en
Feedback
كَاغِدٌ..

كَاغِدٌ..

Open in Telegram

"فَمنْ لِي بقلبٍ غير هذا؟"

Show more
1 466
Subscribers
No data24 hours
-47 days
-1830 days
Posts Archive
في قول الله تعالى: "وقُل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكُم ورسولُه والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فيُنبّئُكم بما كُنتم تعملون".. أصل من أصول الجزاء أن ما من شر إلا كانت له عاقبة في الدنيا ما لم يتب فاعله! لذلك قال السعدي في تفسيره أن "اعملوا" هنا في الآية للتحدي، بمعنى "استمروا على باطلكم"، كما تقول لابنك: "كمّل" على سبيل الوعيد! ولله المثل الأعلى. إحدى أبلغ العِبَر في موت الظالم؛ الـ "فضيحة" التي تلّحقه.. شيء مُخيف ومرعب، تخيل، في الوقت الذي أنت في أشدّ الحاجة فيه لطلب الرحمة والتثبيت عند السؤال؛ إذ باللعنات والدعوات أن يُحال بينك وبين الرحمة. وهذا والله من أشدّ الخِزْي الذي يلحق بالظالم، فما من ظُلم إلا له عاقبة في الدنيا قبل الآخرة! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يُوشكُ أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار"، قالوا: بمَ يا رسول الله؟! قال: "بالثناء الحسن والثناء السّيئ".

اللهم إن الألم بعبادك الصالحين قد طال واستطال وبَلغ ما أنت أعلم به منا.. اللهم لا تُبق لهم حزنًا إلا سلبته من نفوسهم، ولا ضيقًا إلا نزعته من صدورهم، ولا شعورًا بفقدٍ إلا طيبته في قلوبهم. ‏أنعم عليهم برضا لا سخط بعده، وسكينةٍ لا ارتياب فيها. ‏ارزقهم بنعمٍ لا حصر لها، وغنًى لا فقر بعده، وسَتر لا خُذلان فيه.. سخر لهم أرضك وذلل لهم خلقك ويسّر لهم عبادك الطيبين. ‏أرهم عظمتك الكُبرى، ورحمتك الواسعة، وقُدرتك المعجزة، واكشف لهم لُطفك الذي حير المؤمنين، وجبروتك الذي أخضع الجبارين، وسُلطانك الذي هو أعزّ من كل سُلطان. ‏اللهم استعملنا في نُصرتهم، وأعنّا على الحمل عنهم، استخدمنا ولا تستبدلنا، واختم لنا بشهادة في سبيلك.

كانت جموعُ الأمة، إلا قليلاً، تظنّ الجنة مضمونةً لمجرد الانتساب، وتغُرّها الأسماء والشِّعار، وتحسب الطريق معبّدةً لمجرّد الهوى والانتماء. فلما أقبلت الملحمة، وتكشّف وجه الصبر في أهل الرباط، ونطق البلاءُ بلسان الثبات، انكسرت أوهامُ اليقين، وذابت دعاوى النجاة في وهج الحقيقة، فعاد من كان يظنّ نفسه من أهل الجنة، يتلفّت حوله، تائهاً في ريبٍ لم يكن يحسبه. إذ تهاوت أعمالنا عند مرآى جهادهم، واختبأت حسناتنا تحت ظلّ دمائهم، ولم يبق لنا في ركب النجاة إلا رجاء شفاعتهم، أو سهمٌ في نصرتهم، ندفعه باليد أو اللسان، ما استطعنا. وأما من خذل وسكت، أو نافق وتلوّن، فما زادته الآيات إلا عناداً، ولا الملاحم إلا غيّاً، يتيه في ظنه أنه ناجٍ، ويحسب الأمانيّ بديلاً عن الأعمال {تلك أمانيّهم}.

