en
Feedback
إسكايڤرد

إسكايڤرد

Open in Telegram

كاتب. لي أجنحة دافئة، ولي أيضًا مخالب. X : https://x.com/eskavrd instagram: https://instagram.com/eskuvrd wordpress : https://eskavrd.wordpress.com/

Show more
3 318
Subscribers
No data24 hours
-17 days
+1430 days
Posts Archive
أين يُدفن الأحياء؟ هنا في هذا المكان تحديدًا، في هذا الوطن بالتحديد. في كل شيء وفي اللاشيء. ألا ترى كم جثثًا تسير في الشوارع؟ ألا ترى كم أرواحًا فارقت أصحابها؟ ألا ترى كم أجسادًا خاوية من الأرواح؟ ألا تشعر برائحة الموت تفوح في الارجاء؟ أحلامنا تموت، آمالنا تموت، رغباتنا تموت، أفكارنا تموت، واقعنا يموت، وخيالنا يموت، حياتنا تموت، نحن نموت، كل شيءٍ يموت. ثمة شيء يتجول في الأنحاء ويقتل كل من تخطر في باله فكرة، أو كلمة، أو ضوء طفيف، أو أمل صغير، شيء يشبه الجهل لولا أن الجهل أكثر رأفة ورحمة، يشبه الخوف لولا أنه لا يخاف الله في أعمارنا، شيء يشبه الوطن لولا أن هذا الوطن منفى. الجميع يشعر بالغربة هنا، أنا وأنت، وتلك الشجرة في زاوية الشارع، وذلك الطفل الكبير الذي يبكي بجوارها، الشوارع، والمنازل، والأرواح، كل شيء يشعر بالغربة هنا. من نحن؟ أين نحن؟ كيف أُصبنا بهذا الوطن؟ كيف أُصيب بنا هذا الوطن؟ مَن مِنا يقتل الآخر؟ مَن الرصاصة مِنا ومَن الصدر؟ يد من تلك التي تضغط الزناد؟ عين من تلك التي تُصوب نحو صدورنا؟ أرفع عينيّ لأنظر فلا أجد شيئًا، أعود فتثقبني فجأة رصاصة حزنٍ قاتلة، أحاول أن أرى وجه قاتلي فيتلاشى، أنظر إلى يدي فأجدها مليئة بالدم، ورائحة البارود منها تفوح، واصبعي على الزناد تقول لي؛ لا تنظر بعيدًا، لا تبحث كثيرًا، أنت موتك، أنت حياتك. أحاول أن أفهمها لكن سرعان ما يأخذني الدوار والإعياء إلى مكان آخر، مكان فارغ، مكان أشبه بحياتي لولا أنه أشد ظلامًا، وأكثر فراغًا. ثمة صوت يهمس من كل مكان؛ أين أنت؟ من أنت؟ إلى أين تمضي؟ وصوتٌ آخر يتمتم في رأسي؛ إبحث عن نفسك، جِد نفسك، إسمح لنفسك. أردُ بصرخةٍ يملؤها الغضب ؛ كيف وكل شيءٍ هنا مظلم؟ وهل ثمة شيء هنا حتى أجده؟ لم آتي إلى هنا برغبتي حتى أعرف أين أمضي! كل الجهات متشابهة أي دربٍ أسلك؟ وهل هناك دربٌ أساسًا؟ كيف ألوم الخطوات المترددة؟ كل الطُرق موحشة. كيف أعلم أي اليدين هي يدي اليمنى؟ كلاهما ترتجفان. كيف يجد المرء نفسه في مكانٍ لا يستطيع أن يجد فيه ظِله ؟ صغيرٌ أنا بالكاد أملأ ملابسي، فكيف أملأ كل هذا الفراغ ؟ كبيرٌ أنا لم يسعني العالم كله، فكيف يسعني هذا الفراغ ؟ هذا الفراغ الذي بات وطنًا لنا لفرط ما عشنا فيه، ما هو إلا منفى، سنغادره ذات يوم ونملء الحياة حياة، حينها ستعلم من أنا. وسأخبرك أين أنا، حين أكون في المكان الذي أجد فيه نفسي، لأن كل مكان لا نجد فيه أنفسنا ما هو إلا منفى، وما نحن إلا غرباء سنغادره ذات يوم. وسأخبرك إلى أين أمضي، حين ينقشع هذا الفراغ المحيط بحياتي، حين يغادر شارعنا هذا الموت البطيء، حين يصبح لدينا درب، حينها سأخرج وأركض، وسيسمع العالم أجمع صوت خطواتي وأنا أغادر مقبرة الأحياء هذه. مِن هذا الفراغ القاتل ستُولد الحياة، وفي هذا الظلام ستُوقد شمعة أملٍ تُضيء الدنيا، ومن تلك الخطوات المترددة سنصنع دربًا لكل التائهين، وهذه اليدين المرتجفة ستعانق الحلم ذات يومٍ بلا شك. - إسكايڤرد

أحبك، قد تسمعين هذه الكلمة كثيرًا، مني ومن الآخرين، لأنك رائعة جدًا، وحنونة أيضًا، وتستحقين هذه المحبة التي تهطل عليك من كل سماء، لأنك تمشين في الأرض هونًا، وتلامسين القلوب برفق، والأرواح بخفة، والعقول بفهم. كم عينًا مسحتِ منها الدمعة؟ كم روحًا أزلتِ عنها القلق؟ كم نجمةً لكِ في كل سماء؟ كم وردةً زرعتِ في كل صدر؟ كم ابتسامةً لكِ في كل وجه؟ كم يدًا لكِ في كل كتف؟ ومازلتِ تسألين لماذا كل شيءٍ يحبك ؟! أنا أول الخطائين إن كان هذا خطأ. أنا أول من يحبك، وأنتِ أكثر من يستحق المحبة. وإن محبتي لك ليست بالشيء العظيم، لكنك حين بادلتني المحبة علاَ شأنها وعَظُم قدرها، وأصبحتُ أوفر الناس حظًا، وأغناهم قلبًا. بالمحبة تُرفع القلوب أو تُهان، ويالرفعة منزلة قلب أنتِ فيه. لقد كنتُ أتباهى بقلبي طيلة حياتي، لِما فيه من الوقار والتهذيب، والآن زاد فخري به حين اكتمل بالمحبة. كل شيء رائع حين يأتي في الوقت المناسب، والمكان المناسب، إلا أنت رائعة في كل وقت وكل مكان. تعالي الآن مثلًا وأنا حزين للغاية ولا أطيق نفسي، وسوف تجدينني أتغزل في عينيك وكأنهما شغلي الشاغل، وهمي الأكبر. أحب عينيك، وابتسامتك، وعينيك حين تبتسم. أحب روحك، وسِعة فكرك، ولين يدك. أحب رجاحة عقلك، واتزان قلبك، وطيش ابتسامتك. أحب وجهك والنور الكامن فيه. أحب حنانك و رِقة لمستك. أحب وجودك والأثر الذي يخلفه. أحب محبتك والدفء الذي تمنحه للأشياء من حولها. أحبك، ليس لشيءٍ ما فيك، ليس لشيءٍ حدث بيننا، ليس من أجل شيء. أحبك، لأن هذا كل ما يمكنني فعله، وأقل ما تستحقين. - إسكايڤرد

