603
Subscribers
No data24 hours
-17 days
+130 days
Posts Archive
أهم معوقات عملية التغيير الاجتماعي:
١. إشكالية التفكير ومنهجيته وغياب الأسئلة الكبرى المُشَكِّلَة لعملية التفكير : كيف نفكر؟ ولماذا نفكر؟ وبماذا نفكر؟ وهي ما يؤدي إلى خلل منهجي في عملية تشكيل الأفكار وبالتالي إلى خلل في التشخيص والسلوك.
٢. حب الذات،”فكل ما في حياة الإنسان هو جر النفع إلى شخص نفسه ودفع المكاره عنها، ولا يستثنى من ذلك شيء، إنما تختلف مشخصات الخير ومشخصات الشر في نظرالبشر. ومن هنا يختلف سلوكهم وتختلف عاداتهم وتختلف طرائقهم في الحياة ونظراتهم إليها، وإلى ما قبل الحياة وإلى ما بعدها[1]. لذلك تم اعتبار الخطوة الأولى في التغيير هو تغيير الداخل الإنساني وتصويبه باتجاه سليم حتى ينعكس على سلوكه وعلاقاته الخارجية وعلى رؤاه وأفكاره وأهدافه.
٣.الوراثة، خاصة إذا تم ربط الموروث بالدين واعتباره عقيدة دينية حتمية يقينية، ونعني بها وراثة الأجداد، فأغلب دعوة الأنبياء والرسل كانت تواجه بحجة عدم ترك ما تم توارثه عن الأجداد.
٤. التنميط الاجتماعي، الذي يقوم بعمل نسخ للأفراد على شاكلة واحدة من خلال العقل الجمعي الذي ينشأ من الشعور بنحن، التي تؤسس للانتماء للجماعة والمجتمع، لكنها تقع بين فكي الإفراط والتفريط ، والتنميط هو نزعة مجتمعية تقصي الفرد ومساحته في التفكير الحر..” الشعور بنحن هو شعور موجود لدى كل فرد من أفراد المجتمع،فينشأ منه شعور عام مختلط هو عبارة عن الشعور بنحن، الذي يمثل التعصب للجماعة والتحزب نحو فكرتها والحماس والسعي نحو هدفها..فالإنسان في هذا الصدد يحاول أن يفهم جميع أمور الحياة على ضوء فهم جماعته، وعلى ضوء ما تمليه عليه مصالحه الخاصة وإحساساته الناشئة من خلال سعيه نحو هذا الهدف المعين، ومن خلال الوسائل التي اتخذتها جماعته في سبيل الوصول إلى الهدف[2].
٤. ثقافة التقليد وهو العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة.[3] ومن آثاره انتقال الممارسات الاجتماعية والفهم بالعدوى، حيث تغلب الحالة العاطفية في الإنسان على حالته الفكرية، ويكون الأصل فيه انتقال للتصورات وتحويلها دون دليل لتصديقات يترتب عليها حكم ثم أثر سلوكي فردي واجتماعي دون تفحص ودراسة..
٥. عدم وعي ضرورة التغيير وبالتالي عدم القبول به، وعمليات التغيير الاجتماعي تتطلب وجود قابليات اجتماعية مهيأة لعملية التغيير وقابلة لها بعقل، لذلك تعتبر الشرارة الأولى في أي حركة تغيير هي نفس الإنسان وداخله، فالعمل على تحرير المجال الإدراكي من كل أنواع الأغلال الاجتماعية والخروج من كل أنواع الصناديق البيئية، ومحاولة كشف الواقع من خلال النهوض بالوعي، يُمَكّن الفرد من الانطلاق في دوائره المتاحة له ليحدث فيها أثر التغيير المنهجي، من دائرة النفس إلى الأسرة إلى المجتمع حلقات متصلة وممتدة، أساسها وقاعدتها الوعي والانتباه الذي يتطلب حركة فكرية دؤوبة قادرة على تنشيط الأذهان والعقول، وإحياء ثقافة السؤال وتفعيل حجية القطع القائمة على تحصيل الدليل والبرهان من مظانه الصحيحة.
(٣)
استمرار القدماء في مواقعهم رغم تقدمهم في السن مع تراكم خبراتهم أو ضحالتها، وما يستدعيه ذلك من تأخر في العطاء وتنميط في التفكير، والبقاء داخل صندوق مقفل عقليا في صناعة الحدث وتفسيره، أو في تشخيص المشكلات والإشكاليات ومعالجتها، و في الابداع وحتى في مواكبة العصر، وهو ما يجعل مسار التطور والمواكبة بطيء، ويراكم من الإشكاليات والمشاكل المحيطة بل يعمقها و يدفع بتهميش المستحقين الأكفاء من الشباب من التصدي لهذه المواقع بالتالي يؤدي ذلك إلى:
أ. انكفاء البعض من الكفاءات بعيدا عن الحياة العامة كونها تسعى لرضا الله ودرءا للفتنة ولكسب النفس من الضياع، بالتالي تترك الساحة بما هي عليه من خلل وتنجو بذاتها، وبذلك تعطل طاقة كفوءة كان يمكنها دفع المجتمع سنوات من العطاء والنهوض والتقدم.، ويأتي الانكفاء كخيار بين خيارين: الانكفاء أحدهما، والآخر هو الرضا بالموجود والانخراط في العمل حتى مع ضعف القيم وخلل المنهج والرؤية .
ب. انقلاب بعض من الكفاءات للمعارضة العنيفة بحجة الاصلاح، وممارستها للنقد وتتبع الذلات مما يسبب فرقة داخل المجتمع وتشتت كبير، ولغط وفتنة.
ج. تطويع كفاءات وتدجينها لأنها ترغب بالعمل لإثبات ذاتها، لكن دافعيتها للعمل لإثبات ذاتها تكون في مقابل سلب عقلها وقدرتها على التصويب والتقويم والتقد، وتنمطيها تنميطا سلبيا باستخدام عناوين شرعية كالتكليف، حيث يطرح هذا العنوان بطريقة استغلالية تعطيلية، إضافة لعنوان طاعة ولي الأمر وربطها بطاعة الله، انطلاقا من فهم محرف للطاعة يتوافق ورغبة المتصدين في البقاء، أو فهمهم النمطي التقليدي للطاعة. وهنا نفقد ايضا كفاءات وندجنها في مسار هو بالأصل فيه خلل، لنكرسه كمنهجا يتم توارثه لينتج قطيعا وجنودا لا علماءً ومفكرين ومنتجوا معرفة.
(٢) يتبع
إننا في عملية النقد الإيجابي لتحقيق الاصلاح والتغيير نستهدف بذلك عدة مراتب:
١. المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، لدورها الفعال والهام في رفع قابليات الجمهور والنهوض بمستوى وعيهم لإدراك الإشكاليات المعيقة، وتسييل المفاهيم من النخبة المتصدية للإصلاح، ومن موقع التنظير إلى موقع التطبيق، وميدان التطبيق الأول هو الجمهور.
٢. المنهج والأدوات واليات القيادة سواء علي مستوى التفكير أو التطبيق، الذاتي أو الاجتماعي.
٣. الأفراد والجماعات والمجتمع من حيث منهجية التفكير وآليات مواجهة المشاكل والإشكاليات، وكيفية التعامل مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والدينية، ومدى ممارستها دورها الرقابي للقيادة ومنهجها.
٤. القيادة بكافة مصاديقها ومراتبها ( سياسية أو دينية، حزبية أو سلطوية، تيارية أو اجتماعية، خاصة أو عامة).
١.١ النقد الإيجابي بهدف التدوير والتدرج:
االتدويروالتدرج الوظيفي أو الموقعي فكرة جدلية بين رافض لها مطلقا وقابل لها مطلقا، كونها تستهدف تجديد الدماء وتغيير العقول والوجوه، ومنطقة عملها هي الرتب العالية أو بمعنى آخر، مواقع المسؤولية المتقدمة رتبيا من حيث الموقع والمهام والسلطات والنفوذ، سواء كانت على مستوي القيادة كمرتبة أو القيادة كوظيفة ودور، أو هي على مستوى اجتماعي وسياسي وديني، ولكل من الاتجاهين أدلته وتصويباته.
وعادة يأتي التدوير والتغيير لأسباب عديدة أهمها:
١. ممارسة التفكير النقدي للفرد على أداء المتصدين، نتيجة تقصير أو قصور أو عدم مواكبة.
٢. تغيير الموجود بمن هو أكفأ منه نتيجة بروز كفاءات جديدة لم تكن موجودة في الساحة قبل ذلك.
٣. ضرورة زمنية متعلقة بالتقدم في العمر، وضرورة رفد المواقع بطاقات شابة كفوءة تعطى لها الثقة لقيادة المسيرة، مع بقاء القدماء في موقع التصويب والاستشارة لخبراتهم المتراكمة.
