884
Subscribers
No data24 hours
No data7 days
No data30 days
Posts Archive
884
تِلك الصحراء
تبكي لِنسوة الريح
اللاتي يخبزن الإباء في أضلعهن
قبل رَقّ الدقيق
اللاتي يغسلن ثوب الليل كي يبيّض الصباح
و يضفرن في رؤوس الفتية وصايا السّرو .
ثم بعد ذاك
ليبكين !
نعم فلتبكِ النسوة الآن
في عُرس جماعي
يطلع فيه الفتية من كهف الخاتمة.
.
.
ستأتي أخبار الفتية الذين آمنوا بحبّهم
خرجوا الآن من كهف النبوءة
على أعينهم يقظة ألف عام
تُقلّبهم الجِراح على الرمال
ذات اليمين و ذات الشمال
و شوقهم ..
باسط ذراعيه في استطالة الصحراء .
884
أي شيء ترى في السماء ؟
هذه الصُّور تركض في مرعى الليل ، و أنت هناك ، تؤول إلى مَخطّ النهاية ، تقطع المسافة بثبات بينما يترنّح العالم .
.
.
أي شيء ترى الآن ؟
أنا لا أرى إلا وجهك الذي يُقسّم ضوء الهلال ، و الرمل يُعابث حافِر الطريق ، كأن ذراع النهر تسحبني ، كأن جناح الماء يرفعك..
.
.
أخبرني ماذا ترى ؟
نواكب معا رؤانا الآن ، حينما يولد في ليل الفاتحة هلال جديد ، حين أدركنا أن ما تراه ليس حُلما يراود الملائكة .
أترى تلك الأعين العذراء خلفك ؟
كلها الساعة تُبصر بك .
.
.
يلتمع الهلال يا أخي ..
كسيف معقوف يهرب من غمده ، كبَرق يصعد من مواساة غيمتين . أنا غيمة عطشى و الأمهات نخلات كسيرات قرب النهر ، بأكف عطشى يحاولن غسل ثوب الليل ، علّ الصباح يعود يا أخي ، علّ وجهك يبقى .
884
مقيدون في صليب الحُب يا مريم
ضواحِكا ..يُصلب المُحبون .
مريم الأحزان أقبلي الساعة هنا ، لقد نضجت على جلودهم الحكاية ، و فتحت الطُرق المشتاقة أحضانها لهم ، هؤلاء الذين يُعدِّون خشب الصليب و الأوتاد ، تنزلق من شفاههم بسمة مُحيرة ..
كأن أعمارهم كلها شهقة واحدة .
ذلك الذي يرُى ، من شُرفة البياض ، عيناه تذوبان في التماع تَدلي التّمر ، يقدّم أطرافه مُغازلا الوتد الأخير ؛ قلبه مشكاة في الظل ، و دمه ماء الخُزامى .
تنامى السّر في صدره حتى فتق حِجاب البوح ، سيحكي التمّار الآن عن وله النخيل ، مِحراثة لغة ، و بذره تلاوة سائلة ، و صلاته مُنحنية على رُكبتيه .
إذن تُنصتين الآن يامريم ؟
لقد غامت الأمسية ، و المحبون يهيئون الخبز و الأقداح ، ضحكاتهم تملأ الدنيا .. و عويلهم أيضا ، كلهم يحملون الرّفش ، المطارق ، المشانق ، المسامير ، و خشبتين متعامدتين ،فوق مائدة عشائهم الأخير .
884
اكتمال
كفاهما
نخل سماوي
جُمعت خطوطهما لتصنع أقدارنا
و إذ ذاك
صارت عنادل السماء على غصون العرش تتبادل القصائد .
884
نشيد أخير للسدرة
في مدينتي
تندَلِعُ نذور الريح طويلا
يصبّ قدح السماء أقسامه المُبرمة على ثغر الأرض ..
فتصلي السدرة
لتنمو على أغصان الشجر - خاشعة ثيابنا السود.
