الحديث وعلومه
Open in Telegram
Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
312
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
+1030 days
Data loading in progress...
Similar Channels
No data
Any problems? Please refresh the page or contact our support manager.
Tags Cloud
No data
Any problems? Please refresh the page or contact our support manager.
Incoming and Outgoing Mentions
---
---
---
---
---
---
Attracting Subscribers
September '26
September '26
+1
in 0 channels
August '26
+15
in 1 channels
Get PRO
July '26
+9
in 0 channels
Get PRO
June '26
+35
in 6 channels
Get PRO
May '26
+23
in 1 channels
Get PRO
April '26
+51
in 6 channels
Get PRO
March '26
+111
in 0 channels
Get PRO
February '260
in 5 channels
Get PRO
January '26
+14
in 2 channels
Get PRO
December '250
in 1 channels
Get PRO
November '25
+1
in 0 channels
Get PRO
October '250
in 0 channels
Get PRO
September '250
in 0 channels
Get PRO
August '25
+2
in 0 channels
Get PRO
July '250
in 0 channels
Get PRO
June '250
in 0 channels
Get PRO
May '250
in 0 channels
Get PRO
April '25
+5
in 0 channels
Get PRO
March '250
in 0 channels
Get PRO
February '25
+9
in 0 channels
Get PRO
January '250
in 1 channels
Get PRO
December '240
in 0 channels
Get PRO
November '24
+5
in 0 channels
Get PRO
October '240
in 0 channels
Get PRO
September '240
in 0 channels
Get PRO
August '240
in 0 channels
Get PRO
July '24
+13
in 0 channels
Get PRO
June '240
in 0 channels
Get PRO
May '240
in 1 channels
Get PRO
April '24
+2
in 1 channels
Get PRO
March '240
in 0 channels
Get PRO
February '24
+81
in 0 channels
| Date | Subscriber Growth | Mentions | Channels | |
| 09 September | 0 | |||
| 08 September | +1 | |||
| 07 September | 0 | |||
| 06 September | 0 | |||
| 05 September | 0 | |||
| 04 September | 0 | |||
| 03 September | 0 | |||
| 02 September | 0 | |||
| 01 September | 0 |
Channel Posts
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،،،
الإنسان كلما ازداد تعلقًا بالدنيا، وما فيها من المناصب والامتيازات والمكاسب، أصبحت موازنة المصالح عنده أكثر حضورًا، وصار بيان الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يصطدم أحيانًا بالخوف على تلك المكاسب أو الخشية من فقدانها، فينشأ عن ذلك نوعٌ من التحفظ في الخطاب، والتردد في المواقف، وربما السكوت عما كان ينبغي بيانه.
وهذه سنة يعرفها كل من تأمل أحوال الناس؛ فإن الامتيازات الدنيوية تفرض على صاحبها قيودًا قد يشعر بها أو لا يشعر، في حين يبقى آخرون أقل تعلقًا بهذه الاعتبارات، فيتكلمون بكلمة الحق بجرأةٍ أشد، وربما كانت عندهم - بحسب نظرنا - غلظة في العبارة، أو قسوة في الأسلوب، أو ضعف في التحرير العلمي والخطابي.
ومع ذلك، فإن هؤلاء قد يكونون - في بعض المواطن والأزمنة - أقوم بالقيام بجانبٍ من الحق، وأقدر على إظهاره ممن قيدتهم الاعتبارات الدنيوية. فلا يجوز أن يُنظر إلى ما عندهم من الأخطاء فيُهدر بذلك ما عندهم من الفضائل، ولا أن تُنسى حسناتهم بسبب زلاتهم.
والواجب أن تُعالج أخطاؤهم كما تُعالج المشكلات داخل الأسرة؛ فالأب لا يوبخ أبناءه أمام الناس، ولا الأم تعاتب بناتها على رؤوس الأشهاد، وإنما يكون النصح في دائرة المودة، ويظل حبل الأخوة محفوظًا، والحقوق مصونة.
وكذلك ينبغي أن يكون تعاملنا مع إخواننا من الدعاة والمحتسبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. فإذا وقع من أحدهم تجاوز أو خطأ، وجب بيان موطن الخطأ، لكن دون تشهير، ودون انتقاص، ودون إسقاطٍ لمكانته، بل يُذكر خطؤه مقرونًا بذكر فضله، وسابقته، وحقه، وما قدمه للإسلام والمسلمين.
فهم إخواننا، ولهم علينا حق الأخوة والنصيحة والذب عن أعراضهم، كما أن عليهم قبول الحق والرجوع إليه إذا تبين لهم. ومن تمام العدل أن نجمع بين الإنصاف في تقويم الأخطاء، والوفاء لأهل الفضل بفضلهم.
ولعل الله سبحانه وتعالى يجعل في بعض أولئك من الجرأة في نصرة الحق، والصدع به، ما لا نجده في أنفسنا، أو ما حالت بيننا وبينه اعتبارات الحياة ومصالحها. فلنحفظ لهم قدرهم، ولنأخذ منهم ما وافق الحق، ولننصحهم فيما أخطؤوا فيه، فإن اجتماع الكلمة، وحفظ الأخوة، مع بقاء النصيحة والإنصاف، من أعظم أسباب قوة أهل السنة وثباتهم .
