en
Feedback
دار الحديث الضيائية

دار الحديث الضيائية

Open in Telegram

دار تعنى بالحديث النبوي الشريف قناة د٠ خالد الحايك الحسينيّ النوفليّ

Show more
The country is not specifiedReligion & Spirituality134 893
612
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
فائدة نفيسة... «نصٌّ ليس للحافظ ابن يُونس المصري»! صنّف الحَافِظُ الكَبِيْرُ، أَبُو سَعِيْدٍ عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ بنِ يُوْنُسَ الصَّدَفيّ المصْريّ (المتوفى: 347 هـ): «تاريخ مصر»، وهو من الكتب النفيسة المهمة، لكنه ق فُقِد! وما بقي منه إلا ما نقله أهل العلم منه في كتبهم. وقد قام الدكتور عبدالفتاح فتحي عبدالفتاح من قسم التاريخ الإسلامي في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمع أقوال ابن يونس من الكتب، وطبعه بعنوان: «تاريخ ابن يونس الصدفي». ومما نقل فيه من الغرباء الذين دخلوا مصر: (473): "محمد بن إبراهيم بن سعيد: يكنى أبا عبدالله. بُوشنجيّ. كان فقيه البدن، صحيح اللسان. كتب عن أهل الشام، وأهل مصر، والكوفة. كتب الحديث بمصر مع أبي زرعة، وبالشام مع أحمد بن سيّار". وأشار في الحاشية إلى كتاب «المقفى» (5/95) (قال ابن يونس). راجع مزيداً من ترجمته في: (السابق) 5/96، وتهذيب التهذيب 9/8 ـ 10 (روى عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، وابن حنبل، وجماعة. وسمع بمصر، والحجاز، والكوفة، والبصرة، والشام، وبغداد. ولد سنة 204 ه‍، وتوفي آخر يوم من سنة 290 ه‍، ودفن أول المحرم 291 ه‍، وهو شافعي المذهب). قلت: اعتمد الدكتور على ما ذكره المقريزي في «المقفى»، فإنه ذكر البوشنجي، ثم قال: "قال ابن يونس: كان فقيه البدن، صحيح اللسان..." إلخ. والمقريزي ينقل كثيراً من كتاب ابن يونس: «تاريخ مصر». لكن هذا النص ليس لابن يونس صاحب «تاريخ مصر»، وإنما هو للحافظ أَبي إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بنِ يُوْنُسَ البَزَّاز (ت 329هـ) صاحب كتاب «تاريخ هراة». وهذا النص نقله ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/205)] من كتاب أبي إسحاق من طريق أبي ذر عبد بن أحمد الهروي، عن أبي بكر محمد بن عبدالله بن محمد بن الحسين بن محمد بن مقاتل المزكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس البزاز قال: "محمد بن إبراهيم البوشنجي أبو عبدالله العبدي، كان فقيه البدن، فصيح اللسان، كتب عن أهل الشام، وعن أهل مصر والكوفة والبصرة، وكان يُحدّث عن يحيى بن بُكير، ومن كان في عصره، وكتب بمصر الحديث مع أبي زرعة الرازي، وبالشام مع أحمد بن سيار، وتوفي بنيسابور سنة إحدى وتسعين ومائتين في المُحرّم". فكأنه اشتبه هذا على المقريزي بابن يونس صاحب «تاريخ مصر»؛ لأنه ابن يونس أيضاً إذا نسبناه إلى جدّه. فكلاهما ابن يونس. فتبعه الدكتور الذي جمع «تاريخ مصر» فنسب النص لابن يونس المصري! والعجيب أن الدكتور أشار إلى ترجمته في كتاب «تهذيب التهذيب»، وابن حجر إنما نقل ما نقله المزي في «تهذيب الكمال»: "وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس البزاز: كان ثقة، فقيه البدن، صحيح اللسان...". وهو ليس ابن يونس صاحب «تاريخ مصر»! فهذه الترجمة ليست لابن يونس الصدفي، وإنما لابن يونس الهروي من كتابه «تاريخ هراة» فتُنزع من الكتاب المجموع لتاريخ مصر. وكأن ابن يونس المصري فاتته الترجمة له في الغرباء! إذ لو ترجم له لنقل ذلك ابن عساكر؛ لأنه كثير النقل من كتابه، ولا يفوته ذلك، والله أعلم. وكتب: خالد الحايك. 5 صفر 1445هـ.

الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عَوَانَةَ الوَضَّاحُ بنُ عَبْدِاللهِ الوَاسِطِيُّ ذكرابن حبان في كتاب «الثقات» (7/562) أنّ مولده كان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة. وذكر الذهبي في «السير» (8/217) أنّ مَوْلِدُهُ كانَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَتِسْعِيْنَ! فما الصواب في ذلك؟ وكيف قدّر الذهبي ولادته؟ قلت: كيف يولد سنة (122هـ) وهو قد رأى الحسن وابن سيرين، وقد ماتا سنة (110هـ)! وكيف ذاك وقد سمع من معاوية بن قرة وقد مات سنة (113هـ)! وكيف ذاك وقد سمع من قتادة وقد مات سنة (117هـ)!! وكيف يخفى كل ذلك على ابن حبان! فوجب أن يكون هناك خطأ في كتاب «الثقات»! وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص: 252) (1264): "أبو عوانة اسمه: الوضاح مولى يزيد بن عطاء الليثي، كان مولده سنة اثنتين وتسعين". وعليه فما في نسخ كتاب «الثقات» خطأ! وقد أشار مُحقق الكتاب إلى أنه وقع في الأصل، ونسخة (س): "وتسعين" بدل: "وعشرين" = يعني في الأصل: "سنة اثنتين وتسعين". وزاد فيه "مائة" لأنه جاء هكذا في ثلاثة نسخ. فنسخ كتاب ابن حبان فيها خلط، ومغلطاي اعتمد ما في بعض النسخ: "اثنتين وعشرين ومائة"! فنقل هذا عن ابن حبان! والصواب في النسخ التي فيها فقط: "سنة اثنتين وتسعين"، وهذا يوافق ما في «المشاهير». وما جاء في بعض النسخ: "وعشرين ومائة" كأنه سبق نظر من بعض النسّاخ؛ لأن الترجمة التي قبله – ترجمة وكيع بن الجراح – فيها: "كان مولد وكيع سنة تسع وعشرين ومائة"، فسبق نظر الناسخ فنقل ما في ترجمة وكيع، ومن هنا حصل الخلل في بعض النسخ، والله أعلم. ولا أظن الذهبي وقف على ما عند ابن حبان في الكتابين، وهو من عادته أنه يُقدّر المواليد بحسب بعض النصوص، وأظنه قدّر ولادته من خلال رؤيته للحسن وابن سيرين، وأن طلب العلم غالباً يكون في سنّ (15) إلى (20)، وهو قد سمع من قتادة الذي مات سنة (117هـ)، فقدر مولده سنة نيف وتسعين، والنيف ما زاد على العقد من واحد إلى ثلاثة = يعني ولادته سنة (91) أو (92) أو (93)، ولو كان وقف على ما عند ابن حبان لذكر قوله، ولما احتاج لأن يُقدر مولده، والله أعلم. وكتب: خالد الحايك.

