• كُــنْ عَـزِيْزَاً بإسْلاَمِــكْ •
Open in Telegram
قناة تهتم بنشر العلم الشرعي والسلاسل العلمية.. #أحاديث_رياض_الصالحين.. #فوائد_من_بطون_الكتب.. #فتاوى.. #مواعظ_قصيرة.. #قصص.. #أحاديث_وشرحها.. #رسائل_في_التربية.. #التقويم_الهجري.. #التذكير_بالورد_اليومي.. #تلاوات_خاشعة.. #سلاسل_علمية.. وغيرها..
Show more2 141
Subscribers
No data24 hours
-107 days
-4730 days
Posts Archive
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي.
➢ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال : *( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )* رواه مسلم .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
بين يديك - أخي الكريم - أحد الأحاديث القدسية العظيمة ، التي يرويها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة جل وعلا ، فتعال بنا نعيش مع هذا الحديث ، ونستظل بفيئه ، وننهل من عذبه الصافي .
لقد بدأ الحديث بإرساء قواعد العدل في النفوس ، وتحريم الظلم والعدوان ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) ، وحقيقة الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، وهذا مناف لكمال الله تعالى وعدله ، فلذلك نزّه الله تعالى نفسه عن الظلم فقال : { وما أنا بظلام للعبيد } ( ق : 29 ) ، وقال أيضا : { وما الله يريد ظلما للعباد } ( غافر : 31 ) .
ولئن كان الله تعالى قد حرّم الظلم على نفسه ، فقد حرّمه على عباده ، وحذّرهم أن يقعوا فيه ؛ وما ذلك إلا لعواقبه الوخيمة على الأمم ، وآثاره المدمرة على المجتمعات ، وما ظهر الظلم بين قوم إلا كان سببا في هلاكهم ، وتعجيل العقوبة عليهم ، كما قال سبحانه في كتابه العزيز : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود : 102 ) ، ومن ثمّ كانت دعوة المظلوم عظيمة الشأن عند الله ، فإن أبواب السماء تفتح لها ، ويرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة ، بل إنه سبحانه وتعالى يقول لها ( وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ) كما صح بذلك الحديث .
ثم انتقل الحديث إلى بيان مظاهر افتقار الخلق إلى ربهم وحاجتهم إليه ، وذلك في قوله : ( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ) ، فبيّن أن الخليقة كلها ليس بيدها من الأمر شيء ، ولا تملك لنفسها و لا لغيرها حولا ولا قوة ، سواءٌ أكان ذلك في أمور معاشها أم معادها ، وقد خاطبنا القرآن بمثل رائع يجسّد هذه الحقيقة ، حيث قال : { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب } ( الحج : 73 ) أي : إذا أخذ الذباب شيئا من طعامهم ثم طار ، وحاولوا بكل عدتهم وعتادهم أن يخلصوا هذا الطعام منه ما استطاعوا أبدا ، فإذا كان الخلق بمثل هذا الضعف والافتقار ، لزمهم أن يعتمدوا على الله في أمور دنياهم وآخرتهم ، وأن يفتقروا إليه في أمر معاشهم ومعادهم .
وليس افتقار العباد إلى ربهم مقصورا على الطعام والكساء ونحوهما ، بل يشمل الافتقار إلى هداية الله جل وعلا ، ولهذا يدعو المسلم في كل ركعة بـ : { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) .
ثم بيّن الله تعالى بعد ذلك حقيقة ابن آدم المجبولة على الخطأ ، فقال : ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ) ، إنه توضيح للضعف البشري ، والقصور الذي يعتري الإنسان بين الحين والآخر ، فيقارف الذنب تارة ، ويندم تارة أخرى ، وهذه الحقيقة قد أشير إليها في أحاديث أخرى ، منها : ما رواه الإمام ابن ماجة بسند حسن ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ) ، فإذا كان الأمر كذلك فإن على الإنسان المسلم أن يتعهّد نفسه بالتوبة ، فيقلع عن ذنبه ، ويستغفر من معصيته ، ويندم على ما فرّط في جنب الله ، ثم يوظّف هذا الندم الذي يصيبه بأن يعزم على عدم تكرار هذا الذنب ، فإذا قُدّر عليه الوقوع في الذنب مرة أخرى ، جدد التوبة والعهد ولم ييأس ، ثقةً منه بأن له ربا يغفر الذنب ويقبل التوبة من عباده المخطئين .
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث: من أحدث في أمرنا هذا
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : *( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )* رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : *( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )* .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدين خاتم الأديان ، وآخر الشرائع ، ليتخذه الناس منهاجا لهم ، وسبيلا إلى ربهم ، ومن هنا جاءت تعاليمه شاملة لجوانب الحياة المختلفة، فلم تترك خيرا إلا دلت البشريّة عليه ، ولا شرا إلا حذّرت منه ، حتى كملت الرسالة بموت نبينا صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } ( المائدة : 3 ) .
وبتمام هذا الدين ، لم يعد هناك مجال للزيادة فيه ، أو إحداث شيء في أحكامه ؛ لأن الشارع قد وضّح معالم الدين ، وجعل لأداء العبادات طرقا خاصة في هيئتها وعددها ، وفي زمانها ومكانها ، ثم أمر المكلّف بالتزام هذه الكيفيات وعدم تعدّيها ، وجعل الخير كل الخير في لزوم تلك الحدود والتقيد بتلك الأوامر ، حتى تكون العبادة على الوجه الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى .
إن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يتركا سبيلا لقول قائل أو تشريع مشرّع، ومن رام غير ذلك ، وزعم قدرته على الإتيان بما هو خير من هدى الوحيين مما استحسنه عقله ، وأُعجب له فكره ، فهو مردود عليه .
هذه هي القضية التي تناولها الحديث ، وأراد أن يسلط الضوء عليها ، فكان بمثابة المقياس الذي يُعرف به المقبول من الأعمال والمردود منها ، مما جعل كثيرا من العلماء يولون هذا الحديث اهتماماً ودراسةً ، ويعدّونه أصلا من أصول الإسلام .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه ) ، إنه النهي عن كل طريقة مخترعة في الدين ، والتحذير من إدخال شيء ليس فيه من الأمور العباديّة ؛ ولذلك قال هنا : ( في أمرنا ) ، فأمر الله : هو وحيه وشرعه ، كما قال الله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) .
وعليه : فإن كل عبادة لا بد أن تكون محكومة بالشرع ، منقادة لأمره ، وما سوى ذلك فإنه مردود على صاحبه ، ولو كان في نظره حسنا ، إذ العبرة في قبول العمل عند الله أن يكون صواباً موافقاً لأمره ، وهذا الاعتبار يدلّ عليه قول الله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف : 110 ) ، يقول الفضيل بن عياض : " إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ، ولا يقبله إذا كان خالصا له إلا على السنة " .
وفي ضوء ذلك ، فليس أمام المكلّف سوى أحد طريقين لا ثالث لهما : طريق الوحي والشرع ، وطريق الضلال والهوى .
إن من ضلّ وابتدع ، وأدخل في دين الله ما ليس منه ، هو في حقيقته قادح في كمال هذا الدين وتمامه ، لأن مقتضى الزيادة في الدين الاستدراك على ما حوته الشريعة ، فكأنه جاء بفعله هذا ليكمل الدين .
ومن ناحية أخرى فإن من أتى ببدعة محدثة لم يحقّق شهادة أن محمدا رسول الله - والتي تقتضي اتباع سنته وعدم الحيدة عنها -، كما قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( الأنعام : 153 ) .
وثمّة ملمح مهم في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ) ، وهو أن البدعة هي ما كانت في العبادات ، بخلاف ما أُحدث في حياة الناس من أمور الدنيا كالصناعات والمخترعات ، وتدوين الكتب وإصلاح الطرق ، وما أشبه ذلك من أمور الدنيا ، فهي وإن كانت " محدثة " من ناحية اللغة ، ولكنها لا تدخل في الإحداث المذموم ، بدلالة القيد المذكور في نص الحديث : ( أمرنا ) .
كذلك في قوله : ( ما ليس منه ) إيماء إلى أن الإحداث المنهيّ عنه هو ما كان خارجا عن الهدي والسنة ، بخلاف ما ظنّه الناس بدعة مذمومة بينما هو سنّة مهجورة ، وهذا يحدث كثيرا لاسيما مع وجود الجهل بين الناس وغربة الدين ، وهذا يدعونا إلى عدم التسرّع في إطلاق الحكم على العبادات حتى نتأكّد من عدم ورود الدليل المعتبر على فعلها .