لا أنتظر أن يحبني أحد لكي أكون سعيدًا، ولم أحزن يومًا لعدم محبة أحد. يالها من سعادة هشة تلك التي تُبنى على محبة أحدهم. تذهب إن ذهب، وتأتي إن أتى، تبهت إن غاب، وتتلاشى إن هجر، وتزول إن تخلى. إن الحب أسوأ طريق للسعادة، وبالرغم من أن السهولة تغلفه، إلا أنه الأصعب والأكثر وعورةً ومشقة. لا تربط ابتسامتك بأفواه الآخرين، لا تربط خطواتك بأقدام شخصٍ آخر. إن سَار سِرت، وإن ركض أرهقك، وإن قرر يومًا التوقف فقدت طريقك. إنها لكارثة أن تحيا في حياة ليست حياتك، وأن تشق طريقًا ليس طريقك، وأن تبني حلمًا ليس ملكك. بالطبع حين أحب أحدهم سأبني حياتي برفقته، ويبني حياته برفقتي، لكن كلٌ منا سيحيا في حياته الخاصة، التي لن تنهار إن قرر الآخر الابتعاد. بالطبع سنحيا معًا في حياة واحدة، إنما ليس بالطريقة التي تجعل أحدًا منا يظن أن هذه الحياة تخصه وحده، وأن الآخر مجرد زائر. بالطبع يحزنني حزنك، ويغمر الفرح قلبي حين تكون سعيدًا. بالطبع سوف نسير في الطريق معًا، إنما كلٌ منا لديه هدفه. بالطبع سأساندك حين تتعثر خطواتك، وتُمسك بيدي حين أكاد أسقط، وأتوقف كي أستريح حين تتعب، ونركض معًا في لحظة شغفٍ مفاجئ، لأنك رفيق الدرب وللرفيق على الرفيق حق. لكنك لست الدرب نفسه حتى تقرر متى أسير ومتى أتوقف، لن أتوه إن قررتَ يومًا سلك طريقٍ آخر، لن أفقد أحلامي إن قررتَ يومًا الاستيقاظ، ولن تفقد هدفك إن غيرتُ يومًا هدفي، لن تنهدم حياتي إن غادرتَها، ولن تخسر حياتك إن غادرتك. لأن كلٌ منا لديه حياته، والمحبة مساحة مشتركة نستريح فيها من حياتنا. إن محبتك تسعدني للغاية، لكنها تبقى مسرة واحدة. وخسارتك تحزنني للغاية، لكنها تبقى حزنًا واحدًا. وفي الحياة الآلاف من الأشياء التي تقرر أي ملامح سأرتديها اليوم. - إسكايڤرد

كيف حالك وأنت في المنتصف؟ وأنت على وشك، لولا. وأنت تود لو أنك، لكنك. وأنت تريد ولا تطيق، تحب ولا ترغب، تتمنى ولا تستطيع. تتأرجح الكلمات في داخلك إلى أن تتوقف في منتصف حنجرتك. تمد يدك تارة وتطويها تارةً أخرى. مرةً تقاوم الشمس ومرةً تحرقك شمعة. تميل حتى تكاد تقع، وتعلو حتى تكاد تحلق. كيف حالك وكل شيءٍ فيك يبكي إلا دموعك؟ كيف حالك وكل شيءٍ فيك يضحك إلا قلبك؟ كيف حالك؟ ياله من سؤالٍ مملٍ للغاية، يمكن للجميع أن يطرحه، دون اهتمام بالإجابة، واحيانًا قد يهتم أحدهم بالإجابة، لكن هل ثمة إجابة لسؤالٍ كهذا، كيف حالك؟ أعتقد أن الإجابة دائمًا مرتبطة بمن يسأل. نحن بخير دائمًا طالما أن من يسأل ليس مهتمًا بالإجابة، وإن كان مهتمًا فنحن بخير أيضًا ولكن بشكلٍ أقل. ثمة وخزة غريبة يسار الصدر، ودمعة غريبة على وشك البكاء، وبسمة امتنان لشدة فرحها بالسؤال تجعلنا ننسى الإجابة. ونحاول التعبير عن كل شيء. عن كل ما نشعر به، بالعناق، بالبكاء، بهزة رأس، بكلمة واحدة، بأي شيء لا يتطلب جهدًا. نحاول أن نقول كل شيء دفعة واحدة. مُثقلين كنا أو سعداء، نجد دائمًا إجابة مناسبة، وسهلة، ومعبرة جدًا. لكن كيف حالك وأنت في المنتصف؟ لست حزينًا، لست سعيدًا، لست شيئًا. كيف نشرح أحوالنا عندما لا نشعر بشيء وعندما نشعر بكل شيء؟ كيف حالك وأنت بهذا الفراغ وهذا الإمتلاء؟ كيف أخبرك عن هذا الضباب الكثيف بشكلٍ واضح؟ كيف أشرح لك هذا المنتصف المُحير بشكلٍ لا يثير القلق؟ صدقني لن تصدقني حين أخبرك أنني بكل عتمتي نجمٌ في السماء، وأن فيّ شتات العاصفة وثباتها، وأن لي في الصباح شمس وفي الليل قمر، وأنني بكل حدتي لين، وأنني بكل قسوتي أحن، وأنني بكل حزني أحبك، وأنني بكل تناقضي إنسانٌ للغاية. - إسكايڤرد

