دُروسُ الْبَلَاغَةِ العَربيّةِ
Open in Telegram
قناة تدريس البلاغة، قناة علميّةٌ، خاصة لعلوم البلاغة، المعاني والبيان والبديع، صوتاً وكتابةً، تهتمّ بتحليل المسائل البلاغيّة، وتدريس السّلسلة، وطرح النكتِ العلميّة البلاغيّة، وتحليل القرآنيّ، وإعجازه في المسائل العلميّة،
Show more3 357
Subscribers
No data24 hours
+37 days
+2530 days
Posts Archive
-الثاني : لو سلَّمنا أنّ في القرآن مجازًا- والقرآنُ كلام الله- لَقيل لله "مُتَجَوِّزٌ" وهذا الوصف لا يُطْلَقُ على الله باتِّفَاقِ علماء الأُمَّة.
فالجواب: أمّا امتناع إطلاق وصف "مُتَجَوِّز" على الله فليس عِلَّتُه نفي المجاز عن القرآن، وإنما أسماء الله توقيفِيَّة لا بُدَّ فيها من الإذن الشَّرعي، ولا إِذْنَ هُنَا، فلا يُقَالُ: إذًا على الله إنّه "مُتَجَوِّز" لعدم إذن الْمُشَرِّع.
قال الأستاذ أبو منصور في التحصيل : أجمع أصحابنا على أنّ أسماء الله توقيفية، ولا يجوز إطلاق شيء منها بالقياس، وإن كان في معنى المنصوص، وجوزه معتزلة البصرة، وأمّا أسماء غيره، فالصحيح من مذهب الشافعي جواز القياس فيها. اهـ.
قال القشيريّ في التّحبير في علم التّذكير : الأسماء تؤخذ توقيفياً من الكتاب والسّنّة والإجماع، فكلّ اسم ورد فيهما وجب اطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز ولو صحّ معناه. اهـ.
قال الخطابي في شأن الدّعاء : "ومن علم هذا الباب؛ أعني: الأسماء، والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر، وضع اللغة، ومتعارف الكلام، اهـ.
قال الزّجاج في معاني القرآن: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه. اهـ.
وإليه ذهب الشّيخ أبو الحسن الأشعري في نقاشه مع شيخه أبي عليّ الجبّائي، حين دخل رجل على الجبائي، فقال: هل تجوز تسمية الله عاقلاً ؟
فقال الجبائي: لا ؛ لأنّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حقّه سبحانه محال، فامتنع الإطلاق، فقال له الشيخ أبو الحسن: على قياسك لا تجوز تسميته "حكيماً" لأنّ هذاالاسم مشتق من "حكمة اللجام" وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت:
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء.
وقول الآخر:
أبَني حنيفة حكِّموا سفهاءكم إنّي أخاف عليكم أن أغضبا
أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم; فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع ، والمنع علي الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق "حكيم"عليه سبحانه،
فقال الجبائي: فلم منعت هذا وأجزت ذاك؟
فقال الأشعري: إنّ طريقي في مأخذ أسماء الله، الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي، فأطلقت "حكيماً" لأنّ الشرع أطلقه ومنعت «عاقلاً» لأنّ الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته. اهـ.
وأجاز القاضي الباقلانيّ في " الإنصاف" والقاضي أبو يعلي في "المعتمد" وغيرهما، والله أعلم.
-قال الآمديّ في الإحكام : فإنّه إنّما يكون كذباً أن لو ثبت ذلك حقيقة ومجازاً، وكيف وأنّ الكذب مستقبحٌ عند العقلاء، بخلاف الاستعارة والتّجوّز، فإنّه عندهم من المستحسناتِ. اهـ.
-قال الشّيخُ عبد القاهر في أسرار البلاغة : ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، ويهرف بما لا يخفى، ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به، حتى تحصل ضروبه، وتضبط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة، والخلاص مما نحا نحو هذه الشبهة، لكان من حق العاقل أن يتوفر عليه، ويصرف العناية إليه، فكيف وبطالب الدين حاجة ماسة إليه من جهات يطول عدها، وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفية يأتيهم منها، فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون، ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنوا أنهم يهتدون. اهـ.
-قال المجد ابن تيمية في المسودّة : نقلا عن القاضي أبي يعلى لما قال المخالف : أنّه كذب لأنّه يتناول الشّيء على خلاف الوضع، قال القاضي : هذا خرق للإجماع، لأنّهم استحسنوا التكلّم بالمجاز، مع استقباحهم الكذب، قال : وعلى أن الكذب يتناول الشّيء على غير طريق المطابقة، والمجاز قد يطابق الخبر من طريق العرف، وإن كان لا يطابق من طريق اللّغة. اهـ.
