نقشُ القلَم | مُحمد عاطِف
Open in Telegram
كاتب مُنذ الرابع والعشرين من أيَّار، عام ثلاثةٍ وألفين ”لم أعِش كثيراً لأكتُب، ولكِن ما عِشتهُ كان يستحقُّ الكِتابة” 🇸🇩 https://linktr.ee/penpattern @Muhvamvd -مُحمد عاطِف-™
Show more2 244
Subscribers
No data24 hours
-37 days
-2930 days
Posts Archive
وحدي، أُغازِل وحدتي، بالصمتِ تارةً وبالهمسِ تارةً أُخرى، فأصمتُ إن عجزت بنات فِكري عن البوحِ بالحقيقة، وأهمِسُ إن تفطَّنَّ لما أشعرُ وأحِسُّ؛ فأضعُ في أُذنِ الوحدةِ جِراح فؤادي، وأحكي لرجاحةَ عقلها آلام روحي، فتغارُ أعينُ اللوعةِ وتزُين خدِّي الحزين بدمعها، وتُتْلِفُ ما كُتِبَ بحِبري على بياضِ الورق، وكيف للأُنثى ألَّا تَغار مِن نظيرتها الأُنثى؟ فالوحدةِ تحمِل تاء التأنيث صراحةً، وكذلك اللوعة.
أبرعُ بالتلاعب بالإناثِ مِن الألفاظ، وضَعْ على الألفاظ ما تيَسر لكَ مِن الخطوط، وتبرعُ الإناثُ مِن الأحاسيس التلاعُب بي،
فتُحكِم الوحدة قَبضتها عليَّ حيناً، وتُجهِزُ عليَّ اللوعة والكآبة في أحايين أُخرى، وشتَّان بين اللفظة والشعور، فاللفظُة قد يُطاوعِها قلمي كيفما يُريد، ولكِن كيف للفؤادِ أن يُطاوعِ أثُقال الحُزن وأعباء الألمِ؟
هذا النصُّ سوداويٌّ جِداً، كُتِبَ بحبر أزرق، وبضعُ دموعٍ شفافة، على ورقٍ أبيض، لن ترى هذا السوادَ إن مررت بؤبؤ عينيك على الكلمات فقط، وتالله لن ترى دون السواد، إن اِستشعرت ما تحمِله الأسطُر وتركت لعقلك حيَّز التفكير.
-مُحمد عاطِف-
سبحان مَن خَلَق العقول وبثّ فيها الحياة ومكنَّها مِن صُنعِ عوالم أُخرى توازي عالمَ الواقِع، عوالمٌ تُصنَع بإرادتنا وتُحكَمُ بقوانيننا، نلجأ إليها إن جار علينا الواقِع بقوانينه وقسا علينا الزَمن بأحكامه.
يحيك عقل المرء ويَصنع، فيتمخضُ عن ذِلك عالمُ الخيال؛ حيثُ لا وداع ولا أحزان ولا أشواق فيه؛ فالأحِبّة على بُعدِ تخيّلٍ وفكرة فقط، والسعادةُ لا أضداد لها، والشوقٌ لا وجودَ لهُ إن كان الجميع بالخيال حضور.
تُصنع تِلك العوالم المُوازية حينما نتوسد فِراش النوم لنغفو، فنراها بسوادِ أعيننا وبريق أحلامنا، أو قد تُصنع بأوجِ اليَقظة حينما تزورنا الوحدَة ويرحلُ الجميع ونتفرغُ لأصوات عقولنا وأفعالها، وأنا قد قُدِرَ لي أن أنتمي لواقعٍ يُنافي خيالي، وخيالٌ لا يُشابِهُ واقعي.
-مُحمد عاطِف-
أنشدُ الصمت وأجنحُ إلى السكوتِ، إذا ما تبيَّن لناظِريَ حُسنُ مُحيَّاك وإعجازُ بهائك؛ فكيف لبساطةِ الكلِمِ أن تُجاري الإعجاز بمقلتيك، وأنَّى للأشعار والأحاديث أن تَصِف ما تجودين بهِ من حُسن وجَمال!