| 2 | تعليقات_على_ثلاثة_الأصول_وأدلتها_غلاف_جديد.pdf | 88 |
| 3 | تعديل للغلاف والشكر للشيخ عمر السعدي بارك الله فيه | 118 |
| 4 | تعليقات_على_ثلاثة_الأصول_وأدلتها_4_8_2026.pdf | 36 |
| 5 | تعليقات_على_ثلاثة_الأصول_وأدلتها_4_8_2026.pdf | 1 |
| 6 | مسألة:
هل طالبُ العلم، حينما يريد قراءةَ كتابٍ من كتب العلم، أو حضور درس علمي، مكلَّفٌ بتحقيق عقيدة صاحب هذا الكتاب، وصاحب هذا الدرس العلمي، ثم الحكم عليه:
عدالةً أو فسقًا أو كفرًا؟
طالبُ العلم ليس مكلَّفًا بشيءٍ من ذلك، بل تكليفُ طالب العلم أن يحقق مذهبَ أهل السنة والجماعة، وأن يكون على المعتقد الصحيح بفهمٍ وعلم، حتى إذا حضر درسًا، أو قرأ كتابًا، عرف مواطنَ الصواب فانتفع بها، وعرف مواطنَ الخلل فاجتنبها وتركها. | 145 |
| 7 | فائدة في مراحل الكتابة في اصطلاح أهل الحديث:
مرَّ التصنيف في هذا الفن على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة القواعد المنثورة والمسائل الموزعة، فلم يجمعها كتاب، ولم يُقصد جمعها ولا ترتيبها.
وهذه المرحلة من زمن النبي ﷺ إلى زمن كبار الأئمة في هذا العلم، يعني إلى نهاية القرن الثالث الهجري تقريبًا. وكانت على هيئة قواعد - أو أحكام تفيد ذلك - موزعة في كتب السؤالات والعلل، وأوائل الكتب الحديثية أو في أواخرها، مثل سؤالات ابن المديني، وسؤالات أحمد، وغيرها، ففيها قواعد وإشارات إلى هذا الفن.
وأما أثناء الكتب الحديثية، فهناك مثلا صحيح البخاري، فإن الإمام البخاري رحمه الله بوَّب تبويبات رائعة في هذا الفن، كما في كتاب العلم وخبر الآحاد من صحيحه : مثل طرائق التحمل القراءة، وسنِّ التحمل والرواية، وله تبويبات عظيمة متناثرة، فيها قواعد لاصطلاح الحديث.
وكذلك مقدمات الكتب، فالإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه ناقش بعض مسائل هذا العلم، ليس على سبيل البسط والتوسع، وإنما ناقش بعضها.
وكذلك في أخريات الكتب الحديثية، مثل كتاب العلل للإمام الترمذي، فإنه في آخر كتابه السنن كتب رسالة سميت العلل الصغير، ناقش فيها بعض مسائل هذا الفن أيضًا.
المرحلة الثانية: هي مرحلة الجمع، ورائد هذه المرحلة -إن اصطلحنا على ذلك- الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتبه المفرقة ومن أهمها كتاب معرفة علوم الحديث، وكذلك القاضي الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل. وهؤلاء - لطبيعة الزمن ما شغّلوا بالتحرير - على مفهوم المتأخرين - بقدر الجمع، فجمعوا مسائل هذا الفن.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التحرير، والداعي لذلك استقرار العلوم واستقلالها فحُررت مسائل هذا الفن، ورائد هذه المدرسة ابن الصلاح رحمه الله، فقد جمع في كتابه مقدمة علوم الحديث جميع مسائل هذا الفن، وتقصد حصرها - والحصر متعذر -، وتحريرها وترتيب مباحثها رحمه الله.
وكل من ألَّف في مصطلح الحديث بعد ابن الصلاح فهو عالة عليه، ويدور في فلكه ترتيبا وتحريرا إما موفقة أو استدراكا ونقاشا .
فهذه مراحل التصنيف في اصطلاح الحديث، رحم الله الجميع وجزاهم بالحسنات إحسانا، وعن التقصير والزلل عفوا وغفرانا. | 186 |
| 8 | من الأسئلة التي تُذكر في بعض المجالس العلمية، وقد سُئلت عنها قبل أيام :
أن الإمام البخاري رحمه الله قد أخذ العلم عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهذا أمرٌ مقطوع به، ولا يُعرف فيه خلاف بين أهل العلم. لكن: إذا كان البخاري قد انتفع بالإمام أحمد هذا الانتفاع العظيم، وثبتت بينهما التلمذة؛ فلماذا قلَّت روايته عنه في صحيحه؟
والجواب:
ابتداء : العلماء قد اختلفوا في ثلاثة مواضع من صحيح البخاري ورد فيها قوله: «حدثنا أحمد»، هل المراد به الإمام أحمد بن حنبل أو غيره؟ أما الموضع الذي يروي فيه عن أحمد بن الحسن، عن أحمد بن حنبل، فليس محلَّ النزاع. وعلى كل حال، فإن عدد الروايات التي يرويها البخاري عن الإمام أحمد قليلٌ جدًا، إذا قورن بعدد أسانيد الصحيح التي تبلغ نحو (7500) إسناد.
وهذا ليس أمرًا مستغربًا، بل له نظائر كثيرة عند الأئمة. فالإمام أحمد نفسه كان من أكثر الناس انتفاعًا بالإمام الشافعي، حتى عُدَّ من أبرز تلامذته، ومع ذلك لم يكثر الرواية عنه في المسند، مع أن المسند يضم ما يقارب (27000) إسناد، وإنما روى عنه روايات يسيرة.
وكذلك الإمام الترمذي مع شيخه الإمام البخاري؛ فقد صرَّح الترمذي بعظيم انتفاعه به، حتى قال ما معناه: إنه ما رأى أحدًا ولا انتفع بأحد مثل انتفاعه بالبخاري. ومع ذلك، فإن روايات البخاري في سنن الترمذي قليلة جدًا.
وسرُّ ذلك أن الأئمة كانوا يفرِّقون بين الانتفاع بالشيخ وبين الرواية عنه؛ فليست كثرة الرواية دليلًا على كثرة الانتفاع، كما أن قلتها ليست دليلًا على عدم الأخذ عنه.
فقد يجلس الطالب عند شيخ أيامًا معدودة، ثم يروي عنه مئات الأحاديث، لأنه يحتاج إلى علوِّ إسناده أو إلى ما عنده من المرويات. وقد يمكث عند شيخ آخر سنوات طويلة، فلا يروي عنه إلا القليل، أو لا يروي عنه شيئًا، لأنه إنما أخذ عنه منهج العلم، وأصوله، وطرائق النقد، وملكة الفهم والاستنباط.