٤. إخفاق القيادة أو المتصدين في مواقع المسؤولية في أداء دورهم، وعدم مواكبتهم لمسيرة التطور في التفكير والممارسة والأداء والأدوات، وعدم تلبيتهم لمتطلبات الراهن ومعالجة إشكالياته بما يناسبه ، وهو ما ينعكس جليا على واقع الفرد والمجتمع والجماعة من حيث التفكير والانتاج ومسار المنظومة المعيارية والقيمية في المجتمع.
كثيرة هي آثار عدم التدويروتعطيل التدرج مطلقا على تهميش الطاقات، والتبذير أو الإسراف بالعقول بتعطيلها أو صرفها إلى وجهة غير وجهتها الواقعية، وما ينتج عن هذا التهميش من خلق نزاعات وصراعات نفوذ ومواقع وفتن على مستوى الأفراد أو الجماعات من تيارات وأحزاب ومؤسسات دينية أو سياسية أو مدنية، فتتحرك نتيجة ذلك الفئات المهمشة أو المعطلة بعنوان الاصلاح كرد فعل ، مع عدم وجود مشروع للاصلاح حقيقي يهدف لاصلاح الواقع دون إحداث خلل في بنية المجتمع ووحدته. فالعمل تحت شعار الإصلاح كرد فعل وليس كفعل مدروس وفق مشروع بنيوي هادف سيراكم من الخلل لا يعالجه. فحب الذات صفة مغروسة في فطرة كل انسان وغرست لهدف خلق الدافع وبعث الارادة لدى الانسان للعمل والتنافس في ساحات الدنيا لعمارتها بما ينفع الإنسان[1] . وهذب الله حب الذات ووجهه نحو الخير، و ليثبت الانسان ذاته عند الله وليس عند البشر، وليحرز موقعية خالدة عند الله وليس ليحقق مصالح دنيوية في الدنيا قد تحرفه عن الصراط وتجعله يظلم ويهتك حرمات ويضيع حقوق ، لذلك مواجهة ما فطر الله الناس عليه ستكون له آثار عكسية على الفرد والمجتمع. ففي السنن التاريخية مواجهة الفطرة التي لا تبديل لها وتحديها يمكن أن ينجح مدة زمنية، لكن الانقلاب في مسار المواجهة سيعيد توجيه الفطرة لوجهتنا الصحيحة ويعكس مسار المواجهة ليضعها في الطريق السليم.
إلا أن ما يحدث خلال مواجهة الفطرة ومدتها من تداعيات خطيرة على الواقع الفردي والاجتماعي، قد يعاني منها الأجيال فتتوارث إرث منحرف وتراكم عليه، وتحرف مسار الخلافة الإلهية، و تحدث خللا في بنية الدعوة إلى التوحيد وتحقيق العدالة. هذا فضلا عن تأخير مسار تقدم المجتمع وتعريضه لنكسات وخيبات أمل نتيجة عدم تطوير الأفهام والأدوات وعدم محاكاة الواقع بعقل الراهن، ومحاولة معالجة الإشكاليات أو المشكلات بطريقة نمطية لا تخرج عن مألوف المتصدين القدماء، ولا تكسر التابو الذي اعتادوه وألفوه كمرجعية تحدث لهم اطمئنانا موهوما يهتز مع أقل ريح فتنة، ويعتبر تعطيل الطاقات بتهميشها أو عدم إعطاءها فرصتها هو انتهاك صارخ وسلب واضح لحقها في ممارسة دورها ووظيفتها الاستخلافية، ليس فقط على مستوى القيادة، بل على مستوى التخطيط والتطوير والنقد والبناء والمشورة.
وفي ظل هذه المواجهة نحن امام ٣ حالات:
١.
وبين النقد الإيجابي والآخر السلبي تدافع مستمر، وهذا التدافع والتنافس يخلق آفاق للعملية الإصلاحية، لو أدرك المصلحون و أصحاب النقد الإيجابي ذلك، فمواجهة الاصلاح من قبل معارضيه يكشف للمصلحين ثغرات جديدة في جسد الفساد، ويكشف خطط المفسدين ومنهجهم، ففي حال لم يتم شخصنة الصراع بين طرفي الصراع، وعدم انجرار المصلحين الحقيقيين للانشغال في شخوص المفسدين، فإن المصلحين سيتمكنون من التركيز على نقاط الضعف وكشف الثغرات واكتشاف الفساد أكثر من خلال ردود فعل المفسدين ومواجهتهم للنقد الإيجابي بنقدهم السلبي. فالتنافس والتدافع في عملية النقد بين نوعيه السلبي والإيجابي أمرا طبيعيا ضمن قوانين الطبيعة البشرية والتاريخية، إلا أن آلية التعاطي مع النقد السلبي هي التي تحدد قدرة المصلحين على تحقيق هدف الاصلاح من عدمه، وعلى مصداقية مقاصدهم الاصلاحية.
(١)
الاصلاح ومعوقات النهوض:
يعتبر الإصلاح من أدوات التغيير اللازمة والمتحركة عبر الزمن، فما من جماعة فاعلة وناشطة في ساحة التاريخ، سواءً كانت حركة أو حزبا أو تيارا .. الخ، مع التقادم، إلا بحاجة لعملية نقد وتقويم وإصلاح لمسارها، سواء لأجل مواكبة العصر المتغير، أو لأجل تصويب المسار، للاستمرار والديمومة نحو تحقيق الأهداف والغايات التي لأجلها قامت وتفاعلت مع العالم والواقع الخارجي. وقد واجهت عمليات الإصلاح عبر التاريخ الكثير من العقبات والإشكاليات التي إما حالت دون إتمامها، أو حرفت مسارها وأعادت تشكيل أهدافها بعيدا عن غاية الإصلاح والتغيير. خاصة أن الإصلاح مفهوم له مصاديق كثيرة أهمها عبر التاريخ الاصلاح السياسي والديني، حيث يندرج تحتهما كثيرا من مصاديق الإصلاح، كالثقافي والتعليمي والتربوي وإلخ.
ومن أهم الإشكاليات التي واجهت مسيرة الإصلاح عبر التاريخ هي:
١.غياب النزعة النقدية.
٢. التخلف والاستبداد.
٣. الارتهان السياسي واعتبارات القداسة.
فالاصلاح عبارة عن حركة تفاعلية وليست انفعالية بين الإنسان والواقع، فالتفاعل مع المتغيرات ومحاولة التدافع الإيجابي نحو النهضة جزء من حالة التغيير، بل يشكل في كثير من الأحيان أصل، و تكتنز هذه الحركة عدة أبعاد:
١. البعد الذهني الذي تتشكل فيه الأفكار المرتبطة بغايات الإنسان، أو ما نسميه المحتوى الداخلي للإنسان.
٢. الواقع ومتغيراته وأحداثه وتأثيره على حياة الإنسان الفاعل والمتفاعل معه، وما نطلق عليه المحتوى الخارجي أو الحاضنة والبيئة.
٣. السلطة ( دينية ـ سياسية ـ–ثقافية، فكرية ) ودخالتها في تشكيل الواقع، أي المحتوى الخارجي، وتأثيرها على تشكيل المحتوى الداخلي للإنسان. ١.غياب النزعة النقدية:
النظريات السيسيولوجية تهتم بدراسة ظاهرة واحدة في أكثر من مجتمع ، وغياب النزعة النقدية ظاهرة إسلامية بشكل عام وعربية بشكل خاص وخليجية بشكل أخص، وتعتبر من أهم عوائق الاصلاح ومراكمة الفساد، وتشكل عقبة حقيقية في مسار النهضة والتطوير والتقييم، وكونها ظاهرة مشتركة في أكثر من مجتمع، فسنسلط الضوء على ملابسات هذه الظاهرة وأسبابها. بل دورها المحوري في عملية الاصلاح والتي هي مظهرا جليا من مظاهر التغيير في المجتمع. وهنا نحن لا نقتصر في استهدافنا للاصلاح على المجتمع، بل نعني به أيضا الاصلاح على مستوى الفرد، لأن التغيير يبدأ من الداخل لكي يحقق ثمرات التغيير الخارجي كما أشرنا في الفصل الأول، ولذلك، فإن الاصلاح أيضا كمصداق من مصاديق التغيير له عدة مراتب في طول بعضها البعض:
١. مراتب داخلية متعلقة بالفكر والنفس في بعديها المعنوي والأخلاقي المؤثر في السلوك، خاصة فيما يتعلق بإصلاح منظومة الأفكار، وعلى ضوئها إصلاح منظومة المعارف والأخلاق ومنظومة القيم والمعايير.
٢. مراتب خارجية متعلقة بالأهداف ووسائل تحقيق الأهداف، وبعملية الاصلاح السياسي والاجتماعي والديني ومنهجها وإشكالياتها.