رجل يطوي مسافة العُمر
في جيبه سلام طَري
يبحثُ عن صاحبه في وجوه صِبية الحَيّ
و حين تبدى
قال :
اقبِل .. أدبر
فافترت غضون الوجه عن بسمة المعرفة
و اهتزت أوراق السَّدرة
" هذه شمائل المحبوب "
تفور في المدينة ساعات ساخنة
تلسعُ العابرين
الآخذين بأطراف ثيابهم لِمسعى الخلاص
شموسُ المدينة..
تُنضج قلوبهم النيئة
تنشُر النساء القانطات حكاياتهن على حِبال السَهو
تجّف الآمال
تتيبس الأحلام في المنام ..
فيأتي المحبوب و يده غرسة أخرى
عيناه حمامتان
تَحُطان على غُصن حَيِيّ .
ستسحبه المُدن المُقنّعة
تتسوله الغُربة كَي يُوّطنها
في منفاه الذي يصعد فيه بخور الأسئلة ..
تُبادره المآذن و القباب و الصلبان اليانعة
تحتشد فوق تلال القرية الجديدة
أعين دهشة قديمة
يسأله السائل
ماذا عن ثمر شجرة الطوبى؟
و حينها تعكس حُلو ابتسامته مرايا السماء
و نفهم أن الثمرة قنديل ..
كلما قُطفت جذوتها نَدحت أخرى
لا تنقص..
مثله تماما !
لكن القنديل يخبو
بَردُ يوزّع أثره على أعطاف الرِّحلة
كلماته مُسلحة بالأمان
رَفشه فِلاحةُ الضوء في تُربة صدورهم .
يريد الآن أن يمضي
و حافر الذاكرة يَدك أرض المدينة.
هيا إذن ..
لقد أينعت الأثواب على غُصن السدرة
و ناحت على غصنيها حمائم عينيه .
884
زيتونة تنمو على سطح البيت
جالشاب الملقى على سطح البيت ، مغسول بندى عشب روحه ، ألمه انفجر كغُبار نجمي ، فتلبّس العَماء الأمكنة .
و نحن المسفوحون من العِلية ماذا نصنع ؟ و قد سابقنا أثرُ الطير .. و نبتت في طين اللحظة أرجلنا .
عيناه الآن مُعلقة في الفضاء الرّحب ، صلاة العالم في جيبه المزروع جهة الصدر ، خافتة كغبار نجم بعيد .
وحده هناك.. حين تستلقي و تُؤوب للعطر نافذة .
هواء يُسوّر الحَواف .
كم تمشي الصور بخفة الآن !
مدارات مُطرزة في السماء ، فوق صدره ميدان يستمر ببناء نفسه ، كل ذكرى لبنة ، مسافة ، سور ، مِدية، صوت ، حِس ، أسطُح متعرجة تستوي تحت جلد كفّيه .
تدور فصول السنة هناك ، بأيام ثلاث ، تتبدل و تسلخ الساعات جِلدها .
حياته كُعمر وردة موسمية ، لكنه في آخر الرحلة يُبيح للزيتونة اللاشرقية و لا غربية أن تُفصح عن نفسها .
.
.
و ماذا عنا الآن ؟
نحن المخفورون بقيد الوقت ، المتكثفون تحت زجاج المكان، الرابضون في سفح الرُؤية . كيف نُكابر هنا على وجع أعناقنا المرفوعة ، و أعيننا المغبشة ؟ و هذا المَعبر يفتح بابه في غُرفة الموت .
884
كَم شهقة تلزمنا ..
لتأويل عطر الورد ؟
حين هيّئنا صناديق العُمر لدهشة الميلاد .
.
.
تعرّشنا في حديث الطين
تضحك فيه مواسِم حصاد النجم
و نحن العُمّار الذين نجيد قِطاف الضوء
نسكن إليه
يُحيط بنا
يَفرِد جُعدة في الروح
و أقراصا من حِنطة أيدينا
لنَخُطّ حرف المعرفة على رُقعنا الطويلة .