كذا قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على هذا الحديث: "وسفيان: هو ابن عيينة"! وهذا خطأ! بل هو: الثوري. فالفريابي من أخص تلاميذ الثوري، فإذا قال: حدثنا سفيان، فهو الثوري. والحديث رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (9/140) (16664) عَنِ الثَّوْرِيِّ، بهذا اللفظ. ورواه أحمد في «مسنده» (23/223) (14970) عن عَبْدالرَّزَّاقِ. ورواه مسلمٌ وغيره من حديث الليث بن سعد وأيوب السختياني عن أبي الزبير، بنحوه. والفريابي وعبدالرزاق سواء في الثوري. قَال عثمان بن سَعِيد الدارمي: قلت ليحيى بن مَعِين: فالفريابي في سفيان؟ قال: مثلهم - يعَنْي: مثل مؤمل بن إسماعيل، وعُبَيدالله بن مُوسَى، وقبيصة، وعبدالرزاق. وأما رواية ابن عيينة المُشار إليها عند الشافعي والحميدي فهي مختصرة لا بهذا اللفظ! قال الشافعي كما في «مسنده المجموع» (ص: 328)، والحميدي في «مسنده» (2/319) (1256) أَخْبَرَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَا جَابِرَ بنَ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمٌ النَّحَّامُ قَالَ عَمْرٌو: فَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: "عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلٍ فِي إِمَارَةِ ابنِ الزُّبَيْرِ". وَزَادَ أَبُو الزُّبَيْرِ: "يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ".

وَقَدْ بَسَطْتُ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُهُ على ابن الصَّلَاحِ، وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَوَّلًا أَنَّهُ أَرَادَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ «الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا فِي مَعْدِنٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْهَا مِنِّي صَدَقَةً، فَوَاللَّهِ مَالِي مَال غَيرهَا فَأَعْرض عَنهُ فَأَعَادَ فخذفه بِهَا ثُمَّ قَالَ: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَالِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنى»، وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد، وَصَححهُ ابن خُزَيْمَةَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ قِصَّةَ المُدَبَّرِ كَمَا قَالَ عَبْدُالحَقِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِأَنَّ القَدْرَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ: لَا» الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «ثُمَّ قَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ» الحَدِيثَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَرْطِ البُخَارِيِّ، وَالبُخَارِيُّ لَا يَجْزِمُ غَالِبًا إِلَّا بِمَا كَانَ عَلَى شَرْطِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" انتهى. • قلت: كذا تردد الحافظ ابن حجر في الحديث الذي علّقه البخاري! ففي «التغليق» جزم بأن البخاري أراد حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. ورد على مغلطاي في قوله إنه أراد حديث جابر في قصَّة المُدبر، وتعجب من فهمه! ثم أشار في آخر كلامه أن في حديث جَابر فِي قصَّة المُدبر زِيَادَة تشعر بِشَيْء من ذَلِك. ثم في كتاب «النكت» رد على العراقي في أنه أراد قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَأَمَرَهُمْ فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، ومال إلى أنه أراد حديث جَابر فِي قصَّة المُدبر. ثم رجع وذكر أن المراد بتعليق البخاري قِصَّة الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وقال بأن سياقه أنسب وأشبه بمراد البخاري من قصَّة المُدبر. ولم يُشر إلى أنه مال إلى هذا في «التغليق»! ثم في آخر كتبه وهو كتاب «الفتح» أشار إلى أنه بسط الكلام على ذلك في «النكت» وقال بأنه ظهر له أولاً أَنَّهُ أَرَادَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ ظَهَرَ له أَنَّ البُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ قِصَّةَ المُدَبَّرِ كَمَا قَالَ عَبْدُالحَقِّ وغيره! والحقيقة أنه كان في «النكت» مُتردداً، لكنه في «الفتح» أبان عن رأيه في أنه أَرَادَ قِصَّةَ المُدَبَّرِ، ولم يُشر إلى ما رجّحه في «التغليق»! وهنا ينبغي أن يتنبّه طالب العلم إلى رأي العالِم في بعض الأمور في كلّ كتبه، فيرى السابق من اللاحق، وكيف يتغير رأي العالم، وكيف يكون متردداً، وكيف يجزم في مكان، ويميل إلى شيء آخر في مكان، وكيف يُجمل في مكان، وكيف يبسط في مكان آخر. وينبغي جمع هذه الآراء ومناقشتها في مكان واحد. وهذا حقيقة يُعطينا أيضاً فكرة عن كيفية التصنيف عند هؤلاء الأئمة رحمهم الله جميعاً. وكتب: خالد الحايك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتريه مني؟ فاشتراه نُعيم بن عبدالله العدوي - رضي الله عنه - بثمانمائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا». فهذه الزيادة من حديث أبي الزبير عن جابر - رضي الله تعالى عنه - في قصة المدبر فيها إشعار بمعنى ما علقه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ على المتصدق صدقته قبل النهي ثم نهاه، لكن ليس في هذا تصريح بالنهي. فإن كان هو الذي أراده البخاري فلا حرج عليه في عدم جزمه به؛ لأن راوي الزيادة وهو أبو الزبير ليس ممن يحتج به على شرطه، وعلى تقدير صلاحيته عنده للحجة فقد تقدم أنه ربما علق الحديث بالمعنى أو بالاختصار فلا يجزم به بل يذكره بصيغة التمريض للاختلاف في ذلك كما قرره الشيخ، فعلى كل تقدير لا يتم للمعترض اعتراضه. رابعها: ظهر لي مراد البخاري بالتعليق السابق عن جابر - رضي الله تعالى عنه - حديث آخر غير حديث المدبر. وهو ما أخبرني به إبراهيم بن محمد المؤذن بمكة... وساق بإسناده إلى عبد بن حميد، بالإسناد السابق في «تغليق التغليق». ثم قال: "وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده، والدارمي، وأبو داود في السنن، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في مستدركه، كلهم من طريق محمد بن إسحاق به. يزيد بعضهم على بعض في سياقه ورواة إسناده ثقات، ومحمد محمد بن إسحاق مشهور، ولم أره من حديثه إلا معنعناً، ثم رأيته في مسند أبي يعلى مصرحاً فيه بالتحديث. وسياقه أنسب وأشبه بمراد البخاري من الذي قبله. والمتن الذي أورده الشيخ مناسب للمراد إلا أنه ليس من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - كما بيناه - والله أعلم -". *كتاب «فتح الباري»: وقال في «الفتح» (5/72): "قَوْلُهُ: «وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ»: قَالَ عَبْدُالحَقِّ: مُرَادُهُ قِصَّةُ الَّذِي دَبَّرَ عَبْدَهُ فَبَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابن بَطَّالٍ وَمَنْ بَعْدَهُ، حَتَّى جَعَلَهُ مُغَلْطَايْ حُجَّةً فِي الرَّد على ابن الصَّلَاحِ حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْبُخَارِيُّ بِغَيْرِ صِيغَةِ الجَزْمِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا بِصِحَّتِهِ، فَقَالَ مُغَلْطَايْ: قَدْ ذَكَرَهُ بِغَيْرِ صِيغَةِ الجَزْمِ هُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي النكت على ابن الصَّلَاحِ بِأَنَّ البُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا التَّعْلِيقِ قِصَّةَ المُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَأَمَرَهُمْ فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَجَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِأَحَدِ ثَوْبَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. قُلْتُ: لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا صَحِيحٌ، وَإِمَّا حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ، وابن خُزَيْمَة، وابن حِبَّانَ، وَغَيْرُهُمْ.