ويعتبر النقد مقدمة هامة وأولية في تشخيص الخلل والإشكاليات المعيقة للاصلاح والنهضة وعملية التغيير الفردي والاجتماعي، لأن التقييم والمراجعة والنقد والمحاسبة مقدمات هامة بل ضرورية لتحقيق هدف التغيير والاصلاح، وغياب النزعة النقدية هو غياب لشرط تحقيق الاصلاح والنهضة.
والنقد نوعان:
١. نقد إيجابي
٢. نقد سلبي
فالناقد قد يمارس النقد الإيجابي للاصلاح، وقد يمارس النقد السلبي لتكريس الفساد، بمعنى أن هناك من يمارس النقد لأجل الاصلاح والتغيير، وهناك من يمارس نقد حركات الاصلاح والتغيير لا نقدا بناء في سبيل معالجة ثغراتها، بل نقدا هداما مضادا مواجها للاصلاح والتغيير، ومكرسا للفساد بل مراكما له، " فلقد انتقد المشركون من أهل مكة نوع النظام الاجتماعي الذي جاء به الاسلام، وذلك لما ينطوي عليه من تبديل للعادات والتقاليد، أو إقرار التشريعات الاسلامية والتعاليم غير المألوفة في أسلوب الحياة الجاهلية وثقافتها" ..وهو مصداق للنقد السلبي، الرافض للتغيير نتيجة التنميط الاجتماعي والاعتياد والخوف على المصالح الخاصة لكبار القوم من أن تتضرر نتيجة النقد والمطالبة بالتغيير،"فيما انتقد النص القرآني هذا المجتمع المتخلف، ووصفه بالجاهلي، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى، وتصحيح تصوراتهم الفاسدة، وتحقيق العدالة الاجتماعية فيما بينهم.."
ونحن هنا معنيين بالنقد الإيجابي الذي يحقق الاصلاح ويحدث تغييرا في البنى الاجتماعية السياسية والاقتصادية والدينية.
عادة في ظل الحروب العسكرية ترتفع الأصوات الناقدة، وتزداد عمليات المراجعة والتقويم في المجال المعرفي والثقافي، خاصة مع تبدل موازين القوى، أو وقوع تغييرات على النمط الذي كان سائدا فترة طويلة من الزمن، هذه التغييرات المفاجئة تحدث غالبًا ارتدادات عنيفة في المسلّمات واليقينيّات المبنيّة غالبًا على الشعارات أو على نظام تعليمي تلقيني، أو حتى على المسلّمات المنطقيّة . ومن الطّبيعي في ظل هذه الظّروف المتغيرة وغير الثابتة، أن يحدث نوع من القلق المعرفي وترتفع الأصوات الناقدة والمطالبة بعمل مراجعات، ولكن المشكلة تكمن في فهم طبيعة ومسار عمليّات التغيير والاصلاح المطلوبة، ولأنني تناولت الموضوع سابقا في كتابي الأول التغيير والصلاح، فوجدت إعادة فتح هذا الملف بات مهمًّا من وجهة نظري القاصرة، لذلك سأقوم بطرح وجهة نظري ضمن سلسلة قصيرة من المقالات، وأتمنى أن يتم إثراء الموضوع من خلال وجهات نظركم وتعليقاتكم.
الفوضى المعرفية والولاية العلمية
العالِم الموثوق به لا يملك سلطة فرض، بل ولاية يصنعها الدليل ومنهجه. فكلما ازدادت حجّية المعرفة المطروحة، ازداد وعي الجمهور وإدراكه.
والناس متفاوتون في الجد والاجتهاد، وبالتالي في قدراتهم ومعارفهم، وهذا التفاوت يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف نثق بمعرفة منقولة، خاصة ما يُبنى عليه سلوكنا الفردي والاجتماعي؟
القرآن حدّد معيار هذه الثقة بوضوح:
﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ (الزمر: ٩)
فسريان الولاية العلمية يقوم على أمرين: علم الجاهل بجهله، واختبار العالِم لعلمه عبر حجّية ما ينقله وصحة منهجه. والعلم هنا معيار نظري لا يكفي وحده؛ فالعمل بما يُعلَم هو المعيار السلوكي الذي يثبته بالتجربة. لذلك فإن أول ميدان لاختبار الثقة في العالِم هو الميدان الأخلاقي، لا النظري فحسب؛ فالقرآن يربط دومًا بين التزكية والتعليم.
أسباب الفوضى المعرفية
انتشار الفوضى المعرفية وما ينتج عنها من فتن يعود غالبًا إلى:
- جهل الإنسان بجهله، وعدم اعترافه بحدود معرفته
- ضعف التعقل والحكمة في التمييز بين الموضوعات وأحكامها
- غياب التهذيب الأخلاقي الذي يضبط التعامل مع الذات والمحيط
وهذا كثيرًا ما يقع بين العلماء أنفسهم، خاصة في مقام الجدل لا في مقام البحث عن الحق.
الكم لا يعني الكيف
الأكثر علمًا ليس بالضرورة الأعلم. فغزارة المعلومات وسنوات الدراسة لا تعكس بالضرورة القدرة على بناء وعي سليم للجمهور. وكثيرًا ما تخضع بعض النخب لرغبات الناس وميولهم بدل الانصياع للدليل والبرهان. يضاف إلى ذلك التحيّز الإدراكي: فأي سلطة، دينية أو سياسية أو حزبية، قادرة على إنتاج معرفة موجَّهة تُحكم بها هيمنتها على وعي الفرد والمجتمع.
الاختلاف كاختبار حقيقي
تظهر حقيقة "الأعلم" عند تعدد الآراء المعارضة: هل يقود العقول بالدليل والحجة والحوار المحترم للمختلف؟ أم بالشعارات والعاطفة، فيسقط مخالفيه بدل مناقشة حججهم؟
فالأصل معرفة الحق واتباعه، لا معرفة الرجال واتباعهم. فالحق لا يُعرف بالرجال والكثرة، بل يُعرف الرجال بالحق.
شروط تحقق الثقة
الثقة، ومعها سريان الولاية العلمية، لا تتحقق إلا بأربعة شروط:
1. الأعلمية على المستوى النظري، وتُدرك بحجية الدليل ومنهجه
2. الأعلمية على المستوى العملي، وتُدرك بمدى إفادة هذا العلم للناس في واقعهم وتحقيقه للعدالة
3. إدراك الأقل علمًا لجهله، ورجوعه لأهل الاختصاص دون تعدٍّ على حرية تعبيره، بل توجيهًا نحو تعبير مسؤول لا انفعالي
4. التهذيب الأخلاقي الذي يضبط الإدراك والسلوك معًا، وغيابه نقص يشمل الجميع دون تمييز
خاتمة
تقدّم العقل لا يتحقق إلا بالتفكّر المشترك، لا في عزلة اجتماعية أو بيئات مغلقة معرفيًا تُقمع فيها الآراء المختلفة بالاستهزاء أو التخوين بدل مناقشتها بالدليل. فالله تعالى حاور الشيطان في القرآن رغم أنه مصداق الباطل الأجلى، ومنهج الأنبياء كان: «قل هاتوا برهانكم». فلنتحلَّ بالشجاعة في التعبير الحر عن آرائنا، بعقلانية علمية لا بانفعال شعاراتي.
✍️ إيمان شمس الدين
لذلك ولاية الأمثل على الأمثل، والأعلم على الأقل علمًا، لا يتحقق سريانها إلا بالثقة، والثقة لا تتحقق إلا بـ:
تحقق الأعلمية على المستوى النظري، وهذا يُدرك بالخبرة والتجربة، وحجية الدليل ومنهجه.
تحقق الأعلمية على المستوى العملي، وهذا يُدرك بالتجربة والممارسة، وتعقّل وحكمة الأعلم في التعاطي مع الواقع والمحيط، ومدى إفادة علومه للناس في معاشهم وحياتهم ومنهجهم وسلوكهم، ومدى تحقيقها للعدالة.
إدراك الأقل علمًا لجهله، وسلوكه مع المحيط وفق هذا الإدراك برجوعه للأعلم وعدم خوضه فيما لا يعلم، وهذا للأسف بات إدراكًا مفقودًا بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا لا يعني ممارسة وصاية على حريته في التعبير، لكنه دفعٌ باتجاه التعبير المسؤول القائم على التعقل والعلم، لا الانفعال العاطفي والشعارات.
التهذيب الأخلاقي الذي يضبط المجال الإدراكي من جهة، والسلوك مع الذات والمحيط من جهة أخرى. والتهذيب صفة تعمّ الجميع، وغيابها منقصة للجميع، سواء الأقل علمًا أو الأكثر علمًا.