من الذلة المضروبة على المغضوب عليهم اليهود: سلبُ التوفيق، وقَطعُ مدد السماء، فلا يُفلحون في خير، ولا يُسدَّدون إلى رشد. وصدق قول الله فيهم: "مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون". فانظر! يوم أن دعاهم موسى عليه السلام إلى دخول الأرض المقدسة، وقال: "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"، أحجموا وجَبُنوا، فحُرِموا النصر وهم على بابه، ففُتح عليهم باب التيه أربعين سنة. وانظر! يوم أن أظلهم انتظار النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم قرونًا، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم الحقُّ بَغتَهم في قلوبهم، فاستكبروا وكفروا وكذبوا... فأي خذلانٍ أشد من أن تَلقَى الحقَّ وتدير له ظهرك وأنت تعلم؟! وما قامت لهم رايةٌ، ولا ارتفعت لهم دولة، إلا بسواعد الخونة، وفتاوى العملاء، وسكوت الجبناء. قال تعالى: "ضُربت عليهم الذلة أين ما ثُقفوا إلا بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس" فهم في ذلٍّ مقيم، لا يخرجون منه إلا إذا لبسوا ذمة الإسلام أو احتموا بسور القوة من غيرهم. قال الطاهر بن عاشور في تفسيره: "لا يسلمون من الذلة إلا إن تلبسوا بعهد من الله، أو استعانوا بأولي بأس، وأما هم في ذواتهم فلا نصرَ لهم، ولا شوكة". رحم الله الشيخ الشعراوي إذ قال في تفسير قوله تعالى: "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم": "الكافر مُغفَّل"! وحقًّا، فمن غفل عن أوضح معاني التوحيد، فأنى له أن يهتدي في دقائقه؟! فالمؤمن إذا قاتل، قاتل معه التوفيق، وإن تراجع، تراجعت عنه الملائكة. أما أولئك، فقاتَلوا مع الباطل، فصار بأسهم بينهم شديدًا، وبأس المؤمنين عليهم شديدًا. ومن حُرِم التوفيق فلا راية له تُرفع، ولا قدم له تثبت، ولو أُعطِي من ظاهر القوة ما يُذهِل الأبصار.

لماذا يشغلك إن نُصِرنا أو هُزمنا؟! "خذِّل عنَّا ما استطعت" أي "أبذل جهدك في إضعاف صفوف العدو" كلمةٌ واحدة، أمرٌ بسيط، ألقاه النبي ﷺ إلى نعيم بن مسعود، رجلٌ فردٌ لا جيش معه ولا عدة، فلم يقف مترددًا يقول: كيف لي أن أُخذّل؟! وهل ينفع تَخذِيلي؟! بل مضى، ما نظر إلى قِلّته، بل إلى صدق من أرسله. ما سأله النبي عن النتيجة، ولا طالبه بخطة، إنما قال: "ما استطعت"، فليتك تفهم! في دينك، لا أحد يُسأل عن الخواتيم، ولا يُؤاخذ إن خذله قومه، أو سبقته الشهادة، أو تقطعت به الأسباب، إنما السؤال عن الجهد، عن النية، عن الصدق، عن لحظة العزم ساعة لا يُرى فيها نصرٌ ولا نور. المؤمن لا يَعبد الله على رؤية الغَلَبة، بل يعبده على اليقين، فإن جاءت الغلبة ففضل الله، وإن لم تأتِ فحسبه الله. مات ياسر وسُمية، ولم يروا الإسلام قائمًا، ولا الكعبة محرّرة، وما بلغهم من الوعد إلا: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ومات من بعدهم أقوام، وما ماتوا في الظاهر إلا ليُحيوا في الحقيقة. وأما من بقي، فمبتلى، فإما أن يصدق، وإما أن يخون، والصادق منصورٌ ولو مات، والمخذول مهزومٌ ولو عاش. كان النبي ﷺ إذا عاد مريضًا، قال: "اللهم اشف عبدك، يشهد لك صلاة، ويَنكَأ لك عدوًّا" فلا تستنزف قلبك في انتظار الفرج، بل استنزفه في صدّ العدو، وقهر الوهن، فإنّ غيظَ عدوّك عند الله جهادٌ، وإن لم يُثمر نصرًا في ظاهر الأرض.