فاعتزِل مُكرهاً دروب وصفكِ، وتِعداد حسانَكِ، وأطرقُ أبواب خيالي، وأُداعِب خلايا عقلي، أنتقي من بلاغَة اللغة وحروفها، ما يُناسِب أهواء قلبي، ويَحكي حقائق حُبِّي، فأبحثُ بِهمة وأتمحصُ بتفانٍ، بينَ الكلمات وأضدادها وخلف العبارات ومرادفاتها، ولكِنّني لسوء الحَظِ وعِظمِ الحُبِّ أعجزُ؛ فُحبِّي قد تبين أنهُ كحُسنكِ؛ لا يُصاغُ ولا يوصف، ولِذا اعتزِل البوح بمِشاعري أيضاً، وأكتُب على مساحات الورق حُروف اِسمك، وأُعدِّدُ في السِرِ مقاديرَ حَظّي؛ أن جَمعنا القدرُ يوماً وعرفتك.
وكم أَوَدُّ يا عزيزتي أن أُملِّككِ مقاديرَ هواي ومعجزاتُ حُسنَكِ، ولكن ضريبةُ الحُبِّ أن يَعتلَّ اللسانُ إن اِلتقينا ويجفِ الحِبرُ إن تكاتبنا.
-مُحمد عاطِف-
الكل يُدرك ويعي أن الأعين قد خُلِقت لمهام الرؤية والنظر، فما الذي قد يدفع الأعين إلى التمرد على طبائعها ومسؤولياتها، وتُخاطِب بالحُسن كلَّ مَن نظر، وتُهدي الجنون كلَّ مَن أطال؟
أطرحُ ذلك على قُدرات عقلي مُتسائلاً، وما أن تقترب معالمُ الإجابة من التشكُّل، أضيع وسؤالي في بحور لحظيكِ وأنهار مُقلتيكِ، فسبحان الذي زيَّن عينيكِ بالسواد والبياض، وجعل الناظر يرى من خلالهما شتَّى الأشكال والألوان.
فأصيغ نثري مُستفهماً: أنَّى لرِمش عينيكِ أن يقي الفتى لهيب الشمس وحرَّها، وكيف لإتساعهما أن يَحوي أحزان الماضي وآلام الأمس؟
لم تُسعفني فِطنتي، ولا حتى لغتي في عرض الإجابة وبيان التفسير، فما كان إلا أن أصمت وأترك لسحر عينيك حيِّز الحديث، فعيناكِ قد خرقتا أحكام العادة وتعدتا حدود الطبيعة، ولذا أضحى الصمتُ في وجودكن حاجةً وضرورةً.
-مُحمد عاطِف-
بنفسي أكتُبُ إلى جِراح نَفسي شِعراً، وأخُطُّ لآلام الفؤاد نثراً، علِّي أُلبِسُ الكلماتَ ثوب الطبيب، وأُجسِّد بالحروفِ هيئات الغائبين والراحلين مِن الأحِبَّة؛ فتُشفى الجِراحُ باللُقيا، وتهنأ القلوبُ بالحضور والاِجتماع.
فأُخاطِب بِحبر المشتاقِ المُولَع، أشواقَ ذاتي، وأنثُرُ مَعالِم الحياةِ على الجمادات حولي، حتَّى تُجُنَّ أدواتُ خيالي وتَفكيري، وتَحِنُّ أحكام دُنيانا وواقعنا، فأُقُلِصُّ المسافَة بين اِمتداد الصحارى والبِحار؛ بأن أجَعل اِمتداد الورق واِرتفاع الأسطُرِ مقياساً بيننا، ومرتعاً لآمالانا وأحلامنا.
وإن كانَت بيدي مقاليدُ السُلطة والقرار، لأرجعتُ بالأزمانِ ساعاتي، إلى ما دون رحيلك وغيابك، والتَقينا دَون أن تتباعد أجسادنا، أو تتداعى بالقلوب أشواقنا، ولكنها الحياة؛ تسرِقُ في طيَّاتها ما نُريد ونبتغي، وتُهدينا ما نهابُ ونخشى.