فتقدّم العقل يعتمد على إمكانية التفكّر المشترك، ولا يمكن تخيّل حدوثه في عزلة اجتماعية، أو بيئات مغلقة معرفيًا ذات طابع برادايمي أوحدي، أو في ظل ممارسات قمعية للآراء مهما كانت قيمتها، فالأصل مناقشتها وردها أو قبولها بالدليل والبرهان، لا قمعها وتكميم الأفواه من خلال الاستهزاء أو الشتم أو الإسقاط الاجتماعي والتخوين.
فالله تعالى في القرآن حاور الشيطان رغم أنه مصداق الباطل الأجلى، ومنهج الأنبياء كان “قل هاتوا برهانكم”، بينما منهج أهل الباطل في القرآن كان الاستهزاء والاتهام والسخرية والشتم.
فلا بد أن نتحلى بالشجاعة في التعبير الحر عن آرائنا ومناقشتها بشكل علمي عقلاني، لا انفعالي شعاراتي.
هذا على عجالة، وإلا فالموضوع عميق ومتشعب.
✍️ إيمان شمس الدين
الفوضى المعرفية والولاية العلمية
العالم المتصف بالثقة علميًا ومعرفيًا له ولاية على عقل الجمهور، وهي ليست ولاية فرض واستبداد، بل ولاية يصنعها الدليل ومنهج الدليل وحجية هذه العلوم والمعارف، فكلما ازدادت حجية ودليلية المعارف كلما زاد ذلك من وعي وإدراك الجمهور.
والناس متفاوتون في السعي والجد والاجتهاد، بالتالي تتفاوت قدراتهم وقابلياتهم ومعارفهم وعلومهم، وهذا يقتضي تفاوتًا في المراتب العلمية والمعرفية.
هذا التفاوت يطرح سؤالًا حول الثقة واليقين: كيف يمكن أن نثق بالمعارف المنقولة، خاصة تلك التي تؤسس لموضوع اليقين والعلم، ويُبنى على أساسها سلوكنا الفردي والاجتماعي؟
موضوع الثقة موضوع فلسفي عميق، لكن من حيث المنهج فإن القرآن حدد معايير وضوابط، ما إن تنطبق على مصداق انطباقًا نظريًا وعمليًا، قوليًا وفعليًا، فإن هذا الانطباق يكون منطلقًا لثقة الفرد والمجتمع في هذا المصداق والأخذ عنه.
﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ / الزمر ٩
سريان الولاية العلمية والمعرفية يتحقق بالعلم: علم الجاهل بجهله، واختبار العالم لعلمه، وهذا الاختبار أحد معالمه مدى حجية ما ينقله من معارف وقوة الدليل وصحة منهج الدليل.
العلم معيار يكشف ولاية الفرد على من هو أقل منه علمًا، والعمل بما عُلم معيار آخر سلوكي يثبت المعيار الأول النظري بالتجربة.
فالثقة في الشخص العالم لا تكفيها الثقة بعلمه النظري، بل تتعداه لمدى انعكاس علمه على تطبيقاته العملية على مستواه الشخصي والاجتماعي. وأول ميدان لاختبار الثقة في الآخر هو الميدان الأخلاقي، إذ أن المعارف والعلوم بطبيعتها يجب أن تهذّب النفس والسلوك، فالقرآن عادة ما يربط بين التزكية والتعليم، فيقدّم أحدهما على الآخر في موارد، ويؤخّر في موارد أخرى حسب سياق الآيات ونظمها.
فالعلم الواقعي والعالم الحقيقي يزيد من منسوب الثقة عند المخاطَب والمتلقّي، وبالتالي يساعد في سريان الولاية العلمية على المتلقي، ويزيد من منسوب الوعي لدى الجمهور، وعي قائم على الدليل والحوار والحجة، لا على العواطف والشعارات، وعيًا متوازنًا بين العقل والعاطفة.
وانتشار الفوضى المعرفية وما يترتب عليها من انتشار الفتن، غالبًا سببه عدم العلم وجهل عدم العلم، وهذا ينطبق على الجميع دون استثناء، إضافة إلى ضعف التعقل والحكمة، وعدم التهذيب الأخلاقي.
لذلك لا تتحقق ولاية الأكثر علمًا على الأقل علمًا، لأن الأقل علمًا لا يريد أن يعترف بجهله أو أنه لا يدرك جهله، هذا فضلًا عن غياب التعقل في إدراك الواقع والتمييز بين الموضوعات، بالتالي التمييز بين أحكامها، فتختلط الموضوعات وتختلط على ضوئها الأحكام، وهذا كثيرًا ما يقع خاصة بين العلماء، وخاصة عند الجدل، وليس عند البحث عن الحق والحقيقة. هذا إضافة إلى غياب المعايير الأخلاقية التي تضبط كيفية التعاطي مع النفس والمحيط.
أو لأن الأكثر علمًا هو أكثر كمّي وليس كيفي، بمعنى أن غزارة المعلومات وعدد سنوات الدراسة لا تعكس بالضرورة أعلمية هذا الفرد وقدرته على صناعة وعي الجمهور وفق أسس سليمة. فكثيرًا ما يسلك بعض النخب العلمية سلوكًا خاضعًا لرغبات الناس وميولهم، لا لميل الدليل والبرهان، والموقف الحق.
إضافة إلى التحيّز الإدراكي الذي يلعب دورًا كبيرًا في إنتاج المعارف الموجَّهة، فأي سلطة سواء دينية أو قبلية أو سياسية أو حزبية قادرة على إنتاج معارفها الموجَّهة، بالتالي قادرة على صناعة وعي موجَّه، يسهّل عليها عملية الهيمنة على المجال الإدراكي للفرد والمجتمع.
وفي ظل البيئات المغلقة علميًا ومعرفيًا، والتي تهيمن عليها التحيّزات الإدراكية، يظهر مجددًا سؤال الثقة في نوعية المعارف التي تنتجها هذه البيئات ومدى مطابقتها للحق.
وتظهر حقيقة الأعلم ومدى موضوعية المعارف المُنتَجة عند تعدد الآراء المعارضة في بيئته العلمية: كيف يتعامل مع الاختلاف والتعدد الذي تقدّم فيه كل جهة دليلها من زاوية نظرها؟ وكيف يقود وعي الناس في ظل تعدد الآراء وتنوعها؟ فهل يقود العقول وفق مبدأ الدليل والحجة والحوار القائم على احترام المختلف ومناقشة آرائه؟ أم أنه يقودهم بالشعارات والعواطف والرأي الأوحد، لقصف الآراء المختلفة وإسقاط شخوص قائليها؟ ويمارس القمع تحت عباءة العلم بحجة الدفاع عن حياض المسلمين؟!
فالأصل هو معرفة الحق واتباعه، لا معرفة الرجال واتباعهم، فالحق لا يُعرف بالرجال والكثرة، بل يُعرف الرجال بالحق.
فالثقة وفق القواعد الأصلح تُبنى على مدى حقّانية ما يُطرح من معارف، ومدى دليليته وصحة منهج الدليل، وهذه الثقة يصنعها العالِم في عقول الجمهور، وفي ذات الوقت يمارس الجمهور الواعي دور الرقيب على هذا العالِم، ويراجع مستوى الثقة فيما ينتجه أو يطرحه من معارف. وهذه مسؤولية شرعية على كل فرد عاقل: التحقّق من كل ما يرد إلى عقله من أفكار قبل أخذها أخذ المسلّمات، هكذا نبني إنسانًا عالِمًا لا جنديًا مطيعًا، فالأصل هو بناء العلماء.
📌 السلطة والمعرفة: قراءة في فوكو وغرامشي
الفلسفة التقليدية تفصل بين المعرفة والسلطة، وتفترض أنّ السلطة تُقيّد المعرفة أو تُشوّهها.
فوكو يقلب هذه الصورة تماماً: لا توجد “سلطة” دون إنتاج مقابل لحقل من المعرفة، ولا توجد “معرفة” لا تفترض وتُكوّن في آنٍ معاً علاقات سلطة.
❝ السلطة والمعرفة تستلزم إحداهما الأخرى بشكل مباشر ❞
— ميشيل فوكو
━━━━━━━━━━
🎯 شاهد واقعي
نلمس هذا الترابط اليوم في كيفية توظيف السلطة للمعارف في إنتاج آلات القتل بحجة “الردع”، لتثبيت الهيمنة والقدرة.
فالإبداع في تطوير آلات القتل لإثبات القوة العسكرية راجحٌ بشكل كبير على الإبداع في آليات النهضة الإنسانية والتنافس الإيجابي في عمارة الأرض وانتفاع الجميع بها ومنها.