أمضيت اليوم كله في التفكير بك، منذُ استيقظت وأنا تحت وطأة الشوق، أتذكرك تارة، وأحن إليك تارةً أخرى. أفكر في الكتابة إليك، ثم أقول في نفسي ما الجدوى من الكتابة؟ هل من الممكن أن أعانقك في منتصف نصٍ أدبي ؟ هل من الممكن أن يجمعنا بيت شعر ؟ أريد أن نلتقي في مكانٍ غير النصوص والكتب. نتبادل ثقافة العناق. نتبادل كتفًا أدفأ من أكتاف الرسائل. نتحدث لغة الأعين لأن لغتي أصبحت قليلة وفي عينيّ كلامًا لم أقله. وفي أطراف البنان كلماتٍ خجولة. ولي في يديك أدبٌ فريدٌ من نوعه، يتجسد على هيئة لمسةٍ حانيةٍ، تعيد للقلب اتزانه، وللأيام رتابتها. أفكر في ابتسامتك وأنا أمشي عائدًا إلى المنزل، وفي اليوم التالي تسألني الأشجار في الطريق عن سبب عناقي لها. تزورني عينيك وأنا أعمل، لقد طردتُ اليوم من الوظيفة للمرة الخامسة، يقولون أنني أنسى أن آخذ المال من الزبائن، لا يعلمون أنني اكرامًا لعينيك أعد الجميع في حضورها ضيوفًا. أفكر بك وأنا برفقة أصدقائي، يطرق طيفك باب قلبي، فأرتبك وأترتب سريعًا، يلاحظون الأمر، يسألني أحدهم : ما بك ؟ لا شيء، فقط عادت الروح إلى مجراها. أفكر بك كل يوم، ليس اليوم وحسب، إنني أفكر بك حتى ووجه الأيام عابس، في انشغالي وفراغي، في فرحي وحزني، في قلقي وطمأنينتي. أفكر بك بعقلي وقلبي. أفكر بك في الأوقات السيئة فأهدأ. أفكر بك في الأوقات الجيدة فأرضى. أفكر بك وأنا متعب كأنني قررتُ أن أستريح. أفكر بك كلما نويت السفر كأن لا وجهة إلا وجهك. أمضيت عمري كله في السفر إليك، فمتى يا كل عمري أصل؟ - إسكايڤرد

لطالما أحببتُ كوني خفيفًا في حياة الآخرين، سهل الحضور، سريع المغادرة، قليل البقاء، جميل الأثر، لا أُثقِل أحدًا، ولا يثقلني أحد، خفيفٌ على الأرواح، وخفيفٌ منها، وخفيفٌ مثلها. لا أفهم كيف انتهى بي الأمر مثقلًا بكل ما أمضيت عمري أحاول التخفف منه.. تارةً أشعر بالرفض في أكثر مكانٍ كنت أحظى بالقبول فيه، وتارةً يقول لي أحدهم أنني كنت جرحًا في روحه، وآخر يجعلني أشعر أنني بكل خفتي ثقيلٌ على قلبه، والذي كنت أعدهُ رفيق الدرب كان يعدُ السير معي مجرد نزهة قصيرة، وذلك الذي كنت أُحلق معه سرق السماء ووضع اللوم على أجنحتي. لا أفهم كيف يريد الآخرون أن نفهم تصرفاتهم بشكلٍ جيدًا بالرغم من أنها تشير بوضوحٍ تام إلى مقصدٍ سيء؟ لا أفهم لماذا يحاولون جعلنا نشعر بالذنب بسبب أخطاءٍ هم من ارتكبوها؟ احذر أن يجعلك أحدهم تشعر بالسوء تجاه نفسك لمجرد أنك لا تُعجبه، ليس بالضرورة أن تكون مميزًا في نظر أحد لكي ترى نفسك، لا تقيم نفسك من نظرة الآخرين لك، ولا تصدق أن نظرتك للآخرين مقياسًا لهم. لطالما كنا خفافًا، ولم نطلب منكم إلا أن تتركوننا كما عهدتمونا. إن أحببتمونا أحبونا كما نحن. وإن غادرتم أغلقوا الأبواب بهدوء، لا تُفزعوا طمأنينة أرواحنا. إن كان دربنا مظلمًا لا تسيروا فيه، وإن كانت سماؤنا ضيقة لا تُحلقوا فيها، وإن كانت منازلنا لا تسعكم فأرض الله واسعة. لا تعيبوا الأشياء لمجرد أنها لا تناسبكم! لا تحاولوا تغييرها من أجل أنفسكم، لا تحاول تغيير شخصٍ لكي تتقبله، ولا تحاول أن تتغير لكي يتقبلك أحدهم، القبول لا يُكتسب، إن لم يحدث من تلقاء نفسه لن يحدث أبدًا. لطالما كنا خفافًا، لكنكم أثقلتم أرواحنا. - إسكايڤرد

لا أجيد المغفرة، ليس عندما أتأذى على الأقل، لكنني أحبها جدًا، وأتحلى بها قليلًا، وأتمنى لو كان بمقدوري أن أغفر دائمًا، لكن ثمة الكثير من الأشياء التي تفوق قدرتي على المغفرة. مما يجعلني أقف حائرًا، بين رغبتي في المغفرة، وبين قسوة الأذى الذي تعرضت له. بين أن أغفر وأشعر بالشفقة تجاه نفسي، وبين أن لا أغفر ويدنس الحقد قلبي. ولا أعلم إن كان الابتعاد وتجاهل الأمر يعني المغفرة أم لا، لكنني أختاره دائمًا كحلٍ للأمور التي أعجز عن غفرانها. أما حين أستطيع، أتغاضى عن الخطأ فورًا، دون الالتفات إليه، دون أن أعده شيئًا، وهذا أمر بديهي لأننا لو دققنا على أخطاء الآخرين لما عاشرنا أحد. لكن حين أستثقل الأمر أغفر دون أن أصرح بذلك لمن مسني بأذى، لا أستطيع أن أكون متسامحًا مع أحد إلى هذا الحد، أريد على الأقل أن يشعر بالذنب، لكي يتوقف عن أذية الآخرين. لأن الذين يحظون بالمغفرة دائمًا يتمادون في أخطائهم كثيرًا. ولا يوجد مُهذِبٌ للإنسان أكبر من الشعور بالذنب، أعرف هذا الشعور جيدًا، إنه يجعل المخطئ يعاقب نفسه بنفسه، دون أي تدخل من أي أحد. وأعتقد أن هذا هو السبب في أننا دائمًا نغفر لمن يشعر بالذنب ويعترف بأخطاءه أكثر من الآخرين، وأعتقد أن هذا الصنف من البشر تحديدًا لا يخطئون بإرادتهم ولا يكنون لأحدٍ سوءًا. أما أولئك الذين لا يشعرون بالذنب، والذين يشعرون أنهم دائمًا على حق، فأنا أتجنبهم دائمًا منذ البداية ولا أثق بهم إطلاقًا، لأنني أعلم أن الخلافات معهم لا تنتهي وأن أذاهم متعمد والسوء فيهم طبع وليس خطأ يمكن غفرانه. للمغفرة شروط لا أعرفها ولا أهتم بها أيضًا، لأنني أغفر دائمًا، دون سب أو غاية أو شرط، فقط لكي أهدأ ويطمئن قلبي وعقلي. الفرق الوحيد هو أنني حين أقوى المغفرة، أغفر وأعود كما كنت. وحين لا أقوى المغفرة، أغفر من أجل نفسي، ولا أعود. -إسكايڤرد