.
.
يقولون أن الوردة ضحكة خَفرة للحور
أو عُلقة في تعامد ضريح
أو حُلم شاعر يفكّر كيف يبدأ قصيدة جديدة
أو أقصى أمل البستاني
الذي رَكن بعد التّعب رفشه
و زرع عينيه قرب شتلة الانتظار
يتبرعم شيء في صدره
إنه الشوق .
.
.
يا ربّ
إن الورد في أروقتي
يصحو على ضفة ماء المرايا
و أنا صورة مُحررة
جرّدها " القصدُ " من ملامح مُفتعلة..
أنا قاصد الحقل الآن
أطبع في المرآة هِلال الميلاد
أحمي ثقوب سِلالي الكثيرة
من نفاذِ الشعاع .
884
نَهرٌ يَذرعُ أُفقه
جِدار لا يُضيّق سِعة العِبارة
خُطاف يتمرد لتعليق السِّراج الأخير
وَقت يشتاق أن يَخمل .. أو يذوب
حُفنة خاملة من رائحة البَقاء
طريقٌ يعاوِد خَلق نفسه
يُسوِّر الآن أحلام الموتى
كي لا تهرب اليقظة من عيون الأحياء !
تُعدِّدُ الآفاقُ زُوّارها
القادمين أنهارا سماوية
أبناء الأم التي تقف الآن قُرب السِّدرة
و تقتَعِدُ أيضا صَدر المجلس
و في وقتها ذاته تُعد الضيافة للوافدين
" تعالوا إليّ "
تُشيرُ إليهم
تَدعمُ انحناءها بانتصاب سِيرتها
يبدون أنهارا تسيل إلى الأعلى
و تبدو كعينِ تنبعُ من السّماء .
الآن يحتفي بهما ضجيجُ الماء
في الطريق
مُرتبكة تعدو خُيولُ الفَراغ
يصمتُ ..
بعد أن دَمغ كلامه مِرارا في مَدرَس المدينة
في وَرق النّحاة
و رموز الكيماء
و في صوتِ السالكين طُرقا تُشبههم
توصلهم إلى بيتٍ لا يخافون فيه اغتراب المجهول
و لا اندلاع ريح الشّك في النوافذ.
884
بيتُنا هذا المساء تفتّحت جدرانه !
أريتَ الوردة حين تَتمطى بعد الرواء ، تمنح سِرها للمبصرين ، و عطرها لمن يفهم نواياه المضمرة .. بيتنا اليوم أمسى مفتوحا كوردة .
مرّت الساعات تَسحبُ جثثها ، و البيت يقشّر حواجزه : الباب و البيت و النوافذ و الشرفات ، تغصّ المساحات بالزوّار الذين أضحوا أشباحا منذ الفجر ، شفافين جدا ، بينما التصقت بوجهكَ أعينهم .
يراقبون و أُراقب .. بينما تترقب أنت منفذا آخر يَصبِرُ حتى تختبر الجسد الذي يودّع دقائقه الباقية .
أعرفُ كيف سكنتَ أنت جسدك ، كيف حملته أعواما طوال ، تؤثث عينيك بالسّهر على رعاياك، و جوفك بالجوع حتى يشبع بذر الأرض . و حتى تُعالج جِراح المعارك ، تقول للطبيب : أروض جرحي بوصل الصلاة ، فتخرج حينها من جراحك بلا ندوب .. لكن الندوب في قلبي أنا .
هذا المساء أشهده منذ ألف عام يا أبي ، فيه توّزع علينا إرث العائلة .
ها أنا الآن ، مغمورة بإرثي ، أغرق بحبات العرق الساكنة على جبينك . يستمر البيت الذي يمّد رقعته ، يشرّع المَغالق ، أفتح عينيّ على اتساعهما ، أرى طُرقا تتسع ، جسورا تمتد بلا مدى ، وجهك يصنع ابتسامته ، روحك تصنع عطرها ، أيادينا تدمغ في الجدران المسافرة وصمة السّفر .
