469
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
469
كل مرة أشاهد الأصدقاء يعلنون فقدانهم لصديقٍ أو أحداً من أهلهم قد فارقهم أتألم، وتُعاد لذهني مشاهد لا أود استعادتها، وأتسائل بماذا يُجدي تقديم التعازي لمن فقد قطعةً من روحه، ماذا تفعل بضع كلمات يسمعها شخص هدمه الفقد، في كل مرة أرى ذلك أحاول الهرب مسرعاً لأتجاوز ما تراه عيني.. وأتغاضى عن تقديم المواساة أو الدعاء، أحاول تسوية الأمر أن لا فرق بين من يعيش في اللحظةِ الآن وبين الذي تركنا في اللحظةِ التي قبلها.
469
أحبك بطريقةٍ تؤلمني، بكلماتٍ مؤذية أحبك لأتعلم النسيان، وأفهم لغة الماء وأقرأ قساوة العالم، أغلق النوافذ بوجه الريح والأسماء الغريبة، أجلس وحيداً خائفاً إلى أين يذهب الحب حين تنتهي الأغنية!؟ لم أكن ولداً تحبه العائلة أو الأصدقاء، لا أملك رفيقاً أو حبيبة أحكي لهما عن الحرائق التي تشعلها الأيام في قلبي كل ليلة، أحبك بهيئة شاعرٍ خجول يكتب من أجلك الكلمات ويلمعها بالرغبة وبالعودة.. لكن لا قصيدة تعيدك أيتها المنتخبة من قبل الهرب مرشدةً لطريقه. وصلت إلى حبك متأخراً مثلما أصل في كل مرةٍ إلى المعافة، وحين وصلتك حددت الهدف من ذلك، فأنا وصلتك لأتعلم السفر ولا أنام في الطريق، وصلتك لأتعلم أن البدايات ليست كل شيء ولا النهايات أيضاً، أنما الذكرى التي هي كل الأشياء. الآن لا أخجل أو أتخوف من الموت ولا من خطأ طبي يصيبني ويفقدني لذة رؤيتك مرة أخرى، أنا أخاف وأخاف جداً ألا أستمر في خوفي عليك مهما حدث ومهما مُت. أحبك لأحسن القول في الرواية أمام القراء، لأعرف كيف أطلب خبزاً بدولارين من عامل الفرن، لأجيد الطريقة التي أعبر بها عن الشعور الذي يدخل روحي من بابك، ولأضع حباتٍ من جمالك في الثلاجة كي لا تموعينَ دفعةً واحدة، أحبك لأحدد اتجاه الريح، ومن أين تأتي الأيام المترددة في الهيئة التي ستكونها، أفعل كل ذلك لأنني لا أفهمك، لا أفهمك ولكن ما يجرحني الآن.. أنني احبك.
469
حبيبتي الحلوة، أنا شاعرٌ قَرَويّ أقول لك بنبرةِ ابن مدينة: "صباحُ الخير". تركني أهلي قرب النهر، أبي حمّلني كلمات العائلة إلى الأبد، وأمي أوصت شجرة الصفصاف عليَّ ومضت كي تتفقد ماشيتها، أمّا أخوتي تفرقوا جميعاً لجمعِ التمر من الحقول، ما أعنيه يا حلوة هو أن التمر الذي يفرق الأحباء مُرًّا.
469
أتمنى أن لا أجد الطريق الصحيح بعد فوات الأوان، بعد أن تضيع أيامي في الركض في الطريق الخطأ، أتمنى أن لا أستهلك طاقتي مع أشخاص لا يقدرون ما أقدمه لهم، أتمنى أن لا أنخذل في أشخاص وثقت بهم وأن لا تصدمني توقعاتي في أشخاص أرى فيهم كل خير، أتمنى أن لا أرتكب تصرفات تجعلني أخجل من نفسي، وأن لا تعاقبني بأخطائي في أحبائي يالله، أن تحميني يالله من مكائد أعدائي، وأقضي حياتي مع أشخاص يشبهونني لا يطيقون الخصام، قلوبهم وكلماتهم لينة، وتصرفاتهم يغلب عليها المودة والصدق، وتمدني بالقوة والصبر في لحظات يأسي وضعفي، أتمنى أن لا تأتي الأشياء التي تمنيتها طويلاً بعد فقداني للشغف، أتمنى يهدأ عقلي عن التفكير المتواصل، ويطمئن قلبي ذاك الذي أكله الخوف والآلام..