بيننا جرحين وصمت.. وهذا أعز ما تبقى لنا. أما الجرحين فكان لكلٍ منا نصيب منهما، وأما الصمت فكلانا بريءٌ منه. وإني لأتعجب كيف يكون المرء بريئًا من اختياراته ! وأتعجب أيضًا كيف يُسمى الخيار الوحيد خيارًا ؟! لا أعلم، يبدو أن للمصطلحات مفهومًا آخر حين ننظر إليها بمشاعرنا. فعندما يخطئ شخص غريب نرى شخصًا سيئًا بغض النظر عن حجم الخطأ، ولو ارتكب شخص نحبه ذات الخطأ لكان مجرد خطأ، وأحيانًا سيكون ذنب لا يغتفر، لا يوجد وسطية هنا، لا توجد نظرة حقيقية ترى الأمر كما هو. المشاعر كالعدسة تُكبر الأمور وتُصغرها وفق متغيرات لا يفهمها إلا من يحمل تلك المشاعر، وأحيانًا حتى هو لا يفهمها. مثلًا أنا لا أفهم هذه المشاعر.. لا أفهم، كيف أن جرحًا صغيرًا منك جعلني أنزف ليالٍ عدة ؟ وكيف أحاول أن أضمد بالصمت جروح الصمت ! لا أفهم لماذا أحاول ألا أفهم، بالرغم من أنني أفهم أن جرح الصمت أقل وطأةً على القلب من جرح الكلام، وأن أثرك كان عميقًا لأن حبك لم يكن عاديًا، وأننا نكون أقل قوةً عندما تكون ساحة المعركة قلوبنا. أما ما لا أفهمه حقًا هو نحن! نعم نحن. دعك من الصمت، من الجروح، من كل شيء. هل تُصدق أن هذا أنت؟ وأن هذا أنا؟ هل تُصدق أننا كنا ذات يومٍ لا نُفرق بيننا ؟ أننا كنا نحن ! نحن! يا لها من كذبةٍ رائعة. لم يتبقى لنا منها سوى حقيقةٍ جارحة. أنا جرح وأنت جرح، والصمت كان جرح لكنه أصبح ضمادة بعدما فرق بيننا. - إسكايڤرد

ليس تعبًا فحسب.. ثمة شيء محطم في الداخل. كل شيء محطم في الداخل، وفي الخارج أيضًا، لكن ما في الخارج أشياء يمكن ترميمها، أما الروح من يرمم كل هذه التصدعات فيها ؟ وكل شيءٍ بات مرهِقًا للغاية، الصمت لا يطاق، والكلام أشد ثقلًا، ثمة تعب لا تسعه الكلمات، ثمة تنهيدة تحت كل كلمة، ثمة حزن في كل عين، ثمة ألم في كل قلب، والابتسامات المزيفة لم تعد كافية لإخفاء ذلك. وبالرغم من هذا، لم يلاحظ أحد هذا التعب، ولستُ أدري هل أفرح لهذا أم أحزن؟ هل يجب أن يكون المرء سعيدًا عندما لا يلاحظ أحد انهزامه؟ ماذا لو أُعجب الآخرون بقوته وحاولوا اختبارها في حين أنه لا يقوى على شيء؟ لست أدري لماذا أشعر دائمًا بضرورة إخفاء هزائمي، ربما أخاف أن أتلقى هزيمة أخرى، ربما أخاف أن يعتبرها أحدهم ضعفًا، ربما لأن لا أحد يفهم هزائم أحد. ربما قد يحتفل معك أحدهم عند انتصارك، لكنك حين تُهزم ستبكي وحدك. لكنني الآن لستُ منهزمًا، ولا أمر بلحظة ضعف، ربما أن ما يُتعبني حقًا هو رغبتي في أن أكون سعيدًا، تلك الرغبة التي لا تكاد تتحقق حتى تتلاشى، تتعبني بشكلٍ ما، يتعبني أنها تزرع فيّ القليل من الأمل، ثم تنزعه فجأةً من أعماق روحي. قد لا يكون هذا تعبًا، أعني التعب أيضًا شعور، وأنا لم أعد أشعر بشيء، لست حزينًا، كما أنني لست سعيدًا، لم أشعر بالدهشة منذ وقتٍ طويل، وخيبة الأمل كذلك لم أعد أشعر بها، كل شيءٍ بات مملًا وباهتًا وعاديًا للغاية. قد يكون هذا مجرد تعب، وكل ما يجب علينا فعله هو البكاء. لكن كيف نبكي نحن الذين جفت دموعنا ؟ أنا لا أُجيد البكاء يا الله، إنني أحمل حزني معي طوال الوقت، كل شيءٍ يتعبني يبقى هنا في صدري، ثمة الكثير من الآلام المتعفنة هنا، وإنني بكل قوتي عاجزٌ عن إخراجها، ولو بدمعة، ولو بكلمة. أنا لا أستسلم يا الله، لكن هذا ليس تعبًا فحسب. - إسكايڤرد