●وهناك جواب آخر : اتفق جماهير علماء المسلمين على أنّ الخبر ما يقبل الصّدق والكذب لذاته ، والقرآن والحديث، من الأخبار ، ولا يقبلان التّكذيب، لأنّهما من عند الله تعالى، ومنع جواز تكذيبهما من الخارج، لا من الخبريّة، فذلك المجاز في القرآن والحديث يمتنع إنكاره من دليل خارجيّ، لكن من حيث المجازيّة يقبل التّكذيب كما القرآن والحديث من حيثية الخبريّة يقبلان التّكذيبِ، وكلاهما أخرج بدليل خارجيّ. والله أعلم.
◇حجج القائلين بمنع وقوع المجاز في اللّغة والقرآن والحديث.
-القائلون بمنع المجاز في اللغة العربيّة ، والقرآن العظيم، والحديث الشّريف ، يحتجّون على مذهبهم بحجج عديدةٍ. ويوردون على المجيزين شبهات كثيرة، وناقشوا في ذلك، ومنهم من نصب المجانيق المحرقة على خيام المتجوّزين، كابن القيّم حتّى سمّاه طاغوتا من الطّواغيت الأربعة، وغيره من المعاصرين.
-أحدها : أنّ كلّ مجاز كذبٌ ، فيجوز نفيه ، وليس في القرآن ولا السّنّة الصّحيحة ما يجوز نفيه، فيلزم على القول بــ"في القرآن مجازاً " أنّ في القرآن ما يجوز نفيه، فَيَصِحُّ في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4] ما اشْتَعَل، وإذا كان كَذِبًا، فلا يقع في القرآن والحديث.
-فَالجواب: إنّ القول بإنّ كلّ مجاز كذبٌ يجوز نفيه ليس صحيحاً، وإنّما يكون المجاز كذبا لو أثبت المعنى على التحقيق لا على المجاز ، يعني: أنّه إذا أطلق القمر - مثلاً - على إنسان جميل الطّلعة والظّهور، يكون كذباً إذا ادّعى أنّه القمر الذّي السّماء، وليس هذا مقصودا في المجاز، وإنّما المراد به في البهاء والحسن، فأين الكذب ؟!. والمجاز يأتي بتأوّل وعلاقة، وليس لا يأتي بتأوّل ولا علاقة، بل خروج عن الحقائقِ بلا سببٍ،
-قال السّبكي في عروس الأفراح : إن الاستعارة وهي نوع من أنواع المجاز- ليست بكذب لأمرين:
-أحدهما: خفي معنوي، وهو البِنَاءُ على التأويل، لأنَّ الكَذب غير مُتَأَوَّل، ناظراً إلى العلاقة الجامعة، وقد التبس ذلك على الظَّاهِرِيَّة، فادَّعوْا أنَّ المجاز كَذِب، ونَفَوْا وقوعه في كلام المعصوم وهو وَهْمٌ منهم.
-الثاني: ظاهِرِي لفظيّ أو غير لفظيّ وهو كالفرع عن الأول: أنَّ المجاز ينصب قائله قرينة تصرف اللفظة عن حقيقتها، وتبين أنه أراد غير ظاهرها الموضوع لها، وهذا مردود؛ لأنَّ النفي الذي جعلوه أمارة من أمارات المجاز، المراد به نفي حقيقة اللفظ، فإذا قيل: رأيت أسدا يحمل السِّلاح، فإن النفي أن الْمُتَحَدَّث عنه ليس هو الأسد الحيوان المعروف، وهذا ليس بكذب، ولا يتوجه النفي إلى المعنى المراد، وهو: الشَّجَاعة. اهـ.
-قال السّيوطيّ في الإتقان : وشبهتهم أن المجاز أخوالكذب، والقرآن منزه عنه، وأن المتكلّم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله، وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن. اهـ.
-قال السّبكيّ في عروس الأفراح : وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة، في الظاهر، بل لو عكس ذلك، وقيل: لا بدّ من عدم صلاحيته لكان أقرب ؛ لأن الاستعارة مجاز لا بدّ له من قرينة ، فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة وصرفناه إلى حقيقته، وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة إما لفظيّة أو معنويّة، نحو: زيد أسد ، فالإخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته. اهـ.
-قال السّبكيّ في عروس الأفراح : والذي نختاره في نحو زيد أسد أنه قسمان تارة يقصد به التشبيه فتكون أداة التشبيه مقدرة وتارة يقصد به الاستعارة، فلا تكون مقدّرة ويكون الأسد مستعملا في حقيقته، وذكر زيد والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة قرينة صارفة إلى الاستعارة دالة عليها فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه وإن لم تقم فنحن بين إضمار واستعارة والاستعارة أولى فيصار إليها. اهـ.