وختاما : فسبيل الله واحد ، واضح المعالم ، كالمشكاة المنيرة ، إذا اقتربت منها أحدٌ أنارت له السبيل ، وتبيّنت له معالم الطريق ، وإن ابتعد عنها تخبّط في ظلمات الجهل ، وتردّى في دركات الهوى ، فما على المسلم إلا أن يتعلّم الدين ويتقيّد بتعاليمه إن أراد النجاح والفلاح .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
https://www.islamweb.net/ar/article/78249/%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D9%87%D8%B0%D8%A7
ومن خلال ما سبق ، يتبين لك أيها القاريء الكريم خطأ كثير من المسلمين ، الذين يجتهدون في فعل الطاعات ، مع تساهل عظيم في ارتكاب المحرمات ، فتراه يصوم مع الناس إذا صاموا، فإذا جنّ عليه الليل لم يتورّع عن مقارفة الذنوب ، وارتكاب المعاصي ، ناسيا - أو متناسيا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرشدا أمته : ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ) رواه الترمذي ، ولا يعني ذلك التهوين من أمر الطاعة ، أو التساهل في أمرها ، لكن كما قال الحسن البصري رحمه الله : " ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه " .
ومن دلالات هذا الحديث أنه يربي المسلم على الجدية في التعامل مع هذا الدين ، كما قال الله عزوجل : { إنه لقول فصل ، وما هو بالهزل } ( الطارق : 13-14 ) ، وهذه الجدّية تدعوه إلى أن يقبل بكليّته على تعلّم ما ينفعه من العلم ، ويجتهد في تربية نفسه وتزكيتها ، مجرّدا قلبه عن كل ما يشغله عن هذا الهدف الذي جعله نُصب عينيه.
وحتى يرسّخ النبي صلى الله عليه وسلم فيهم هذا المبدأ ؛ بيّن لهم خطورة الحيدة عن هذا المنهج الدقيق ، وأثر ذلك في هلاك الأمم السابقة ، والتي تكلّفت في أسئلتها ، واختلفت على أنبيائها ، فكان سؤالهم تشديدا عليهم ، وكان اختلافهم سببا لهلاكهم ، وخير مثال على ذلك ، ما كان عليه قوم موسى عليه السلام ، فإنهم لما طُلب منهم ذبح بقرة ، تنطّعوا في السؤال عن أوصافها ، وتكلّفوا في ذلك ، وكان في سعتهم أن يأتوا بأي بقرة ، ولكنهم أبوا ذلك ، فشدّد الله عليهم ، ولما اختلفوا على أنبيائهم ، لم تقبل منهم التوبة إلا بقتل أنفسهم ، وعاقبهم الله بالتيه أربعين سنة ، والجزاء من جنس العمل .
وأخيراً : نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، والحمد لله أولا وآخرا .
https://www.islamweb.net/ar/article/59065/%
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه
➢ عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : *( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم )* رواه البخاري ومسلم .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
لقد ارتضى الله سبحانه للبشرية الإسلام دينا ، وجعله الدين الخاتم الذي لا يُقبل من أحدٍ سواه ، وكان من سمات هذا الدين قوامه على الأوامر والنواهي ، فهو يأمر بكل فضيلة ، وينهى عن كل رذيلة ، ومن هنا جاء هذا الحديث ؛ ليبين الموقف الصحيح تجاه هذه الأوامر والنواهي.
وقد جاء في صحيح مسلم بيان سبب ورود هذا الحديث ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا )، فقال رجل : أكلُّ عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم ) ثم قال : ( ذروني ما تركتكم ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) ، وفي رواية أخرى : ( ذروني ما تركتكم ) ، فأرشد صحابته إلى ترك السؤال عما لا يُحتاج إليه .
ولا يُفهم من النهي عن كثرة السؤال ، ترك السؤال عما يحتاجه المرء ، فليس هذا مراد الحديث ، بل المقصود منه النهي عن السؤال عما لا يحتاجه الإنسان مما يكون على وجه الغلو أو التنطّع ، أو محاولة التضييق في أمرٍ فيه سعة .
وإذا نظرت إلى منهج الصحابة في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت أسئلتهم على قسمين :
القسم الأول : السؤال عما قد وقع لهم ، أو أشكل عليهم ، فمثل هذه الأسئلة مأمور بها شرعا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أمر عباده بسؤال أهل العلم ، وها هم الصحابة رضوان الله عليهم قد ترجموا هذا الأمر عمليا ، فقد سألوا عن الفأرة التي سقطت في سمن ، وسألوا عن متعة الحج ، وسألوا عن حكم اللقطة ، إلى غير ذلك .
القسم الثاني : سؤالهم عما يتوقعون حصوله فعلا ، ومن ذلك : ما رواه الإمام مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مُدى ، فقال : ( ما أنهر الدم ، وذكر عليه اسم الله فكُل ، ليس السن والظفر ) ، ومن ذلك أيضا سؤالهم عن الصلاة أيام الدجال ، عندما يكون اليوم كالسنة ، فأجابهم : ( اقدروا له قدره ) .
وفي الحديث إرشاد للمسلم إلىكيفية التعامل مع الأحكام والنصوص الشرعية ، ففي قوله صلى الله عليه وسلم ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) أمر باجتناب كل ما نهى عنه الشرع ، سواء أكان محرما أم مكروها ، وتأكيدا للمعنى السابق جاء التعبير بلفظة ( اجتنبوا ) ، فهي لفظة تعطي معنى المباعدة ، فكأنك تكون في جانب ، والمعاصي في الجانب الآخر ؛ لذلك هي أبلغ في معنى الترك .
أما فيما يتعلق بالأوامر ، فلم نُكلف إلا بما نستطيع ، وما يدخل في حدود الطاقة ، فإذا عجز المكلّف عن أمرٍ ، جاءه الشرع بالتخفيف ، وهذا يدل على يسر الإسلام وسماحته ، كما قال الله عزّوجل : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ، وانطلاقا من هذا المعنى ، استنبط العلماء قاعدة فقهيّة مهمة ، وهي قاعدة : ( المشقة تجلب التيسير ) ، وجعلوها مبدأ ترتكز عليه كثير من الأحكام الفقهيّة .
والملاحظ هنا أن الشريعة قد شددت في جانب المنهيات أكثر من المأمورات ، فعلقت تنفيذ الأوامر على الاستطاعة ، بخلاف النهي ، وذلك لأن الشريعة الغرّاء تسعى دائما للحد من وقوع الشر ، والحيلولة دون انتشاره ، ولا يكون ذلك إلا بالابتعاد عما حرّم الله عزوجل ، ولذلك يقول الله تعالى في محكم تنزيله : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } ( النور : 21 ) ، فحرّم الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الحرام ،ومن باب أولى تحريم الحرام نفسه.
وللحديث زيادة أخرى وردت في بعض طرق الحديث ، فقد جاء في الترمذي : ( فإن الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة ) ، وفي ذلك إشارة إلى أن المسلم إذا ابتعد عن كل ما يريبه ، فقد حمى نفسه من الوقوع في الحرام من باب أولى ، وهذا يورثه طمأنينة في نفسه ، مبعثها بُعده عن طريق الهلاك ، أما إذا لم يمتثل للتوجيه النبوي ، وأبى الابتعاد عن طريق الشبهات ، حصل له القلق والاضطراب ، لأن من طبيعة المشكوك فيه ألا يسكن له قلب ، أو يرتاح له ضمير.
وخلاصة القول : إن هذا الحديث يعطي تصورا واضحا للعبد فيما يأخذ وفيما يترك ، ومدى أثر ذلك على راحة النفس وطمأنينة الروح ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الورع والتقى ؛ إنه وليّ ذلك والقادر عليه .
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
➢ عن الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله وريحانته رضي الله عنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : *( دع ما يريبك ، إلى ما لا يريبك )* رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم النصح لأمته ، يوجههم إلى ما فيه خير لمعاشهم ومعادهم، فأمرهم بسلوك درب الصالحين ، ووضح لهم معالم هذا الطريق ، والوسائل التي تقود إليه ، ومن جملة تلك النصائح النبوية ، الحديث الذي بين أيدينا ، والذي يُرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى اجتناب كل ما فيه شبهة ، والتزام الحلال الواضح المتيقن منه .
والراوي لهذا الحديث هو : الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسبط : هو ولد البنت ، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم و للحسن سبع سنين ؛ ولذلك فإن الأحاديث التي رواها قليلة ، وهذا الحديث منها .
وقد صدّر النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله : ( دع ما يريبك ) فهذا أمر عام بترك كل ما يريب الإنسان ، والريبة هي الشك كما في قوله سبحانه وتعالى : { الم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 1-2 ) ، وعليه فإن الحديث يدعو إلى ترك ما يقع فيه الشك إلى ما كان واضحاً لا ريب ولا شك فيه .