إلى هنا ونكتفي.. من المحاولة، من التذكر، من الانتباه، من القلق، من الانتظار، من الركض، من الأمل واليأس، من كل شيء. يكفي هذا القدر من اللاجدوى. لم أعد أحتمل الشعور بالعمر وهو يتسرب من بين يدي دون أن أفعل شيء، دون أن أقول كفى. آن للقلب أن يهدأ. آن للحياة أن تبدأ. آن للذكرى أن تزول. وآن لشمس الغد أن تشرق. لا ندم على ما فعلتُه ولا ندم على ما لم أفعله، لم أعد أتمنى عودة شيء، ولم أعد أنتظر قدوم شيء، ليس لدي وقت للتوقع والالتفات، أُحاول فقط أن لا أفسد ما بين يديّ. حتى وإن كان الذي بين يديّ قليلًا، هذا القليل يكفيني، يكفي أنه حقيقي لا زيف فيه ولا ريب يخالطه. يكفيني القليل من الأصدقاء والأحبة، القليل من المعارف، القليل من المسرات، القليل من الأمل، القليل من المعرفة، القليل من الأحلام. تكفيني حياة صغيرة أحياها، بدلًا من حياة كبيرة أحلم بها. وهذا لا يعني أنني يئست أو استسلمت. مازلتُ أحلم، وأريد، وأرغب، لكن ليس على حساب طمأنينة قلبي. مازلتُ أحلم لأن في الحلم أمل يبقينا على قيد الحياة، ولكنني اكتفيت لأن في الاكتفاء طمأنينة تجعلنا نحيا. اكتفينا من خيبات الأصدقاء، اكتفينا من خذلان الأحبة، اكتفينا من قسوة الأقرباء، اكتفينا من الركض وراء أمل لا نعرف مدى حقيقته، اكتفينا من الموت ببطء بسبب يأس لا نفهم سببه. اكتفينا من القلق على كل شيء، والانتباه من كل شيء. لا بأس باللامبالاة إن كان الأمر يتعلق براحة البال. لا بأس بالانهيار إن كان الوقوف لا يغير في الأمر شيء. لا بأس بالوحدة إن كان لا بد من الخيبات. لا بأس بالمغادرة إن كان البقاء مرهقًا. لا بأس بالابتعاد إن كان القرب مؤذيًا. لا بأس سنتعافى ولكن إلى هنا ونكتفي، وليت أن كل شيء يتوقف عندما نقول كفى. - إسكايڤرد

لم أكن هكذا صدقني لقد كنتُ رائعًا للغاية، ومازلت رائعًا، لكن ما أقصده هو أنني لم أكن بهذا الحذر والقلق والحزن والتعب الذي تراه جليًا على كل ما أقوله أو أفعله، كنتُ أعرف هذه الكلمات وأقرؤها والآن أفهمها وأكتبها، والفرق شاسعٌ لو تعلم، كما أن الفرق شاسع بين من كنت بالأمس وبين من أكون اليوم. كانت السماء في صدري صافية واليوم أصبحت مليئة بالغيوم، والمطر هو حصادي الذي أحبه، رغم الأجواء المثيرة للقلق رغم أن صفو السماء معكر، رغم كل شيء أحبه. لكنني أحيانًا أتمنى لو أنني أعود فارغًا كما كنت، خفيفًا أستطيع انتحال شخصية ريشة حين أشاء، وأحلق دون حذرٍ من السماء، دون قلقٍ من عاصفة قادمة، دون أن يثقلني شيء. ألا توجد طريقة ليغادر المرء نفسه في نزهة قصيرة؟ يبتعد عن كل ما يثقله دون أن يقلق على أي شيء أو من شيء؟ هل من الممكن أن يتجول خفيفًا كما كان لا يحمل في صدره مثقال ذرة من حزن؟ كيف يتخفف المرء إن كان لا يعرف ما الذي يُثقله ؟ ثمة الكثير من التساؤلات التي لا أجوبة لها، لكننا لا نبحث عن الأجوبة، بل عن طريقة ننسى فيها التساؤلات، عن الخفة التي يمنحها الاطمئنان. محظوظٌ من كان لديه شيءٌ يطمئنه. هناك أوقات يحتاج فيها المرء إلى أي شيءٍ يربت على كتفه، ولو كلمة، ولو كذبة، تمكنه من النوم ليلًا وتمنحه الرغبة في الاستيقاظ غدًا، أي شيء، أي طريقة هنا تجدي نفعًا. إنه القلق عدو الإنسان الأول، الذي يمكن أن نفعل أي شيء للتخلص منه، ليحترق العالم إن كان الأمر يستدعي ذلك المهم أن أهدأ، ما الجدوى من عالم هادئ إن كنا نحترق من الداخل ؟ إنني في قلقٍ مستمر منذ مدة طويلة يا الله. ثمة شيءٌ في قلبي أكبر من رياح، وأقل من عاصفة، يمزق طمأنينتي، يمزقني، يمزق كل شيءٍ يا الله .. أريد أن أهدأ، أريد أن أبقى أنا ولكن بشكلٍ أخف. - إسكايڤرد

كيف نواجه الحياة نحن الذين نشعر بكل شيء؟ لطالما كانت حساسيتي المفرطة تجاه كل شيء هي مشكلتي الأولى، إنني أشعر بكل شيء بشكلٍ مضاعف. أشعر بالشيء قبل حدوثه، وحين يحدث، وبعدما يحدث، وحين أتذكره. أشعر بالكلمة حين أقولها، وحين أسمعها، وحين أتذكرها، وحتى تلك الكلمات التي لم أقلها أشعر بها كغصة، غصة توشك في كل مرة أن تصبح كلمة لكن الشعور أكبر منها. كل شيء يترك فيّ أثر، القليل، والكثير، حتى اللاشيء أشعر به، على هيئة عدم يبتلع وجودي بين الحين والآخر. وما يؤذيني أكثر أنني أحيانًا لا أشعر، ودائمًا ما يكون هذا نتيجة اظهاري شعورًا ما، ربما قد يكون مبالغًا به وربما لا، لكن أحدهم استخف به، مما جعلني أبدأ بإدعاء اللامبالاة دائمًا، حتى أصبحت مثل الجميع، أظن أنني لا أشعر بشيء. لكن ظني يتبدد لاحقًا، حين أبتعد عن الجميع، وأُرخي زمام مشاعري فتفيض ويفيض بها الوجود، وأشعر بكل شيءٍ دفعةً واحدة، وبكل ما حدث طوال اليوم، مذ أول شيء حدث حين غادرت المنزل صباحًا إلى صراخ والدي في وجهي حين عدتُ متأخرًا. أنا الذي أشعر بمرارة الوجود في فمي، كلما رأيت دمعة، أو سمعت بكاء، أو قرأت رسالة وداع، أو مر بجانبي حزنًا ما. وأنا الذي أبتلع تلك المرارة بصمت، خوفًا من أن يراها أحدهم ويقرر أن يخنقني بها يومًا ما. ليت أننا نستطيع أن نختار مشاعرنا، لاخترت أن أكون حجرًا، أو شجرًا، أو أي شيءٍ يشعر بشكلٍ أقل. ليس لأن فرط الشعور سيء أو رائع، في الواقع من الرائع جدًا أن تكون إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن لا شيء أقسى من أن يكون المرء ذا شعورٍ كثيف في حياةٍ بهذه البلادة. - إسكايڤرد