━━━━━━━━━━
⚫️ غرامشي: الهيمنة قبل القسر
لا تحكم السلطة (البرجوازية) بالقوة القسرية فقط، بل عبر “الهيمنة” الثقافية: إنتاج قيم ومعارف وأفكار يتبنّاها المحكومون طوعاً، فتبدو لهم “طبيعية” و”عقلانية”.
لكن غرامشي يُبقي أفقاً نقدياً وتحررياً مفتوحاً: يمكن للمثقف العضوي أن يبني “هيمنة مضادة” ووعياً بديلاً يُحرّر الطبقة العاملة.
⚪️ فوكو: لا “خارج” نقي
على العكس، يتشكك فوكو أصلاً في إمكان “التحرر الكامل” من علاقات السلطة والمعرفة، لأنه يرى السلطة منتشرة وشبكية — لا مركزية كطبقة أو دولة — بحيث لا يوجد “خارج” نقي يمكن الانطلاق منه لبناء بديل متحرر تماماً.
━━━━━━━━━━
❓ السؤال المحوري
هل تغوّلت السلطة عالمياً إلى حدٍّ تعجز فيه النخب المستقلة عن التغيير لصالح الإنسان، كما يرى فوكو؟
أم أنّ النخب الحرّة، كما يؤمن غرامشي، ما زالت قادرة على امتلاك زمام المبادرة نحو حركة تغييرية، أصبحت حاجة ضرورية في ظل الانسداد الذي أوصلنا إليه توحّش الاستعمار وجشعه؟
أسئلة تستحق النقاش:
▫️ ما مواصفات النخبة القادرة على قيادة هذا التغيير؟
▫️ أيّ تغيير ننشد، وما آلياته ومنطلقاته وأهدافه؟
▫️ هل ما زالت السلطة تحتكر عناصر القوة، فيغلب على مبادرات التغيير طابع القوة العسكرية على القوة المعرفية المتعلقة بنهضة الوعي والإدراك؟
━━━━━━━━━━
بين شبكةٍ لا خارج لها، وهيمنةٍ يمكن مقاومتها بوعي بديل — أين تقفون أنتم؟ 👇
#فلسفة #فوكو #غرامشي #السلطة_والمعرفة #فكر
مريم عليها السلام التي واجهت غلو المؤسسة الدينية اليهوديّة بحق المرأة، وفق تشريعات ليست ذات مصدر إلهي وإنما ذات فهم بشري يغلب عليها طابع البيئة الاجتماعية من عادات وتقاليد، تمنع من دخول المرأة إلي معبد الرّب، إلا أن مريم عليها السلام واجهت هذا الانحراف واختبرت في أقصى ما يمكن أن تُختَبر فيه امرأة غير متزوجة وهي عفتها وحياءها، ورغم ذلك صمدت وصبرت وكانت مصداقًا جليًّا للعبودية لله تعالى.
آسيا بنت مزاحم التي آمنت ووحدت الله تعالى، وهي زوجة فرعون أعلى سلطة سياسية في الحكم آنذاك، وبالرّغم من ذلك فقد واجهت هذه السّلطة بالحق والحقيقة وقدمت لذلك حياتها في سبيل الله تعالى.
━━━━━━━━━━
🔹 خاتمة
إن الفهم التعطيلي للحياء سواء كان بسلب قيمة الحياء كليّـًا من الإنسان، ليصبح مجرد جسدٍ لا يزداد بسيره إلا بعدا عن هدف خِلقته من خلال مبدأ التّفريط، أو بتعطيل وظيفته بمبدأ الإفراط في الحياء بشكل لا يؤدي من خلال ذلك وظيفته كما أرادها له الله تعالى شأنه ولا يكون في الموضع الذي يجب أن يكون فيه كذلك لا يزداد بسيره إلا بعدًا، ولكن هنا بعد عن إرادة المستخلِف من مفهوم الحياء، فكلاهما تعطيل للإنسان واستلاب لإرادته.
فنحن قد نعرف كيف يتحقق الحياء على مستوى النفس والسلوك والكلام، ولكننا نفتقر إلى إدراك هذه المعرفة، وكيفية تسييل معارفنا إلى خطط واستراتيجيات فعّالة، تحقق آثار الحياء ودلالاته على مستوانا الفردي والاجتماعي. وبمعنى آخر تشخيص الواقع الخارجي تشخيصا محاكيا للزمان والمكان ومدركا لمناسبة الآليات مع الهدف.
“وإلى هذا يذهب البعض إلى تعريف العقل بمعنى الحكمة في وضع الشيء موضعه، والموازنة السليمة بين الاحتمال والمحتمل والكُلفة، والقدرة على إنزال القيم والمبادئ على أرض الواقع بطريقة مناسبة، ومن مؤشراته أنه يتحدث بالزمان والمكان المناسب وبالكيفية المناسبة، وكذلك يفعل الفعل بالزمان والمكان المناسب والكيفية المناسبة. ومن مؤشراته الرفق والمداراة والوسطية، لذا لا ترى الجاهل إلا مُفرِطا أو مُفَرّطًا. وربما إلى هذا المعنى أشار قوله تعالى: “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” البقرة ٢٦٩.”
━━━━━━━━━━
🔹 بين الإفراط والتفريط
وكما تعلمون فإن للحياء جنبة سلبية وجنبه إيجابية، والجنبة السّلبية عنوانها الإفراط والتفريط، وهي منقصة بحق الإنسان كونها تؤدي به إلى الجهل، والجبن، وإضاعة الحقوق، والظلم واستلاب الإرادة، بينما الجنبة الإيجابية المطلوبة أخلاقيا وإنسانيا ودينيا يحكمها مبدأ العدالة والوسطية، سواء العدالة النفسية الإدراكية، أو العدالة التنفيذية والإجرائية، وفق مبدأ لا إفراط ولا تفريط.
وقد تكون المرأة الأكثر ابتلاء في التشوهات الإدراكيّة لمفهوم الحياء، فغالبا ما تقع بين إفراط وتفريط، ويدعم غالبا هذه التشوهات الإدراكية عدة عوامل:
▫️ العادات والتقاليد الاجتماعية التي غالبا ما يتم ترجيحها على الفهم المعتدل للشرع والشريعة.
▫️ فهم متطرف للنصوص الدينية حول الحياء وخاصة المتعلق بالمرأة، وهو فهم غالبا متأثر بالبيئة المحيطة، أو بالفهم الفردي للنص، الذي يخدر المعنى ويسلب الإرادة غالبا.
▫️ الكسل العلمي الذي يصيب كثير من النساء في البحث الذاتي عن المعرفة وإدراكها من مظانها ومشاربها الصحيحة، والاعتماد الكلي على الآخر خاصة الديني، في رسم معالم المفاهيم وحدودها ودلالاتها.
▫️ الاستسلام للواقع نتيجة تخدير المعنى، بالتالي سلب إرادتها نحو السؤال والتغيير.
إن تخدير معنى الحياء وسلب مراداته ودلالاته الحقيقية، سواء بتقويضه من الوجود الإنساني لتصبح المرأة بالذات سلعة، أو بفهمه بشكل متشدد متطرف بالتالي تعطل المرأة من وظيفتها الاستخلافية الصحيحة، يؤدي إلى سلب الإرادة، وبالتالي إفساد الفرد والمجتمع.
فالحياء يتطلب توازن كبير على مستوى النفس والفهم والإدراك، ويحتاج إلى استراتيجيات تطبيقية تدرك الزمان والمكان وتربط بين النص والواقع، ليس بشكل براغماتي سلبي، وإنما بشكل براغماتي إيجابي يحافظ على الثوابت، ولكنه يُسَيّل المعاني والمرادات وفق المتطلبات الزمانية والمكانية، لتحقيق الهدف من قيمة الحياء على مستوي الفرد والمجتمع.
فالحياء لا يعني العزلة، ولا يعني الجهل، ولا يعني الانكماش، ولا يعني الانهزام، ولا يعني الانغلاق في برادايم معرفي أوحدي، بل الحياء الأكبر الذي يجب عليه أن يدير كل هذه المستويات هو الحياء من الله وحده عز وجل، وليس الحياء من عياله وعباده، وهو ما يتطلب عزم وإرادة من الفرد لفهم الحقيقة ومواجهة الانحرافات لتعديل الواقع وتصحيحه بالقدر المتمكن، ووفق الطاقة والاستطاعة والقدرة التي تعني بذل أقصاها لهدف التصحيح والنهوض بإرادات المجتمع، وإحياء حقيقة المفاهيم ومراداتها لإعادة التوازن للأدوار والوظائف لمواجهة ظلال الشيطان وأتباعه.
فالحياء في إظهار الحق هو حياء حمق وجهل، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: “والله لا يستحيي من الحق”
━━━━━━━━━━
🔹 نموذجان قرآنيان
لأن تصحيح المفاهيم ودلالاتها في الذهن البشري مقدمة مهمة لتعديل الواقع الخارجي، وهذا يتطلب عُدّة معرفية وعلمية، وإرادة نفسية وعقلية وسلوكية في مواجهة هذه التشوهّات المعرفية وإدراكاتها.