وفي هذا الصدد بحث العلماء عن دلالة الأمر بترك ما فيه ريبة ، هل هو للوجوب ؟ بحيث يأثم الإنسان إذا لم يجتنب تلك المشتبهات ؟ أم إنه على الاستحباب ؟ .
إن المتأمل لهذا الحديث مع الأحاديث الأخرى التي جاءت بنفس المعنى ، يلاحظ أنها رسمت خطوطا واضحة لبيان منهج التعامل مع ما يريب ، فالأمر هنا في الأصل للتوجيه والندب ؛ لأن ترك الشبهات في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام ، يقود الإنسان إلى الورع والتقوى ، واستبراء الدين والعرض كما سبق في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، ولكن الناس في ذلك ليسوا سواء ، فإذا تعلقت الريبة في أمر محرم أو غلب الظن أن الوقوع في هذا العمل يؤدي إلى ما يغضب الله ورسوله ، عندها يتوجب على العبد ترك ما ارتاب فيه .
ولسلفنا الصالح رضوان الله عليهم الكثير من المواقف الرائعة ، والعبارات المشرقة ، التي تدل على تحليهم بالورع ، وتمسكهم بالتقوى ، فمن أقوالهم : ما جاء عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال : " تمام التقوى ترك بعض الحلال خوفا أن يكون حراما " ، ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله : " يزعم الناس أن الورع شديد ، وما ورد عليّ أمران إلا أخذت بأشدهما ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ، وعن أبي إسماعيل المؤدب قال : جاء رجل إلى العمري فقال : " عظني " ، قال : فأخذ حصاة من الأرض فقال : " زنة هذه من الورع يدخل قلبك ، خير لك من صلاة أهل الأرض " .
ولقد ظهر أثر الورع جليا على أفعالهم ، فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري رضي الله عنه ، أن أبا بكر رضي الله عنه ، كان له غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر رضي الله عنه يأكل من خراجه ، فجاء له الغلام يوما بشيء ، فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام : " تدري ما هذا؟ " فقال :" وما هو ؟ " قال الغلام : " كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية ، وما أُحسِن الكهانة ، إلا أني خدعته ، فلقيني ، فأعطاني بذلك ، فهذا الذي أكلت منه " ، فما كان من هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه ، إلا أن أدخل يده فقاء ما في بطنه .
ومما ورد في سير من كانوا قبلنا ، ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اشترى رجل من رجل عقارا له ، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب ، فقال له الذي اشترى العقار : " خذ ذهبك مني ؛ إنما اشتريت منك الأرض ، ولم أبتع منك الذهب " ، وقال الذي له الأرض : " إنما بعتك الأرض وما فيها " فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه : " ألكما ولد ؟ " قال أحدهما : " لي غلام " ، وقال الآخر : " لي جارية " ، قال : " أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا ) .
وقد رؤي سفيان الثوري في المنام ، وله جناحان يطير بهما في الجنة ، فقيل له : بم نلت هذا ؟ فقال : بالورع .
وللفقهاء وقفة عند هذا الحديث ، فقد استنبطوا منه قاعدة فقهية مهمة تدخل في أبواب كثيرة من الأحكام ، ونصّ القاعدة : " اليقين لا يزول بالشك " ، فنطرح الشك ونأخذ باليقين ، وحتى نوضّح المقصود من هذه القاعدة نضرب لذلك مثلا ، فإذا أحدث رجل ، ثم شك : هل تطهّر بعد الحدث أم لا ؟ فإن الأصل المتيقّن منه أنه قد أحدث ، فيعمل به ، ويلزمه الوضوء إذا أرد أن يصلي ؛ عملا بالقاعدة السابقة ، وهكذا إذا توضأ ثم شك : هل أحدث بعد الوضوء أم لا ؟ فالأصل أنه متوضأ ؛ لأن وضوءه متيقنٌ منه ، وحدثُه مشكوك فيه ، فيعمل باليقين .
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الدعاء عبادة لله عز وجل، وليعلم أن الداعي بصدق وإخلاص لابد أن يغنم؛ إما أن يستجيب الله تعالى له ما أراد، وإما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخر له الأجر يوم القيامة، لأن الدعاء عبادة فلا بد فيه من خير".
هذه بعض فوائد الدعاء، فاحرص أخي -المسلم عموماً والصائم خصوصاً- على استغلال الأوقات والأحوال الشريفة في رمضان وفي غيره في طاعة ربك، والدعاء والطلب منه سبحانه، وقد وعدك بالاستجابة لك حين تدعوه فقال: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر:60 )، وأكثِر من الدعاء لنفسك ووالديك وأولادك وإخوانك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملَك الموكل به: آمين ولك بمثل) رواه مسلم.
قال النووي: "وفى هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها أيضاً، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تُستجاب ويحصل له مثلها".
الدعاء استراحة المؤمن من الهموم، وساحة مفتوحة لمن يريد حقه ممن ظلمه، وهو طريق ممهد لمن يطمع في الدرجات العليا في الدنيا والآخرة، وإذا كانت الحاجات كثيرة، والعمل لا يُعين، فكان الدعاء والطلب ممن بيده تدبير الأمور، الذي يكشف الضر والسوء، ويجعل العسير يسيراً، والمستحيل ممكنًا، قال الله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} (النمل:62).
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف:أدعية وأذكار
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
الدعاء شأنه عند الله كبير، وأجره عظيم، ومعناه إظهار الافتقار لله تعالى، والتبرؤ من الحَوْل والقوة، كما أن فيه معنى الثناء على الله الغني القادر، بكل المحامد، ونسبة الجود والكرم المطلق إليه سبحانه، فإنه هو الرزاق الكريم، وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة أمر الله ـ عز وجل ـ لعباده بالدعاء، وعِظم شأنه وفضله، فهو من أعظم العبادات بل هو العبادة نفسها، فعن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (غافر:60) ) رواه الترمذي. قال ابن كثير: "وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي: عن دعائي وتوحيدي، {سيدخلون جهنم داخرين} أي: صاغرين حقيرين".
والدعاء من أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ الدعاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نزلَ ومِمَّا لمْ يَنْزِلْ، فَعليكُمْ عِبادَ اللهِ بالدعاءِ) رواه الطبراني وحسنه الألباني، كما أنه سبب لانشراح الصدر وتفريج الهم وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين وملجأ المستضعفين، ففي حديث معاذ رضي الله عنه الذي رواه البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب).
أَتَـهزَأُ بالـدعاء وتَـزدَريه وما يُدريك ما صنعَ الدعاءُ
سهام الليل لا تُخطي ولكنْ لهـا أمدٌ وللأمد انـقضاءُ
وقال ابن القيم في كتابه الداء والدواء: "والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير".
وأعجز الناس من عجز وترك الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه الطبراني.
فينبغي للمسلم أن يواظب على الدعاء ويكثر منه، و لا يتساهل فيه، أو يتغافل ويتكاسل عنه، فالله عز وجل يغضب على عبده الذي لا يدعوه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يسألِ اللهَ يغضب عليه) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
قال ابن القيم: "هذا يدل على أنَّ رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رَضِيَ تعالى، فكل خير في رضاه، كما أنَّ كل بلاء ومصيبة في غضبه, والدعاء عبادة، وقد قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (غافر:60)، فهو تعالى يغضب على من لم يسأله، كما أن ابن آدم يغضب على من سأله:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسْأَل يغضب".
وإذا كان من فوائد وآثار الدعاء أنه ينفع فيما نزل ولم ينزل، فليس معنى ذلك أن يحصل المطلوب بعينه وفي الحال، فإن صُوَر الاستجابة تتنوع، فإما أن يُعْطَى العبد ما سأل، وإما أن يُصْرف عنه من السوء مثله، أو أن يُدَّخَّر له في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يَصْرِفَ عنه من السوء مثلها، قالوا: إذاً نُكْثِر! قال: الله أكثر) رواه أحمد وصححه الألباني.
قال ابن عبد البر في "التمهيد": "فيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة"، فكُلُّ دَاعٍ لم يقم به مانع من إجابة الدعاء فإنه يُسْتَجَاب لَهُ، لَكِنْ تَتَنَوَّع الْإِجَابَة: فَتَارَة تَقَع بِعَيْنِ مَا دَعَا بِهِ، وَتَارَة بِعِوَضِه، كما قال ابن حجر.
وقال ابن الجوزي: "اعلم أن الله عز وجل لا يرد دعاء المؤمن، غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة، وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة، فيعوضه عنه ما يصلحه، وربما أخر تعويضه إلى يوم القيامة، فينبغي للمؤمن ألا يقطع المسألة لامتناع الإجابة، فإنه بالدعاء مُتَعَبَّد، وبالتسليم إلى ما يراه الحق له مصلحة مُفَوِض".