لم أعد أعرف نفسي إلا أمام المرآة.. أحدق فيها طويلًا، أرى غريبًا كنتُ أعرفه، يحدق فيّ وأحدق فيه، أتحدث معه، لا يرد، أغادر، ويبقى هو في المرآة. وأود حقًا لو أُمسك يده وأغادر معه. أعلم قد تشعر بالألفة تجاه غريب لا تعرفه، وقد تستوحش من قريب، هذا أمر وارد. لكن أتفهم كيف يستوحش المرء من نفسه؟ أن يتحدث معها بحذر كما يخاطب المحب حبيبًا خدش محبته وبات نادمًا على ما فعله. وهل يُعد الندم الصادق سبب كافي للمغفرة؟ ربما، أحيانًا، لا أعرف حقًا، فأنا أغفر لنفسي كثيرًا، وأسخط عليها أكثر، بغض النظر عن مدى ندمها، لكنها لا تغفر لي، ولا تخدشني، ولا تظهر أي ردة فعل تذكر، كما لو أنني أحد الغرباء الذين لا يهمها أمرهم.لكن وعلى الرغم من أن علاقتي بنفسي سيئة، إلا أنني مازلت أحبها، وأقدرها، وأقدم لها حقها اللازم من الاحترام، والتهذيب، والعزة، والتورع عن الخوض في ما يكسرها. قد يقول أحدهم لماذا تتحدث عن نفسك كثيرًا ؟ ربما لأنني نرجسي كما يقول البعض. ربما لأنني على خلافهم لا أحب التدخل في شؤون الآخرين. ربما لو أن كلًا منا بدأ بنفسه، فتصالح معها، وهذبها، واهتم بها، لكنا في خير حال. لكنني أعلم أن هذا لن يحدث، فنحن مخلوقات مشغولة بتغيير العالم، والآخرين، والحياة، وكل شيء حولنا، وكل ما لا يعجبنا، وحتى ما يعجبنا نحاول تغييره بحجة أننا سنجعله أفضل، وفي خضم كل هذه الاحلام والطموحات ننسى أنفسنا، وعجبي كل العجب من مخلوق يحاول تغيير العالم وينسى أنه هو العالم. - إسكايڤرد

كل الذين أكتب لهم لا يفهمونني.. المرأة التي أحب عينيها تظن أنني أكتب لغيرها. وأبي يعتقد أنني أقصد أمي في دعائي وأمي تعتقد أنني أقصد أبي. والاشخاص الذين لا أطيقهم يظنون أنني أكتب عنهم حين أكتب لأصدقائي. وأصدقائي يظنون أنني لا أحترم وجودهم حين أكتب عن وحدتي. والوحدة موحشة بقدر دفئها، ومرعبة بقدر أمانها، وثقيلة بقدر خفتها، وتظن أنني أحبها. وكل الأشياء التي أنفر منها تأتيني حين أنادي الأشياء التي أحبها. وأنا لم أعد أطيق رؤية ابتسامة ذلك الذي يقرأ غضبي فيما أكتبه ويأتي ليسألني عن السبب غير مدركٍ بأنه هو سبب غضبي الأول. ولم أعد أطيق حذر اليد التي تستطيع اطفاء غضبي بلمسة واحدة. ولا حزن العينين التي أحبها . ولستُ أفهم لماذا يمشي كل شيءٍ في الاتجاه المعاكس مما أقصده، بالرغم من أنني أشير بيدي إلى مقصدي دائمًا وبوضوحٍ كبير ؟ يبدو أن البشر لا ينظرون إلى الأشياء كما هي، بل كما يشعرون بها، وكما يريدونها أن تكون. يُلبِسون الأشياء توقعاتهم ورغباتهم لكي لا يواجهون الحقيقة التي يخافون منها، وتجنبًا للإعتراف بأخطائهم، ولكي لا تخيب ظنونهم التي يبنون عليها حياتهم. هذا ما يجعلني أتوقف عن الكتابة للآخرين. وأصبحت الآن أتغزل في غيمة، وأهوى نجمة، وأحن إلى صوت المطر، وأفتقد الأوراق التي فقدتها الشجرة في الخريف، وأتذكر أماكن لم أعرفها بعد، وأعاتب بصمتٍ ذكرياتي، وأخاطب جدران الغرفة، ويبدو أنها تفهمني، أليس الصمت علامة الرضى؟ ها هي كل الجدران صامتة، تُصغي إلى كل ما أقوله وتفهمه كما أقوله.. تَفهم أنني لا أحب سوى عينيك، وأن أصدقائي مازالوا أصدقائي، وأن الذين لا أطيقهم لا يعنون لي شيئًا، وأنني لا أريد من أحدٍ شيئًا، لا خيرًا ولا شرًا، لا محبةً ولا إساءة، فقط دعوني وشأني. - إسكايڤرد

لنفترض أنه لم يتم تسمية الجهات الأربعة، لنفترض أن البشر يميزون الاتجاهات بأحبابهم. لنقل مثلًا أن الشمس تطلع من صوب وجهك، وأن الغروب يبدأ من الباب الذي تغادرين منه. وأن العواصف قادمة من طريق الراحلين، وأن النسيم يدخل من النافذة التي تطل على منزلك. والبرد مثلًا يدخل دائمًا من الباب الذي ينتظر قدومك، وأن الدفء الذي يغمر المكان فجاةً دليل على أنك قادمة. لنفترض أنني كنت تائهًا قبل أن أراك، والآن أصبح لدي وجهة. وأنك بجانبي الآن وأنني لا أهتم بالجهات. لنفترض أنني حين أُعرض عنك، أمشي بعكس اتجاه روحي، وأنك حين تُديرين لي وجهك يفقد عالمي توازنه. لنفترض أن ذكراك النجوم وطيفك القمر، وأن غيابك مثل الليل مظلم، موحش، بارد، محتوم، ويأتي من كل الجهات، لا مفر منه ولا مهرب. أليس بعد الليل فجر؟ أليس الليل ينجلي؟ وكم شمسًا غربت من جهة طريق الراحلين وما قطعنا الطريق ولا منعنا أحدًا من الرحيل ! وكم مرة ضللنا الدرب وأهتدينا صدفةً إلى دربٍ أفضل؟ لنفترض أن وجهك في كل الجهات، أخبريني ما أهمية هذا عندما لا أرغب في الذهاب إلى أي مكان؟ عندما أمل من السفر؟ عندما تقرر روحي فجأة : أن توقف ما عاد الشروق يعنيني، ولا الغروب يحزنني، ولا برد الجفا يؤذيني، ولا عاد دفء وجودك يكفيني. - إسكايڤرد

