en
Feedback
محاضرات الشيخ محمود الجياشي

محاضرات الشيخ محمود الجياشي

Open in Telegram
2 963
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
-130 days
Posts Archive
وادي السلام-النجف الأشرف

فإذا كان نسيان الله يؤدي الى نسيان أنفسنا .. فإن ذكرَ الله يؤدي الى ذكر أنفسنا لامحالة . ولاشكّ أن موضوع الذكر الإلهي يعدّ من الموضوعات الأساسية في المعرفة الدينية على مستوى جميع الرسالات السماوية .. وله آثار واسعة على المستوى العقائدي والأخلاقي والشرعي والنفسي والعقلي والسلوك العملي عند الإنسان . ومن هنا احتلّ هذا الموضوع مساحات واسعة في كتب الأديان وتعاليم الأنبياء والخطابات السماوية عموماً .. وقد تعرّضنا لتفاصيل ذلك في الجزء الثالث من موسوعة نداءات القرآن / نداء الذّكر الإلهي . لكن الملفت للنظر هو طريقة عرض القرآن لموضوع الذكر والنسيان الإلهي .. إذ يطرح القرآن هذا الموضوع من خلال معادلة دقيقة أشبه بالمعادلة الرياضية المتكوّنة من طرفين .. وقد جاءت بصياغات متعددة ومختلفة .. لكن أهمّ صياغة لها جاءت ضمن آيتين كريمتين هما : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ... ) ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ .. ) وبالإمكان دمج هاتين الصياغتين القرآنيتين في معادلة واحدة هي : ( إذا ذكرتم الله فإن الله يذكركم .. وإذا نسيتم الله فإنّ الله ينساكم ) . إن معادلة الذّكر والنسيان الإلهي في القرآن تفتح لنا آفاق البحث في موضوع الذّكر الإلهي وأهميته في حياة الإنسان وعلاقته بالله عزّوجلّ ، بل ومصيره النهائي في مسيرة وجوده . وإذا ماعلمنا أن الذّكر يعني حضور المذكور عند الذاكر .. فنسأل : كيف نذكر الله ؟ وكيف يتحقق حضور الله في حياتنا ووجودنا ؟ ثم نسأل : كيف يذكرنا الله بعد ذِكرنا له ؟ وكيف يتحقق حضورنا عنده سبحانه ؟ بمقتضى ( إذكروني أذكركم ) . ثمّ كيف ينسانا إذا نسيناه ؟ بل إن القرآن يؤكد أن نسيان الله يؤدي الى النتيجة الخطيرة التي ذكرناها في مستهلّ البحث وهي ( نسيان أنفسنا ) ! ومادمنا نعتقد أن الله سبحانه هو مركز الكمال والغنى المطلق ، فلا يمكن أن نتصوّر وجود حياة أو كمال أو سعادة حقيقية من دون الإتصال به .. وعليه فإن نسيان الله يعني عدم حضور الله في حياتنا ، وهذا يعني إنقطاعنا عن مصدر الكمال والنور الحقيقي .. فتصبح حياتنا مرتعاً للشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأهواء والشهوات المنحرفة والآلهة المزيفة .. ومستنقعاً للنوايا الشريرة والأفعال القبيحة .. وعند ذلك تسقط أنفسنا في وادي التسافل والهلاك الوجودي .. وبتعبير القرآن : ننسى أنفسنا !! أي تغيب عنّا أنفسنا الحقيقية التي كان من المفترض لها وجودياً أن تبقى ذاكرة لله سبحانه ، ومتصلة به ، ومتكاملة نحوه ! يعبّر القرآن عن هذه المعادلة بصياغة قرآنية أخرى مستعملاً مفردة ( الضياع ) ، وذلك في قوله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا . فقد جاءت الصلاة هنا كتعبير عن المصداق الأوضح لذكر الله ، أي أن من أضاع ذكر الله من حياته سيقع لا محالة في أودية الشهوات وظلمات الغيّ والضياع والهلاك الوجودي ! بعبارة أخرى : إن حالات تضييع الله ، ونسيان الله ، والغفلة عن الله ، والإعراض عن الله ، والإبتعاد عن الله ، كلها تؤدي الى نتيجة واحدة هي تضييع الإنسان نفسه ، ونسيانها ، ومن ثمّ هلاكها المعبّر عنه بقوله ( فسوف يلقون غيّاً ) ! في ضوء هذه الإشراقة القرآنية فإننا لا يمكن أن نجد أنفسنا أو نذكرها .. إلاّ من خلال ذكر الله سبحانه وعدم نسيانه أو الغفلة عنه .. وليس المقصود هنا الذكر اللفظي فقط .. بل المقصود الحضور الإلهي في جميع مستويات حياتنا .. وأن تكون ( صبغة الله ) هي المهيمنة عليها . ومن هنا ورد التأكيد والأمر المكرر بالذكر الإلهي الكثير في القرآن .. قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ... ) بمعنى أن تكون حياتنا مليئة بالذكر والحضور الإلهي ، ولايكفي الذكر القليل .. وعند ذلك ستنحسر مساحة النسيان والغفلة والظلمة والتَّيْه في وجودنا .. وبالتالي سنذكر أنفسنا ونجدها في محلّها الحقيقي في ساحة القرب والكمال الإلهي .. وإذا نسينا الله وأطبقت الغفلة علينا سوف ننسى أنفسنا ، وننحدر في أودية الظلمات السحيقة ! ونكون : كمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . بعبارة مختصرة : إذا ذكرنا الله ووجدناه في حياتنا فقد وجدنا كلّ شيء ... وإذا نسينا الله وفقدنا حضوره في حياتنا فقد فقدنا كلّ شيء بما في ذلك أنفسنا !! وبتعبير سيد الشهداء عليه السلام الوارد في دعاء يوم عرفة : ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَك ؟! وما الذي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك ؟! فما بالنا نذكر كلّ شيء تافه في حياتنا وننسى الله مفيض الوجود الخالق العظيم ؟ وهو الحاضر المطلق في ساحة الوجود !! ونرى كلّ شيء حقير مظلم في حياتنا ولا نرى الله سبحانه وهو نور السماوات والأرض ؟!! قال تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ . محمود نعمة الجيّاشي