-مُحمد عاطِف-
تَتَخَطَّى الطُرُقَ مُرْغَماً، وَتَقْطَع البِحار مُجْبَراً، فتَرْتَحِلُ مِن الاِعتياد إلى الوَحْشَة، ومِن دقائق اللقاء إلى دهور الشوق، ومِن الواقِع إلى التَخَيُّل، فيُهاجِر الجَسد ويبقى الفِكر، وتتعاظمُ حصيلةُ الذِكريات، وَتَتَضاءَلُ اِحْتِمالِيَّةُ النِسْيانِ، فَتَسْتَذْكِرُ الأحداث بِجُلِّ تَفاصيلها وأجزائها الدقيقة؛ فسُبحان مَنْ حَبَا العقولَ إِمْكانِيَّةُ السَفر دون جُهدٍ وعَناء، ووهبها القُدرةَ على سَلْكِ طُرُقِ العودة، وعَكْسِ عقاربِ الزمن، لِتُعِيدَ لحَدثِ الماضي بَرِيقَهُ بالحاضِر، وتُهْدِي الوجودَ لِبَنِي العَدَمِ.
لولا الخيالُ لأماتنا الحَنين، ولولا الأحلام لأهلَكنا الواقِع؛ ولذلك نَحيا رَغْمَ البُعْدِ، ونعيشُ رَغْمَ الألم.
-مُحمد عاطِف-
تَذْخَرُ مُخَيِّلَتِي بالعديدِ مِنْ أشعارِ الهوى وعِباراتِ الغَزَل، وما أن تَلْتَقِي عَيْنَاي بِعَيْنَيْكِ أَتُوهُ بِمتاهاتِ سِحْركِ وجَمالَكِ، فأَنسى صدْرَ الأبْيَاتِ وعَجْزَها، وترتيبُ الجُمَلِ ونَظْمَها، وأُهديكِ لِعَجْزِي صَمْتاً وسُكُوتاً؛ فَكيفَ للبَساطةِ أن تُجارِي التعقيد، وكيف للعادةِ أن تُدرِكَ الخوارِق!
فأَسعى لِأُعوِّضَ إخْفاقِي وعَجْزي بأن أخْتَلِقَ مِنْ مَكْنُوناتِ عَقلي غَزَلاً أُهْدِيكِ إياهُ نَظِيرَ صمتي، فأَبحثُ بينَ حِدَّةِ السينِ وغِلْظَةِ الضادِ عن ما يُناسِبُ سِحْرَكِ، ويَفِي بإنْصافِ حُسْنَكِ، وتأْبَى الحُرُوفُ أن تجْتَمِعَ والكَلِماتُ أن تَتَشكَّل، فأعود بِذاتِ الصمتِ ليس بِجُعْبَتِي سطرٌ واحدٌ حَتَّى، فأُهْدِيكِ فَوقَ صمتي صمتاً آخراً يَقُولُ في مَضْمُونهِ أنَّكِ أُعْجُوبَةٌ ضَلَّتْ طريقَها إلى أراضي العادة، فَضَلَّ معها المَنْطِقُ طُرُقَ الألْسُنِ، وضاعَ على إِِثْرِها الحَدِيثُ عَنْ سُبُلِ الشِفاهِ.
-مُحمد عاطِف-
أكتُبُ إليك رِسالتي، وأُرسِل إليك من على البُعدِ التحايا، وأعي في قرارة نفسي أن الراحلينَ لا يتَلقون رسائلنا وتحايانا، ولكِن مِن نِعم اللّٰه جلَّ وعز أن حبا الكلمات كما الدموع القُدرةَ على حمل ثُقل الحزن ونَبْذ فَداحة الأَلمِ، فأصوغ بألف اللغة وياءها حنيني وشوقي، وأروي بالدمعِ ما تعجزُ عنهُ اللغةُ وأوصافِها، وبما أنَّ شوقي إليكَ لا يُحاكُ ولا يُحكى، أبكي حتى تَجِف مَدامعي، وأنحب حتى يبح صوتي.