يمكن أن أنتظر كوب القهوة حتى يبرد، يمكن أن أنتظر الحافلة حتى تصل، يمكن أن أنتظر المطر حتى يهطل، والقمر حتى يصبح بدرًا، يمكن أن أنتظر مرور الأيام السيئة والأوقات الجارحة، يمكن أن أنتظر كل الأشياء لأنها أشياء، والأشياء تسير وفق منطق معين. ويمكن أن أنتظر أن يستجيب الله دعواتي لأنه الله. ويمكن أن أنتظر أمي وأبي دائمًا وفي أي شيء لأن لا بديل لهما. ويمكن أيضًا أن أنتظرك أنت لكني لا أعلم إلى متى، لا أستطيع أن أعدك بشيء، لأنك وبخلاف كل شيء (شخص) والأشخاص لا ينطبق عليهم منطق ولا يمكن حصرهم في قانون محدد، هناك ألف ألف احتمال، وألف ألف فكرة قد تخطر على بالي فجأة بينما أنتظرك، وعلى الرغم من أنها لا تكفي لتدمير المحبة الا أنها تزرع الشك، مما يجعل المرء يدخل في صراعٍ دائم مع نفسه، بين قلبه وعقله، بين محبته وملله، وأنا لست مستعدًا لقضاء حياتي في معركة مع نفسي من أجل انسان لم يكلف نفسه حتى بالاعتذار أو التبرير، وكذلك لست مستعدًا أيضًا لسماع الأعذار والتبريرات طوال الوقت، للمغفرة أيضًا حدود. من ذا الذي يطيق بناء محبته على أشياء واهية كهذه دون أن يخالط قلبه قلق أو خوف من سقوطها؟ من ذا الذي يطيق الانتظار؟ أنا لا أطيق الانتظار، أؤمن أن الانتظار يفسد الرغبة إن لم يدمر المحبة، ولا يمكن أن أحب شخصًا لم أعد أرغب في البقاء معه، لذلك لا يمكن أن أحب من يجعلني أنتظر. لأن من يحبك فعلًا لن تشعر انك تنتظره أو تنتظر شيئًا منه، حتى وإن كنت تنتظره لن تشعر بذلك، لأنه سيكون حاضرًا معك دائمًا، بقلبه إن غاب جسده، بطريقةٍ ما، بشكلٍ ما، لن تشعر أبدًا أنك تنتظره لأنه بطريقةٍ ما موجود بجانبك دائمًا. - إسكايڤرد

مذ عدة ساعات وأنا أنتظر تجمع سُحب الكلمات حتى أهطل، عجيبٌ أمر الكتابة تخوننا في أشد أوقاتنا حاجةً لها، تتركنا نتقلب على جمر الصمت، حتى نحترق من الكتمان، حتى تفوح منا الكلمات، كما تفوح رائحة العود إذا احترق.. وكأن الحنين الذي يُحرق أضلعي لم يكن كافيًا لإشعالها. نعم، أحن إليك وهذا يقلقني. لا أعلم سبب هذا الحنين، لكنما، أومثلك يحتاج إلى سببٍ لكي يحن القلب إليه؟ أعني كل شيءٍ تلمسه يدك يمضي بقية حياته في حنينٍ دائمٍ إليك، لا يتوقف الأمر على صدري. صدري كان صخرة قبل أن تلمسه يدك، الآن تتفجر منه أنهار محبة تتدفق نحوك باستمرار. لكن ما يقلقني هو أنني لا أستطيع لمسك الآن. وبتعب نهرٍ جاري تراودني رغبة ملحة في التوقف، توقف الوصول لا توقف الانسحاب. أما لهذا الحنين نهاية؟ أين تستريح الأنهار؟ إن التفكير في النهاية سلبني متعة كل طريقٍ سلكته، والكارثة أنني لا أستطيع التوقف عن التفكير، لا أستطيع التوقف عن أي شيء، لا إرادة لي في هذا الركض ولا حكم لي عليه، إنه مثل كل شيءٍ يجري حولي، عكس ارادتي، بل وضد رغبتي. لكنني أتذكرك وأهدأ. حقًا، يُمكن أن يستريح المرء في فكرة. وأنتِ الفكرة التي تستريح فيها حياتي، أو أستريح فيها من حياتي. أضع قلقي جانبًا، أركن عمري في زاوية ما، وآتي إليك، أنهارُ الحنين تتدفق من كل صوبٍ في الروح، وفي العين من اللهفة ما لا يُخفى، وأخبئ لك بين الحنايا ألف عناق وعناق. ثم تكاد التنهيدة تنزع القلب من جذوره، عندما أنتبه لكوني أتيت إليك في مخيلتي فقط. ولا أعلم كيف أفسر لك الامتنان الذي أشعر به الآن تجاه كل شيءٍ حولي، بعد تفكيري بك. كان السخط يملأ رأسي، الآن أشعر أن روحي تتجول في الربيع، بينما أتجول أنا في أنحاء المنزل والشارع، أبحث عنك. لا أصدق أنك لست هنا، هذه القشعريرة التي تسري في جسدي، هذه الأزهار التي تنمو في صدري، هذه السعادة التي تغمر وجه الوجود، هذا السلام الذي عم المكان، هذا الدفء الذي يحف الغرفة، هذا المطر المفاجئ، هذه السكينة التي تغشى الأرض. هذا تأثيرك، أعرفه، لطالما طغى عليّ، لطالما كنتِ تحملين الربيع معك أينما تذهبين. لا أصدق أنك لست هنا، يبدو أن تأثير الأشخاص علينا يكبر كلما زاد حنيننا إليهم. يبدو أنني لا أحن إليك فحسب، يبدو أنني أحن إلى نفسي معك، إلى الحياة معك، كل شيءٍ معك مختلفًا للغاية، حتى الليل معك يُحيطه نورٌ خفي أشك أن مصدره ابتسامتك. هلّا أعدتِ إلى الأشياء بريقها، إلى الأيام رقتها، إلى الليل نجومه، إلى الكلمات دفئها، إلى القلب عينيك، إلى يديّ حنانك. هلّا لمستِ باصابعك الباردة جمرة الصمت في صدري حتى تنطفئ. هلّا أتيتِ حتى يعود الوجود إلى الوجود. هلّا فتحتِ نافذتك لكي يتنفس العالم. هلّا مررتِ إليّ الحياة تكاد التي لدي تنفد. يكفي أن تأتي حتى يصبح لكل شيءٍ ووزنٌ وروحٌ ومعنى. يكفي أن تعانقي وجهي حتى لا يرى أحدًا الدمع فيه. يكفيني أنتِ.. هلّا أتيتِ. - إسكايڤرد