• رأي ابن حجر في حديث علّقه البخاري في ثلاثة من كتبه! قال البخاري في «صحيحه»: «بَاب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ العَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ»: "وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ، ثُمَّ نَهَاهُ»". *كتاب «تغليق التعليق»: قال ابن حجر في «تغليق التعليق» (3/322): أما حَدِيث جَابر: فساقه بإسناده إلى عَبْدِ بنِ حميدٍ، قال: حدثَنَا يعلى بن عُبَيْدٍ، قال: حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بنِ لَبِيدَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ البَيْضَةِ من الذَّهَبِ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ المَعَادِنِ، فجَاء بهَا إِلَى رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْهَا مِنِّي صَدَقَةً، فَوَاللَّهِ مَا لِي مَالٌ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ رُكْنِهِ الأَيْسَرَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَاتِهَا مُغْضَبًا فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَهُ لَعَقَرَهُ أَوْ أَوْجَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَالِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ، إِنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، خُذْهُ لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ، فَأخذ الرجل مَاله فَذهب». ثم ساقه إلى مُحَمَّد بن الفضل، قال: حدثَنَا حَمَّاد بن زيد، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَذكر نَحوه مُخْتَصراً. ثم قال: "رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، عَن ابن إِدْرِيس. وَرَوَاهُ ابن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» من حَدِيث ابن إِدْرِيس وَيزِيد بن هَارُون كلهم عَن ابن إِسْحَاق، فَوَقع لنا بعلو فِي الرِّوَايَة الأولى، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَإِنَّمَا علته عنعنة ابن إِسْحَاق لكني وجدته فِي «مُسْند أبي يعلى» قَالَ: حَدثنَا القواريري: حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق: حَدثنِي عَاصِم، فَذكره. وَمن النَّوَادِر أَن مُغلطاي لما اعْترض على ابن الصّلاح فِي قَوْله: إِن الَّذِي يجْزم بِهِ البُخَارِيّ يكون مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ، وَإِن الَّذِي يمرضه يكون فِيهِ شَيْء بقوله قد جزم البُخَارِيّ بِمَا هُوَ ضَعِيف عِنْده وَمرض مَا هُوَ صَحِيح عِنْده، وَمثل للثَّانِي بِهَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: «إِن مُرَاده بقوله: رد على الْمُتَصَدّق صدقته حَدِيث جَابر فِي بيع المُدبر وَهُوَ صَحِيح، وَقد أخرجه»، وَهَذَا فَهمٌ عَجِيب! مَا لقصة المُدبر هُنَا معنى! كَيفَ وَفِي هَذَا قَول البُخَارِيّ قبل النَّهْي ثمَّ نَهَاهُ، وَأي نهي وَقع فِي قصَّة المُدبر، وَهَذَا وَإِن كَانَ مُحْتملاً بِأَن يكون مُرَاد البُخَارِيّ، فَلَيْسَ هُوَ على شَرطه فَلَا يتعجب من عدم جزمه بِهِ، مَعَ أَن الَّذِي اخترناه أَولاً أشبه بمراده وأصرح، وَالله أعلم. نعم فِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر فِي قصَّة المُدبر زِيَادَة تشعر بِشَيْء من ذَلِك، وَأَبُو الزبير لم يحْتَج بِهِ البُخَارِيّ" انتهى. *كتاب «النكت على كتاب ابن الصلاح»: وذكر ابن حجر في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (1/354) قول العراقي: "بل أزيد على هذا، وأقول: الظاهر أن البخاري لم يُرد برد الصدقة حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - المذكور في بيع المُدبَّر، وإنما أراد والله أعلم حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه... الحديث. وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني وغيره" انتهى. ثم قال: "فيه أمور". ثم قال: "ثالثها: نفيه أن يكون البخاري أراد بحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - حديثه في بيع المدبر ليس بجيد. بل الظاهر أنه أراده. وقد سبق مغلطاي إلى ذلك ابن بطال في شرح البخاري، وعبدالحق في أواخر الجمع بين الصحيحين وغيرهما، ولا يلزمه به منه ما ألزمه المعترض الذي تعقب الشيخ كلامه على ما سنبينه. وبيان ذلك: أن حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في بيع المدبر قد اتفق الشيخان على تخريجه من طرق عن عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار عنه، وأخرجه البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر - رضي الله تعالى عنه -. وليس في رواية واحد منهم زيادة على قصة بيعه وإعطائه الثمن لصاحبه. ورواه مسلم منفرداً من طريق أبي الزبير عن جابر - رضي الله تعالى عنه - فزاد فيه زيادة ليست عند البخاري. ولفظه: «أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألك مال غيره؟ قال: لا.