ولهذا انتفع الإمام الترمذي من الإمام البخاري في معرفة العلل، ونقد الأسانيد، والحكم على الرواة، ومعرفة مراتبهم، وهي علومٌ كان البخاري إمامًا فيها، ولم يكن الترمذي محتاجًا إلى الإكثار من الرواية عنه؛ لتقارب طبقتهما، وإمكان حصوله على أسانيد أعلى.
وكذلك الإمام أحمد مع الإمام الشافعي؛ فلم يكن محتاجًا إلى الشافعي من جهة الرواية، إذ كان عنده شيوخ كثيرون، وفيهم من هو أعلى إسنادًا وأقدم سماعًا، ولكنه كان محتاجًا إلى فقه الشافعي، وأصوله، وطريقته في الاستدلال، فأخذ ذلك عنه وانتفع به أعظم الانتفاع، وكذلك الحال بين الإمامين أحمد والبخاري .
ومن هنا يُعلم أن قلة رواية الإمام البخاري عن الإمام أحمد، أو قلة رواية الإمام أحمد عن الإمام الشافعي، ليست دليلًا على قلة الانتفاع، وإنما هي من دقائق منهج المحدثين في التفريق بين تحصيل الرواية وبين تحصيل الدراية.
ويشهد لهذا ما نجده في كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري؛ فإنه ينقل كثيرًا من أقوال الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في نقد الرواة، وإثبات السماع ونفيه، وبيان مراتب الرجال، مع ندرة روايته عنهما في كتبه.
وهذا يدل على عظيم اعتماده عليهم في باب المعرفة والنقد، وإن لم يُكثر الرواية عنهم في الصحيح.
نسأل الله التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين. | 339 |
| 9 | بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
مما يقوله خطباؤنا، ويفتتحون به خطبهم في كل جمعة، آيات عظيمة سنَّ رسولنا ﷺ افتتاح الخطب بها، ومنها قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أمر الله سبحانه وتعالى بتقواه، وهذا ظاهر، وأمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، وهذا ظاهر أيضًا، وإنما نقف وقفة يسيرة مع القول السديد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، ورتب عليه صلاح العمل ومغفرة الذنب.
فالقول السديد هو كل ما يرضاه الله سبحانه وتعالى ويحبه، وكل قول دل عليه محمد ﷺ وحث عليه. وأعلى القول السديد كلام الله سبحانه وتعالى؛ فلا ينقطع أحدنا عن قراءة كتاب ربه آناء الليل وأطراف النهار، بل يكون له ورد دائم من كلام ربه سبحانه وبحمده.
ومن القول السديد: إذا قام الإنسان بين يدي الله سبحانه وتعالى يناجيه في صلاته، أن يحسن قراءة ما معه من كتاب الله، فإن زلَّ أو أخطأ، وتهاون في تصحيح قراءته، فليس هذا من القول السديد. فالواجب على المسلم أن يبذل وسعه وطاقته في تصحيح ما يقرؤه من كلام ربه سبحانه وتعالى.
ومن القول السديد: المحافظة على أذكار الصباح والمساء، التي يتعاهد بها العبد حفظ ربه له، ورعايته، وكلاءته سبحانه، ويتعاهد بها إيمانه بربه، وتسليمه له، ورضاه بما قدره عليه؛ فلا يتركها المسلم.
ومن القول السديد: أن يكون ذكر الله سبحانه وتعالى هو الغالب على لسان المسلم، بل يكون أكثر من الكلام المباح. ولسنا نتحدث هنا عن الكلام الذي حرمه الله تعالى، من الفحش، والباطل، والفجور، والبهتان، والغيبة، والنميمة، وغيرها، فذلك محرم في الأصل، وإنما الكلام عن المباحات؛ فيكون ذكر الله سبحانه وتعالى على لسان المؤمن أكثر من كلامه المباح، وهذا من أجلِّ القول السديد.
ومن القول السديد: إذا تكلم الإنسان مع أهل بيته، في حال الرضا أو في حال الغضب، أن يختار أحسن الكلام، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
ويعقوب عليه السلام ينبه ابنه يوسف، فيقول: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. فالأمر ليس متعلقًا بمحبة أهل بيتك، أو إخوانك، أو أرحامك لك، وإنما يتعلق بالشيطان الذي أعلن عداوته للإنسان، فهو الذي يلقي في القلوب بسبب بعض الكلمات شيئًا من البغضاء والحقد والكراهية.
فلذلك يلزم الإنسان القول الأحسن، والكلام السديد، حتى مع أهل بيته. وإن لم يستطع أن يتكلم بالكلام الحسن، وكان في حال غضب، فليسكت؛ فإن السكوت في هذه الحال من القول السديد.
وكذلك مع كل من عرف ومن لم يعرف من المسلمين، يلزم الإنسان أسدَّ القول وأحسنه، وأبعده عن الأذى والزلل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح قلوبنا، ويصلح أعمالنا، وأن يرزقنا السداد في أقوالنا وأفعالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. | 121 |
| 10 | قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
في هذه الآية تشريف، وتكليف، وميزان.
أما التشريف؛ ففي ثناء الله عز وجل على العلماء، إذ جعلهم أحقَّ الناس بالاتعاظ بآياته الكونية العظيمة، وأعمقهم فهمًا لدلالاتها، حتى أورثهم ذلك خشيته سبحانه، والقيام بحقه، وتعظيم أمره.
وأما التكليف؛ فهو أن يتعاهد العالم وطالب العلم سيره في طريق العلم، فيسأل نفسه: هل يزداد مع كل ازديادٍ في العلم خشيةً لربه سبحانه؟ فإن حقيقة العلم ليست كثرة المحفوظات، ولا سعة المعلومات، وإنما هي التحقق بعبودية الله تعالى، وامتلاء القلب بخشيته، وما هذه المحفوظات والمعلومات إلا وسيلة للتحقق بذلك.