تعلمت كيف أكتم غضبي منذ مدة طويلة، أحببت الأمر في البداية، ردة الفعل الهادئة، الأعصاب الباردة، عدم التفكير في إصلاح الأمور التي أفسدها الغضب، كانت النتيجة رائعة. ثم بدأ التعب المؤجل والغضب المكتوم يظهر شيئًا فشيئًا، في الأوقات الخطأ والأماكن الخطأ، أردت استعادة غضبي القديم لكن خوفي من مواجهته منعني من ذلك. وها أنا الآن أحيا بين الخوف من غضبي والتعب من الهدوء، أكتم ويفيض الأمر من ملامحي، أريد أن أغضب لكني متعب على تقديم أي ردة فعل تجاه أي شيء، أريد أن أهدأ لكن الغضب المكتوم يأكلني من الداخل دون توقف أو رحمة. وتمضي الحياة بين غضب مستعر وبرود لا يطفئ شيء. أتناسى مرة، وأأسى مرة، وأسخر مرة. مرةً أقول أنا سبب هذا الخطأ، كان هذا البركان ذات يوم جمرة صغيرة. ومرةً أقول كان مقدرًا منذ البداية أن أولد في فوهة البركان. ومرةً أقول لنفسي دعه ينفجر، ما الشيء الرائع في حياتك لكي تخاف احتراقه ؟ - إسكايڤرد

أعرفُها بهيةً آسرة، ذات أثرٍ لا يُنسى، لو مرت بأرضٍ جدباء أزهرت. أعرفها كما يعرف المرء يقينًا أن قلبه في صدره، و أجهلها كما يجهل المرء في أي مكانٍ هي روحه. أعرفها منذ زمنٍ بعيد، لدرجة أنني نسيت كيف يبدو شكل حياتي قبلها، وبالرغم من ذلك مازلت أراها كشيءٍ للتو عرفتهُ. إنها كالفجر، لا يصبح باهتًا بالتكرار، ولا تُغير عذوُبته الأيام، في مرةٍ يحدث للمرة الاولى، في كل يومٍ يأتي حاملًا أملًا جديدًا. وبالوجه المشرق المبهج ذاته يطرق باب الحياة، كما يطرق طيفك باب قلبي، فيزول عنه الليل و يبدأ فيه صبحٌ، أكاد أسمع صوت عصافيره في صدري لو أصغيتُ قليلًا.. بتُّ أعرف الآن لماذا، اللحظات التي أقضيها معك لا تصبح عادية بكثرة تذكرها والمرور عليها، إن اللحظات تأتي وتذهب وحدها، أما أنتِ حاضرة حتى في غيابك. تذهبين وتأتين، وأنا أنا، وأنتِ أنتِ، لا أنا الذي نسيتُ ولو سهوًا، ولا أنتِ التي غادرتِ الحنايا، لا حُبك قل، ولا قلبي تغير. والمحبة ذاتها، لا تقل، لا تبهت، ولا تتلاشى، لا بارك الله بمحبة تغيرها الأيام، وتلونها الظروف، وتلوي المسافة ذراعها.. ويبقى أمانك هو المعجزة الأكبر، أحب أمانك، كل شيءٍ يحبه، كل شيءٍ يعرفه، حتى الشجرة بجوار منزلك، تعرف أمانك، كلما هبت العاصفة، هرعت أغصانها إلى نافذتك. أنا أيضًا أعرف أمانك، كلما أحاطت بقلبي عواصف الأيام، مددت إليك يدي، لا أذكر أنني مددتها إليك مرةً وعادت ترتجف، لطالما كنتِ آمنةً دافئة، يستطيع المرء أن يضع قلبه في يديك ويمضي في حياته دون قلقٍ عليه، بل إنني أحيانًا أشعر بأمانٍ أكثر من الذي كنتُ أشعر به حين كان قلبي في صدري. هكذا عرفتك، وهكذا ألفتك، وأحبك هكذا، مهما كان ومهما حدث، تظل هذه المساحة التي بيننا هي أكثر مكانٍ آمنٍ في حياتي. لا شيء يستطيع تغيير هذه الصورة. تمر بيننا الأيام وتمضي، ونحن نحن. - إسكايڤرد

أنا لا أحاول نزع أحد من صدري، لا قدرة لي على نزع شيء تُمسكه يد قلبي. سبحانك ربي زرعت فيّ اللين فأصبح الرفق لي طبع ، وصرتُ أحنو على من لستُ أعرفهم، فكيف بمن أحبهم ؟ كيف اقسو على من أخاف برمش العين أجرحهم.. لكنهم بتروا يداي وقلبي ، كيف نتمسك بمن بتروا أيدينا ؟ كيف لا يتساقطون مع دمع عينٍ أبكوها ؟ بأي عذر نقنعهم ونقنع أنفسنا بالبقاء وقد استنفذنا الأعذار لجروحهم وهجرهم.. كيف نخوض معاركنا برفقة من لا تعرف سيوفهم عدوًا غير صدورنا ؟ والجروح التي فتحوها في صدورنا وغادروا، ألا نستحي حين نخبرها أننا نريد عودتهم.. كل جرح هو باب مُغلق إن فُتح نَزف، لا يوجد ما يضمن لنا أننا نستطيع النجاة إن فتحنا أبوبنا مرة أخرى. وإن عُدنا مرة أخرى ماذا ؟ هل تتوقع من يداي المبتورة أن تعانقك ! لا أعلم ما الدافع الذي يجعلنا نمنح فرصًا أخرى، أعتقد أننا نقول في أنفسنا ؛ على الأقل هذه المرة لا نستطيع التمسك ولم نعد نملك أصابع ندم نخاف أن نعضها. أعتقد أننا نمنح فرصًا أخرى لأننا لم نعد نخاف الخسارة لأننا سبق وخسرنا فعلًا. أعتقد أيضًا أننا حين نتخلى عن شخصٍ نحبه لا نتخلى عنه كاملًا، لسببٍ لا نفهمه لكننا نشعر بضرورة ذلك.. ربما لأننا نرعى الألفة والود، وربما نخاف الوحدة والفقد، وربما اننا أرق مما نتصور.. ها أنا أنزعك من الروح للمرة العاشرة، إنك أعز من أن تنزع دفعة واحدة، إنك أعز من أن تنزع، لكنك نزعت وقضي الأمر . هذه آخر دمعة في العين، وأول دمعة لا تخالطها حُرقة في الصدر أو حسرة في القلب. لم تعد الدموع حارة، ولم يعد الوداع مريرًا، ولم يعد في يدي تلويحة أخرى. هذا البكاء الأخير.. وآخر تلويحة في يد القلب. -إسكايڤرد