-قال ابن حزم في الإحكام: واحتج من منع المجاز بأنه كذب، والله ورسوله يبعدان عنه، قال: فيقال له: صدقتَ، وليس نقل الله - تعالى - الاسم عما كان الله - تعالى - علّقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا، بل الكذب ما لم ينقله تعالى، بل ما نقله هو الحق نفسه، وقوله تعالى : { واسأل القرية } وقد ذكر رجل من المالكيين من أهل البصرة يعرف بابن خويز منداد أن للحجارة عقلا ، ولعل تمييزه يقرب من تمييزها ، فقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام، وصدق - سبحانه - أنهم أضل سبيلا، قال هذا الجاهل: من الدليل على أن للحجارة تعقّلا قوله تعالى : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق } الآية فدلّ على أنّ لها عقلا، ومن العجب استدلاله على أنّه لا يخشى الله إلا ذو عقل وكيف يكون لها تمييز وعقل، والله شبه قلوب الكفار بالحجارة في أنها لا تعقل الحق ولا تذعن له. اهـ.
-قال ابن قتيبة في تأويل مشكل الحديث: وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب؛ لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل، وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا، كان أكثر كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر. وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله عز وجل قبل كل شيء بلاغا به لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن. اهـ.
◇هل الخلاف في الوقوع، لا في الجواز؟.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : كذا فرضوا الخلاف في الوقوع وهو مقتضى الجزم بالجواز ، لكن قال القاضي ابن كج في " كتابه " : وقال قوم : لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمجاز ، وأنه يكون كذبا ، وتمحلوا للمجازات في القرآن حقائق بوجه تعبد ، ثم قال : والجواب عما قالوه : إنه كذب ، أنهم إما أن يريدوا به في الجملة أو في موضوع اللغة ، والثاني باطل للاستقراء بوجوده ، والأول باطل بالعموم ؛ لأنه قد خاطبنا به ، وهو يريد الخصوص فيه ا هـ.
-الرّابع: التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره ، وهو قول أبي محمد بن حزم حيث قال : في كتابه " الإحكام " : اختلف الناس في المجاز فقوم أجازوه في القرآن والسنة ، وقوم منعوا منه ، والذي نقول : أن الاسم إذا تيقنا بدليل نص أو إجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر وجب الوقوف عنده ، قال الله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } وله أن يسمي ما شاء ، فإن لم نجد دليلا على نقل الاسم عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر فلا يحل لمسلم أن يقول : إنه منقول ; لأن الله - تعالى - يقول : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } فكل خطاب خاطبنا الله به أو رسوله ، فهو على موضوعه في اللغة إلى معنى ، فإذا وجدنا ذلك نقلناه إليه . قال : وهذا الذي لا يجوز غيره ، فكل كلمة نقلها الله من موضوعها في اللغة إلى معنى آخر ، فإن تعبدنا بها قولا وعملا كالصلاة والزكاة وغير ذلك ، فليس شيء منها مجازا بل حقيقة ، وأما ما نقله عن موضوعه في اللغة إلى معنى قد تعبدنا به دون أن نسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز ، كقوله تعالى : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } فإنما تعبدنا - تعالى - بأن نذل للأبوين ونرحمهما ، ولن يلزمنا الله - تعالى - قط أن ننطق ، ولا يديننا بأن للذل جناحا ، وهذا بخلاف الصلاة والصيام فإنه لا خلاف في أنه افترض علينا تسميتها هذه بأعيانها. ا هـ.
'الخامس :الوقوع مطلقاً، وهو مذهب جماهير أهل العلم، من المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين، قال أبو يعلي: ونصّ أحمد على أنّ المجاز في القرآن، وكذلك نصّ غيره من أئمّة اللغة والشّريعة، وحكى الإجماع على جوازه ووقوعه الإمام يحيى الزيديّ حيث قال في الطراز المتضمّن : أجمع أهل التّحقيق من علماء الدّين والنّظار من الأصوليّين وعلماء البيان على جواز دخول المجاز في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ في كلا نوعيه، المفرد والمركّب اهـ.
◇والدليل على وقوعه قوله تعالى ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾. بتأويل اليَتامى، بالَّذين جاوزوا حَدَّ اليتْم، ويَبقى الإيتاءُ بِمَعنى الدَّفعِ، ويكون التَّعْبِير عنهم بِاليَتامى لِلإشارَة إلى وجوبِ دَفعِ أمْوالهم إلَيهِم في فَورِ خروجهمْ مِن حدِّ اليتيمِ، باعتبار ما كانوا عليه، وقوله تعالى : { یَجۡعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمۡ فِیۤ ءَاذَانِهِم } بتأويل الأصابع الأنامل ؛ لأنّ الأصبع لا يمكن جعلها في الأذن، فضلا عن الأصابع، هذا مجاز من تعبير الكليّ، وإرادة الجزئيّ.
وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم { لا تبيعوا الصاع بالصاعين } وأراد بالصاع ما فيه بإطلاق اسم المحل على الحال ، وقوله : { أنت ومالك لأبيك } وقوله : وقد ركب فرس أبي طلحة : { إن وجدناه لبحرا } وقال البخاري في كتاب أفعال العباد : أما بيان المجاز من التحقيق مثل { قول النبي صلى الله عليه وسلم للفرس : وجدته بحرا } والذي يجوز فيما بين الناس والحقيقة أن مشيه حسن ، كقولك : علم الله معنا وفينا، وقد صنف الشريف الرضي مجلدا في مجازات الآثار كما صنف الشيخ عز الدين في مجاز القرآن.
-قال الشّوكانيّ في إرشاد الفحول : وكما أنّ المجاز واقع في لغة العرب، فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلّا على من لا يفرّق بين الحقيقة والمجاز، وقد روي عن الظّاهريّة نفيه في الكتاب العزيز، وما هذا بأوّل مسائلهم التّي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العاقل. اهـ.
-قال الباجي في إحكام الفصول : القرآن نزل اللغة العرب، والمجاز من أكثر شيء في كلامهم وأبين المحاسن في خطابهم، وبه يحلّون خطاباته ويعدّونه من البديع، فلا مانع يمنع من وجود ذلك فيه. اهـ.
.
-قال البخاري في خلق أفعال العباد : وقال بعضهم: إن أكثر مغاليط الناس من هذه الأوجه، الذين لم يعرفوا المجاز من التحقيق، ولا الفعل من المفعول، ولا الوصف من الصفة، ولم يعرفوا الكذب لم صار كذباً؟ ولا الصّدق لما صار صدقاً؟
فأما بيان المجاز من التحقيق، فمثل قول النبي ﷺ للفرس: "وجدته بحراً " وهو الذي يجوز بين الناس وتحقيقه أن مشيه حسن.
ومثل قول القائل: علم الله معنا، وفينا، وأنا في علم الله، إنما المراد من ذلك أن الله يعلمنا، وهو التحقيق، وأشباهه في اللغات كثيرة. اهـ.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : ومرادنا بوقوعه في القرآن على نحو أساليب العرب المستعذبة ، لا المجاز البعيد المستكره ، وقد توسع فيه قوم فضلوا. ا هـ.
◇ فائدة في تحرير النقل عن الظاهرية في نفي المجاز .
-قال أبو عبد الله محمد بن سعيد الداودي في كتابه " أصول الفتوى " ، وهذا الكتاب عمدة الظاهرية فيما صح عن داود وابنه ، فقال ما نصه : اختلف الناس في المجازات والاستعارات ، فقال أكثرهم : في القرآن ما هو محمول على الظاهر والحقيقة ، ومنها ما هو محمول على المجاز والتوسع ، وما كان منه من المجاز والتوسع فهو مردود إليهما دون رده إلى الظاهر والحقيقة ، وقال بعضهم : ليس في القرآن مجاز ألبتة والاستعارة بوجه ، وجميعه على ما هو به ، وروي عن داود بن علي قريب من هذه الرواية ، والله أعلم بصحتها ، وذهب الأكثر من موافقيه إلى القول بذلك ، وبه قال ابنه أبو بكر محمد بن داود في آخرين ، وكان يقول : المستعير في الحقيقة هو الآخذ ما ليس له ، فإذا سمى الرجل لفظة في القرآن مستعارة ، فقد صرح بأنها قد وضعت في غير موضعها . قال : وهذا خطأ من قائله ; لأن الكلمة الأصلية التي جعلت الأخرى مستعارة منها لن تخلو أن تكون إنما صارت أصلية لخاصية فيها موجودة في عينها ، أو لأن اللغة جاءت بها ، فإن كان الأول فما تلك العلة التي أوجبت ذلك الاسم لها ، ولم يجد مدع إلى تصحيحها سبيلا ؟ وإن كان إنما صارت أصلية ; لأن العرب تكلمت بها ، فهذه العلة موجودة في الكلمة التي سمتها مستعارة ، فيجب على هذا الأصل ألا يزال اسم الاستعارة عنها ، فتصير أصلية قائمة بها،
فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ، وهي ظالمة } ؟ وقوله { واسأل القرية } ؟ قيل : لهذه وجوه كثيرة : منها أن بعض أهل اللغة زعم أن اسم القرية يقع على جماعة الرجال ، واحتج بقوله تعالى { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا } وإلا لقال : أهلكناها ، ويحتمل أن يكون اسأل القرية والبناء يخبراك عن صدقنا ، ويكون ذلك معجزة في أمر يعقوب وولده ، ويحتمل أن يكون الأمر كما ادعاه خصومنا من أن قوله : واسأل القرية " أي أهلها ، وأن قرية اسم للبنيان والأرض ، وأن تكون استحالة سؤال الأرض دليلا على أنه إنما أراد سؤال الناس ، ويكون هذه حقيقة في معناها لا استعارة . ا هـ
-قال الشيخ أبو إسحاق : واستدل ابن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى : { لهدمت صوامع وبيع وصلوات } فقال : الصلوات لا تهدم ، وإنما أراد به مواضع الصلوات ، وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، قال : فلم يكن له عنه جواب. ا هـ.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : ذكر أبو عبيد في كتاب " الأموال " أن الصلوات بيوت تبنى في البراري للنصارى يصلون فيها في أسفارهم تسمى صلوتا ، فعربت صلوات ، ومنه قوله تعالى { لهدمت صوامع وبيع وصلوات } إنما أراد هذه البيوت على ما يروى في التفسير . هذا كلامه ، وهو غريب ، وعليه فلا حجة على داود إذ لا مجاز حينئذ. ا هـ.