وأما الميزان؛ فإن أعظم ما يُوزن به العلم أثرُه على صاحبه؛ فإنما يُنتفع بالعالم علمًا واقتداءً إذا ظهرت آثار العلم على سمته وعبادته وخشيته. ولهذا لما سُئل الإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال: سلوا عبد الوهاب. فقيل له: إنه ليس له اتساع في العلم! فقال أبو عبد الله: إنه رجل صالح، ومثله يُوفَّق لإصابة الحق.
فصلاح العالم، وخشيته لربه، واستقامته على أمره، من أعظم أسباب التوفيق إلى الحق، وأدعى إلى قبول قوله، والانتفاع بعلمه. | 109 |
| 11 | بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واتبع هداه إلى يوم الدين.
لماذا نصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
نصلي عليه صلى الله عليه وآله وسلم لعدة أمور عظيمة منها:
امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، إذ يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
ورجاء أن ننال هذا الفضل العظيم، وهو أن يذكرنا الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا».
وأن تُعرض صلاتنا وسلامنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلك شرفًا لنا وذخرًا يوم القيامة؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ». وقد وكَّل الله سبحانه وتعالى ملائكة يبلغون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة أمته وسلامهم عليه.
فهذه مكرمات عظيمة، ومنح جليلة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا منها أوفر الحظ والنصيب، وأن يرزقنا أجرها وبركتها.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وزد على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، يا رب العالمين
(فوائد الشيخ فهد اللاحقي) | 113 |
| 12 | يا عبدَ الله، اتقِ الله في بصرك وقلبك، واعلم أن الله سائلك عن عمرك فيما أفنيته، وعن سمعك وبصرك فيما استعملتهما.
وكم في هذه المباريات من منكراتٍ ظاهرة؛ من شعاراتٍ تخالف عقيدة التوحيد، ومشاهدَ للتبرج والسفور، وسماعِ المعازف، وكشفِ العورات، حتى أصبح كثيرٌ من الناس يعتاد رؤية المنكر فلا ينكره، بل يفرح به ويدعو إليه.
فإن غلبتك نفسك فابتُليت بمتابعة شيءٍ من ذلك، فلا تجمع إلى الابتلاء معصيةً أخرى، فتُجاهر بها في حالات الواتس أو غيرها من وسائل التواصل؛ فإن النبي ﷺ قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين».
أيُّ خيرٍ ترجوه من نشر مباراةٍ امتلأت بالمخالفات؟! وأيُّ نفعٍ يعود عليك إذا دعوت الناس إليها أو أشعرتهم باهتمامك بها؟! لن تُقدِّم فريقًا، ولن تُؤخِّر آخر، ولكنك قد تفتح على نفسك بابًا من الإثم، وتحمل أوزار من اقتدى بك أو شاركك الغفلة.
فاستحْ من الله حق الحياء، وعظِّم حرماته، واشتغل بما ينفعك في دينك ودنياك، واحذر أن تجتمع في قلبك محبةُ الطاعة مع التهوين من المعصية، أو أن تجمع على نفسك ضعفَ الإيمان، وقلةَ الحياء، ونقصَ المروءة.
ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومن عظم الله في خلواته وجلواته عظَّمه الله في الدنيا والآخرة. | 107 |
| 13 | بسم الله الرحمن الرحيم
قانون الطوارئ الفكري
منذ استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، طرأ على مسألة الحكم والخلافة ما يمكن أن يُطلق عليه -بلغة العصر- “نظام الطوارئ”. فبعد انتهاء حقبة الخلافة الراشدة صار الحكم ملكًا، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إشكالات كثيرة في باب الإمامة والسياسة الشرعية، فانصرف علماء الإسلام إلى بحثها، وكان همُّهم الأول الوصول إلى الحكم الشرعي الذي يضبط تلك الوقائع ويبين الموقف منها.
وليس مقصودي الحديث عن تلك المرحلة، وإنما أردت الانطلاق منها إلى معنى آخر.
فمنذ انفتاح العالم الإسلامي على العالم الغربي انفتاح إعجاب وذهول، أصيب كثير من المسلمين بهزيمة نفسية وضعف في الثقة بدينهم، حتى أصبح المعيار عند طائفة منهم في التقدم والرقي والتحضر هو كل ما وصل إليه الغرب من تطور، سواء في الأفكار، أو الأنظمة، أو الأخلاق، أو غيرها. وغفل هؤلاء عن حقيقة مهمة، وهي أن كثيرًا من هذه النظم والنظريات ليست حقائق ثابتة، وإنما هي مراحل زمنية متغيرة، تتبدل بتبدل القناعات والضغوط الاجتماعية والسياسية.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما يطالب به بعض الكتّاب والباحثين من إعادة النظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالحكم والسياسة؛ بحجة أنها لا تنسجم مع النظريات السياسية الحديثة التي استقر عليها الغرب، وأن التمسك بها يعد تخلفًا ورجعية.
وهؤلاء ينسون -أو يتناسون- أن الغرب لم يصل إلى هذه النظم إلا بعد قرون طويلة من الاستبداد والظلم، وسفك الدماء، وأكل أموال الناس بالباطل، وأن هذه النظريات نفسها ليست مقدسة عندهم، بل تتغير من جيل إلى جيل.
فالنظريات السياسية التي كان بعض المسلمين قبل مائة سنة يدعون إلى مواكبتها، ويطالبون بمراجعة السنة النبوية في ضوئها، قد تغير كثير منها اليوم، ولم تعد محل إجلال حتى عند أصحابها. وعلى هذا المنطق نفسه، ينبغي -إذا التزموا بهذا المعيار- أن يعيدوا النظر مرة أخرى في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لتتوافق مع الطرح الغربي الجديد، ثم يعيدوا النظر مرة ثالثة إذا تغير الغرب، وهكذا إلى ما لا نهاية.