وقال الصغاني في «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية» (6/ 246): "وقال الليث: السِّبِنيّة: ضرب مِن الثياب يُتَّخَذ من مُشَاقَّة الكَتَّانِ، أَغْلَظُ ما يكونُ. وأحمد بن إسماعيل السَّبَنيّ، وأبو جعفر السَّبَنيّ: كلاهما مِن أصحاب الحديث". ونسبه بعضهم لموضع في المغرب! قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (2/340): "السَّبَنِيَّةُ: ضربٌ مِنَ الثِّياب تُتَّخذ مِنْ مُشاَقَة الكَتَّان، منسوبَةٌ إِلَى موضعٍ بناَحِية المَغْرب يُقَالُ لَهُ: سَبَنٌ". وقال ابن منظور في «لسان العرب» (13/203): "سبن: السَّبَنِيَّةُ: ضرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ تُتَّخَذُ مِنْ مُشاقة الْكَتَّانِ أَغلظ مَا يَكُونُ، وَقِيلَ: مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَوْضِعٍ بِنَاحِيَةِ المَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ سَبَنٌ". قلت: فابن الأثير قال بأن هذه النسبة لموضع في المغرب! وذكره ابن منظور لكن لم يجزم بذلك. وقد نسبه بعضهم لموضع في بغداد لا المغرب! وذكر الزَّبيدي بأن هذه النسبة قد تكون لموضع في بغداد. قال الزَّبيدي في «تاج العروس»: "«وأَبو جَعْفَرٍ، وأَحْمدُ بنُ إسْمعيلَ السَّبَنِيَّان: مُحَدَّثانِ»، هَكَذَا فِي النُّسخِ، وَلم أَرَ لأَبي جَعْفرٍ ذِكْراً عنْدَهم، وأَحمدُ بنُ إسْماعيلَ رَوَى عَن رجُلٍ مِن الحبابِ، وَعنهُ عبدُالّلهِ بنُ إسْحاقَ المَدائِنيُّ، وَهُوَ مُحْتَمل أَن يكونَ مَنْسوباً إِلَى قَرْيةٍ ببَغْدادَ، أَو إِلَى عَمَلِ السَّبَانيّ، فتأَمَّل". وأكّد الأستاذ الدكتور عبدالهادي التازي (عضو الأكاديمية المغربية ومجمع اللغة العربية بالقاهرة) أن السَّبنية ليست نسبة إلى موضع يُدعى سَبَن بالمغرب؛ لأنه لا يوجد موضع في المغرب يعرف بهذا الاسم، ولذا يرجح التازي أن السَّبنية منسوبة إلى قرية سَبَن ببغداد. [المعجم العربي لأسماء الملابس: (ص: 226)]. والحمد لله على توفيقه. وكتب: خالد الحايك.