فالمرأة على سبيل المثال مطالبة ببذل أقصى جهدها لفهم قيمة الحياء وإدراك مساراتها العملية والتطبيقية بشكل آني واستراتيجي، ومن ثم تعديل مسار مفهوم الحياء لتفعيل دورها بشكل معتدل على مستواها الفردي والاجتماعي، وفي بعدها الحقوقي والحقيقي، لتدرك موقعها في الشبكة الإنسانية، وبالتالي تدرك وظيفتها مستظلة بمظلة الحياء من الله تعالى، وقد تواجه في ذلك المجتمع والأسرة والمحيط، وتواجه العادات والتقاليد المخالفة لشرع الخالق، وقد تواجه قبل كل ذلك مسلّماتها التي اعتادتها، واطمئنانها التّسالمي المستمد من المحيط والفهم التقليدي غير المعتدل للدين، ومن العادة والاعتياد الذي غالبا ما تخلق شخصية نمطية، رتيبة في الفهم والإدراك.
ولقد قدم لنا الله تعالي في القرآن لنا نموذجين:
تخدير المعنى واستلاب الإرادة
الحياء نموذجًا
✍️ إيمان شمس الدين
━━━━━━━━━━
الوجود الإنساني وفق الفهم الفلسفي للإنسان ليس محصورًا في هذا الجسدِ المادّي الحِسّي، بل هو وجودٌ مُمْتدٌ إلى أبعادٍ قد تكون ميتافيزيقية لحواس الإنسان، لكنها شهودية لعقله إذا ما استخدمها وفق منطق سليم.
فالروح هي البعد الممتد في وجود الإنسان، وهي البعد الأصيل في مصيره، وإن كان الجسد وسيلة الوصول للسعادة الأبدية أو للشقاء الأبدي، إلا أنه لا يعدو عن كونه وسيلة تشكل بعده المادي الضروري في سيره التكاملي.
ويمكن أن تتلاشى قوى الإنسان المنطقية المرتكزة على عقله ليس فقط بأدوات قطعيّة الفساد، وإنما أيضا التلاشي قد يتم بعناوين صالحة الظاهر وفاسدة المقاصد والمآلات.
بمعنى أن الإنسانَ تارةً لديه مقاصد فاسدة يريد أن يحققها كأهداف، بالتالي قد يستخدم لذلك أدوات فاسدة واضحة الفساد، وقد يستخدم أدوات صالحة لكن فساد الأهداف يجعل تجلي الفساد قطعي الدلالة في أذهان الناس المحيطين به، فينجذب إليه من يماثله ويبتعد عنه من ليس على شاكلته.
ولكن تارة يكون للإنسان مقاصد صالحة خاصة في جنبتها المعنوية، وهي قطعيّة الصلاح كدلالات في أذهان المحيطين، لكن استلاب المعنى الحقيقي لهذه المقاصد من خلال سوء فهمها، أو سوء تطبيقها، أو استخدام طرق وأدوات غير صالحة في تظهيرها، يؤدي في نهاية المطاف إلى فسادها.
والأخطر على وعي الإنسان ومسار التشريع والشريعة هو الثاني، فالأول قطعي الفساد في ظهوره ودلالاته، أي هو باطل لا تشوبه شبهة في بطلانه، فلا يختلط فهمه على الإنسان، لكن الثاني يربك ذهن الإنسان في فهم الحقيقة، والتمييز بين الباطل والحق، ويوقع عامة الناس في تشوهّات معرفية لسوء فهم الدلالات أو سوء تطبيق المفاهيم، فهو إما أدرك المفهوم بشكل ملتبس، بالتالي طبّقه بطريقة خاطئة، أو أنه أدرك المفهوم بشكل سليم لكنه استخدم أدوات وطرق غير صحيحة ولا تتناسب مع ما أدركه، ليؤدي ذلك إلى تشويه المعنى والتطبيقات، وانحراف المعاني عن مرادات المتكلم أو إرادة المصطلح وغايته المعنوية والمادية.
وتخدير المعنى بسوء التطبيق أو اشتباه الفهم يؤدي بالتبع ومع التقادم إلى استلاب الإرادة، وقد نقدم لذلك مثالا يقرب المراد.
━━━━━━━━━━
🔹 الحياء
الحياء حياءان: حياء عقل وحياء حمق، فحياء العقل هو العلم وحياء الحمق هو الجهل.
مفهوم الحياء من المفاهيم المحورية المرتبطة في كثير من الروايات بالإيمان، لكنه مفهومًا فطريًّا بمعنى أنه قيمة ذاتية في كل إنسان، إلا أن الإيمان يعززه ويضبط مقاييسه وفق مبدأ العدالة، بمعنى أن هذه القيمة حينما تتجلى من القوة إلى الفعل تحتاج منهجا لضبطها وفق مبدأ لا إفراط ولا تفريط وإنما أمر بين الأمرين، حتى تؤدي الغاية والغرض منها كقيمة معنوية لها أبعاد مادية ومعنوية في حياة الإنسان، سواء على مستواه الفردي أو الاجتماعي، وفي فضاءاته التداوليّة كافة.
فالحياء يقع في عدة أبعاد:
▫️ النفس: ويمكن وصفه بالحياء النفسي أو على مستوى الذات، وهو المنطلق.
▫️ السلوك: وهو الحياء السلوكي أو التطبيقي.
▫️ القول: وهو الحياء على مستوى الكلام باعتباره وسيلة تواصلية سواء مع الخالق أو مع خلقه.
هذه التقسيمات لتظهير الأبعاد، ولكنها في ذات الإنسان ونفسه في طول بعضها البعض، بمعنى أن الحياء ما إن يتحقق في النفس تحقّقا حقيقيّا، فإن ذلك سيظهر بالضرورة على جوارح الإنسان وفي سلوكه. فهذا ترتيب منطقيًّا يسمّى أسبقيّة رُتبيّة.
والحياء وفق التقسيم النبوي الشريف في الرواية السابقة هو على نوعين:
١. حياء عقل، وهو العلم.
٢. حياء حمق، وهو الجهل.
والحماقة ضعف في الفهم والفكر والإدراك، ينتج عنه سوء تقدير وبالتالي سلوك يشوبه الجهل. واقتران العقل بالعلم في النوع الأول من الحياء، يؤكد على ضرورة إدراك هذا المفهوم ووعي أبعاده ودلالاته على مستوي الفرد والمجتمع، ووعي الزمان والمكان وآليات التطبيق، لأن أي خلل في تسييل المفهوم على الواقع الخارجي، خاصة فيما يتعلق بمسألة الحق والحقوق، فإن ذلك يورط الإنسان بالوقوع في الظلم، والخروج من مسار التّقوى التي هي أحد أهم ثمرات الحياء وأهدافها. فحياء العقل مقرون بالعلم كمقدمة مهمة للفهم والتطبيق.
وتحقق الحياء تحت مظلة العدالة في البعد النفسي هو منطلقا لتحققه في القول والسلوك، إلا أن اعتدال هذا المفهوم على مستوى الذات ليس بالضرورة يؤدي إلى اعتداله على مستوى القول والسلوك، والسبب هو الخلل الذي يقع فيه أكثرنا في تشخيص الواقع الخارجي والبناء على الشيء مقتضاه.
إن فهم الحياء على هذه المستويات يتطلب مقدمة معرفية ومن ثم إدراكيّة، فعلى مستوى المعرفة لابد من فهم كل مجال وفهم متطلباته ومنهجه وتطبيقاته، وفهم حجم التداخلات بين المجالات، هذا الفهم أيضا يتطلب إدراكا عميقا، فلا يكفي أن تعرف، بل عليك أن تدرك أنك تعرف، وهذا الإدراك متعلق بكيفية تسييل هذه المعرفة على واقعك النفسي الداخلي والخارجي، السلوكي والكلامي، وهنا تكمن المشكلة.
بين منطق العاطفة والشعارات ومنطق العقل.
لا تكشف الشعارات والعواطف والتحشيد الشعبوي الحقيقة والواقع، بل غالبًا ما تبيع الوهم.
وفي البيئات الخصبة بالشعارات واستعراض العضلات ينخفض مستوى المنطق والدليل، ويرتفع الصراخ، فتكثر الأوهام غالبًا وتضيع الحقائق.
وتقتات هكذا بيئات على حقن تخدير إما بعناوين دينية، أو إيديولوجية، أو حزبية ضيقة، أو شعبوية وعشائرية وطائفية وقبائلية.