وهذا هو الذي أسميه “قانون الطوارئ الفكري”؛ إذ تصبح النصوص الشرعية في حالة مراجعة مستمرة كلما تبدلت الأذواق الفكرية في الغرب.
ولا يقف الأمر عند السياسة، بل يتجاوزها إلى الأخلاق والسيرة النبوية.
فنجد من يناقش أحكام الرق، أو زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، أو تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم، لا انطلاقًا من البحث عن الحق، وإنما لأن هذه القضايا أصبحت في الثقافة الغربية المعاصرة محل استنكار، فيظن أن الذب عن الإسلام لا يكون إلا بإعادة تفسير النصوص، أو تأويلها، أو الطعن في الروايات الصحيحة، وربما التعلق بالروايات الضعيفة؛ حتى لا يبقى بين الإسلام وبين الثقافة الغربية المعاصرة موضع اختلاف.
والعجيب أن النظام الغربي الذي يُجعل اليوم ميزانًا لمحاكمة الشريعة والسيرة، كان قبل عقود قليلة يقر صورًا من الاستعمار والاستعباد والتمييز العنصري، وهي من أبشع ما عرفه التاريخ الحديث. ثم تغيرت موازينه، فصار يهاجم غيره بما كان هو واقعًا فيه.
بل إن النظام نفسه الذي كان يعيب على المسلمين زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، ويصفه بما يصفه من الظلم والتخلف، هو النظام ذاته الذي يجيز اليوم زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ولا يرى بأسًا في العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج إذا وقعت برضا الطرفين.
فهل هذا هو الميزان الذي ينبغي أن نُخضع له تاريخنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وشريعتنا؟
إن الأمثلة على ذلك كثيرة لا تنتهي، وإنما يجمعها أصل واحد، وهو أن طائفة من المسلمين أصابها ضعف في اليقين، فصار معيار الحق عندها هو موافقة الغرب، لا موافقة الوحي. فإذا وافق الغرب حكمًا فرحوا به، وإذا خالفه جعلوا النصوص الشرعية هي التي تحتاج إلى إعادة قراءة.
ولهذا رأينا بعض الباحثين يعبثون بتاريخ الإسلام، ويعيدون النظر في السنة النبوية والسيرة المطهرة، ويزعمون أن مقصدهم الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الدافع الحقيقي في كثير من هذه المحاولات ليس البحث عن الحق، ولا طلب الصواب، وإنما التخلص من الحرج أمام الثقافة الغربية، حتى لا تكون بين الإسلام وبينها مسافة اختلاف.
ولو كان الرائد هو معرفة الحق لكان الواجب أن يُوزن الغرب بميزان الوحي، لا أن يُوزن الوحي بميزان الغرب. أما جعل الشريعة في حالة طوارئ دائمة، تتبدل مع كل تحول فكري أو أخلاقي في الحضارة الغربية، فذلك مسلك لا يقف عند حد، ولا ينتهي إلى قرار؛ لأن الحضارات البشرية متقلبة، أما الوحي فثابت، وهو الميزان الذي توزن به الأفكار، لا الميزان الذي يُوزن بها. | 134 |
| 14 | بسم الله الرحمن الرحيم
من الخلل الذي قد يقع فيه بعض طلاب العلم أننا نتقن صناعة التنظير، ونشبع الفكرة بحثًا، ونجملها طرحًا، وربما تكلمنا عنها بكلام يأسر السامعين، ثم إذا جاءت ساعة التطبيق لم نجد من أنفسنا ما يصدق ذلك التنظير.
ومن الأمثلة على ذلك: حضور المجالس العلمية التي يقيمها الأقران.
ولست أقصد المجالس المطولة التي قد تعترضها الأعذار، وإنما أقصد المحاضرات، والدورات المختصرة، واللقاءات العلمية التي لا تستغرق وقتًا طويلًا.
فكم نجد من أنفسنا عزوفًا عنها، ومن أعظم أسباب ذلك أن الملقي هو فلان؛ القرين لنا في السن، و الطلب، و نعرفه ويعرفنا، فتضعف الهمة في الحضور، وكأن العلم لا يؤخذ إلا ممن علت منزلته في أعيننا، مع أننا لو سئلنا عن فضل حضور مجالس العلم لذكرنا من النصوص والآثار ما يملأ المجالس.
وأقول مذكرًا نفسي أولًا، ثم إخواني:
إن مجرد حضورك مجلسًا من مجالس العلم كرامة عظيمة، وقد استقر في نفوس المسلمين جميعًا فضل هذه المجالس، وكلنا نحفظ ما ثبت في الصحيحين من حديث النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه سبحانه أنه قال للملائكة بعدما ذكروا الرجل الذي ليس منهم وإنما جاء لحاجة: «قد غفرت لهم… هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»؛ وتأمل؛ هذا فيمن حضر بغير نية، و مقصوده مباين لأهل المجلس وتحصّل هذه الكرامات العظيمة فكيف بمن قصده ونيته حاضرة! وكفى به باعثًا على المسارعة إليها.
فمجالس العلم مجالس تتنزل فيها السكينة، وتحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده، كيف يزهد فيها طالب علم يحفظ هذه الفضائل، ثم يمنعه من حضورها أن المتحدث قرينه أو صاحبه؟
ومن الفوائد العظيمة أيضًا ما قاله بعض السلف: “لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.”
وهذه الكلمة أوسع معنى مما قد يتبادر إلى الذهن؛ فليس المراد أن يتساوى الأخذ عن الجميع، فإن الأخذ عن كبار العلماء ليس كالأخذ عن الأقران، وليس كالأخذ عمن هو دونهم، ولكن المراد أن العلم لا يأتي على صورة واحدة، ولا يفتح الله على عباده فتحًا واحدًا.