ومن ناحية أخرى: كأن النبي صلى الله عليه وسلم التمس لهم العذر في قولهم: (ما أخذَتْ سيوفُ الله من عنُقِ عدوِّ اللهِ مأخذها)، وقدَّر مشاعرهم عندما رأوا أبا سفيان يمشي أمامهم، وتذكروا كل ما فعله بهم وبإخوانهم، وأنهم بسبب مشركي مكة عامة وبسبب أبي سفيان خاصة شُرِّدوا من ديارهم ووطنهم، ومن ثم قالوا هذه الكلمات التي هي من أثر ونتيجة المعاناة النفسية والجسدية الشديدة التي عانوا منها هم وإخوانهم الضعفاء في مكة.. وكان باستطاعة أبي بكر رضي الله أن يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بعض المبررات السائغة والمعتبَرة لقوله لأصحابه: (أتقولون هذا لشيخِ قريشٍ وسيِّدِهم؟)، ومنها: أنهم في وقت هُدْنة، إذ كان هذا الموقف بعد صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين، ولا داعي لإثارة أمور قد تثير الحرب بين الطرفين، وأن أبا سفيان هو سيد قريش، ويُرْجَى إسلامه، ولو أسلم لأسلمت قريش من ورائه، وربما تكون هذه الكلمات سبباً في نفرته نهائيا من الإسلام، وقد أُمِرْنا بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبالرفق.. ورغم هذه المبررات السائغة لقول أبي بكر لأصحابه: (أتقولون هذا لشيخِ قريشٍ وسيِّدِهم؟)، إلا أنه فور سماعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم له: (لعلك أغضبتَهم، ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبتَ ربك)، سارع إلى الاعتذار وترضية أصحابه..
وفي هذا الموقف دلالة على أنه ينبغي على المسلم إذا خشي أن يكون قدْ سبب لإنسان أذى في نفسه ـ لكلمة قالها أو فعل فعله ـ أن يسارع لتطييب خاطره، والاعتذار إليه، وطلب مسامحته، فقد أسرع أبو بكر رضي الله عنه إلى أصحابه: سلمان وصهيب وبلال رضي الله عنهم وقال لهم: (يا إخوتاه أغضبتكم؟!) وذلك من باب الاستحلال والترضية والحب لأصحابه، كما أنه ينبغي على من اعْتُذِر إليه أن يقبل العذر، وأن يسارع إلى تطيب خاطر الآخر الذي يعتذر إليه، ولذلك رد سلمان وصهيب وبلال على أبي بكر ـ رضي الله عنهم ـ بقولهم: (لا، يغفر الله لك يا أخي).
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف: شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
يا أبا بَكْرٍ، لعَلَّك أغْضَبْتَهُمْ
مراعاة مشاعر الناس تزيد في الود والحب، وتؤلف بين قلوب أفراد المجتمع، وهي مِن هَدْي نبينا صلى الله عليه وسلم وشمائله، ومن الأمور التي اهتم بها وأكد عليها.
والسيرة النبوية فيها الكثير من المواقف والأمثلة الدالة على مراعاة مشاعر الآخرين، ومن هذه المواقف: ما حدث حين مَرَّ أبو سفيان ـ قبل إسلامه ـ على سلمان وصهيب وبلال ـ رضي الله عنهم ـ بعد صلح الحديبية، فقالوا: "والله ما أخذت سيوف الله من عُنُق عدو الله مأخذها"، ويقصدون أبا سفيان لِمَا فعله بهم في مكة، فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: "أتقولون هذا لشيخ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟!"، ثم ذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما دار بينه وبين أصحابه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر لعلك أغضبْتَهم)، أي: قدْ تكون أغضبتهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبت ربك).
وهذا الموقف رواه مسلم في صحيحه عن عائذ بن عمرو رضي الله عنه: (أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال وصهيب في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها (حقها منه لما فعله بهم)، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: يا أبا بكرٍ، لعلك أغْضَبْتَهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك، فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي).
قال النووي: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وفي هذا فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء، وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين وإكرامهم وملاطفتهم". وقال ابن الجوزي: "وقوله: "لَعَلَّك أغضبتهم" تعْظيم لهم، لأن الحق عز وجل أوصاه بهم وبأمثالهم من الفقراء والموالي بقوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}(الأنعام:52)، وقوله: {وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم}(الْأَنْعَام 54)، قَال الحسن: كان إِذا رَآهُمْ بدأهم بالسَّلام".
وقال العينى في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": "وفي هذا الحديث فوائد: الدلالة على فضل أبي بكر على جميع الصحابة، وليس ينبغي للفاضل أن يغاضب من هو أفضل منه.. وفيه: ما طُبِع عليه الإنسان من البشرية حتى يحمله الغضب على ارتكاب خلاف الأولى، لكن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الأول لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(الأعراف:201)، وفيه: أن غير النبي ولو بلغ في الفضل الغاية فليس بمعصوم، وفيه استحباب سؤال الاستغفار والتحلل من المظلوم".
وقال ابن عثيمين: "ذكر المؤلف (النووي) ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله عز وجل، فكأن أبا بكر رضي الله عنه لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام؟ ثم إن أبا بكر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) .. فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.. وفي هذا دليل على وَرَع أبي بكر رضي الله عنه وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له بل يجب عليه إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذ مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا قبل يأخذ ذلك منه في الآخرة، لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذه من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه من الحسنات من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان".
لما ذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما دار بينه وبين أصحابه، قال له صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكرٍ، لعلك أغْضَبْتَهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك)، أي: إن كُنْتَ أغضبت هؤلاء الفقراء المساكين الذين يحبون الله فقد أغضبت ربك، وذلك لمكانة ومنزلة بلال وسلمان وصهيب رضي الله عنهم عند الله عز وجل من ناحية،
وإن من تمام هذه العبادة ترك سؤال الناس ، فإن في سؤالهم تذلل لهم ومهانة للنفس ، ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر ، أو نيل من الكرامة ، كما قال طاووس لعطاء رحمهما الله : " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ، وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ، ووعدك أن يجيبك " ، وصدق أبو العتاهية إذ قال :
لا تسألن بني آدم حاجـــة وسل الذي أبوابه لا تُحجب
فاجعل سؤالك للإله فإنمـا في فضل نعمة ربنـا تتقلب
وقد أثنى الله على عباده المتعففين فقال : { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ( البقرة : 273 ) ، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم رهطا من أصحابه على ترك سؤال الناس ، وكان منهم أبوبكر الصديق و أبو ذر الغفاري و ثوبان رضي الله عنهم أجمعين ، فامتثلوا لذلك جميعا ، حتى إن أحدهم إذا سقط منه سوطه أو خطام ناقته لا يسأل أحدا أن يأتي به .
إن ما سبق ذكره من الثناء على المتعفّفين إنما هو متوجه لمن تعفّف عن سؤال الناس فيما يقدرون عليه ، وما يملكون فعله ، أما ما يفعله بعض الجهلة من اللجوء إلى الأولياء والصالحين الأحياء منهم أو الأموات ، ليسألونهم ويطلبون منهم أعمالاً خارجةً عن نطاق قدرتهم ، فهذا صرفٌ للعبادة لغير الله عزوجل ، وبالتالي فهو داخل تحت طائلة الشرك .
وفي قوله : ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) أمر بطلب العون من الله تعالى دون غيره ، لأن العبد من شأنه الحاجة إلى من يعينه في أمور معاشه ومعاده ، ومصالح دنياه وآخرته ، وليس يقدر على ذلك إلا الحي القيوم ، الذي بيده خزائن السموات والأرض ، فمن أعانه الله فلا خاذل له ، ومن خذله الله فلن تجد له معينا ونصيرا ، قال تعالى : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } ( آل عمران : 160 ) ، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : ( اللهم أعني ولا تعن علي) ، وأمر معاذا رضي الله عنه ، ألا يدع في دبر كل صلاة أن يقول ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه النسائي وأبو داود .
وإذا قويت استعانة العبد بربّه ، فإن من شأنها أن تعمّق إيمانه بقضاء الله وقدره ، والاعتماد عليه في كل شؤونه وأحواله ، وعندها لا يبالي بما يكيد له أعداؤه ، ويوقن أن الخلق كلهم لن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ، ولن يستطيعوا أن يضرّوه بشيء لم يُقدّر عليه ، ولم يُكتب في علم الله ، كما قال سبحانه : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } ( الحديد : 22 ) .