◇فصل في وقوع المجاز في القرآن والحديث.
-اختلف العلماء في وقوع المجاز في القرآن العظيم، وفي الحديث الشّريف، كما اختلفوا في وقوعه في اللّغة كما تقدّم، فمذهب جماهير العلماء وأهل العلم وقوع المجاز في القرآن والحديث، وخالف في ذلك قليل منهم.
-قال الزّركشيُّ في البحر المحيط : وقع المجاز في القرآن على الأصح ، كقوله تعالى : { جدارا يريد أن ينقض } { لما طغى الماء } وقد صنف شيخ الإسلام ، عز الدين بن عبد السلام ، كتابا حافلا في ذلك ، وبه قال جمهور الفقهاء ، منهم أحمد بن حنبل ، فإنه قال في قوله تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } هذا من مجاز اللغة ، يقول الرجل للرجل : سنجري عليك رزقك . إنا نشتغل بك . ومنعه آخرون ، ونسبه الغزالي في المنخول " إلى الحشوية.
-قال ابن القشيري : وحكي عن الأستاذ أيضا، قلت : وكذا حكاه ابن برهان في " شرح الإرشاد " عن الأستاذ وابن خويز منداد، وهو قول أبي العباس بن القاصّ من أصحابنا فيما حكاه العبادي في الطبقات ، وحكوه عن داود الظاهري وابنه ، وحكاه أبو الوليد الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية ، وإليه ذهب منذر بن سعيد البلوطي في " أحكام القرآن " . وحكاه أبو عبد الله الصيمري من الحنفية في كتابه في الأصول عن أبي مسلم بن يحيى الأصفهاني . وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة عن أبي الفضل التميمي : إنه حكاه في كتابه " الأصول " عن أصحابهم ، ولذلك قال أبو حامد في أصوله " ليس في القرآن مجاز ، لكن المنصوص عن أحمد خلافه . وقيل : إنما أنكرت الظاهرية مجاز الاستعارة ، ونقله صاحب " الكبريت الأحمر " عن أبي الفتح المراغي. ا هـ.
◇والحاصل : خمسة مذاهب :
-أحدها : المنع مطلقا، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق، واختلف في ثبوته وتفسير مراده، ونقل عنه الجوينيّ في "البرهان" نصّا يدلّ على إقراره بالمجازِ، وأبي عليّ الفارسي في أحدى قوليه واختلف في ثبوته وقيل لم يصحّ عنه، وابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، قال ابن برهان : والأستاذ أبو إسحاق إذا أنكر المجاز في اللغة، فلإن ينكره في القرآن من طريق أولى.
-الثّاني: المنع في القرآن وحده، وهو مذهب القاضي وأبي حامد في "أصوله" وأبي داوود الظّاهريّ ، وابنه أبي بكرٍ، وابن خويز منداد من المالكبّة ، وإليه ذهب سعيد بن منذر البلّوطيّ في "أحكام القرآن" قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة عن أبي الفضل التّميميّ : أنّه حكاه في كتابه في "الأصول" عن أصحابهم، ولذلك قال أبو حامد في أصوله : ليس في القرآن مجازٌ ، ولكن المنصوص عن أحمد خلافه. ا هـ.
-الثّالثُ: المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما، وهو مذهب ابن القاصّ من الشّافعيّة، ومذهب الظّاهريّة، وحكى الإمام عن داوود الظّاهريّ في "المحصول" إنكار وقوعه في السّنّة واستنكره الأصفهانيّ وقال : إنّ المنع في السّنّة لا يعرف إلا في المحصول، وتفرّد به. ا هـ.
-قال القاضي في مختصر التقريب : يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن. ا هـ.
-قال ابن رشيق في العمدة: قال ابن فورك : من أنكر المجاز في القرآن ، فقد قال : إن القرآن نزل بلسان غير عربي ؛ لأن في اللسان العربي مجازا وحقيقة ، والقرآن نزل على لغتهم ، ومن نازع في إعطاء التسمية ؛ لأنه مجاز واستعارة ، فقد نازع في اللفظ مع تسليم المعنى المطلوب. ا هـ.
-ورّد عليهما الشّيخ الشّنقيطيّ في منع جواز المجاز : قال : فإن قيل كلّ ماج جاز في اللغة العربية جاز في القرآن لأنّه بلسان عربيّ مبينٍ؟.