فقد تسمع من قرينك فائدة ما سمعتها من قبل، أو يقف بك على كتاب غفلت عنه، أو ترى منه حسن ترتيب للمادة العلمية، أو جودة في الاستدلال، أو طريقة مؤثرة في الإلقاء والتعليم، فتنتفع بذلك.
وقد لا ترى شيئًا من ذلك، فتنتفع أيضًا؛ إذ تعرف ما ينبغي اجتنابه، وما يحتاج إلى تكميل، وما لا يحسن أن يسلكه المعلم في عرضه للعلم. وكل ذلك من العلم.
ومن أعظم ثمرات حضور هذه المجالس أنك تقوي قلب أخيك.
فالمؤمن قوي بإخوانه، وإذا رأى طالب العلم إخوانه قد حضروا مجلسه، واستمعوا إليه، وشجعوه، كان لذلك أثر بالغ في نفسه، وزاده رغبة في بذل العلم، وإحسان عرضه، والاستمرار في نشره. وهذه من صور التعاون على البر والتقوى التي قد يغفل عنها كثير من الناس.
ومن ثمراتها كذلك أنك تعرف مواطن القوة والضعف عند أخيك، فتكون له كالمرآة؛ تنصحه فيما قصر فيه، وتعينه على إكمال ما نقص، وتشكره على ما أحسن، وتدعو له بالتوفيق والثبات. وهكذا يكون حضورك صورة عملية من صور التناصح في العلم، والأمر بالمعروف، والتعاون على الخير.
ولهذا فإن حضور طالب العلم لمجالس أقرانه ليس أمرًا ثانويًا، بل هو باب من أبواب التربية قبل أن يكون بابًا من أبواب التحصيل.
وأختم بفائدة أراها من أعظم الفوائد:
لو لم يكن في حضورك لمجالس أقرانك إلا أنه يكسر ما قد يتسلل إلى النفس من التعاظم العلمي، أو الشعور بالاكتفاء، أو رؤية الفضل للنفس؛ لكفى بذلك نعمة عظيمة.
فالعلم قد يدخله من آفات النفوس ما لا يشعر به صاحبه، ومن أعظم وسائل تهذيبها أن تجلس مستفيدًا، ولو كان المتحدث ممن هو في سنك، أو ممن بدأ الطلب بعدك، أو كان دونك في بعض الوجوه.
إن جلوسك بين يدي أخيك، وإنصاتك إليه، وإظهارك الرغبة في الاستفادة، يربي النفس على التواضع، ويكسر سلطان الكبر الخفي، ويجدد فيها معنى الافتقار إلى العلم.
كما أن رؤية الناس لك وأنت تحضر لمجالس إخوانك تربي المجتمع العلمي على التواضع، وتغرس ثقافة التعاون بدل المنافسة، والتكامل بدل التعالي، والحرص على هذه المجالس.
فليتعاهد كل واحد منا قلبه قبل علمه، وليفتش عن نيته قبل أن يفتش عن معلوماته؛ فإن صلاح القلب هو أعظم ما يعين على الانتفاع بالعلم ونفع الناس به.
أسأل الله أن يصلح قلوبنا، ويطهر نياتنا، ويرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والتواضع للحق، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. | 776 |
| 15 | صورة.pdf | 207 |
| 16 | قال الزاهد أحمد بن أبي الحواري لصاحبه الزاهد أبي سليمان الداراني رحمهما الله:
«إنَّ فلانًا وفلانًا لا يقعان على قلبي».
فقال: «ولا على قلبي، ولكن لعلَّنا إنما أُتينا من قَلبي وقلبك، فليس فينا خير، ولسنا نحب الصالحين» | 186 |
| 17 | بسم الله الرحمن الرحيم
قد يستشكل بعض الناس أمرًا يكثر وقوعه، وهو أن بعض السحرة يأمر من يأتيه بقراءة شيء من القرآن أو المحافظة على بعض الأذكار، فيظن من لا معرفة له بحقائق الأمور أن هذا دليل على صحة طريقته وسلامة معتقده، وهذا من التلبيس الذي ينبغي التنبه له.
فإن وجود الحق في بعض كلام الرجل أو فعله لا يستلزم صحة طريقته ولا سلامة مقصده؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فأخبر سبحانه أن الفاسق قد يأتي بالنبأ، ولم يكن مجيئه به موجبًا لقبوله مطلقًا، بل أمر بالتثبت والنظر.
وفي الحديث الصحيح أن الشيطان أخبر أبا هريرة رضي الله عنه بفضل آية الكرسي، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال: «صدقك وهو كذوب». فجمع النبي ﷺ بين الأمرين: إثبات صدقه في هذه المسألة، والحكم عليه بأنه كذوب. فليس كل من قال حقًا كان من أهله، ولا كل من استدل بآية أو ذكر كان على هدى.
بل إن الله سبحانه أخبر عن السحرة أنفسهم فقال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، ومع ذلك ذكر أن الملكين كانا يقولان لمن يأتيهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وتأمل أن من يعلم السحر هم ملائكة! ومع ذلك ففعلهم كفر وضلال، فوجود كلمة حق في أثناء الباطل لم يغيّر حقيقة السحر، ولم يخرجه عن كونه من أعظم أبواب الضلال.
وكذلك المنافقون، كانوا يصلون مع المسلمين، ويشهدون المشاهد، وربما ذكروا الله بألسنتهم، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فلم يكن وجود الصلاة مانعًا من وصفهم بالنفاق، لأن العبرة بحقيقة الحال لا بصورة العمل.
ومن أعظم الشواهد على ذلك مسجد الضرار؛ فإن المنافقين بنوه في صورة مسجد يذكر فيه اسم الله وتقام فيه الصلاة، ومع ذلك أمر الله رسوله ﷺ أن لا يقوم فيه أبدًا، لأن المقصود منه كان الإضرار بالمؤمنين والتفريق بينهم. فليست العبرة بالأسماء ولا بالصور الظاهرة، وإنما العبرة بالحقائق والمقاصد.