🟦 معادلة ُنسيانِ الله ونسيانِ النفس في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ تتضمن هذه الآية الكريمة معادلةً قرآنيةً ذات معنى تكويني وعقائدي عميق ، يرسمها الوحي الإلهي بصياغة دقيقة وصريحة ، ويبيّن من خلالها الأساسَ الصحيح الذي من المفترض أن يحكم العلاقة بين الله سبحانه وتعالى ونفس الإنسان . لكن من المثير حقاّ أن ينهانا الله عن ( نسيانه ) !! ويأمرنا ب ( ذكره الكثير ) !! وهو الذي له الحضور المطلق في الوجود .. وله الكبرياء والعظمة والكرم والجود .. وهو نور السماوات والأرض !! وهو الأول والآخر والظاهر والباطن !! وهو أقرب إلينا من حبل الوريد .. ويحول بين المرء وقلبه !! وهو معنا أينما كنّا !! وهو على كل شيء شهيد !! هل ننساه أو نغفل عنه فعلاً ؟!! إذن في أي عالمٍ مظلمٍ نعيش بالفعل؟! وماهو عمق هذه الظلمة الوجودية التي تحيط بنا ؟! وماهو السبيل للخروج منها نحو عالم النور والكمال والسعادة الأبدية ؟ أحاول أن أنطلق في هذا المقال من قوله تعالى : ( فأنساهم أنفسهم ) لبيان معالم ما أسميتُه بمعادلة نسيان النفس ونسيان الله في القرآن . من المعلوم عند أهل الإختصاص أنّ البحث عن ( النفس ) وحقيقتها وأقسامها وأثرها على مصير الإنسان ، وتكامله أو تسافله ، وعلاقته بالله سبحانه ، وعلاقته بالعالم والمخلوقات الأخرى ، هو من أهمّ الأبحاث التي شغلت مساحة واسعة ومعمقة في المعرفة الإنسانية والدينية عموماً، والمعرفة القرآنية خصوصاً ، حتى قيل في علوم المعرفة الإلهية : إن معرفة النفس هي أكمل الطرق وأقواها لمعرفة الله عزّ وجلّ ! لكنني أحاول في هذا المقال أن أتناول جانباً محدداً من هذا الموضوع الواسع .. وهو مايطلق عليه القرآن ( نسيان النفس ) الذي يقرّره قوله تعالى : (( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ )) من الثابت في علم النفس أن النسيان حالة تكوينية نمرّ بها جميعاً إلاّ مَنْ عَصَمَ الله ، وهو ضدّ الذّكر والحفظ ، ويعني غياب صورة المعلوم عن الذهن بعد أن كانت موجودة سابقاً ، وللنسيان تطبيقات متعددة ، فقد ننسى معلومة ما ، أو ننسى موقفاً أو كلاماً أو إنساناً عَلِمْنا به أو عرفناه في أزمنة سابقة من حياتنا ، كذلك للنسيان أسباب متعددة نفسياً ووجودياً ... ولكن هل خَطَرَ على أذهاننا أن ينسى الإنسان ( نفسه ) ؟! وهل فكّرنا فعلاً بإمكان أن يصل النسيان الى درجة أن ينسى الإنسان نفسه حقّاً ؟!! قالوا في علم النفس الفلسفي : إن النفس حاضرة عند نفسها ! أي أن النفس تعلم بنفسها بالعلم الحضوري على حدّ تعبيرهم .. بمعنى أن النفس تدرك نفسها تماماً ، ولاتغيب عن نفسها .. فكلّ منّا يدرك نفسه ..