فالجواب : أنّ هذه كليّة لا تصدق إلا جزئيّة وقد أجمع النّظار على أنّ المسوّرة تكذب لكذب سورها، كما تكذب الموجهة لكذب جهتها. ا هـ.
◇فصلٌ: في وقوع المجاز في اللغة.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : فالمجاز واقع في اللغة خلافا للأستاذ أبي إسحاق حيث قال : لا مجاز فيها ; لأن الحقائق شملت جميع المسميات ، فلا حاجة إلى التجوز، قال إمام الحرمين في "التلخيص": والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه ، وإن أراد أهل اللغة لم يسموه بذلك بل اسمه مع قرينة حقيقة فممنوع ، فإن كتبهم مشحونة بتلقيبه مجازا ، ولو صح كون المجموع حقيقة لم يقدح في تسميتهم الاسم بانفراده مجازا ، وقيل : الخلاف لفظي ; إذ هو لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله ، بل يشترط في ذلك القرينة ، ويسميه حينئذ حقيقة ، ولكن ينكر تسميته مجازا قاله إلكيا الطبري. ا هـ.
-قال الغزالي في المنخول : لعل الأستاذ أراد أنه ليس بثابت ثبوت الحقيقة ، ولا يظن بالأستاذ إنكار الاستعارات مع كثرتها ، ثم قال في باب التأويل. ا هـ.
-قال الأستاذ أبو إسحاق : الظاهر هو المجاز ، والنص هو الحقيقة ورب مجاز هو نص ، كقولنا : الخمر محرمة ، والتحريم لا يتعلق بالخمر حقيقة ، كقوله تعالى : { والحافظات } بعد قوله : { والحافظين فروجهم } مجاز في حفظ الفرج على الخصوص ، وهو نص في مقصوده ، فالوجه أن يقال : الظاهر ما يغلب على الظن فهم معنى منه. ا هـ .
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : فلينظر في مطابقة هذا النقل للمنقول منه هنا. ا هـ.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : ورأيت بخط ابن الصلاح في فوائد رحلته أن أبا القاسم بن كج حكى عن أبي علي الفارسي إنكار المجاز كقول الأستاذ ، وهو غريب ، عكس مقالة تلميذه ابن جني ، وفيه نظر ، فإن تلميذه أبا الفتح بن جني أعرف بمذهبه ، وقد نقل عنه في كتاب " الخصائص " عكس هذه المقالة : أن المجاز غالب اللغات كما هو مذهب ابن جني ، وقال : فإن قلت : فقد أحال سيبويه قولنا : شربت ماء البحر ، وهذا منع منه لوقوع المجاز، قلت : الذي منعه سيبويه حقيقة لامتناع تصوره ذلك ، أما إذا أريد البعض فلا شك في جوازه. اهـ.
-قال الشّوكانيّ في إرشاد الفحول: وقد قيل إنّ ابا عليّ الفارسيّ قائل بمثل هذه المقالة التّي قالها الإسفرايينيُ، وما أظنّ أن مثل أبي عليّ يقول ذلك؛ فإنّه إمام في اللّغة العربيّة الّذي لا يخفى عليه مثله مثل هذا الوضح البيّن الظّاهر الجليّ. اهـ.
-قال ابن جني في الخصائص : وذلك عامّة الأفعال نحو : قام زيد، وقعد عمرو، وانطلق بشر، وجاء الصّيف، وانهزم الشّتاء، ألا ترى أنّ الفعل يفاد منه معنى الجنسيّة، فقولك: قام زيد، معناه كان منه القيام، أي هذا الجنسَ من الفعل، ومعناه أنّه لم يكن منه كلّ القيام، فكذلك ضربت عمرا مجازاً، لأنّ الضّرب إنّما وقع على بعضه. اهـ.
-قال الإمام في المحصول : ادّعى ابن جني أنّ المجاز غالب على كلّ لغةٍ ، سواء لغة العرب وغيرها ، فإنّ قولنا : قام زيد يفيد المصدر ، وهو جنس يتناول جميع أفراد القيام ، وهو غير مراد بالضّرورة ، قال : وهذا ركيك فإنّ المصدر لا يدّل على أفراد الماهية بل على القدر المشترك. اهـ.
-قال تقي الدّين ابن دقيق العيد : فيه نظرٌ، لأنّ العلماء قالوا : إنّ القيام دالٌّ على المصدر فلا يدلّ بمطلقه على أنواع القيام بل يدلّ على الحقيقة لا غير. اهـ.