ولهذا كان المنافقون إذا لقوا المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، فأظهروا شعار الإيمان، ولم ينفعهم ذلك عند الله.
فإذا تبين هذا زال الإشكال، وعُلم أن أمر الساحر بقراءة بعض الآيات أو الأذكار لا يدل على صحة طريقته، فقد يخلط الحق بالباطل ليقبل الناس باطله، كما أن الشيطان قد يصدق في كلمة، والمنافق قد يصلي، وأهل الضلال قد يستدلون ببعض النصوص.
فالميزان الذي يعرف به أهل الحق من أهل الباطل ليس مجرد سماع آية أو ذكر، وإنما النظر إلى مجموع حال الرجل ومنهجه وعمله؛ فإن كان متلبسًا بالسحر، أو مستعينًا بالشياطين، أو آتيًا بما يعرف به السحرة من الطلاسم والشركيات، لم يغن عنه ما يذكره من آية أو ذكر، ولم يكن ذلك موجبًا لحسن الظن ولهذا كان الواجب على المسلم أن يحذر من الاغترار بالظواهر، وأن يعرض الأقوال والأعمال على الكتاب والسنة، فإن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق .
أملاه : فهد بن ثقيل اللاحقي | 181 |
| 18 | بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾.
تأمل هذا المشهد العظيم من مشاهد يوم القيامة؛ الجنة في جانب، والنار في جانب، وبينهما حجاب، وعلى الأعراف رجال ينظرون إلى الفريقين، فيعرفون أهل الجنة بسيماهم، ويعرفون أهل النار بسيماهم.
وهنا يرد سؤال: ما هذه السيما التي يُعرف بها الناس يوم القيامة، ويميز أهل الجنة بها عن أهل النار ؟
إن السيما لا تكون إلا أثراً لما اعتاده الإنسان في حياته الدنيا، فإن العبد إذا لازم أمراً وأكثر منه صار سمةً له، وظهر أثره في وجهه وهيئته وأحواله، وعُرف به بين الناس. ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، أي بعلاماتهم التي نشأت من أعمالهم التي ألفوها ولازموها حتى ظهرت آثارها عليهم.
فأهل الإيمان لهم سيما يعرفون بها، وعلامات ظاهرة في أحوالهم وأبشارهم، قال الله سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته يُعرفون يوم القيامة بآثار الوضوء، وأن مواضع السجود تكون نوراً لهم. فمن اعتاد الطاعات، ولازم القربات، وأدام ذكر الله وعبادته، صارت تلك الأعمال سمةً له في الدنيا، ثم ظهرت آثارها أكمل ما تكون ظهوراً يوم القيامة.
وفي المقابل، يقول الله سبحانه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾. فلهم أيضاً سيما يعرفون بها، لكنها سيما الإعراض عن الله، والبعد عن هداه، والتنكب عن سبيله. فلما أعرضوا عن نور الهداية، واستبدلوا به ظلمات المعاصي والشهوات، ظهرت آثار ذلك عليهم، واسودت وجوههم، وتغيرت أحوالهم، وصاروا على هيئةٍ من رآها علم أنهم أهل الإجرام.
فليتأمل العبد في السيما التي يصنعها لنفسه اليوم، فإن أعماله لا تذهب، وعاداته لا تضيع، بل تترك آثارها في قلبه ووجهه وحاله، ثم يبعث يوم القيامة عليها، ويُعرف بين الخلائق بها. فمن أراد سيما أهل الجنة فليلزم طاعة الله، ومن خاف سيما أهل النار فليحذر من الإعراض عن ربه، فإن ما يعتاده العبد في دنياه هو الذي يظهر أثره عليه يوم يلقى الله سبحانه وتعالى.
🖋️. فهد بن ثقيل اللاحقي | 155 |
| 19 | بسم الله الرحمن الرحيم
من المشاهد القرآنية العظيمة التي تشابهت فيها أحوال أصحابها، لكن البون بينهما عظيم جدًا، حالَ تلبسهم بهذا الأمر العظيم، والأثرَ الذي نتج عن هذا البلاء الشديد.
أول المشاهد: نبي الله يونس عليه السلام، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فهذا نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى يترك قومه غاضبًا عليهم لعدم إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، واجتهد عليه السلام فتركهم، وكان في علمه أن الله سبحانه وتعالى لن يضيق عليه بسبب هذا الأمر.
فلما وقع في الظلمات، واضطرب الموج فوقه، نادى ربه سبحانه وبحمده نداءَ عارفٍ، عالمٍ به: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾. فهو عارف بربه سبحانه وبحمده، وقد سبق له أن نادى هذا الرب العظيم الرحيم الجليل سنواتٍ طويلة، فاشتد البلاء، فما زاده إلا نداءً لربه سبحانه وبحمده، نداءَ المعرفة والإيمان والتصديق:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
نداءُ منكسرٍ معترفٍ، آئبٍ إلى ربه سبحانه، فكان الأثر:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فهذا الأثر العظيم نتج عن هذه المعرفة العظيمة بالله سبحانه وتعالى.
المشهد الآخر: رجل خرج مغاضبًا، ولكن ليس لله، بل على عباد الله المؤمنين به، في طغيانه وعتوه وجبروته . قال سبحانه وبحمده:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.
خرج بغيًا وعدوانًا على عباد الله سبحانه وتعالى، فلما اضطربت الأمواج فوقه، وعاين الموت والبلاء، نادى، لكن من ينادي؟ ينادي من لم يعرف، ومن لم يؤمن به.
ولذلك خرج هذا النداء ليس فيه من التعظيم شيء، وليس فيه من المعرفة بمن يناديه شيء:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.
فحتى في هذا الإثبات يحيل على غيره.
﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
مستسلمٌ لهذه الدعوة، لكنه نداءٌ ما جرى على لسانه قبل هذا البلاء، ونداءٌ ما عَظُم في قلبه قبل هذا البلاء، ونداءٌ ما عاش لأجله، ولا عاش للدعوة إليه.
فكان الجزاء والأثر:
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾.
فلم يُنَجَّ هو، وإنما مات، ولكن أُخرج بدنه لتكون حاله لمن خلفه آيةً وعبرةً.
"فالشدائد تُظهر ما في القلوب، ولا تُنشئ في لحظاتها إيمانا لم يُبن قبلها؛ ولذلك كان بين النداءين من الفارق بقدر ما بين الإيمانين".
🖋️. فهد بن ثقيل اللاحقي | 121 |
| 20 | جلس الشيخ يقلب بين أوراقه القديمة، يتأمل سنوات طويلة قضاها بين الكتب والمخطوطات، يقرأ ويجمع ويختصر ويرتب. وكان من بين ما ألّف كتاب صغير في أذكار اليوم والليلة؛ موضوعٌ ليس جديدًا في بابه، فقد سبقه إليه أئمة الإسلام جيلاً بعد جيل، وامتلأت به المكتبات منذ قرون طويلة.
ولعل الناظر من بعيد يقول: ما الجديد الذي سيضيفه هذا الكتاب؟ وما الحاجة إلى مصنف آخر في فنٍّ طرقه العلماء آلاف المرات؟ لكن المؤمن يعلم أن الأعمال لا تُقاس دائمًا بحجمها، ولا بمدى تميزها في أعين الناس، وإنما بما يقدره الله لها من القبول والنفع.
مضت الأيام، وطُبع الكتاب، وتداولته الأيدي، وانتقل من مدينة إلى مدينة، ومن بيت إلى بيت، حتى غاب خبره عن مؤلفه، كما تغيب أخبار كثير من الكتب عن أصحابها.
وفي مكان بعيد، خلف أبواب موصدة، وبين جدران ضيقة، كان رجل ينتظر حكم القصاص. أيامه متشابهة، وساعاته ثقيلة، وأمامه مستقبل قصير في حساب الناس، طويل في حساب الآخرة. وبينما هو في محبسه وقعت يده على ذلك الكتاب الصغير.
بدأ يقلب صفحاته بلا كبير اهتمام، ثم ما لبث أن شدته كلماته وأذكاره. كان يجد في كل صفحة ما يسكّن قلبه، ويوقظ رجاءه، ويعيد ترتيب علاقته بربه. صار يقرأ منه كل يوم، ثم يحفظ منه، ثم يردد ما فيه في ليله ونهاره.
ومع مرور الوقت، لم يعد الكتاب مجرد أوراق بين يديه، بل أصبح رفيق وحدته، وأنيس خلوته، ومفتاحًا لطمأنينة افتقدها طويلًا.
واستوقف السجين ذكر من الأذكار الواردة فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان يسبح كل يوم ثنتي عشرة ألف تسبيحة ! ويقول : (أسبح على قدر ديتي)، فصار يكرره حتى صار جزءًا من حياته اليومية. وكلما ردد ذلك الذكر أحس بأن أبواب الرحمة أقرب إليه، وأن المسافة بينه وبين الله أقصر مما كان يظن.
ثم خطرت له فكرة أن يكتب رسالة إلى مؤلف الكتاب. لم يكن بينهما معرفة، ولم يجمعهما مجلس، ولم ير أحدهما الآخر، لكن المعروف يربط بين القلوب وإن تباعدت الأجساد.
كتب إليه رسالة صادقة خرجت من قلب منكسر، يشكره فيها على كتابه، ويخبره بما وجد فيه من النفع، ويذكر له ذلك الذكر الذي لازمه وأحيا الله به قلبه.
ولعل الشيخ حين قرأ الرسالة وقف طويلًا عند كلماتها، لا لأنه سمع ثناءً على كتابه، بل لأنه رأى بعينيه أثر عملٍ لم يكن يتوقع أن يبلغ هذا الموضع البعيد.
وهنا يتجلى معنى عظيم من معاني الإيمان؛ فكم من عمل يراه صاحبه صغيرًا، ثم يجعله الله سببًا لهداية قلب، أو تفريج كربة، أو تثبيت عبد على الطاعة. وكم من كلمة تخرج من صاحبها ثم تمضي في الأرض سنوات طويلة حتى تبلغ ما لم يكن يخطر له على بال.
ومن تأمل هذا المشهد تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة». فالجنة لم تُجعل للرامي وحده، ولا للصانع وحده، بل شملت ذلك الرجل الذي لم يصنع السهم ولم يرم به، وإنما نقل الخير من موضع إلى موضع، وهيأ له سبيل الوصول.
وهكذا شأن كثير من أعمال البر؛ قد يكون الإنسان مؤلفًا، أو ناشرًا، أو معلّمًا، أو ناقلًا، أو دالًا على الخير، فيصدق النية ويخلص النفع، فيجعل الله له من الأجر ما لا يخطر له على بال؛ لأن الفضل كله بيده سبحانه.
ولعل أعظم ما في القصة أن الشيخ حين جلس يكتب كتابه لم يكن يعلم اسم ذلك السجين، ولا مكانه، ولا قصته، كما أن السجين لم يكن يعلم يومًا أن رجلًا يجلس في بلد بعيد سيكتب كلمات تكون سببًا في سكينته وثباته.
ولكنها الأقدار التي يسوق الله بها رحمته بين عباده، ويبارك بها الأعمال المخلصة، ليبقى الدرس خالدًا: لا تستصغر خيرًا تقدر عليه، فقد يبلغّه الله من عباده من لا يخطر لك على بال، ويجعله سببًا لنجاة قلب، أو هداية نفس، أو رفعة درجة عنده سبحانه.
🖋️. فهد بن ثقيل اللاحقي | 161 |
