؟ -مثل أنك يوم شفتِ غصون مع أبوك اعتقدتي أنها ماتت ولحقت به، لكنك ما فكرتِ بأنه ممكن يكون العكس. باستهجانٍ نظرت إلى طالب: -لأن العكس غير ممكن! -ليش لا؟ مهو أختك رجعت لنا تمشي على رجولها، وغسَّان رجع من قبلها. اقشعر بدنها وهي تتخيَّل أن والدها يعود إليهم كما عاد إخوتها، ولكن ذلك مستحيل، بل من سابع المستحيلات. بتحذيرٍ وإنذارٍ قالت لطالب: -لا تزرع فيني آمال مستحيلة، غيِّر دفة الحديث بالله عليك. -لكن آمالك مهي مستحيلة. . . .

. . . بعد الفجر.. عاد طالب من منزل فهَّاد الذي سهر معه بينما كان إخوة أغصان عندها في المنزل. انقسموا في سيارتين، غسان وغصون ومحسن وحسام في سيارة "غسَّان". وطالب وأغصان معًا في سيارة "حسام"؛ أعارها لطالب ليعود بها، فسيارته في قودم منذ حدث ما حدث. اتفق غسَّان مع طالب؛ سيتركون له زمام الأمور وهو بطريقته سينقل الخبر إلى أغصان. ابتدأ حديثه معها بسؤالها عن ليلة البارحة كيف مرَّت؟ فجلست تحكي له عن سهرة الأمس مع إخوتها الأربعة.. كانت سعيدةً ولا شيء يُضاهي سعادتها بهم. وهو سعيدٌ لسعادتها ولا يطيق صبرًا حتى يبشرها بأن والدها ينتظرهم في قودم. ظنَّت أغصان أنهما ذاهبين ليجمعوا أغراضهما من هناك ويستعدا للانتقال من قودم إلى المدينة؛ فبعد عودة غصون سيكون من الصعب العيشُ معًا في نفس المنزل. اقترح عليها طالب أن يشتري أرضًا في قودم ويعمرها، فهو أيضًا أحبَّ حياة القرية، ولا يريد الابتعاد عن جدته وخالتيه في نفس الوقت، فلقد اعتاد على قربهم وقد اعتادوا هم عليه أيضًا… وأمَّا بالنسبة لموضوع والدها، فتركه إلى الثلث الأخير من الطريق؛ يعرف أنها لن تتحمل المسافة التي تفصلهم عن المنزل إن علمت.. لذلك سيخبرها بالتدريج إلى أن ينتهي الأمر وهم على أبواب قودم. . . .

. . . بعد الفجر.. عاد طالب من منزل فهَّاد الذي سهر معه بينما كان إخوة أغصان عندها في المنزل. انقسموا في سيارتين، غسان وغصون ومحسن وحسام في سيارة "غسَّان". وطالب وأغصان معًا في سيارة "حسام"؛ أعارها لطالب ليعود بها، فسيارته في قودم منذ حدث ما حدث. اتفق غسَّان مع طالب؛ سيتركون له زمام الامور وهو بطريقته سينقل الخبر إلى أغصان. ابتدأ حديثه معها بسؤالها عن ليلة البارحة كيف مرَّت؟ فجلست تحكي له عن سهرة الأمس مع إخوتها الأربعة.. كانت سعيدةً ولا شيء يُضاهي سعادتها بهم. وهو سعيدٌ لسعادتها ولا يطيق صبرًا حتى يبشرها بأن والدها ينتظرهم في قودم. ظنَّت أغصان أنهما ذاهبين ليجمعوا أغراضهما من هناك ويستعدا للانتقال من قودم إلى المدينة؛ فبعد عودة غصون سيكون من الصعب العيشُ معًا في نفس المنزل. اقترح عليها أن يشتري أرضًا في قودم ويعمرها، فهو أيضًا أحبَّ حياة القرية وفي نفس الوقت لا يريد الابتعاد عن جدته وخالتيه، فقد اعتاد على قربهم وقد اعتادوا هم عليه أيضًا… وبالنسبة لموضوع والدها، فتركه إلى الثلث الأخير من الطريق، يعرف أنها لن تتحمل المسافة التي تفصلهم عن المنزل ان علمت، لذلك سيخبرها بالتدريج إلى أن ينتهي الأمر وهم على أبواب قوم. . . .