-قال العراقي في الغيث الهامع : وكيف يتناول جميع أفراد القيام ؟ والأفعال في معنى النّكرات ، والنّكرة في سياق الإثبات لا تعمّ ؟!. اهـ.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : وبالغ ابن جني فادعى أن الغالب على اللغة المجاز ، ونقله ابن السمعاني عن أبي زيد الدبوسي ، وقال تلميذ ابن جني عبد الله بن متويه : الكل مجاز وهما شاذان ، وعبارة ابن جني : وأكثر اللغة لمن تأمل مجاز لا حقيقة ، وذلك عامة الأفعال نحو قام زيد وقعد عمرو ، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام ، وكيف يصح ذلك وهو جنس ، والجنس يطلق على الماضي والحاضر ؟. وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير ، وحكي قريبا من ذلك عن أبي علي . وغرض ابن جني من هذا أن الله غير خالق لأفعال العباد كما صرح به بعد حيث قال : وكذلك أفعال القديم نحو خلق الله السماوات والأرض ونحوه . قال : لأنه - تعالى - لم يكن بذلك خالقا لأفعالنا ، ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعصيان وغيرهما من أفعالنا ، ويتعالى عن ذلك . قال : وكذلك علم الله بقيام زيد مجاز أيضا ; لأنها ليست الحالة التي علم عليها قيام عمرو ، ولسنا نثبت له تعالى علما ; لأنه - تعالى - عالم بنفسه إلا مع ذلك ، فعلم أنه ليست حالة علمه بجلوس عمرو هي حالة علمه بقيام زيد، قال : وكذلك ضربت عمرا مجاز ; لأن الضرب إنما وقع على بعضه . قلت : وقد استدرك بهذا المركب الصعب إلى أمور قبيحة تنزه الله عنها. ا هـ.
-قال الزّركشيّ في البحر المحيط : لم يبينوا الكلام في هذه المسألة هل هو في الوجوب والامتناع ، أو في الجواز كما هو في المشترك والمرادف ؟ وظاهر دليل الأستاذ أنه في الامتناع لاحتجاجه فإنه مخل بالتفاهم ، وهذا يناسب المنع. ا هـ.
-المجاز المجاز مشتق من الجواز ، والجواز في الأماكن حقيقة وهو العبور ، يقال : جزت الدار أي عبرتها ، ويستعمل في المعاني ، ومنه الجواز العقلي، أصله "مجوز" تحرّك حرف العلّة وقبله ساكن صحيحٌ، نقلت الحركة إلى السّاكن قبله، فصار "مجَوزٌ" ثمّ قلبت العلّة ألفا فصار مجازاً ، لتحرّكها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، وهو مصدر ميميّ معناه التّعديّة بمعنى الانتقال، وهو بهذا المعنى يعمّ العقليّ وغيره، فيكون باقيا على مصدريّته، ويطلق على الكلمة الجائزة، أو المجوز بها فيكون المراد منه اسم الفاعل، أو اسم المفعول وهذا الإطلاق هو الشّائع المتبادر عند الإطلاق، ومع ذلك قاصر على المجاز اللّغويّ، لأنّ العقليّ في الإسناد في الكلمة، فإن قلتَ: إذا كان هو المتبادر يكون حقيقة، وغيره مجازا ، وإذا كان كذلك بطل الاشتراك المدّعى أوّلا. أجيب: بإنّه لا يلزم من التّبادر أنّ غير المتبادر مجازٌ دائماً، بل قد يكون حقيقة كما هنا.
-قال أبو حيان في " البصائر " : المجاز طريق المعنى بالقول ، تقول : جاز يجوز جوازا ومجازا ، وإن جعلته مصدرا من ذلك كان الجواز كالسلوك فكأنه سلوك المعنى باللفظ. ا هـ.
-قال القاضي : يسمى مجازا ، لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعا منهم ، كتسمية الرجل الشجاع أسدا والبليد حمارا. ا هـ.
- قال الإمام : وهو حقيقة في المصدر ، ونقل منه إلى الفاعل ، وهو الجائز لما بينهما من العلاقة . ثم نقل منه إلى المعنى المصطلح عليه ، وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له أولا يناسب المصطلح. ا هـ.
◇واختلفوا في أن المجاز موضوع أم لا ؟ فقيل : موضوع كالحقيقة إلا أن الحقيقة بوضع أصلي ، والمجاز بوضع حادثٍ.
-وقيل ليس بموضوع ، بل الموضوع طريقه دون لفظه ؛ لأن في وضعهم الحقيقة غنية عن وضع المجاز ، ولكن وضعوا المجاز توسعة للناس في الكلام.
-وقيل : لم يضعوا لفظه ولا طريقه ؛ لأنه علة له ، ومتى كانت العلة موضوعة كان الحكم منصوصا عليه ، كالعلة في الأحكام الشرعية إذا كانت منصوصة كان الحكم الثابت فيها منصوصا فيفسد باب المجاز ، وهو خلاف إجماع أهل اللغة أن الكلام حقيقة ومجاز ، لكن المجاز عرف بالتأمل في أشعارهم.