قلت: غالب شيوخ ابن وضّاح الذين سمع منهم في رحلته الثانية متوسط وفياتهم ما بين سنة (235 – 250هـ)، وأبو جعفر من طبقتهم. فالرّجل من أهل العلم، ويظهر أنه من أصحاب ابن معين من أقرانه أو أصغر منه بسنوات، فقد سمعه مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بنِ أَبِي شَيْبَةَ يسأله في مجلسه، ومحمد بن عثمان من أصحاب ابن معين الذين رووا عنه أقواله، ومات سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِيْنَ. ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة من أقران ابن وضّاح، وقد مات سنة (287هـ). فإذا قلنا بأن أبا جعفر هذا وُلد قريباً من ولادة ابن معين أو بعده فلا يكون سمع من الليث! وربما لم يدركه! فابن معين وُلد سنة (158هـ)، وكان عُمره لما مات الليث (17) سنة، ومات ابن معين عن (75) سنة. فيُحتمل أن أبا جعفر هذا أصغر من ابن معين بسنوات، ووفاته ما بين سنة (235 – 250هـ)، والله أعلم. *تنبيه على تصحيف! وقع في كل المواضع السابقة من الكتب المطبوعة اسمه: «أبو جعفر البستي» - نسبة إلى مدينة «بُسْت» في أفغانستان - أو «أبو جعفر السبتي» - نسبة إلى «سَبْتَة» في بلاد المغرب -! وكلّ ذلك تصحيف! وقال د. محمد خرشافي محقق كتاب «بغية النقاد النقلة» (1/397)، حاشية (28): "ذهب محقق كتاب العلماء، لابن الفرضي إلى أنه: «أبو جعفر البُستي»، وعلق عليه في الهامش: «بالأصل: السبتي». أقول: ولعل الذي في الأصل هو الصواب، لأنه وافق كذلك ما في مخطوط البغية. وهو كذلك – السبتي - في ت. التهذيب (1/438). قلت: وكثير من المشارقة يحرفون السبتي - نسبة إلى سبتة المغربية: إلى البستي، لعدم معرفتهم باسم هذه المدينة المغربية. انظر: تاريخ العلماء 1/118" انتهى كلامه. قلت: اغتر الدكتور بنسبته «السبتي» نسبة إلى «سَبْتَة» في بلاد المغرب؛ لأن الراوي عنه ابن وضّاح أندلسي! فظنّ أنه يحصل تحريف بين هذه النسبة، وبين نسبة «البُسْتِي»! ولو أنه اطلع على ترجمة ابن وضاح عند ابن الفرضي في «تاريخ علماء الأندلس» لوجد أنه ذكر أن ابن وضاح سمع منه في المشرق، فهو مشرقي لا مغربي! وقد بينت فيما سبق أنه من أصحاب ابن معين. والصحيح ما أثبته أن نسبته «السَّبَنِي»، لا «بُسْتِي»، ولا «سَبتي»! قال ابن ماكولا في «الإكمال» (4/517): "وأما «السَّبَنِي» - بفتح السين المهملة وبعدها باء مفتوحة معجمة بواحدة ثم نون مكسورة... وأبو جعفر السَّبَنِي، سمعه محمد بن عثمان بن أبي شيبة يسأل يحيى بن معين عن مسائل". وقال في «تهذيب مستمر الأوهام» (ص: 291): "قَالَ الخَطِيب فِي اسْتِدْرَاك مَا أخلا بِهِ - يقصد الدارقطني، وعبدالغني بن سعيد -: «وَيلْحق هَذَا البَاب «السَّبَنِي» بِفَتْح السِّين المُهْملَة، وَالبَاء المُعْجَمَة بِوَاحِدَة وبالنون، فَهُوَ: أَحْمد بن إِسْمَاعِيل عَن عبدالرَّزَّاق بن همّام، روى عَنهُ: عبدالله بن إِسْحَاق المَدَائِنِي» وَذكر لَهُ حَدِيثاً. قلت: فَوَهم فِي تصَوره أَن هَذِه التَّرْجَمَة لم تذكر، وَقد ذكرهَا عبدالغَنِيّ بن سعيد فِي هَذَا البَاب. وَوهم فِي ذكره هَذَا الرجل، وَقد ذكره عبدالغَنِيّ بن سعيد، فَقَالَ: «وَأما السبني - بِالسِّين المُهْملَة وَالبَاء الْمُعْجَمَة بِوَاحِدَة وَالنُّون، فَهُوَ: أَحْمد بن إِسْمَاعِيل السبني، عَن زيد بن الحباب، روى عَنهُ: عبدالله بن إِسْحَاق المَدَائِنِي". وقال السمعاني في «الأنساب» (7/72): "«السَبَنِي» - بفتح السين المهملة والباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها النون... وأبو جعفر السبني، قال: سمعت محمد بن عثمان بن أبي شيبة يسأل يحيى بن معين عن مسائل". قلت: كذا فيه: "محمد بن عثمان بن أبي شيبة يسأل يحيى..."! وهو خطأ! والصواب العكس كما ذكر ابن ماكولا. وقال ابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» (5/25): "و«السبني» بِفتْحَتَيْنِ وَنون... وَأَبُو جَعْفَر السبني، سَمعه مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة يسْأَل يحيى بن معِين عَن مسَائِل قَالَه الْأَمِير. وروى أَبُو بكر الخَطِيب فِي كِتَابه «المؤتنف» المسَائِل من طَرِيق ابن أبي شيبَة المَذْكُور، وَقَالَ: سَمِعت أَبَا جَعْفَر السبني يسْأَل يحيى بن معِين وَذكر المسَائِل". قلت: رواه ابن عساكر في «تاريخه» من طريق الخطيب كما سبق ذكره، ونقله من كتاب الخطيب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف». فهؤلاء الأئمة ممن صنّف في الأنساب والمؤتلف والمختلف لم ينسبوا ذلك لموضع أو مكان أو لعمل! ونسبه بعض المتأخرين لبيع الثياب السّبنيّة. قال ياقوت في «معجم البلدان» (3/186): "«سَبَنُ»: بفتح أوّله وثانيه، وآخره نون، قال الحازمي: «موضع ينسب إليه السّبنيّة: ضرب من الثياب يتخذ من الثياب الكتان أغلظ ما يكون»، وقال ابن الأعرابي: «الأَسْبَانُ: المَقانِعُ الرِّقاقُ»، ويعرف بهذه النسبة أحمد بن إسماعيل السّبني، يروي عن زيد بن الحباب، وعبدالرزاق بن همّام، روى عنه: عبدالله بن إسحاق المديني وغيره". وجاء في إسناد عند ابن عدي في «الكامل» (5/519): "يبيع الثياب السَّبَنِيَّةُ ".