وفي هكذا بيئة تكثر فيها سرعة التّخوين والإسقاط الاجتماعي، وتزيد نسبة الاصطفافات المُتحيّزة إدراكيًّا، وهو ما يعرض الحقائق للاندثار، وتزيد نسبة استهلاك الوهم،بل شراءه مقابل بيع الحقائق بثمن بخس، وقتل كل قائلٍ لها اجتماعيا ليسقط هو ويسقط معه منطق الحقيقة.
الخلاص هو أن ينمو الفرد في مجتمع وبيئة تعتمد في بنيتها التأسيسية التعليمية على منطق الدليل، وتنمية إدراكات العقل بطرق معرفية منضبطة بأسس منطقية، ويعلو فيها سقف حرية النقد والتعبير وفق أسس معرفية منطقية، وترفع فيها شعارات انطلاقا من قاعدة منطقية قابلة واقعيًّا للتطبيق، وتسعى لفهم الواقع والحقيقة مهما كانت مخالفة لما يهواه الفرد والمجتمع، ومهما كانت مؤلمة.
وهنا ملاحظة مهمة: ليس كل نقد هو بالضرورة حق، بل للنقد أسس وضوابط مُغيّبة عمدًا بحجة حرية النقد والتعبير، حتى تعم الفوضى في المجال الادراكي للفرد و للمجتمع، فيفقد قدرته على التمييز بين الغث والثمين، بينما النقد أكاديميًّا له منطق وضوابط، ولو سكت الجاهل لما وقع خلاف.
فكشف الحقيقة والواقع منطلقًا أساسيًّا لفهم واقع الأمور، ومن ثم محاولة تطوير هذا الواقع والنهضة به وفق خطط يتم
وضعها ودراستها بناء على هذا الواقع، لتغييره وترشيده وتطويره.
أما الوهم فيُبْقي الفرد والمجتمع في دوامة الجهل والنكوص الحضاري والقيمي.
لذلك من مصاديق المقاومة النهضوية هو عدم عسكرة الثقافة والمفاهيم، ومحاولة تسكين كل مفهوم في إطار عقلاني منطقي، آخذًا في حسبانه معطيات الزمان والمكان التي تشكل واقع المفهوم وبيئته والسياق الذي طرح فيه، بعيدًا عن ثقافة ما يريده الجمهور، وعن الحشد العاطفي الشعاراتي.
فما يحتاجه المجتمع هو تربية علماء وليس تربية جنود.
الإدراك ومدى الإحاطة المعرفيّة:
السؤال مبدأ مهم في الكشف عن المعارف، والكشف عن قيمتها وأهميتها، فكلما تعمق الإنسان في نوعية الأسئلة، وأحاطت بمسيرته العلمية التأملاتُ التي تفضي إلى إنتاجات معرفيّة، كلما كشف عن مجهولات تفتح له آفاقًا علميةً، وحياتيّةً واجتماعيّةً، بل إنسانيةًً لمن حوله ولمن سيأتي بعده.
وتأتي أهمية السؤال بشكل عام، وفي الدّين بشكل خاص، في أنه يكشف عن عمق الدين وقدرته على الإجابة الرصينة عن كل سؤال يمكن أن يطرق باب العقل، لأنه بالسؤال والفهم والإدراك تكتشف كنوز وأسرار هذا الدين، وقدرته على تذليل العقبات الحياتية بكافة أشكالها أمام الإنسان.
لا يكفي التلقين الديني في إبراز قوة الدين، بل قوة الدين تكمن في قدرته على الإجابة عن التساؤلات المستجدة في كل زمان، وتوليد إجابات تناسب زمان كل سؤال. كما تكمن قوة الدين في خلق وإيجاد التأملات، بل وتوليده للتساؤلات الجديدة وقدرته أيضا على إجابتها. لا يُدْرَك الدين بتسليم تعطيلي للعقل، بل التسليم في لُبّه هو إدراك العقل للحقيقة في زمن التزييف والتناقضات، ومعرفته أن هذه الحقيقة قد تضر بمصالحه ومع ذلك يسلم لها ويتمسك بها. نعم هناك تسليم أعظم وهو تسليم الإنسان لما يعجز عن إدراكه، ويعجز عن تفسيره، رغم قدرته على اكتشاف كثير من خبايا الكون والعلوم، إلا أنه حينما يعجز عن إدراك بعض الأسرار غير المرئية فهو إما يبقيها في دائرة الاحتمال، أو يعترف بوجود قصور في الإدراك وعدم إحاطته بكل شيء، وهو ما يتطلّب بحث أعمق وتأملات أغزر، لا أن يرفضها لأنها غير محسوسة، وخارج نطاق الادراك الذي هو بذاته يتصف بعدم الإحاطة بكل شيء. فالعالم الحقيقي هو الذي يتواضع أمام عظمة هذا الكون وخالقه، ويقر بأنه كلما اكتشف الكون وكلما أجاب على تساؤلات لم يكن لها إجابات سابقًا، كلما أدرك بحجم جهله وعجزه، وأقر وتواضع لمحدودية إدراكه، ثم سلّم لما لا يدركه بالتسليم الإيجابي والإيمان.
فإدراك الإنسان ليس مصدر المعرفة الوحيد، ولا المصدر الوحيد لإجابة التساؤلات بمختلف أشكالها، وما لا يدركه فهو يقر بالتسليم له. فكلما تنوعت مصادر الإجابات، كلما كشفت الإجابات من المصادر المتنوعة عن حقائق أكثر.
إن السؤال والتأمل، هما من مفاتيح المعرفة الرّئيسيّة، ولكن نتائج السؤال والتأمل لا تثمر إلا مع التواضع والتسليم بالحقائق الخارجة عن قدرة إدراك الإنسان في مداه وقدراته المتواضعة غير المحيطة بكل شيء. لا يمكن للإنسان أن يسير في هذه الحياة دون تأمل وطرح تساؤلات مُوَلّدة للمعرفة، وفي ذات الوقت كاشفة للعجز، ودافعة في موارد العجز للتسليم. أما السير في هذه الحياة المعقدة بجهل دون تأمّل وتساؤل، هو سير لا يليق بمسجود الملائكة الذي كرمه الله بالعقل الذي هو نبيٌّ داخليّ، بل السير دون تأمل وتساؤل هو سير يليق بالأنعام، بل بمن هم أضل. والله العالم بكل شيء وحده.
من كتاب قادم
التّمدّن عمليّة تطوّريّة ذاتيّة من الداخل إلى الخارج، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وتعكس استقلاليّة في الهويّة وفي معالم التّمدّن وفي قيمه ومساراته.
بينما التّمدين فعلٌ خارجي مفروض من طرف على طرف آخر، ولهذا يحمل المصطلح غالباً دلالة نقدية أو استعلائية في الخطاب السياسي والفكري المعاصر، لأنه يُستخدم لوصف كيف تبرر القوى المهيمنة تدخّلها في مجتمعات أخرى بدعوى تمدينها.
وهي دعوى انطلقت أيضاً من رحم نظريّة المركزيّة الغربيّة أو نظريّة المركز والأطراف المرتبطة بإيمانويل والرشتاين وسمير أمين تحديدًا.
وبطبيعة الحال، لا ينفكّ التطوّر والنّهضة الحضاريّة عن كونهما مزيجاً من تفاعلات عدة، فمن جهة هما جهدٌ ذاتيٌّ وإبداعيٌّ وابتكاريٌّ نتيجة تجربة الفرد والمجتمع الخاصّة بهويّتهما وتفاعلاتهما مع الواقع الخارجي ومتغيّراته الزمانيّة، ومن جهة أخرى هما تفاعلٌ مع الآخر وتجاربه الحضاريّة، بشرط أن يقوم هذا التّفاعل على أساس التّفاعل التّشاركي التّعارفي النّدّي الذي يحترم الآخر واختلافاته، ويتفاعل مع التجارب ليستفيد منها في تطوير واقعه ونهضته.
وما هو مرفوض هو الاستعلاء الحضاري والهيمنة بدعوى التمدين القائم على مبدأ التّفوّق والأفضليّة الحضاريّة لقوى الهيمنة.
وهنا لضيق المساحة لم أتطرّق لمفهوم هومي بابا "الهجانة الثقافيّة" ولا إلى مفهوم " الهيمنة المقنعة" أو "الهيمنة الناعمة" لغرامشي و"القوة الناعمة" لجوزيف ناي. ولا إلى سؤال مدى ثبات ونقاء الهويّة.
وهي مجرد إثارة فكريّة من واقعنا المعاصر تحتاج إلى فرد دراسة وبحث خاص.
يرى فوكو أن المعرفة والسلطة ليستا منفصلتين أو متعارضتين كما تصورهما الفلسفة التقليدية (حيث تُعرَّف السلطة بأنها تُقيّد المعرفة أو تُشوّهها)، بل هما مترابطتان بنيوياً بحيث لا توجد “سلطة” دون إنتاج مقابل لحقل من المعرفة، ولا توجد “معرفة” لا تفترض وتُكوّن في آنٍ معاً علاقات سلطة. صاغ هذا في عبارته الشهيرة أن السلطة والمعرفة تستلزم إحداهما الأخرى بشكل مباشر.