884
صَباح الشوق يا قَدر اللقاء ..
همس الغياب بسمعكم :
يا صَفوتي .. اذهبوا و تحسسوا من روح يوسف
فإذا ما حملتكم الطّرق إلى مدينة الوِصال
فادخلوا والهين من باب واحد !
إنما الرزق رزقان
تطلبه و يطلبك
ففروا إلى رزق الحُب و اطلبوه ..
و شرّعوا نوافذ الأمل على عطر قميص المحبوب .
.
نُدبة
884
في حديقة قلبي مصبّ لحياة أخرى ..
فيها أنا طِفل جديد
يرسم في ورق الدهشة مراجيح الهواء
يُرتب صباحه مع ملاءات السرير
و فراغات الخزانات
ثم ينظر للدرّب المسوّر بالخُزامى
يحصي أثر عودة الأب .
.
.
الطفل في حديقة قلبي
يمدّ للنجمة ذراعا طويلة
يقدر أن يجرّ السماء لسقف غرفته
و يغمض عينيه على ملامح وجه الأب الذي يرعاه
أو أن يُمسك طرفا من ثوبه
أو ربما
أن يمضي في تمثّل لمسة عطره .
.
.
كُنتُ طِفلا أيها الأب ..
أو ربما دالية في الحديقة
جمعني الله بك في " الجُمعة "
حتى أُحسن بعد ذاك مناداتك
لأعرف ذاتي في مرآة صدرك
و حين أكبر
و أنزع من تراب الحديقة جذوري
تصير لي أقدام من طين
أمشي .. قريبا .. بعيدا ..
لكني لا أريد أن أنسى
كيف أركض سعيا إليك .
.
.
ندبة
884
من أوّل النرجس إلى آخر الأماكن المُهجّرة
أطلقتِ فَراش البشارة ..
أثر الصلاة وِرد على خَفق الأجنحة
و أنتِ المأسورة بالبَوح
تلوح في سُمرتكِ الضراعة
و في جَنبك اتساع لأطفال الكِتمان .
.
.
تدسّ الفراعنة لصوص أعينها
في ثقوب الهواء
و على عادة الأم
ألقيتِ على طفل الميلاد محبةً منكِ
و ليُصنعُ على عَين الغِياب .
.
.
ندبة
884
غربا .. يُسرجون الريح
الراكضون على سطح الأُفق
حُفاة تماما
يَغسلون وجوهم كل صباح
بندى الفكرة
و في الليل
يعلّقون أعينهم على صَبوة النجم
تركوا البيوت في المدينة
و تتبعوا النسيم من غَرب دِجلة
هناك على أثر المشيئة
تَتموّه ارتعاشات الأسقف الواطئة
يتوحش حِس القيد
كلمت تمنّعت عن بوحها كُوّة الجدار
و ضغطت على رئتيه الطوامير
يا لـهؤلاء
غرباء كمجرى النهر
حين تُسافر عنه نوارسه
كتبوا على العتمة رسائلهم
وقوفا أمام مكائد الجِسر
يتعرشون كدالية
أو أبناء أضاعوا كَف الأب
يصيحُ أكبرهم و أصغرهم معا
في لغة مسفوحة على شفة الميناء
يفتشون في صمتِ الجدار
في وهن المصابيح
في طَية الليل الأخيرة
في الفراغ
عن وجهِه المسافر للشروق
بينما
يبرعُ السجان في لَيِّ عُنق الأسئلة
الراكضون على جسد الجِسر
حفاة مثلي تماما
عُطاشى
يقولون :يارب..