تعقيب على كلام ابن الموّاق في اتهامه لمحمد بن الحسين البغدادي! ومن هو: أبو جعفر السَّبَنِي؟ قلت: العجب من ابن الموّاق فإنه قبل أن يقول: إنه وقف له على أشياء منكرة، ولا عبرة بنقله بعدّة أسطر قال: "وروى ابن وضّاح عن أبي جعفر السَّبَنِي أنه قال: الحسن عن ابن عباس لم يسمع منه، يرسل عنه". فاحتج هنا بقول أبي جعفر السَّبَنِي، وهو أيضاً ليس بمعروف، ولا توجد له ترجمة في الكتب! وله بعض السؤالات لابن معين. فكيف يحتج بهذا، ويتّهم ذاك، وحالهما واحد! *أبو جعفر السَّبَنِي: ذكره ابن الفَرَضي في ترجمة «محمد بن وضّاح» من كتابه «تاريخ علماء الأندلس» (2/18). وكان ابن وضّاح قد رحل إلى المشرق وهو شاب مرتين، وهو ابن (18) أو (19) سنة. وكان مولده سنة (199) أو (200هـ). قال ابن الفرضي: "ورحل إلى المشرق رحلتين إحداهما: سنة ثمان عشرة ومائتين لقي فيها: سعيد بن منصور (ت227هـ)، وآدم بن أبي إياس العَسْقَلانيّ (ت220هـ)، ويحيى بن مَعِين (ت233هـ)، وأحمد بن حنبل (ت241هـ)، وزُهَير بن حَرْب (ت234هـ)، وإبْراهيم بن حَسَّان الإطرابلسي وغيرهم. ولم يكن مذهبه في رحلته هذه طلب الحديث، وإنما كان شأْنه: الزهد، وطلب العُبَّاد". ثم قال: "ورحل رحلة ثانية فسمع فيها: من إسماعيل بن أبي أُوَيْس (ت226هـ)، ويعقوب بن حُمَيد بن كاسب (ت241هـ)، وإبراهيم بن المنذر الحِزامي (ت236هـ)، وإبراهيم بن محمد بن يُوسُف الفريابي (توفي بعد 241هـ)... وهارُون بن سعيد الأَيْلي (ت253هـ)، ويَعْقُوب بن كعْب الأنْطَاكي (توفي بعد 231هـ)، ومحمد بن المُبارك الصوريّ (ت215هـ)... وأبي جعفر السَّبَنِي، ومحمد بن أبي السرِيّ (ت238هـ)، وحرملة بن يحيى التجيبي (ت243هـ)، ومحمد بن سعيد بن أبي مريم (ت235هـ)، ومحمد بن عبدالرحيم البَرْقي (ت249هـ)، وأبي الطَّاهر أحمد بن عمرو بن السَّرح (ت250هـ)، ويوسف بن عديّ (ت232هـ)، والحارث بن مِسْكِين (ت250هـ)، وزُهير بن عبّاد (ت238هـ)، وأصبغ بن الفرج (ت225هـ)، وعبدالرحمن بن إبراهيم بن دُحيَم (ت245هـ)، وإسحاق بن أبي إسرائيل (ت245هـ)، وشُجاع بن مَخلد (ت235هـ)" انتهى. قلت: رحلته الثانية يُشبه أن تكون قبل سنة (225هـ)، وذكر ابن الفرضي أنه سمع من محمد بن المبارك الصوري! وتبعه على ذلك ابن عساكر، فقال في «تاريخه» (56/179): "ورحل إلى الشرق رحلتين، وقرأ القرآن العظيم على عثمان بن سعيد ورش، وقرأ عليه جماعة بالأندلس، وسمع بدمشق: محمد بن المبارك الصوري، وهشام بن عمار، ودُحيمًا...". قلت: وهذا وهم! فمحمد بن المُبارك الصوريّ توفي سنة (215هـ) فكيف يسمع منه، وهو إنما رحل أول مرة سنة (218هـ) بعد وفاته بثلاث سنوات! وقد روى أَحْمد بن سعيد بن حزم الصَّدَفِي المنتجالي الأندلسي، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن خَالِد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن وضاح، قَالَ: سَمِعت أَبَا جَعْفَر الورَّاقَ السَّبَنِي يَقُول: "قَالَ اللَّيْث: أتيت أَبَا الزبير، فَقلت لَهُ: أخرج إِلَيّ كتاب جَابر، فَأخْرج إِلَيّ عَن جَابر كتابين، فَقلت لَهُ: سمعتهما مِنْهُ؟ قَالَ: بعض سَمِعت، وَبَعض لم أسمع، فَقلت لَهُ: علم لي على مَا سَمِعت، فَعلم لي على شَيْء". قَالَ أَبُو جَعْفَر: "فَكَانَت نَحواً من ثَلَاثِينَ". وَقَالَ الصَّدَفِي أَيْضاً: أمْلى عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبدالملك، قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بن وضاح يَقُول: قَالَ اللَّيْث بن سعد، فَذكر مثله وَزَاد: "وَهِي نَحْو من سَبْعَة وَعشْرين، أَو تِسْعَة وَعشْرين حَدِيثاً". قَالَ ابن وضاح: "وَهِي مَعْرُوفَة". [بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام: (4/321)]. وروى ابن عبدالبر في «التمهيد» (2/226) من طريق مُحَمَّدِ بنِ قَاسِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ السَّبَنِي يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كسب الحَجَّامِ لِتَحْرِيمٍ، إِنَّمَا كَانَ عَلَى التَّنَزُّهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كَسْبِ غِلْمَانَهَا فِي الحِجَامَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ أَخِيهِ وَلِحْيَتِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا». وقال ابن الموّاق في «بغية النقاد» (1/397): "وروى ابن وضاح، عن أبي جعفر السَّبَنِي أنه قال: الحسن عن ابن عباس لم يسمع منه، يرسل عنه". وروى ابن عساكر في «تاريخه» (21/30)، و(21/30) من طريق أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: سمعت أبا جعفر السَّبَنِي يسأل يحيى بن معين عن عثمان بن عطاء، ومعاذ بن رفاعة، وسعيد بن بشير؟ فقال يحيى: "كل هؤلاء ضعفاء". ولما ذكر ابن خلفون «عبدالله بن خُثيم المكي» في كتاب «الثقات» قال: "هو عندي في الطبقة الثالثة من المحدّثين وهو ثقة، قاله أبو جعفر السَّبَنِي". وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (5/566): "وَقَالَ أَبُو جَعْفَر السَّبَنِي: إِسْنَاد بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جدّه: صحيحٌ".

تصحيف على تحريف! أين أنت منه يا بشار عواد؟! كنت قد ذكرت في المنشور الأخير التحريف العجيب الذي وقع في كتاب العقيلي في الحكاية التي رواها هِشَامُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مُعْتَمِرًا وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَحْمِلْ عَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ: "خَدَعَنِي شُعْبَةُ، فَقَالَ لِي: لَا تَحْمِلْ عنه؛ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُسِيءُ صَلَاتَهُ! لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ شُعْبَةَ". وبينت أنه وقع هكذا في كلّ طبعات كتاب العقيلي: «مُعتمراً»! وهو تحريف عجيب! والصواب: «سُويداً». ثم وجدت ابن عبدالبر نقل هذا في كتابه "التمهيد" وقال: "قال معتمر…"! وهو قد اعتمد على كتاب العقيلي وهذا يؤكد أن التحريف كان في أصل كتاب العقيلي. وقد وقع تصحيف في كلا طبعتي "التمهيد"! "قال معمر"!!! والعجب من بشار معروف كيف يضبط االاسم، ويشير في الحاشية إلى كتابي العقيلي وابن عدي في هذا الموضع! فكتاب العقيلي ليس فيه "معمرا"! وكتاب ابن عدي ليس فيه لا هذا ولا ذاك!!! فأين التحقيق العلمي؟! والله المستعان.