وصف أهل السنة والجماعة ينطبق على من حقق الوصف: 1-تعظيم السنة . 2-جعل السنة مصدرا من مصادر التشريع. 3-الولاء يكون لرسول الله ﷺ باعتباره المتبوع المطاع الذي يوالى ويعادى عليه ﷺ. 4- تحقيق الاجتماع. فمن حقق هذه الشروط صح دخوله في الوصف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في مجموع الفتاوى (3/ 346): "فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ؛ وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَمَنْ جَعَلَ شَخْصًا مِنْ الْأَشْخَاصِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ خَالَفَهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ - كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّوَائِفِ مِنْ اتِّبَاعِ أَئِمَّةٍ فِي الْكَلَامِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ- كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالتَّفَرُّقِ"..

ما من روح أعرضت عن التذلل للحق تعالى إلا عرّتها الأباطيل وجرّتها إلى سُوح الهوان! إنّك إن لم تركع للذي في السماء عرشه، ركعتَ لسافلٍ يتقلب في غبار الأرض، يملكُكَ وهمًا، ويأمرك كأنك به عبدٌ مرقوم!! وما كان الخلق يومًا أربابًا، ولكنّ النفوسَ التي خلت من نور السماء جعلتهم كذلك! فإنّ القلب إذا أقفر من تعظيم الله، عمرته الوساوس، وسُلّطت عليه الأوهام، فيرى في كلّ قويٍّ معبودًا، وفي كلّ مالكٍ سُلطانًا، وفي كلّ كلمةٍ طائشةٍ حكمًا نافذًا.. وذاك لأنّ النفس إذا لم تسكن إلى الكبير المتعال، تطلّعت إلى الصغار تطلب منهم قرارها، فتذلُّ لهم في القول والفعل، حتى تمشي في الأرضِ تَرزَحُ في قيدٍ لا يُرى، ولكنّه أثقل من الحديد، وأقسى من السلاسل! واللهِ ما العِزُّ إلا في الذل لله وحده، وما الحريةُ إلا في القيود التي يُلقيها الله على العبد ليصونه بها من قيود العبيد، ومن لم يعرف طَعم الذلّ بين يدي العزيز، تجرّع مرارة الذلّ بين أقدام الأذلّة، وإنّ أشرف الرقِّ رقُّ المحبّة، فاختر لنفسك مولاها.

"أحضروا لي الماء ﻷغسل يدي من قبلة هذا النجس"... - سلطان المغرب المنصور المريني ، مخاطبا أصحابه بعد أن قبل يده ملك إسبانيا الصليبي الفونسو العاشر . اليوم يتسارع المبهورون من بني قومي لتقبيل أقدام الغرب الكافر.

اللوثةُ المدخليةُ الهمجيةُ إنما تلائمُ طبعَ الذكورِ، ممن ألفوا الجفاء، وارتضوا الخنوع، ورضعوا من ألبان التقديس الأعمى، لكن أن ترى أثر هذه اللوثة في النساء، فتلك انتكاسة في الفطرة، وانقلاب في الطباع، وانسلاخٌ من الرقةِ التي جُبلنَ عليها. فقد رأينا نساءً من غير أهل الإسلام، لا يعرفن القبلة ولا يذكرن الله طرفة عين، ومع ذلك لم يطقن منظر الدم المسفوك في غزة، فبكين، وهاجمن الصهيوني بكل لسان ووسيلة. أما المدخليات، فوالله لقد تبلدن تبلدًا لم تُعرف له مثيلات، حتى زاحمن المستراحيين في الغلظةِ والفظاظةِ وجمود القلب، كأن الرقة نُزعت منهن نزعًا، وكأن الفطرة عندهن انتُكست انتكاسًا، لا تُبصر دمًا ولا تُحركها مأساة. وقد عجبت لهذا ثم تذكرت قول الله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾، فعلمت أن النفاق إذا سكن القلب، لم يفرّق بين رجل وامرأة، بل جرّد الجميع من الرحمة والغيرة على دم المسلم. ولَكم يُشفق المرء على من وُلد لأم مستراحية! فإن الرضاع يُغيّر الطباع.