نتعلّم كيف ننصت لرضى السماء
لكن كيف نقدر أن نشرب زجاج النهر المجروش ؟
أم كيف نُهادن الشوك
حين تذعر منه أقدام الطريق ؟
أضاعت أُمنا المنديل منذ زمن
حين تراوحت على عينيه زنزانة إثر أخرى
حين تُرك الباب مواربا
للغيلان التي تأكل من لحم قلبه
و تغصّ بحرير دمه
أضاعت أمنا المنديل
و كفّت الجارة عن خبز الحلوى
و ماتت في أكف الصغار الورود
فكيف
نلوّح للجنازة التي تظهر في غفلة المواعيد "
884
تركت قلبي في غَيمتيْك
يا طائر القمري ، أيها الصديق المهاجر .
بيتُك مُصلّاي و صدحك ترنيمي ، و الخيلُ الراكض في سهوب ظلّك عمري .
ألا ترتاح قليلا ؟ لتتنفس ثغور الأوطان و يقوم القديسون من موت الصّومعة ، فتصلي أعينهم للكمال .
على الموتى أن ينهضوا الآن ، من شقّ اللّيلك الرمادي ، من شجّ عميق في صدر الأرض ، من أنقاض الزلالزل ؛ ليقيموا أعراسَهم الكبرى خارج حدّ الصرخة ، في التباسات الحزن و الفرحِ بقبس يضيء مصابيح الملكوت .
مكوّمون في الأرحام الأولى ، عظامهم من خزف ، يؤاخون انتظارك ، فيما تتلوى الجبال على جنبات الطريق تَطلب نِصف يقظة من العالم الذي يرمقهم بعينين ماكرتين .
يا طائر القمري ، يحلمون الآن بريشة المُستحيل تُطَرّز في جلودهم ، بطواويس ملونة ، برائحة عشب ،بمَلمس الماء ، بهواء ، بمطر يعيد وجوهم التي سرقها غبارُ الأنقاض ، بكَ يا طائر القمري .. تهاجر بهم إلى عينيك .. إلى غُصنيك .
.
ندبة
884
إسمنت
كنا صِغارا أيها الشارع، لا نَذكر أحلامنا لكننا نَقتفيها ، في دهشتنا نتبع رفة جناح فراشة الأُنس ، نشعُرها كتنهيدة طَير يرتعش جذلا فوق غُصن يُبلله المَطر .
كُنا صِغارا مَرة .. يوما ما ..
نسحبُ من الراعي كِذبته الأخيرة ، و من سلة الساحرة تفاحها المسموم ، نُلقي بأحجارِ الصدق في زيف المرايا كي يَنعم صبيّ الحكايا بالرؤية الواضحة ، حتى نُبصر جيدا ..
كنا نبصُر كما يجب !
نسرَحُ بعدها مع صغار الحملان في القطيع ، في سهوب البصيرة ، أو نواكب ركضة غزلان الفلاة ، أو نُلقي بصنّارات صيَدنا في بحيرات ترقص فيها أسماك الأمنيات الذهبية ، نَنكشُ عُشب المفاجأة ، تستفزّنا صناديق هدايا الله ، نطير كغيوم مُتطلعة ، لها النظرة الطولى على عالم يلتمّ كل لحظة على ذاته .
أو ربما هربنا مِن ذئب رابض في المخيلة ، أو وحش يختبئ في درج الخزانة .
هربنا طويلا لننجو ، و حين التقطنا الأنفاسَ بعد ركضِ العُمر ، هزمتنا جُعدة أسفل العين ، أو شارع رمادي ينوّس ضوء أعمدة الإنارة .
من نحنُ أيها الشارع الصموت ؟ أنحن المُطلون عليك من الشبابيك خلف ستائرنا الشاحبة ؟ أم نحن الراكضون خلف فُتاتِنا المبعثر ؟ أم نحن النائمون في جَيب الوقت المُهرول ؟ أم نحنُ أشجارك المنتظمة على حوافّك ، صامدون كَوتد نصنع من جذوعنا فأس اليقظة ؟
884
إنصات :
أريد أن أركض معكِ ..