ولما وعى سلفنا الصالح هذه الوصية ، أورثهم ذلك ثباتا في العزيمة ، وتفانيا في نشر هذا الدين ، غير مبالين بالصعوبات التي تواجههم ، والآلام التي تعتريهم ، لأنهم علموا أن طريق التمكين إنما يكون بالعمل بهذه الوصية النبوية ، وأن الفرج يأتي من بعد الكرب ، وأن العسر يعقبه اليسر ، وهذا هو الطريق الذي سلكه أنبياء الله جميعا عليهم السلام ، فما كُتب النصر ل نوح عليه السلام ، إلا بعد سلسلة طويلة من الجهاد مع قومه ، والصبر على أذاهم ، وما أنجى الله نبيه يونس عليه السلام من بطن الحوت ، إلا بعد معاناة طويلة عاشها مستغفرا لربّه راجيا فرجه ، معتمدا عليه في كل شؤونه ، حتى انكشفت غمّته ، وأنقذه من بلائه ومحنته ، وهكذا يكون النصر مرهونا بالصبر على البلاء والامتحان .
إننا نستوحي من هذا الحديث معالم مهمة ، ووصايا عظيمة ، من عمل بها ، كتبت له النجاة ، واستنارت له عتبات الطريق ، فما أحوجنا إلى أن نتبصّر كلام نبينا صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ، ونستلهم منها الحلول الناجعة لمشكلات الحياة ، ونجعلها السبيل الأوحد للنهضة بالأمة نحو واجباتها .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : احفظ الله يحفظك
➢ عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : *( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف )* رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
➢ وفي رواية الإمام أحمد : *( احفظ الله تجده أَمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك ، وما أَصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أَن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسرِ يسرا ) .*
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
اصطفى الله تعالى هذه الأمة من بين سائر الأمم ، ليكتب لها التمكين في الأرض ، وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بوجود تربية إيمانية جادة تؤهلها لمواجهة الصعوبات التي قد تعتريها ، والأعاصير التي قد تحيق بها ، في سبيل نشر هذا الدين ، وإقامة شرع الله في الأرض .
ومن هذا المنطلق حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس العقيدة في النفوس المؤمنة ، وأولى اهتماما خاصا للشباب ، ولا عجب في ذلك! فهم اللبنات القوية والسواعد الفتية التي يعوّل عليها نصرة هذا الدين ، وتحمّل أعباء الدعوة .
وفي الحديث الذي نتناوله ، مثال حيّ على هذه التنشئة الإسلامية الفريدة ، للأجيال المؤمنة في عهد النبوة ، بما يحتويه هذا المثال على وصايا عظيمة ، وقواعد مهمة ، لا غنى للمسلم عنها .
وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) ، إنها وصية جامعة ترشد المؤمن بأن يراعي حقوق الله تعالى ، ويلتزم بأوامره ، ويقف عند حدود الشرع فلا يتعداه ، ويمنع جوارحه من استخدامها في غير ما خلقت له ، فإذا قام بذلك كان الجزاء من جنس العمل ، مصداقا لما أخبرنا الله تعالى في كتابه حيث قال : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ، وقال أيضا : { فاذكروني أذكركم } ( البقرة : 152 ) .
وهذا الحفظ الذي وعد الله به من اتقاه يقع على نوعين :
الأول : حفظ الله سبحانه وتعالى لعبده في دنياه ، فيحفظه في بدنه وماله وأهله ، ويوكّل له من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ، وبهذا الحفظ أنقذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار ، وأخرج يوسف عليه السلام من الجبّ ، وحمى موسى عليه السلام من الغرق وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ، كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ، وتلا قوله تعالى : { وكان أبوهما صالحا } ( الكهف : 82 ) .
الثاني : حفظ الله للعبد في دينه ، فيحميه من مضلات الفتن ، وأمواج الشهوات ، ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف عليه السلام ، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } ( يوسف : 24 ) ، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحدا .
ولكن الفوز بهذا الموعود العظيم يتطلب من المسلم إقبالا حقيقيا على الدين ، واجتهادا في التقرب إلى الله عزوجل ، ودوام الاتصال به في الخلوات ، وهذا هو المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية لهذا الحديث : ( تعرّف إلى الله في الرخاء ، يعرِفك فـي الشدة ) ، فمن اتقى ربه حال الرخاء ، وقاه الله حال الشدّة والبلاء .
ثم انتقل الحديث إلى جانب مهم من جوانب العقيدة ، ويتمثّل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( إذا سأَلت فاسأَل الله ) ، وسؤال الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء من أبرز مظاهر العبوديّة والافتقار إليه ، بل هو العبادة كلها كما جاء في الحديث : ( الدعاء هو العبادة ) ، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 ).
عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة) رواه الترمذي. (تبسُّمك في وجه أخيك) أي: على وجه الانبساط. قال المناوي: "(تبسُّمك في وجه أخيك) أي في الإسلام، (لك صدقة) يعني: إظهارك له البَشَاشَة والبِشْر إذا لقيته، تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة".
وقال ابن بطَّال: "فيه أنَّ لقاء النَّاس بالتَّبسُّم، وطلاقة الوجه مِنْ أخلاق النُّبوة، وهو منافٍ للتكبُّر، وجالب للمودَّة". وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرَّن مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْق (ضاحكٍ مُستبشِر)) رواه مسلم.
قال ابن هبيرة: "في هذا الحديث مِن الفقه ما يدل على أن لقاء الأخ بالقطوب (العبوس) مكروه، وأن لقاءه بالبِشْر مُسْتَحب، فإن كنتُ في حال مقطبًا (كنت حزينا) لغير حال تتعلق بأخيك، فالأوْلى أن لا تُكشر في وجه أخيك، متكلفًا ذلك، لتحظى بأجره وأجر تكلفك له، وإن هذا مِن أدنى برك بأخيك، فكيف إذا كلمتَه وصافحتَه وصاحبته ورافقتَه إلى غير ذلك؟! والوجه الطَلْق ضد العابس". وقال القاضي عياض: "فيه الحض على فعلِ الخير، قلّ أو كثر، وألا تحقر منه شيئاً، وهذا كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}(الزلزلة:7).
وفيه أن طلاقة الوجه للمسلمين والانبساط إليهم محمود مشروع مثاب عليه.. وكفى بخُلق نبينا عليه الصلاة والسلام في ذلك، وبما وصفه الله به ونزهه عنه مِن قوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(آل عمران:159)"..
2 ـ عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (احتلمتُ (أصابَتْني جَنابة) في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أن أهْلك، فتيَمَّمْتُ (مَسَحْتُ وجْهي ويَدَيَّ بالتُّراب بَدَلَ الغُسْل لعَدَمِ القُدْرة على اسْتِعمال الماء) ثم صليتُ بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنب؟! فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال وقلتُ: إني سمعتُ الله عز وجل يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}(النساء:29)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا) رواه أبو داود.. النَّبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمِنينَ رَؤوف رَحيم كما وصَفه ربُّه تبارك وتعالى في كتابِه الكريم، ولا أَدَلَّ على ذلك مِنْ سِيرتِه مَع النَّاسِ ومع أصحابِه، وفي هذا الحديث مَظهرٍ مِن مظاهرِ التَّخفيف الذي جاءتْ به الشريعة، وموقف من مواقف ضحكه وابتسامته، وفيه تلطف مع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وإقرار لفَهْمِه ولِفِعْلِه..
3 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جَاء رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: هَلَكْتُ! (فعَلْتُ ما هو سَبَبٌ لِهَلاكي) قَالَ: وما شَأْنُك؟ قال: وقَعْتُ علَى امْرَأَتي في رمضان (جامع امرأتَه في نهارِ رمضان)، قَالَ: تَسْتَطِيع تُعْتِقُ رَقَبَة (عبْدُ مملوك)؟ قال: لَا، قال: فَهلْ تَسْتَطِيع أنْ تصوم شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْن؟ قال: لَا. قال: فَهلْ تَسْتَطِيع أنْ تُطْعِم سِتِّين مِسْكِينًا؟ قال: لَا، قال: اجْلِسْ. فَجَلَس، فَأُتِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ (العَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْم) قال: خُذْ هذا فَتَصَدَّق به، قال: أعَلَى أفْقَرَ مِنَّا (أي: أتصَدَّق به على شَخصٍ أفقَرَ مِنَّا؟! ليس هناك في المدينة مَنْ هو أفقَرُ مِن أهلِ بيتي، فأنا أَوْلى بهذه الصَّدَقةِ من غيري)؟ فَضَحِكَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُه (آخِرُ الأسنان أو هي الأضراس تَعجُّبًا مِن حالِه)، قال: أطْعِمْهُ عِيَالَك) رواه البخاري. وفي هذا الموقف: استِعمال الكِنايةِ فيما يُستَقْبَح ظُهورُه بصَريحِ لَفظِه، وفيه: الرِّفق بالمُتعلِّم، والتَّلطُّف في التَّعليم، والتَّأليف على الدِّين، وفيه: النَّدمُ على المَعصية، واستِشعار الخَوف كما قال الرجل: (هلكتُ)..