عجبًا لقومٍ، ألسنتهم تلهج في إنكار إخراج زكاة الفطر نقدًا، ويتناوبون الحجاج، ويرجعون إلى آثار السلف، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها في "صاعٍ من تمرٍ أو شعير"، فإذا جاء ذكر الجـ ـهاد، طأطؤوا الرؤوس، وأغلقوا الصحائف، وسكتت الألسن التي كانت لا تسكت، وسُحبت الأدلة سحبًا من سوق النفاق باسم "المعاهدات والمواثيق"! أيّ فقهٍ هذا الذي يثور في "الصدقة"، ويسكت عن "الدماء"؟! وأي غيرةٍ هذه التي تستعر في موسم الفطر، وتخمد إذا دُنس الحرم، ونُقضت عروة الولاء للمؤمنين؟! من آمن بزكاة الفطر كما جاءت، فليؤمن بالجـ ـهاد كما جاء. ومن صدّق النصوص في الطعام، فليصدقها في دفع الصائل، فإن الذي شرع هذه، هو الذي فرض تلك، والسكوت في مقامٍ والكلام في آخر خيانةٌ للميزان.

رحم الله أهل عْزة؛ أطفالها ونساءها وشيوخها وشبابها ومجاهديها.

{هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}

ولِلدّهرِ أَيامٌ قِصارٌ إِذا سَرَتْ بِخَيرٍ ويَومُ الحُزنِ مِنهُ طَويلُ.. – بشار بن بُرد

إذا رأيت الناس تكثر من الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أقبع عليهم، وهم قوم بهم غفلة، واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت وهو مخمور. -ابن خلدون

حين سئل سعيد بن جبير -رضي الله عنه- عن الفتنة بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- قال: "تلك دماء طهّر الله منها أيدينا فلنطهّر منها ألسنتنا"

كلُّ ساقٍ سيُسقى بما سقى، وكما تَدينُ تُدان. كان أبو مسلم الخراساني لواءً مرفوعًا للعباسيين، نصر دعوتهم، وأقام دولتهم، وأراق الدماء باسمهم، وسفك الأرواح دونهم، فلم يزل لهم طوع أمر، لا يثنيه عنهم صارف، حتى عظُم شأنه عند أبو العباس السفاح، فقرَّبه وأعزَّه، وجعله وزير سرِّه ومستشار حكمه، لا يقضي أمرًا بغيره ولا يقطع رأيًا دونه. فلما أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور، وجد في أبي مسلم غصَّةً في حلقه، ورأى بأسه مستطيرًا يخشى منه الفتنة، فأضمر له ما أضمر، ودبَّر له من الغدر ما دبَّر، ثم استدعاه فصرعه غدرًا، ووقف على جثته يقول: > "رحمك الله يا أبا مسلم، بايعتنا فبايعناك، وعاهدتنا فعاهدناك، وكنت لنا وفيا فوفينا لك، وقلنا: لا يخرج علينا أحد إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك، وحكمنا عليك بحكمك على نفسك لنا." ثم أنشد، وقد انصدع قلبه هيبة وعدلًا: > زعمْتَ أن الدَّيْنَ لا يُقتضى فاستوفِ بالكيلِ أبا مُجرِمْ سُقِيتَ كأسًا كنتَ تسقي بها أمَرَّ من الحنظلِ والعلقمْ وما ذاك إلا جزاء من روّى الأرض بالدم ظلمًا، فإن الدم لا يُراق بغير حساب، وإن الله يُمهل ولا يُهمل، وقد قتل أبو مسلم في دعوته زهاء ستمائة ألف نفس صبرًا (أي تعذيبًا حتى الموت)، فما أفاده بأسه، ولا أغنته حيلته، فذهب كما يذهب كلُّ باغٍ، وأضحى حديثًا على ألسن الناس.