أتمنى أن أترك أثرًا طيبًا في حياة الجميع، أن يتذكرني أحدهم فـ يقول " لقد مر على حياتي شخص لم يؤذني بكلماته، لم يسخر من حزني لم يتركني وحدي في منتصف الطريق وحين ضاقت بي الحياة كان دائمًا في أنتظاري".
469
على الأحبَّاء أن يعودوا إذا ناديتهم. عليهم أن يعودوا ولو كانوا ماء. لو كانوا أمواتًا. لو كانوا طحلبًا على الطحلب أن يصير إنسانًا حين تستدعيه. ويأتي لو مبلَّلاً، لو مترهّلاً، لو عفنًا. عليه أن يعود صديقًا ولو مات منذ ألف عام.
يجب أن تكون هناك طريقة ما لجمع الناس عن الضفاف. طريقة لإعادة الأوراق والأغصان الطافية على البحيرات، بشرًا.
469
عارياً في دهشتك، لا سياجَ ولا معرفةَ ولا كتف،
فقط الوقتُ بتمارينِهِ وحِيَلِه، الوقتُ الذي يبعثُكَ كلَّ مرةٍ في المرآةِ مثلَ قافيةٍ تتكرّر
مثلَ مزرابٍ يُنقّطُ في العتمة، حينَ كلُّ شيءٍ يكمُنُ في الإيقاعِ الذي يبعثُهُ المزرابُ من عتمتِه.
أنتَ المُصغي بدأَبٍ للإيقاعِ تلمَسُ في إصغائِكَ الطائرَ والغيمة، القرميدَ والريح، الحصى والحفرة، فطنةَ النهر وهواجسَ المجرى.
الإيقاعُ حجةُ الأشياءِ العظيمةِ وشغفُ الأقنعة.
كأنْ تجدَ نفسَكَ واقفاً بسجاياكَ كاملةً في مخيلةِ شاعرٍ لا يعرفُك
في صوتِ امرأةٍ لا تراها عبَرَتْ إلى جانبِك
امرأةٍ بسيطة، ولكنها على نحوٍ لم تقصدْهُ، هيّجَتِ الضبابَ وتياراتِ النهرِ المتوارية.
ستذهبُ عكسَ الريحِ إلى السرِّ أيها النسّاجُ الماهر
عكسَ السنواتِ التي أكملت عملَها وجلَسَتْ في الظلّ
عكسّ النهرِ وعكسَ الفتيانِ الذين يحلمونَ بالنضوجِ دونَ شمسٍ ودون رحلة.
سيسألُكَ جارُكَ الذي ماتَ في الخريفِ الماضي:
إلى أين؟
- ذاهبٌ لأُصغِيَ إلى عجائبِ أبي.
وتسألُكَ الفتاةُ التي أحبَّتْكَ في شتاءٍ لم يحدث:
إلى أين؟
- نسيتُ ضحكةَ أُمّي على الشرفة.
ويسألُكَ شاعرٌ يُشبهك، أو هو أنت، إذا أردتَ الدقة، وصلَ لِتَوِّهِ في مركبٍ بُخاريّ:
إلى أين؟
- ذاهبٌ لأُوقِظَ حبيبي.
وتسألك امرأةٌ ساهمةٌ وهي ترتق جوربَكَ تحتَ ضوءٍ خفيف:
أين كنت؟
- أتبعُ الغيم.
هل ما زالت تُمطِرُ هناك؟
- تُمطِرُ منذُ عقودٍ طويلةٍ هناك،
إنه يأتي، المطر، من البغتةِ ومن الإيماءاتِ القاتمةِ لـ"هيرودس".
*ذاهب لأصغي الى عجائب أبي
469
إلى نور عقيل..
أكتب كثيراً، كلما كنتُ منفعلاً أكتب، كلما خربطت المسكنات والأدوية التي أتناولها جدول حالتي النفسية، ما يساهم في إطالة عمري يوم أخر هي الكتابة، فحتى دموعي صارت شحيحة، والحسرات تحرق فؤادي، ولا أعرف أين أتجه بحياتي الآن، وربما هذهِ أحق وأصدق عبارة كتبتها لكِ.