◇والوضع في المجاز خلاف الوضع في الحقيقة ، فإنه في الحقيقة تعلق اللفظ بإزاء المعنى الذي جعل اللفظ حقيقة له ، وأما الوضع في المجاز على الخلاف فيه ، فالمراد به كما قاله الأصفهاني في " شرح المحصول " : أن يكون نوع ذلك المجاز منقولا عن العرب استعماله فيه ، كاستعمالهم الكل في الجزء وعكسه ، هكذا جعل هذا الخلاف هو الخلاف الآتي في أنه هل يشترط النقل وفيه نظر كما سبق.
-وقيل : الخلاف فيه يلتفت على تفسير الوضع بأنه التعيين مطلقا ، أو التعيين الذي بنفسه بغير واسطة.
-قال بعضهم : هو موضوع لا بمعنى توقف الاستعمال بعد المناسبة بإذن الواضع ، بل بمعنى أنه يتفرع على وضع الحقيقة ، ولهذا كان وضعا غير أولى.
-وإذا قلنا : إنه موضوع ، انقسم كالحقيقة إلى ثلاثة أقسام ، لغوي وشرعي وعرفي ، فالشرعي والعرفي يجيء فيهما الخلاف السابق، في الحقيقة الشرعية والعرفية.
-لمّا قرأت كتاب الإمام، شيخ الإسلام، سلطان العلماء، بائع الملوك والأمراء، عزّ الدّين بن عبد السّلام الشّافعيّ، المسمّى [ الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز ] وهو كتاب قيّم في بابه، سليل في خطابه، فريد في مجاله، عظيم في مقاله، وكتاب الشّيخ العلّامة أستاذ المتأخّرين، محمّد الأمين الشّنقيطيّ، المسّمى [ منع جواز المجاز فيما أنزل للتّعبّد والإعجاز، رحمة الله عليهما، وهو كتاب مفيدٌ، وبحثٌ وبحث سديدٌ، وطالعت من كتب المتقدّمين، وبحوث المتأخرين، ما يُحير الطّالب في تحديد موضوع الخلاف بين العلماء، الذين أجازو المجاز، والذين منعوه، وما يتعلّق به من المسائل العلميّة، والرّدود العلمائيّة، وأنّ من النّاس من خلط السّم في الدّسم، والغثّ في السّمن، حتّى أدّى إلى التّنافر بين المسلمين، والتّباعد بين طّلاب العلم، رأيتُ أن أجمع بحثا علميّا، في تبيين مذاهب العلماء في المجاز، والمقارنة، ولستُ أهلا للكتابة والجمع؛ لأنّ المقام مقام التّرجيح بين الأفكار، وإنّما أتمثّل بالمثل المشهور، خذ من هنا، وضع ههنا، وقل صاحبها أنا، ولم أزد على ذلك سوى ما فهمته من النّص والكلام، ثمّ حرّرته في المقام، وسأكثر النّقل عن العلماء، ولا أكتبُ شيئاً مهما أجدُ نقلا لعالم من العلماء الأجلّاء، وأكثر النّقل عن الإمام، علم الأعلام، المحقّق علم أصول الفقه، جامع العلم والفقه، الشّيخ بدر الدّين محمّد بن بهادر الزّركشيّ الشّافعيّ، لأنّه أحاط بكلّ شيء في كتابه البحر المحيط، والله حقّا إنّه البحر المحيط، والفلك المشحون ذو الثّقل والأطيط، مرجع جميع المتأخّرين، ومصدر العلماء الأصوليّين، وها نشرع الآن في المقصود، بإذن الملك المعبود، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.
-أهنّئ لجميع المسلمين في أقطار العالم، وللأخوة المشاركين معي في هذه القناة العلميّة، بحلول عيد الفطر المبارك، ونفخات الفرحة والسّرور، وأقدّم إليكم أسمى التّهانى والبركات، أعاده الله علينا باليمن والبركة، أعواما عديدة، وأزمنة مديدة، عيد سعيد، وموعد رغيد.
-اللّهمّ تقبّل منّا الصّيام، والقيام والصّدقات وصالح الأعمال، وأنزل اللهمّ بركات السّماء على المؤمنين، وأعزّ اللهمّ الإسلام والمسلمين، واحم اللّهمّ حوزة الدّين، وانصر اللّهمّ يا مولانا المستضعفين، إنّك على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.
-الأستاذة رضا جنديّة، تحليل تركيب حرفين أذغم الأوّل في الثّاني، وارتباطهما بعلم البلاغة العربيّة للمراعاة مقتضى الحال.
-هذه الكتب للشّيخ المتوفّى أستاذ البلاغة والنّقد في جامعة الأزهر الشّريف أبراهيم الخوليّ، رحمه الله تعالى وأكرم نزله.
Repost from أكاديمية الأسفار
مجلس سماع في كتاب: الغاية والتقريب
نبدأ المجلس في تمام الساعة الرابعة عصرا
الرابط:
https://t.me/AsfarAcademy?livestream=2f4da26bc3e0562da7