4 ـ عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: أنه قيل له: (أَكُنْتَ تُجَالِس رسولَ الله صلى اللَّه عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ، كَثِيرًا، كانَ لا يَقوم مِن مُصَلَّاه الَّذي يُصَلِّي فيه الصُّبْحَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس، فإذَا طَلَعَتْ قام، وكانُوا يَتحَدَّثون فيَأْخذون في أمْرِ الجاهِلِيَّة (فَتْرة ما قبْل الإسلام، وكانوا يَتحدَّثون في أمْرِها عَلى سَبيلِ المذَمَّة، أو بطَريق الحِكايَة لِمَا فيه مِن فائدة) فيَضْحَكون ويَتَبَسَّمُ صلى اللَّه عليه وسلم) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "(فيضحكون ويتبسم) فيه جواز الخبر والحديث عن أخبار الجاهلية وغيرها من الأمم، وجواز الضحك، وأن التبسم هو المُسْتَحْسَن منه، اللائق بأهل الفضل والسمت، وهو كان أكثر ضحكه عليه الصلاة والسلام".
5 ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء) رواه مسلم.
قال النووي: "فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء مَنْ يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله، وإباحة الضحك عند الأمور التي يُتعجب منها في العادة، وفيه كمال خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصَفْحِه"..
الابتسامة أو التبسم: إحدى وسائل غرس الألفة والمحبة بين الناس، وهي سنة نبوية ووسيلة دعوية، ومفتاح للقلوب.. والسيرة النبوية فيها مِنَ المواقف الكثير، التي ذُكِر فيها تبسمه صلى الله عليه وسلم، سواء منها ما كان مع زوجاته، أو في مجالسه مع أصحابه، أو الوافدين عليه، أو فيمن كان يدعوهم، وكانت أسباب ابتسامته مختلفة، فمنها: ما كان للتعجب، وبعضها للملاطفة، وتارة لإيناس مَنْ تبَّسم إليه.. وكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا يُفَرِّق في ابتسامته وحُسْن لقائه وبشاشته بين الغنيّ والفقير، والأسود والأبيض، حتى الأطفال كان يبتسم في وجوههم ويُحسِن لقاءهم، يعرف ذلك كل مَنْ صاحبه وخالطه.. ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون قدوة لنا في الابتسامة، بل دعانا إليها وحثَّنا عليها بقوله.
○ الكاتب: موقع إسلام ويب
○ تصنيف المقال: شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
○ عنوان المقال: الابتسامة سُنَّةٌ نبوية
الابتسامة هي البَشاشة وطلاقة الوجه، وتظهر في ملامح الوجه وحركة الشِفاه، كما تبدو في التبسط والتحبب، ومحاولة التقارب وروعة الاستهلال، وهي ـ الابتسامة عامة وعند اللقاء خاصة ـ أسرع طريق إلى القلوب، وأقرب باب إلى النفوس، وهي مِنَ الخصال المُتَّفَق على استحسانها وامتداح صاحبها، وقد فَطر الله تعالى الخَلْقَ على محبة صاحب الوجه البسَّام، وهي مع ذلك كله سُنَّة نَبَوية.. فالابتسامة كانت إحدى صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي تحلّى واتصف بها، يُدرِك ذلك كل مَنْ صاحبه وخالطه، كما قال عبد الله بن الحارث بن حزم رضي الله عنه: (ما رأيتُ أحدا أكثر تبسّما من رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه الترمذي. وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك) رواه مسلم. وفي رواية: (ولا رآنِي إلا تبسَّمَ أو ضحك).. وقال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم الْبِشْرِ، سهل الخُلُق، لَيِّنَ الجانب". قال القاري: "(البِشْر) بالكسر، وهو طلاقة الوجه والبشاشة وحُسْن الخُلُق مع الخَلْق، وفي التعبير بكان ودوام البِشر إشعار بأن حُسْن خُلُقه كان عاما غير خاص بجلسائه، وفيه إيماء بأنه كان رحمة للعالمين"..
صفة ابتسامته وضحكه صلى الله عليه وسلم:
الابتسامة والتبسم: انبساط الوجه، وتحريك الشفتين، والضَّحِكُ بقَدْر ما تظهر الثنايا وهي الأسنان الأربع بمقدَّم الفم، وكان هذا جُلَّ ضَحِكِه صلى الله عليه وسلم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته (اللحمة التي في أعلى الحنجرة)، إنما كان يتبسم) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: ( ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما) رواه الترمذي. وبالنظر في كتب السُنة والسيرة النبوية نجد أن أكثر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم هي الابتسامة، وفي بعض الأحيان كان يزيد على ذلك فيضحك باعتدال، دون إكثارٍ منه أو علوّ في الصوت، وهذه هي سنة الأنبياء كما قال الزجّاج: "التبسّم أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام".
وقال ابن حجر: "والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد في معظم أحواله عن التبسّم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه في ذلك إنما هو الإكثار من الضحك أو الإفراط، لأنه يُذهب الوقار".. وقد جمع الإمام البخاري أحاديث كثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وبوَّب لها: "(باب التبسم والضحك)، وكذلك جمع الإمام مسلم في صحيحه أحاديث بوَّب لها النووي في شرحه فقال في كتاب الفضائل: "(باب تبسمه وحُسن عشرته صلى الله عليه وسلم)".. والسيرة النبوية مليئة بالمواقف التي ذُكرت فيها طلاقة وجه النبي صلى الله عليه وسلم وابتساماته، ومِن ذلك:
مع زوجاته:
1 ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية (صغيرة) لم أحمل اللحم ولم أبدُن (لم يزد وزني)، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي: تعالِي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنتُ ونسيتُ خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالِي حتى أسابقك، فسابقتُه فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك) رواه أحمد. (فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك) أي: سَبَقتُكِ كما سَبَقْتِني مِن قَبْل، فأصبَحْنا مُتساوِيَيْن في ذلك، وهذا مِن جميلِ مُعاشَرته صلى الله عليه وسلم لأزْواجه. وفي الحديث: تَواضع النَّبي صلى الله عليه وسلم ولُطْفه مع أَهْلِه، وبيان ما كان عليه مِنْ حُسْنِ الخُلُق وضحكه ومزاحه صلى الله عليه وسلم مع أهله..
2 ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لِعب، فقال: ما هذا يا عَائشة؟! قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعتَ أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه (أواخر أسنانه)) رواه أبو داود.
مع أصحابه:
1 ـ عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (وقع عليَّ من الهمّ ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قد خفقت برأسي من الهمّ، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك (فَرَك) أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلتُ: ما قال لي شيئا، إلا أنه عرك أذني (فرَكَها بيدِه)، وضحِكَ في وَجْهي (سُرورًا)، فقال: أبْشِر) رواه الترمذي.
ومن هنا كان إيذاء الجار من كبائر الذنوب عند الله عزوجل ، بل هو منافٍ لكمال الإيمان ، وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) ، قيل : ومن يا رسول الله ؟ ، قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) ، أي لا يسلم من شره وأذاه .
ولاشك أن الإحسان إلى الجار قربة عظيمة إلى الله تعالى ، ومن هنا جعل الإسلام له حقوقا عديدة ، من جملتها : أن يمدّ جسور المحبة بينه وبين جيرانه ، وأن يأتي كل ما من شأنه أن يوطّد هذه العلاقة ، ويزيدها قوة ، فيتعهّده دائما بالزيارة والسؤال عن أحواله ، ويمدّ له يد العون في كل ما يحتاجه ، ويقف معه في الشدائد والنوائب التي قد تصيبه ، ويشاركه في أفراحه التي تسعده .
ومن حقوقه أيضا : أن يستر ما يظهر له من عيوبه ، ويحفظ عينه من النظر في عوراته ، ويتواصل معه بالهدايا بين الحين والآخر ؛ فإن ذلك يزيد الألفة ، ويقوي المحبة ، مهما كانت الهدية قليلة القدْر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحقرن جارة جارتها ، ولو فرسن شاة ) رواه البخاري ومسلم ، والفرسن : هو عظم قليل اللحم .
إن الإحسان إلى الجار ، والكرم مع الضيف ، يعدان من مظاهر التكافل الاجتماعي الذي يدعو إليه الإسلام ، هذا وقد ذكر الحديث شعبة أخرى من شعب الإيمان ، وهي المتمثلة في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ) ففيه دعوة إلى الكلمة الطيبة من ناحية ، ومن ناحية أخرى تحذير من إطلاق اللسان فيما لا يرضي الله تبارك وتعالى .
وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة على بيان خطر هذه الجارحة ، فكم من كلمة أودت بصاحبها في نار جهنم ، وكم من كلمة كانت سببا لدخول الجنة ، وقد ثبت في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) .
وهكذا أيها القارئ الكريم ، يتبين لنا مما سبق بعضا من الجوانب المشرقة والأخلاق الرفيعة ، التي يدعو إليها الإسلام ، ويحث على التمسك بها ، فما أجمل أن نتخلق بها ، ونتخذها نبراسا ينير لنا الطريق .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه
➢ عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : *( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه )* رواه البخاري ومسلم .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
نشأ العرب في جاهليتهم على بعض القيم الرفيعة ، والخصال الحميدة ، وسادت بينهم حتى صارت جزءاً لا يتجزّأ من شخصيتهم ، يفتخرون بها على من سواهم ، ويسطّرون مآثرها في أشعارهم .
وتلك الأخلاق العظيمة التي امتازوا بها ، لم تأت من فراغٍ ، ولكنها نتاج طبيعي من تأثّر أسلافهم بدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، حتى اعتادوا عليها ، وتمسّكوا بها عند معاملتهم للآخرين ، ثم ما لبث فجر الإسلام أن بزغ ، فجاءت تعاليمه لترسي دعائم تلك الأخلاق ، وتعمق جذورها في نفوس المؤمنين ، والتي كان منها : الحث على إكرام الضيف ، والحفاوة به .
إن إكرام الضيف يمثل سمة بارزة للسمو الأخلاقي الذي تدعو إليه تعاليم الشريعة ، والتخلق بها يعدّ مظهرا من مظاهر تمام الإيمان وكماله ، ويكفينا دلالة على ذلك ، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي بين أيدينا : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) .
وليس المقصود من الحديث نفي مطلق الإيمان عمّن لم يأت بهذا الخلق - أو غيرها من الخصال المذكورة - ، إنما أريد به المبالغة في الحث على المسارعة في الامتثال لهذه الأوامر، كما يقول القائل : " إن كنت ابني فأطعني " ، ويعنون بذلك تشجيع الولد على طاعة أبيه ، فهو إذا : تشجيع على التمسك بتلك الفضائل .
وقد وعى المؤمنون في الصدر الأول ذلك جيدا ، وفهموا المراد منه ، فصار للضيافة شأن عظيم في حياتهم ، فلا عجب أن تنقل لنا كتب السير في هذا المضمار من الأمثلة أروعها ، ومن المواقف أسماها ، يأتي في مقدمتها ما رواه الإمام مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ضيف ، فلم يجد ما يضيفه به ، فقال لأصحابه : ( من يضيف هذا الليلة رحمه الله ) فقام رجل من الأنصار فقال : " أنا يا رسول الله " ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : " هل عندك شيء ؟ " قالت : " لا ، إلا قوت صبياني " ، قال : " فعلّليهم بشيء ، فإذا دخل ضيفنا فأطفيء السراج ، وأريه أنّا نأكل ، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه " ، قال : فقعدوا وأكل الضيف ، فلما أصبح ، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ) ، إن هذا الموقف العظيم ، وهذا التفاني في إسداء الكرم للضيف ، لثمرة من ثمار إيمانهم العميق بثواب الله وأجره .
وبعد أن عرفنا مكانة الضيافة في منظومة الأخلاق ، وقدرها عند الله ، فإنه يجدر بنا أن نقف وقفة سريعة مع بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها في الضيافة ، فمن ذلك : أن يدعو الإنسان لضيـافته الأتقياء والصالحين ، ويتجنب دعوة الفسقة من الناس ، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ، كذلك فإنه يدعو لضيافته دون تمييز بين الفقير والغني ، فإن هذا من التواضع الذي ينبغي أن يتحلّى به المؤمن ، وقد جاء في الحديث : ( شر الطعام طعام الوليمة ، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ) متفق عليه ، فإذا حضر ضيوفه ، يستقبلهم عند بابه ، ويبشّ عند قدومهم ، ويطيب في حديثه معهم ، وقد سئل الأوزاعي رحمه الله : " ما إكرام الضيف ؟ " ، قال : " طلاقة الوجه ، وطيب الكلام " ، وقال الشاعر :
وإني لطـلـق الـوجــه للمـبتغـي القــِرى وإن فنــائي لـلـقــرى لــــرحيب
أضاحـك ضـيـفـي عنـد إنـزال رحـلـــه فيخـصب عنـدي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يُكثر القِرى ولكنـما وجه الكــريم خصـيـــب
فإذا حضر وقت الطعام ، فإنه يأتيهم بما تسير له ، ولا ينبغي له أن يتكلف ما لايستطيع ؛ فإن هذا مخالف للهدي النبوي ، وفيه أذى وإحراج للضيف من ناحية أخرى ، ومن إكرام الضيف : أن يخرج معه إلى باب الدار عند توديعه ؛ فإن ذلك يشعره بمدى الحفاوة به ، والفرحة بحصول زيارته .
ولئن كان الإسلام قد أولى العناية بحق الضيف على بعده وقلّة حضوره ، فإن اهتمامه بالجار من باب أولى ، وحسبنا دلالة على ذلك : أن الله تعالى قرن الأمر بالإحسان إليه مع الأمر بعبادته سبحانه ، قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب } ( النساء : 36 ) ، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحق في قوله : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه
➢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : *( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )* ، رواه البخاري ومسلم .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
حرص الإسلام بتعاليمه وشرائعه على تنظيم علاقة الناس بربهم تبارك وتعالى ، حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة ، وفي الوقت ذاته شرع لهم ما ينظم علاقتهم بعضهم ببعض ؛ حتى تسود الألفة والمحبة في المجتمع المسلم ، ولا يتحقق ذلك إلا إذا حرص كل فرد من أفراده على مصلحة غيره حرصه على مصلحته الشخصية ، وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي قويّ الروابط ، متين الأساس .
ومن أجل هذا الهدف ، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى تحقيق مبدأ التكافل والإيثار ، فقال : ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، فبيّن أن من أهم عوامل رسوخ الإيمان في القلب ، أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه ، من حلول النعم وزوال النقم ، وبذلك يكمل الإيمان في القلب .
وإذا تأملنا الحديث ، لوجدنا أن تحقيق هذا الكمال الإيماني في النفس ، يتطلب منها سموا في التعامل ، ورفعة في الأخلاق مع الغير ، انطلاقا من رغبتها في أن تُعامل بالمثل ، وهذا يحتّم على صاحبها أن يصبر على أذى الناس ، ويتغاضى عن هفواتهم ، ويعفو عمن أساء إليه ، وليس ذلك فحسب ، بل إنه يشارك إخوانه في أفراحهم وأتراحهم ، ويعود المريض منهم ، ويواسي المحتاج ، ويكفل اليتيم ، ويعيل الأرملة ، ولا يألو جهدا في تقديم صنائع المعروف للآخرين ، ببشاشةِ وجه ، وسعة قلب ، وسلامة صدر .
وكما يحب للناس السعادة في دنياهم ، فإنه يحب لهم أن يكونوا من السعداء يوم القيامة ، لهذا فهو يسعى دائما إلى هداية البشرية ، وإرشادهم إلى طريق الهدى ، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } ( فصلت : 33 ) .
ويتسع معنى الحديث ، ليشمل محبة الخير لغير المسلمين ، فيحب لهم أن يمنّ الله عليهم بنعمة الإيمان ، وأن ينقذهم الله من ظلمات الشرك والعصيان ، ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية الترمذي لهذا الحديث ، قال صلى الله عليه وسلم : ( وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ) .
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة في حب الخير للغير ، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يدّخر جهدا في نصح الآخرين ، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة ، روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه : ( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرنّ على اثنين ، ولا تولين مال يتيم ) .
أما سلفنا الصالح رحمهم الله ، فحملوا على عواتقهم هذه الوصية النبويّة ، وكانوا أمناء في أدائها على خير وجه ، فها هو ابن عباس رضي الله عنهما يقول : " إني لأمر على الآية من كتاب الله ، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم " ، ولما أراد محمد بن واسع رحمه الله أن يبيع حمارا له ، قال له رجل : " أترضاه لي ؟ ، فردّ عليه : لو لم أرضه لك ، لم أبعه " ، وهذه الأمثلة وغيرها مؤشر على السمو الإيماني الذي وصلوا إليه ، والذي بدوره أثمر لنا هذه المواقف المشرفة.
ومن مقتضيات هذا الحديث ، أن يبغض المسلم لأخيه ما يبغضه لنفسه ، وهذا يقوده إلى ترك جملة من الصفات الذميمة ، كالحسد والحقد ، والبغض للآخرين ، والأنانية و الجشع ، وغيرها من الصفات الذميمة ، التي يكره أن يعامله الناس بها .