*تحريفٌ عجيبٌ! هذه الحكاية رواها العقيلي في «الضعفاء» (4/130) عن إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مُعْتَمِرًا وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَحْمِلْ عَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ: "خَدَعَنِي شُعْبَةُ، فَقَالَ لِي: لَا تَحْمِلْ عنه؛ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُسِيءُ صَلَاتَهُ! لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ شُعْبَةَ". قلت: هكذا في كلّ طبعات كتاب العقيلي: «مُعتمراً»! وهو تحريف عجيب! والصواب: «سُويداً». فقد روى هذه الحكاية يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/780)، وابن عدي في «الكامل» (14593) عن مُحمد بن جعفر المطيريّ، عن أحمد بن إسحاق بن صالح، كلاهما (يعقوب، وأحمد بن إسحاق) عن أَبي تَقِيٍّ هِشَامِ بنِ عَبْدِالمَلِكِ الحِمصيّ، قال: حدثنا سُوَيْدُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ - وَسَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ - فَقَالَ: لِمَ لمْ تَحْمِلُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: "خَدَعَنِي شُعْبَةُ، قَالَ لي: لَا تَحْمِلْ عَنْهُ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُسِيءُ صَلَاتَهُ. لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ شُعْبَةَ". ورواها أيضاً ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/151) عن علي بن الحسن الهِسِنْجَانِيّ. وابن عدي في «الكامل» (9/67) (14591) عن الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ يَزِيدَ القَطَّان المالكيّ الرَّقِّيّ، و(14592) عن مُحَمَّدِ بنِ خَلَفِ بنِ المَرْزُبَانِ، عن أبي العباس المروزي، ثلاثتهم (الهسنجاني، والحسين القطان، وأبو العباس المروزي) عن هِشَامِ بنِ عَمَّارٍ. وابن عدي أيضاً (14590) عن أبي عَروبة، عن سليمان بن عبدالله بن خالد. كلاهما (هشام بن عمّار، وسليمان بن عبدالله) عن سويد بن عبدالعزيز، به. وكأنه تحرّف في أصل العقيلي؛ لأن الحَافِظ ابنَ خَلْفُوْنَ نقله في كتابه «أسماء شيوخ مالك» (ص: 215) من كتاب العقيلي، وعرّف بمعتمر في الإسناد: "قال: سأل رجلٌ معتمراً - يعني: ابن سليمان التيمي - وأنا عنده"! فتابع ابن خلفون التحريف في الإسناد، فعرّف بمعتمر بأنه: ابن سليمان التيمي! فوهم في ذلك! والعجب كيف مشى عليه هذا! فإن المعتمر بن سليمان البصري لم يلقَ أبا الزبير! وهشام بن عبدالملك ليس من تلاميذه! والعجب من د. مازن السرساوي فإنه ذكر في الحاشية رواية ابن عدي لها من طريق أبي التقي عن سويد! وكأنه لم يعرف بأن أبا التقي هذا هو نفسه هشام بن عبدالملك! والحمد لله على توفيقه.

كتابٌ مشرقيٌّ في الرِّجال لا يُعرف إلا عند الأندلسيين! ولا توجد ترجمة لصاحبه! كتاب «التمييز» في الرِّجال لأبي جَعفرٍ مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ البَغْدَادِيّ. ينقل فيه عن ابن معين، وأحمد، وأبي داود، وغيرهم. وقد سمّاه مُغلطاي في «الإكمال» (3/66): "«سؤالات أبي جعفر محمد بن الحسين البغدادي». وأبو جعفر هذا لا يوجد له ذكر في كتب أهل العلم المشارقة، ولا توجد له ترجمة! وكتابه هذا لا يُعرف إلا عند الأندلسيين! رواه عنه أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خَيْرون القروي الأندلسي (ت306هـ). وكان أبو جعفر قد رحل إلى المشرق، ودخل مصر، والعراق، وسمع منه هذا الكتاب، وأخذه معه للأندلس، فنشره هناك. قال ابن الفَرضي في «تاريخ علماء الأندلس» (2/113): "وقد حَدَّث عنه محمد بن قاسم بكتاب أبي جعفر محمد بن الحُسين البَغْدَادِي في الرِّجَال". وقد ذكر أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ الجَيَّانِيُّ (ت 498هـ) سنده إلى الكتاب في كتابه «ألقاب الصحابة والتابعين في المسندين الصحيحين» (ص: 69) عَن حَكَمِ بن مُحَمَّدٍ الجُذَامِيّ، عن عَبَّاس بنِ أَصْبَغَ الحِجَارِيّ، عن مُحَمَّد بن قَاسم الأَنْدَلُسِيّ، القُرْطُبِيّ، عن أَبي جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خيرون، عن أَبي جَعْفَر مُحَمَّد بن الحُسَيْن البَغْدَادِيّ. وقد نقل من هذا الكتاب الحَافِظُ الكَبِيْرُ المُؤَرِّخُ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بنُ سَعِيْدِ بنِ حَزْمِ بن يُوْنُسَ الصَّدَفِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ (ت350هـ). قال مغلطاي في «الإكمال» (4/83): "وذكر أبو عمر الصَّدَفِيُّ في كتاب «التعديل والتجريح» تأليفه: عن محمد بن قاسم، عن ابن خيرون، عن محمد بن الحسين البغدادي قال: قلت: لأحمد بن حنبل، فالحسن عمّن أخذ هذا الأمر - يعني التفسير - فقال: كانت له من ابن عباس مجالسة، وذلك أن علياً كان ولّى ابن عباس البصرة، فهو وإن ترك ذكره كانت له منه مجالسة". وقد عَرَضَ ابن المَوَّاق في كتابه المسمى «بغية النقاد النقلة» لما نقله محمد بن الحسين عن أحمد، فقال (1/398): "ذكر هذا أبو عمر الصَّدَفِيُّ، عن محمد بن قاسم، عن ابن خيرون، عن محمد بن الحسين، ومحمد بن الحسين هذا مجهول بالنقل؛ لم يذكره أبو بكر بن ثابت في «تاريخه» في أهل بغداد، ولا أعلم أحداً ذكره. وابن خيرون يروى عنه مناكير منها هذا، وقد وقفت له على أشياء منكرة، فلا عبرة بنقله، والمعروف عن أحمد أنه إنما أثبت سماع الحسن من ابن عمر، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، كذلك نقل الأثرم عنه" انتهى. قلت: نعم، لم يذكره أحد من أهل العلم، ولم يترجم له الخطيب؛ لأنه لم يشتهر في بغداد، ولم يرو عنه أحد، وكتابه هذا إنما رواه ابن خيرون الأندلسي، وأما روايته للمناكير فهذا فيه نظر! فالناقد الواحد يُروى عنه أحياناً بعض الأقوال المتعارضة وذلك نتيجة لتغيّر مذهبه في بعض المسائل، وما نقله أهل العلم عنه مما يرويه عن ابن معين، وأحمد وغيرهما أشياء نفيسة جداً، ولا نكارة فيها! ويستحيل أن يكون وضعها عليهم! نعم، هو مجهول، وكم من إنسان يروي عن هؤلاء الأئمة ولا نعرف عنهم شيئاً! فالله المستعان. وقد ذكره ابن حجر في «لسان الميزان» (7/94) وقال: "له أسئلة عن يحيى بن مَعِين، وَغيره، فيها عجائب وغرائب، نقل منها: أبو عمر الصدفي، وَغيره من حفاظ المغاربة. وحكى ابن المواق عنه أنه قال: سألت أبا داود هل روى مكحول، عَن أبي هريرة؟ فقال: سألت عن ذلك يحيى بن مَعِين فقال: نعم. قال ابن المواق: محمد بن الحسين عندي متّهم، وَلا يقبل منه ما قال" انتهى. قلت: السؤال هنا عن الرواية لا عن سماع مكحول من أبي هريرة، فليُتنبّه! نعم، هو لم يسمع منه، لكنه روى عنه. واتهام ابن المواق لمحمد بن الحسين مردودٌ! وقد نقل من كتابه الحَافِظُ المُتْقِنُ النَّاقد أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خَلْفُوْنَ الأَزْدِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ (ت636هـ) في كتابه «أسماء شيوخ مالك» في أربعة عشر موضعاً، وفي كتابه «المعلم بشيوخ البخاري ومسلم» في خمسة مواضع، ولم يعترض على شيء منها. ونقل مغلطاي أقواله في «إكماله» من خلال ابنِ خَلْفُوْنَ. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وكتب: د. خالد الحايك.