خائفٌ وحزين ومهزوز مثل غصنِ شجرةٍ يقاوم في يومٍ عاصف، أُغني معاناتي وحدي وأعرف أنك تسمعينني، وخطوتي التي أخطيها أعطي لها أسمك حتى لا أتعثر أكثر، أنتِ تحرسين طُرقي التي أجهلها، أنتِ آخر حبةِ طمأنينة لقلبٍ ضل دربه مثل قلبي.. رغم بعدكِ وعدم ردكِ ومجيئك.
كل من مددتُ لهم يدي سحبوا أيديهم حتى أولئك الذين أحببتهم كثيراً، لم يفتقدني أحد وهذا أمرٌ محزن، كنت أظن أن هناك من سيكتب عني لو حاولت قطفي الأقدار، ولكن كل الملامة والحق عليك كيف لا تمدي لي يديك! وأنتِ هناك كيف لا تناديني؟ وأنتِ هناك، أود القدوم إليك تعبت من حملِ نفسي، أريد تفكيك حياتي وإصلاحها في راحة يديك ولا تقولي أن الوقت قد أنتهى، فأوقات الموتى مفتوحةٌ مثل جرحِ الأحياء.
نور الغالية.. من يبقى حياً يتعذب كما يقول مظفر النواب، الحياة قاسية، الحياة مأساة طويلة لمن لا صبر له.
469
رسالة تأكل نفسها كلما ظل الظرف مغلقاً.. إلى نور عقيل ومنهل فرج
سأموت أيضاً، ولن يسأل النهر النبع عن سببِ الجفاف، سأموت في براغ ربما أو في بغداد، وأن كنت خائفاً سأطلب من الله أن يكون موتي في الأنبار، بالقربِ من أشجارِ بتول عبد، كي أتظلل بظلها وأطمئن على الرحيل الأخير.
أرجو أن أبقى وفياً لأغنياتكم، ولا أزعج ليلكم الموسيقي يوماً بأغنياتٍ لا تفضلونها، أرجو يا نور أن أظل في سمعي عند أغنيتك"يا شوق - مروان خوري"، أرجو أن أكون مسافراً ليلاً ونهاراً مع أغنية منهل فرج"أمس واليوم - علي الورد".
وهذهِ هي الدنيا كانت بكم دُنيا نعيم، وبدونكم صارت ألبوماً أغنائياً من جحيم، ولكن هذا هو حالها من يومها لا تؤتمن، سأترك أغنياتكم ورسائل كتبتموها لي يوماً، وأذهب إلى حيث لا أنتهي، إلى حيث يأخذني الماء..
أكتب إليكم الآن كي لا تموتوا، ولكن لو مت سأخسركم مرتين مرة بموتكم ومرة أخرى حين لم تعد لي القدرة على أسترجاعكم للحياة عبر الكلمات، الكلمات التي لن تفعل شيئاً سوى أن توهمني بأنكم الآن تنادونني كي أذهب معكم.
**
نور الغالية.. أنني أعيش الآن شعور ما كتبه غسّان كنفاني، أنا مشوش جداً، لذلك تبدو أفكاري مهزوزة، لقد بدأ هذا القلب المسكين يتعب، إنه يخفق بلا جدوى، وحينما أنظر الآن إلى الأشياء أحس بأنني خارجها، إنها مسحوبة من المعقول، إنني لا أخاف من الموت، ولكنني لا أريد أن أموت، لقد عشت سنوات قليلة قاسية، وتبدو لي فكرة ألّا أعوض فكرة رهيبة، إنني لم أعش قط، لذلك فأنا لم أوجد، ولا أريد أن أغادر دون أن أكون قبل المغادرة موجوداً، أتعرفين الذي أعنيه؟ إن شعوري غريب جداً، شعور إنسان كان ذاهباً إلى مكان ما كي يتسلم عملاً ملائماً، فمات فجأة في الطريق، إن شعوري الآن هو هذه "الفجأة" بالذات.
**
سأهجر أيامكم وأغانيكم.. ولكن قلبي سيظل يسأل لماذا؟!
وأموت فلم تعد لي القدرة لرؤيةِ أكثر مما رأيت، ولم يبقى في الضحية أكثر مما ظل فيَّ.. سأهجر اسماءكم ولن يناديكم أحدٌ بعدي بأكثرِ الطرقِ عذوبةً وحناناً.