بغض النظر عن النقد الذي وجه لفوكو حول وجهة نظره التشريحية للواقع، لكن فوكو وصف ما هو كائن حول طبيعة علاقة السلطة والمعرفة.
وهو ما نلمسه اليوم واقعيًّا في كيفية توظيف السلطة للمعارف في إنتاج آلات القتل بحجة الردع لتثبيت الهيمنة والقدرة.
فالابداع في آلات القتل لإثبات القوة العسكرية ومن ثم القدرة على الهيمنة والردع، راجح بشكل كبير على الابداع في آليات وآلات النهضة الإنسانية والتنافس الإيجابي في عمارة الأرض وانتفاع الجميع بها ومنها.
وهذا يعيدنا إلى غرامشي إذ يرى أن السلطة (البرجوازية) لا تحكم بالقوة القسرية فقط بل عبر “الهيمنة” الثقافية: إنتاج قيم ومعارف وأفكار يتبناها المحكومون طوعاً فتبدو “طبيعية” و”عقلانية”. لكن غرامشي يبقي أفقاً نقدياً وتحررياً: يمكن للمثقف العضوي أن يبني “هيمنة مضادة” ووعياً بديلاً يحرر الطبقة العاملة . بينما فوكو، على العكس، متشكك أصلاً من إمكان “التحرر الكامل” من علاقات السلطة و المعرفة، لأنه يرى السلطة منتشرة وشبكية (لا مركزية كطبقة أو دولة) بحيث لا يوجد “خارج” نقي يمكن الانطلاق منه لبناء بديل متحرر تماماً.
والسؤال هل تغولت السلطة عالميًّا لدرجة تعجز فيها النخب المستقلة عن التغيير لصالح الإنسان كما يرى فوكو؟ أو أن النخب الحرّة ،كما يؤمن غرامشي، ما زالت
قادرة على امتلاك زمام المبادرة نحو حركة تغييرية، أصبحت حاجة ضرورية، في ظل حالة الانسداد التي أوصلنا إليها التّوحّش وجشع الاستعمار وتغوّله؟
وما هي مواصفات هذه النخبة؟ وأي تغيير ننشد؟ وما هي آليات هذا التغيير ومنطلقاته وأهدافه؟
وهل مازالت السلطة تعيد إنتاج ذاتها لاحتكارها عناصر القوة، بالتالي مبادرات التغيير والتي يغلب عليها طابع القوة العسكرية على القوة المعرفية المتعلقة بنهضة الوعي والادراك؟
من أهم سلبيات اتصال النخبة بمراكز القرار في منطقتنا هو تقييد حرّيتها في التفكير الحُر، و في التٌعبير الحر، فتتحول إلى صدى صوت، بدل أن تكون أذن ثالثة ورابعة، تسمع ما لا يسمعه الآخرون، وتقول ما لا يتجرأ أو يدركه الآخرون.
وهذا من أهم عقبات التغيير والاصلاح في منظومة العمل السياسي والثقافي والاجتماعي.
فبدل أن تكون النخبة حلقة اتصال بين الشعب ومراكز القرار، تتحول إلى حائط صد وعقبة.
فالإنسان لا بد له من هدفٍ في الحياة، ولا يخلو إنسان من هدف بغض النظر عن صلاحه أو فساده، ولكن الهدف عادة ما ينطلق من قاعدة معرفيّة نشأ عليها الإنسان. وبعد تحديد الهدف فهو يضع خِطّته ويرسم مساره لتحقيقه، وذلك يتطلّب بناءً معرفيًّا انطلق من قاعدته المعرفيّة، هذا البناء يحدد له المنهج الذي يحقق له الهدف بأقصر الطّرق. لكن لكي ينتقل بذلك إلى الواقع العملي، لا بد له من أمور أهمّها:
1. أدوات صالحة تساعده على تنفيذ خطته وفق منهج قويم لتحقيق الهدف.
2. وفي حال أحراز هذه المقدّمات يبدأ المسار الحركي الإنساني الرّسالي، والذي يتطلب إصرارًا، وجهدًا واجتهادًا، ومواجهة العقبات بالصبر والثبات على الاستمرار.
3. جهدُ يتناسب مع كل مرحلة، والجهد يتطلّب مُكْنة معرفيّة لتشخيص معطيات كل مرحلة ومتغيّراتها، وموافقة ذلك مع الثّوابت، سواء العقليّة منها أو الشّرعيّة.
4. مرونة تتمكن من تدوير زوايا التطبيق في حال ظهر خلل أو ثغرة أو عقبة في المسار التّطبيقي، وأيضا تتناسب مع كل مرحلة في خطة العمل. فمن الممكن أن نضع أدوات عمل صالحة، لكن تطرأ متغيّرات تفرض علينا تبديل الأدوات وتعديل المنهج، لكنه تغييرًا يجب أن يكون ضمن إطار الأهداف، والثوابت، وانطلاقا من القاعدة والبنية المعرفية.
5. إن مسار الجهد والحركة والاحتكاك بالواقع الخارجي، يتطلب التسلح بالإخلاص، والتزكية، والصبر والتوكل والتسليم والرضا والرؤية الاستراتيجية، فالعمل الرّسالي هو عمل تطّوعي، وفي مرتكزات الفهم الإسلامي هو عملٌ في سبيل الله، وليس في سبيل الذّات وتحصيل منافع آنيّة دنيويّة، وإن كانت تلك المنافع واردة وجائرة، إلا أنها منافع عرضيّة وليست مطلوبة بالذّات.
6. العمل الاجتماعي يخضع غالبًا للسنن التاريخيّة، وخاصّة السّنن الشرطية، ومنها تحقق العلّة التامّة بتحقق لوازمها، وهي مُقتضى، ووجود الشّرط، زوال المانع.
أ. فالمقتضي في العمل الرّسالي هو السبب الأساسي والدافع الذّاتي أو الموضوعي الذي يحث على القيام بالعمل الرّسالي ويُوَلّد طاقته، وبدون المقتضي لا يوجد أصل للعمل. مثل الإيمان والتّقوى، والشعور بالمسؤوليّة والشغف برفع الحيرة والجهل، وقوة الفكرة ووضوحها.
ب. الشّرط وهي عوامل التّمكين والأدوات، وهو ما يلزم من وجوده قيام العمل واستمراره، ولا يلزم من وجوده بحد ذاته وقوع النتائج إن لم يكتمل المقتضي، وهي بدونها يتخبّط العمل الرّسالي. ومنها الحكمة من خلال الفهم العميق للواقع ورصد قابليّة المخاطبين، وكيفيّة إيصال الفكرة، والتّبصّر بظروف الزّمان والمكان، وفهم للشرع والواقع والأساليب الأدعى للقبول، والإخلاص والصبر، والقدوة والتطابق، بحيث يكون الرّسالي نموذجًا عاملًا لما يدعو إليه بلسانه، أي التّكامل بين القول والفعل.
ت. المانع هو العائق الذي إذا وجد يُبطل أثر المقتضي ويمنع تحقق الهدف الرّسالي، حتى لو كانت الفكرة قويّة والشرائط متوفّرة. ومن الموانع: موانع نّفسيّة وأخلاقيّة مثل الرّياء والعجب والغلظة والفظاظة، والتّناقض بمخالفة القول للفعل، وهناك موانع منهجيّة في أسلوب العمل، مثل السّطحيّة، والاستعجال، والتّعصّب والجمود، وهناك موانع خارجيّة مثل الشبهات والشّهوات المستحكمة، والاستبداد والتّضييق.
دراسة قيد النّشر
إن أغلب الشّعوب اليوم مقتنعة بأن تبقى في مقاعد المشجعين، أو حتى مقاعد المشاهدين، وهي ترى المذابح، والظلم وسلب المقدّرات، وانتهاك الحرمات، واستعمارها بشكل غير مباشر، بل للأسف أغلبها راضٍ عن سلب كرامته فقط ليبق حيًّا مثل حال أغلب البهائم.
فلا يوجد محرّرًا للشّعوب من حالها هذا، فالمحرّرين لا وجود لهم، فالشّعوب وحدها هي من تحرر نفسها.
ولا يتم ذلك إلا بتحرير العقل من الأفكار المنكوسة والمنكوصة، وتغليب منهج الدليل والسؤال، على منهج القطيع التلقين.
ملاحظة: ليس بالضرورة أن يكون القطيع هم عامّة الناس، بل كثيرًا ما يكون القطيع من النخب.( سياسية، ثقافيّة، اجتماعيّة، أكاديميّة).