غادرتَ، فغادرت مَعك السعادة، وغِبت، فغابت شُموسُ الهناء عن أراضينا، فقُل لي بربك كيف أنسى؛ وقد اِختار جسدك البُعد والرحيل واِختار طيفُك التردد في الزيارة والحضور؛ فما أغلقتُ عينيَّ إلا ورأيته أمامي، وما نسيتُ أمراً إلا وتذكرتك، فكأن الكُل يُشير إليك ويُذكِّرني بِك؛ فغيابك من واقعي يُحيلني إلى أوقات حضورك، وحضوركَ بأحلامي يُعيدُ إلى ذهني حقيقة غيابك.
وقيلَ أن الحاضِرَ لا يُنسى والمُحِبُّ لا يخون، فلا أنت غِبت عن خيالي لأنسى، ولا أنا أبغضُك فأخُون.
-مُحمد عاطِف-
أكتُبُ ولا أدري إن كانت ستُزفُ كلماتي أولاً أم سأُزفُ أنا، فإن اِجتازت كلماتي صخب المدافِع، وداعبَت صفاء قلبك، أبدلني دونها مِن الدُّعاءِ ما يقول في فحواهُ؛ أن يَعِم السِلم رُبوع موطني، وتموتُ الحروب ويحيا السِلمُ والأمل، وإن لم تُفلحِ كلماتي في اِجتياز جُلِّ ذلك، فلا بأس؛ فغداً يأتي مُحمدٌ آخرٌ يتلو عليكم ما لم أقوَ عليه، فمهما طال الزَمان أو قصُر سيظلُّ همْسُ الحقِ أصدحُ مِن ضجيج الظُلم.
أكتُبُ إليكم مِن هنا، حيثُ يُقتل الأبرياء، ويُيتَّم الأطفال، وتُمسُّ عِفَّةُ النِساء، هُنا حيثُ يُسحبُ الزِناد لتُصبح القتيل الأول بعد المئة، والغريبُ في الأمرِ أنْ لا أحد يُطلعك على الجريمة التي ارتكبتها، فتُجبرك البندقية التي تُحاذي خلايا التفكير برأسك على التساؤل، أكانت سِحنتُكَ هي الجريمة؟ أم لأنك فقط في المكان والزمان المناسبين لتُقتل؟
-مُحمد عاطِف-
اِستَعصت اللُقى، وتَعذَّر تَقاطُع الطُرُقِ، فأخذتُ أتحايَلُ على الحقائق والوقائع، بأنْ أُخاطِب الأطلالَ، وأُحادِثُ بالمنام أطيافك؛ آمِلاً أن أُعوضُّ غِيابك، وأُطِفأ نيران شوقي؛ ولكِنَّ تبيَّن أنَّ غيابكَ لا يُعوَّض إلاَّ بالحضور، ونِيرانَ الشوقِ لا تُخمَدُ بالتحايلُ والخِداع.
تبكي الأقلامُ كما تَبكي المُقَل، فأرسُم بالحِبر ملامِح أشواقي، وأروي بالدَمعِ بذور حنيني، ولكنَّ الأقلامُ بإمكانها أن تُبرر كُلَّ الأمورِ؛ عدا أسباب رحيلِكَ، والدموعُ بمقدورها أن تَغسِلَ جُلَّ المآسي؛ عدا أحزانَ بُعدك وفِراقك.
خُتِمت القصة بنقطة النهاية؛ وضاع الحُلمُ وتبخَّر الأمل، وعُدنا غُرباء كما كُنَّا، رغم أنفِ الحُبَّ والدُّعاء، وغدوتُ وحدي مجدداً؛ إذا اِستُثنت بالطبعِ الظِلالُ التي تُرافِق جسدي بدُجى الليل، والأحزانُ التي تُؤنِس وحشتي ليلَ نهار.
-مُحمد عاطِف-