وختاما : فإن من ثمرات العمل بهذا الحديث العظيم أن ينشأ في الأمة مجتمع فاضل ، ينعم أفراده فيه بأواصر المحبة ، وترتبط لبناته حتى تغدو قوية متماسكة ، كالجسد الواحد القوي ، الذي لا تقهره الحوادث ، ولا تغلبه النوائب ، فتتحقق للأمة سعادتها ، وهذا هو غاية ما نتمنى أن نراه على أرض الواقع ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
📚 حديــــــــــــــث اليــــــــــوم *📚 :
( إن اللـه كتــــــب الحســــنات والسيئــــــــات)
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن : فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف ، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
📘# شـــــــــرح الحـديــــــــث # 📘🖌 :
أفعال الله تعالى دائرة بين الفضل والعدل ، فما من تقدير في هذه الحياة ، بل ولا شيء في الدنيا والآخرة ، إلا داخلٌ ضمن فضل الله وعدله ، فرحمته سبحانه بالمؤمنين فضل ، وتعذيبه للعاصين عدل ، وهو – جلّ وعلا – مع ذلك أخبر أن رحمته سبقت غضبه ، وأن رحمته وسعت كل شيء ، وأَمَرَنا أن نسأله من فضله وعطائه الجزيل .
وهذا الحديث الذي بين أيدينا خير شاهد على فضل الله تعالى على عباده المؤمنين ، فالله سبحانه وتعالى لما حثّ عباده على التسابق في ميادين الطاعة والعبادة ، لم يجعل جزاء الحسنة بمثلها ، ولكنه ضاعف أجرها وثوابها عشرة أضعاف ، كما قال سبحانه : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) ، ثم ضاعف هذه العشرة سبعين ضعفا ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن الله تعالى يُكاثر هذه الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة ، لمن شاء من عباده .
وقد جاء في القرآن تصوير هذه الحقيقة في مثل رائع ، يجسد فيه معنى المضاعفة ، ويقرّب صورتها إلى أذهان السامعين ، إنه مشهد من يبذر بذرة في أرض خصبة ، فتنمو هذه البذرة وتكبر حتى تخرج منها سبع سنابل ، العود منها يحمل مائة حبة ، ثم تتضاعف هذه السنابل على نحو يصعب على البشر عده وإحصاؤه ، كذلك حال المؤمن المخلص لربه المحسن في عمله ، قال تعالى في محكم التنزيل : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } ( البقرة : 261 ) .
ولا يقتصر فضل الله عند هذا الحد ، بل يتسع حتى يشمل مجرد الهم والعزم على فعل العمل الصالح ، فإن العبد إذا هم بالحسنة ولم يفعلها ، كتب الله له حسنة كاملة - كما هو نص الحديث - ، لأن الله سبحانه جعل مجرد إرادة الخير عملا صالحا يستحق العبد أن ينال عليه أجرا .
ذلك حال من هم بالحسنة ، أما من هم بالسيئة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) ، ولعل السر في ذلك : أن العبد إذا كان الدافع له على ترك المعصية هو خوف الله والمهابة منه ، فعندها تُكتب له هذه الحسنة ، وقد أتى بيان ذلك في الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( وإن تركها - أي السيئة - فاكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من جرائي ) ومعناها : طلبا لرضا الله تعالى.
وهذا بخلاف من همّ بالسيئة وسعى لفعلها ، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها ، فهذا وإن لم يعمل السيئة ، إلا أنه آثم بها ، مؤاخذ عليها ؛ لأنه سعى إلى المعصية ولم يردعه عن الفعل خوف من الله ، أو وازعٌ من الضمير ، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . فقيل : يا رسول الله . هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) .
وإذا ضعف وازع الخير في نفس المؤمن ، وارتكب ما حرمه الله عليه ، كُتبت عليه سيئة واحدة فحسب ، كما قال الله عزوجل في كتابه : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } ( الأنعام : 160 ) ، وذلك من تمام عدله سبحانه .
وعلاوة على ذلك ، فقد تدرك الرحمة الإلهية من شاء من خلقه ، فيتجاوز الله عن زلته ويغفر ذنبه ، كما دلّ على ذلك رواية مسلم : ( فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة أو محاها ) فهو إذاً بين عدل الله تعالى وفضله .
فإذا استشعر العبد هذه المعاني السامية أفاضت على قلبه الطمأنينة والسكينة ، والرجاء بالمغفرة ، ودفعته إلى الجد في الاستقامة ، والتصميم على المواصلة ، بعزيمة لا تنطفئ وهمّة لا تلين .
« شـــــرح أحاديــــث الأربعين النووية »
شـــــــــرح حديــــــــــــــث اليــــــــــوم *📚 :
( إن اللـه كتــــــب الحســــنات والسيئــــــــات)
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن : فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف ، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
📘# شـــــــــرح الحـديــــــــث # 📘🖌 :
أفعال الله تعالى دائرة بين الفضل والعدل ، فما من تقدير في هذه الحياة ، بل ولا شيء في الدنيا والآخرة ، إلا داخلٌ ضمن فضل الله وعدله ، فرحمته سبحانه بالمؤمنين فضل ، وتعذيبه للعاصين عدل ، وهو – جلّ وعلا – مع ذلك أخبر أن رحمته سبقت غضبه ، وأن رحمته وسعت كل شيء ، وأَمَرَنا أن نسأله من فضله وعطائه الجزيل .
وهذا الحديث الذي بين أيدينا خير شاهد على فضل الله تعالى على عباده المؤمنين ، فالله سبحانه وتعالى لما حثّ عباده على التسابق في ميادين الطاعة والعبادة ، لم يجعل جزاء الحسنة بمثلها ، ولكنه ضاعف أجرها وثوابها عشرة أضعاف ، كما قال سبحانه : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) ، ثم ضاعف هذه العشرة سبعين ضعفا ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن الله تعالى يُكاثر هذه الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة ، لمن شاء من عباده .
وقد جاء في القرآن تصوير هذه الحقيقة في مثل رائع ، يجسد فيه معنى المضاعفة ، ويقرّب صورتها إلى أذهان السامعين ، إنه مشهد من يبذر بذرة في أرض خصبة ، فتنمو هذه البذرة وتكبر حتى تخرج منها سبع سنابل ، العود منها يحمل مائة حبة ، ثم تتضاعف هذه السنابل على نحو يصعب على البشر عده وإحصاؤه ، كذلك حال المؤمن المخلص لربه المحسن في عمله ، قال تعالى في محكم التنزيل : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } ( البقرة : 261 ) .
ولا يقتصر فضل الله عند هذا الحد ، بل يتسع حتى يشمل مجرد الهم والعزم على فعل العمل الصالح ، فإن العبد إذا هم بالحسنة ولم يفعلها ، كتب الله له حسنة كاملة - كما هو نص الحديث - ، لأن الله سبحانه جعل مجرد إرادة الخير عملا صالحا يستحق العبد أن ينال عليه أجرا .
ذلك حال من هم بالحسنة ، أما من هم بالسيئة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) ، ولعل السر في ذلك : أن العبد إذا كان الدافع له على ترك المعصية هو خوف الله والمهابة منه ، فعندها تُكتب له هذه الحسنة ، وقد أتى بيان ذلك في الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( وإن تركها - أي السيئة - فاكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من جرائي ) ومعناها : طلبا لرضا الله تعالى.
وهذا بخلاف من همّ بالسيئة وسعى لفعلها ، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها ، فهذا وإن لم يعمل السيئة ، إلا أنه آثم بها ، مؤاخذ عليها ؛ لأنه سعى إلى المعصية ولم يردعه عن الفعل خوف من الله ، أو وازعٌ من الضمير ، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . فقيل : يا رسول الله . هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) .
وإذا ضعف وازع الخير في نفس المؤمن ، وارتكب ما حرمه الله عليه ، كُتبت عليه سيئة واحدة فحسب ، كما قال الله عزوجل في كتابه : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } ( الأنعام : 160 ) ، وذلك من تمام عدله سبحانه .
وعلاوة على ذلك ، فقد تدرك الرحمة الإلهية من شاء من خلقه ، فيتجاوز الله عن زلته ويغفر ذنبه ، كما دلّ على ذلك رواية مسلم : ( فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة أو محاها ) فهو إذاً بين عدل الله تعالى وفضله .
فإذا استشعر العبد هذه المعاني السامية أفاضت على قلبه الطمأنينة والسكينة ، والرجاء بالمغفرة ، ودفعته إلى الجد في الاستقامة ، والتصميم على المواصلة ، بعزيمة لا تنطفئ وهمّة لا تلين .
« شـــــرح أحاديــــث الأربعين النووية »