ومكنونات نفسه .. والنفس هي أقرب شيء لذات الانسان تكويناً بعد الله سبحانه .. وبتعبير دقيق ليس هناك إثنينية بين الإنسان ونفسه ؛ لأن نفسه هي حقيقته وجوهره الذي يعطيه قيمته الحقيقية في نظام الوجود .. والذي تترتب عليه جميع أفعاله وأقواله وإدراكاته وآثاره الوجودية . بناء على ذلك فإن فرض نسيان النفس في عمقه وحقيقته سيكون عبارة عن ( تَيْهٍ وجودي ) وضياعٍ تكويني ، تعجز الألفاظ عن وصفه وبيانه ! ولتقريب ذلك نسبياً ، تصوّروا معي مثلاً نسيانَ الطبيب لعلومه الطبية ، فلا يمكنه حينئذ مزاولة مهنة الطبّ أصلاً .. وكذلك المهندس أو الفنّان أو الرياضي أو المعلّم .. بل أيّ تخصّص أو مهنة أخرى في الحياة .. وهكذا لو نسينا أصدقاءنا أو علاقاتنا الإجتماعية ، أو نسينا أسماء وصفات الناس الذين نتعامل معهم .. أو نسينا عناوين مدننا ومنازلنا !! لاشكّ أنّ إنهيار منظومة ( الذاكرة ) ، وفقدان شبكة معلوماتنا الذاتية ، سيؤدي لامحالة الى توقّف مسيرة حياتنا بالكامل .. بعبارة أخرى : إننا عندما نفقد ( نور ) العلم بهذا الشكل بسبب النسيان ، ستنطفئ حركتنا الوجودية والتكاملية في هذا العالم ! هذا كلّه عندما ننسى معلوماتنا فقط !! فكيف يكون حالنا إذا وصل بنا الأمر الى درجة نسيان أنفسنا ؟!! وهذا هو ماعبّرتُ عنه ب ( التَيْه الوجودي ) أو ( الظُلْمة الوجودية ) أو ( الضياع التكويني ). قد يكون من الصعب تصوير نسيان النفس وإمكان حدوث ذلك تكويناً ، لأن ذلك يعني أن : ( نفسَنا غابتْ عن نفسِنا ) !! فيكون الناسي والمنسي واحداً !! لكن القرآن يقرّر ذلك من خلال معادلة تكوينية دقيقة ذات طرفين واضحين ، يبيّنها في قوله تعالى : ولاتكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ! أي أنّ السبب الرئيسي لنسيان النفس والسقوط في الظلمة الوجودية ، هو نسيان الله .. ومن هنا ينبثق السؤال المهم في البحث : ماهي العلاقة الحقيقية بين النفس وبين ذكر الله .. بحيث أن نسيان الله يؤدي الى أن ينسينا اللهُ أنفسنا ؟! الجواب عن هذا السؤال يجرّنا لامحالة الى بحث ( الذّكْر الإلهي ) ، لأن الذّكر يقع مقابل النسيان ..

📚صدر حديثاً عن دار تراتيل في النجف الأشرف كتاب ( الصوم في بعده المعنوي والأخلاقي ) محاضرات الشيخ محمود الجيّاشي .. وهو شرح ل
+6
📚صدر حديثاً عن دار تراتيل في النجف الأشرف كتاب ( الصوم في بعده المعنوي والأخلاقي ) محاضرات الشيخ محمود الجيّاشي .. وهو شرح لمبحث الصوم من كتاب فقه الأخلاق للشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره . يطلب الكتاب من دار تراتيل - النجف الأشرف -سوق الحويش موبايل 07723729449 تحسين الموسوي