سُئل عبدالله بن المبارك رحمه الله أيُهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبدالعزيز؟ فقال: والله إن الغُبار الذى دخل أنف معاوية مع رسول الله ﷺ افضل من عمر ألف مره . ثم اتبع : صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال :سمع الله لمن حمده،فقال معاوية ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا ؟! ‐كتاب وفيات الاعيان وذُكر عمر بن عبد العزيز وعدله عند الأعمش، فقال: «فكيف لو أدركتم معاوية؟!» قالوا: «يعني في حلمه؟» قال: «لا واللهِ بل في عدله!» قال أبو إسحاق السبيعي: «كان معاوية، وكان وكان، وما رأينا بعده مثله!» قال مجاهد: «لو رأيتم معاوية لقُلْتم: هذا المهدي!». وقال قتادة: «لو أصبحتم في مثل عمل معاوية، لقال أكثَرُكُم: «هذا المهدي!»

معاويةُ بن أبي سفيان، الداهيةُ القرشيُّ، والحليمُ العربيُّ، الذي ساس الشامَ أربعين عامًا فما اهتزّ فيها عرش، ولا اضطربت فيها راية، ولا استيقظت فيها فتنة. سُئِل فقيل له: كيف ملكت القلوب، وأخمدت النيران، وورّثت الأمنَ في زمن الفتن؟ فقال، وما أحكمها من كلمة، وما أبعد غورها: "ما وضعتُ سيفي حيث يكفيني سوطي، وما وضعتُ سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرةً ما انقطعت؛ كانوا إذا مدّوها أرخيتُها، وإذا أرخوها مددتها." كلمةٌ لو خُزنت في خزائن الحكم لما سعتها، ولو جُمعت إليها كتب السياسة لكانت هي الأصلَ وهي الفصل. ولم تزل العرب تضرب بها المثل، فتقول في من عرف متى يُلين ومتى يشُدّ: "تركَ بينه وبين الناس شعرةَ معاوية." معاويةُ، سليل بني عبد شمس، أُمةٌ وحده في الحُكم، وابنُ سلالة الزعامة في مكة، لبس تاجَ الحُكم حين كان غيره يفتّش عن موطئ قدم، فملك الشام عشرين عامًا واليًا، ثم اعتلى منبر الخلافة عشرين عامًا أميرًا للمؤمنين، فحين غدر الخوارج بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لم يجد الناس خيرا وأجدر من معاوية خليفة عليهم فاجتمعوا عليه في عام الجماعة. وفي هذا قال ابن خلدون: "وتعيَّن بنو أمية للغَلب على مُضَر وسائر العرب، ومعاوية يومئذ كبيرهم، فلم تتعدَّه الخلافة ولا ساهمه فيها غيره، فاستوت قدمه، واستفحل شأنه، واستحكمت في أرض مصر رياسته، وتوثق عقده، وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التي لم يكن أحد من قومه أوفر منها يدًا، من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم، ويصانع رؤوس العرب وقُروم مُضَر بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تُدرك، وعصابتُه فيه لا تُنزع."

من لا مشروع له، فليس إلا رقماً في أوراق سواه.. من لا راية له، سيُرفع تحت رايات غيره، يُدبّر به ولا يُدبِّر، ويُحمل ولا يَحمِل.

《يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ》 اعلم - وفّقك الله - أن مما يبتلى به العامة قلة التثبت، وأن مما يجر إلى الضلال ترك التمييز بين الناقل والقول، فإن الإعلام في هذا الزمان يلبّس على الناس أمرهم، فيقلب الحقائق، فيُبغِّض المظلوم، ويُحبِّب الظالم، حتى يغدو البريء عندهم جانياً، والجاني مصلحاً، وما هذه إلا بلية من الجهل، وما يُنجي منها إلا التبيّن والتقصيّ. وفي هذا يقول مالكوم إكس رحمه الله :الإعلام هو الكيان الأقوى على وجه الأرض. له القدرة أن يجعل من البريء مجرمًا، ومن المجرم بريئًا، وهذه هي القوة الحقيقية؛ لأنهم يتحكمون في عقول الجماهير."