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (36). قولُ أبي داود في عدم تحديثه عن الرَّمَادِيِّ: «رأيته يَصحب الواقفة، فلم أُحدِّث عنه»! قال أَبُو العَبَّاس مُحَمَّد بن رَجاء البَصْرِيّ: قلتُ لأبي داود السجستاني: "لمْ أَركَ تُحدِّث عَنِ الرَّمادي؟ قال: "رأيته يصحب الواقفة، فلم أُحدِّث عنه" [تاريخ بغداد: (6/362)]. قَال الإمام الذهبي مُعلقاً على قول أبي داود: "هذا لا يوجب ترك الاحتجاج به، وهو نوعٌ من الوسواس". [تذهيب التهذيب: (1/204)]. قلت: في فتنة خلق القرآن هناك من أجاب خوفاً من بطش السلطان، وهناك من صمد ولم يُجب دفاعاً عن الدِّين، فسجن بعضهم كالإمام أحمد، وهناك من توقف في القول بخلق القرآن فسمّوا بالواقفة = يعني لم يقولوا: هو مخلوق أو ليس بمخلوق! وأبو داود ترك التحديث عن أحمد بن منصور الرمادي البغداديّ؛ لأنه رآه يصحب الواقفة كما هو ظاهر كلامه فيما نُقل عنه! ومن هنا اعترض عليه الذهبي بأن هذا لا يوجب ترك حديثه، وعدّ ذلك من الوسواس = يعني قد يصحبهم وهو ليس منهم، فلم يترك حديثه! والذي أراه أن أبا داود لم يقصد الصحبة هنا الصحبة المعروفة بأنه كان يصاحب قوماً من هؤلاء الذين توقفوا في مسألة خلق القرآن! وإنما عنى أنه هو نفسه كان من الواقفة في هذه المسألة = فقوله: "رأيته يصحب الواقفة" = يعني هو من الواقفة، فصحبهم في هذه المسألة، أي صار منهم. وكأن ابن حجر فهم هذا، فقال في ترجمته من «التقريب»: "طعن فيه أبو داود لمذهبه في الوقف في القرآن". فابن حجر يرى أن مذهبه كان الوقف، ولو كان المعنى أنه كان يصاحبهم فهذا لا يعني أنه على رأيهم! فتعيّن أن معنى الكلام أن مذهبه كان الوقف في القرآن. وإنما ذهب أبو داود هذا المذهب في ترك حديثه؛ لأنه من الواقفة ما قاله شيخه الإمام أحمد في الواقفة: "الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء". وقيل له - لأحمد -: الواقفة كفار؟ فقال: "كُفّار". قلت: فالمسألة ليست بصحبة الواقفة، وإنما في أنه هو كان على مذهبهم! وقد شَدَّدَ الإمام أحمد في مسألة الوقف؛ لأن الأمر كان يحتاج لأن يقف أهل العلم في التصدي لهذه الفتنة، ولا ينفع السكوت والوقف فيها! فمن وقف فكأنه أجاب، فهم سواء في ذلك! ولم أجد أن الرمادي صحب واقفياً بمعنى الصحبة المعروفة أيام فتنة القول بخلق القرآن! وكان قد صحب الإمام أحمد وابن معين في رحلتهما إلى عبدالرزاق في اليمن قبل فتنة خلق القرآن وكان شاباً عمره (18) سنة، وسمع من عفّان بن مسلم الصفّار وكان أول من امتحن في هذه الفتنة، فلم يجب فيها، وكذا سمع من نُعيم بن حمّاد، وكان نعيم قد سكن مصر، ولم يزل مقيماً بها حتى أشخص للمحنة في القرآن إلى سر من رأى في أيام المعتصم، فسئل عن القرآن فأبَى أن يجيبهم إلى القول بخلقه، فسجن، فلم يزل في السجن إلى أن مات. فتعيّن أن قول أبي داود أنه صحب الواقفة بمعنى أنه كان من الواقفة. والذهبي إنما مشى على ظاهر اللفظ في الصحبة المعروفة فعدّ ذلك من الوسواس، وإلا لو فهم أنه قصد أنه كان من الواقفة لما اعترض عليه، فإنه قد ذكر في ترجمة «مصعب الزبيري» في «السير» أنّ مِنْ أهل العلم مَنْ تَكَلَّمَ فِيْهِ لأَجلِ وَقْفِهِ فِي مَسْأَلَةِ القُرْآنِ، ولم يَعب ذلك عليهم! ولم يذكر الذهبي كلام أبي داود في ترجمة الرمادي في «السير» وكان من أواخر مصنفاته، وذكره في «الميزان» ولم يُعلق عليه! وعلّق عليه في «تذهيب التذهيب»! والله أعلم وأحكم. وكتب: د. خالد الحايك. 20 شوّال 1444هـ.