فكوني هنا ، في حديث الأُسرة الرّطب ، في مفاصِل الحكاية كلها ، آخر الواصلين و آخر الباقين و ذاكرة الحدث . كوني في أرتال الضوء الماشي على أهداب الإخوة ، و على الرف الأعلى في قلب الأب ، و خذي الكثير الكثير من تراث الأم ؛ عينها النابعة في الآبار ، صوتها الممشوق على الشجر ، مشيتها و وقوفها الذي يُشبه ثبات الجبل . غيرَ أنك وُلدت للركض ، من جبل إلى جبل ، و من تلّ إلى تلّ ، و أنا - اليوم - كطفل في حديقة حُلمية ، يُطلق من جيبه أسراب الفراش ، و يرسمُ سماء تُمطِرُ سلالِمَ . يُريد أن يُواكب ركض الدروب أسفل قدميكِ ، و يُنصتُ لِسرّ السّفر .
أريد أن أكتبكِ ..
كان عرشُه على الماء ، و كفاه معلقتان في الهواء ، كصارية إنقاذ وحيدة ـ و كضفتين ، أو ربما كنتِ الأرضَ بين الضفتين . النهر أحجيته الأكيدة ، النهر وطنه الأخير ، و أنت و الصحراء تمازجتما حتى استوطن بياضها الأبرص شعرك ، و عينيك .
و سال النسغ في جذرع الشجرة الطيبة .
فكوني هنا يا زينب ، في حديث الإخوة ..كوني هنا ، في قصص الجميع ، تركتِ قصتك لهم ، أو ربما كنت أنتِ في كل قصصهم سيدة الرواة ، الآن كلهم يستقبلونك ، ببياض مشع ، غير أنك الوحيدة التي ستحسنين مستقبلا تلوحية الوداع .
884
تُشرقُ في غروبهم ، و أنا بقلبٍ يتكوَّم فيه الشوق أراك !
أراك ، في طوفان استلابي ، في فُلك المجهول ، صانعا قدري على عَينيك ، أنادي حين خامر الحُبّ أغشية ضلوعي : أراك يا أرارات .. و ترسو السفينة .
أبرأُ دائما باسمك ، أولدُ رَويّا على ضفة أشجار اليقطين ، حيث لا كوكب يأفل و لا قمر يغيب و لا شمس تحتجب خلفَ ظُلمتي .
884
حاول أيها العالم أن تُنصت لتهويدة الشعراء
ذلك بياضٌ أبرص يُذيبُني ..
نقطة شفافة في طلاء الفَراغ
مَهوى
تُحنطني خيوط لا مرئية
تَشدُّني ..
يداي المعروقتان
عجوزتان منبوذتان
صامتتان في مهرجان الكلام الكبير
تتأسيان على شباب مهدور .
لذا ..
أسأل العالَم بصمتي
لماذا تُهمل لُغة البكائين ؟
شاء جَرحي أن أحزن في عالم يكره الحزانى
يُدين الضعفاء
يصرخ في وجوه المكسورين
" كونوا أقوياء ! "
و يبيع في السوق وجوها مدبوغة
بابتسامات متناسخة
مدفوعة الثمن .
لذا ..
يغسِل الشعراء الخائبون لَيلَهم
يعلّقونه على حبلٍ شُدّ بين آذان الوهم
لتجفّ كلُّ الأحلام
لكنّ لليل عيناً عنيدة
تذرف نجومها دمعا
يبلَل قَلقَ الحُلم من جديد .
أتدري أيها العالَم
أن القلقَ يقضِم الشاعر بأسنانه
كل قضمة تُحارب فيه
فناءَ الأشياء
قضمة بكلمة
بقصيدة
بآه
بدمعة
بسحابة
بمطر
بِدالية
بثمرة
و حين يتآكل الطين فيه
يجري..
كَماءٍ في نهر .
يُربي الشعراء أطفال نبوءتهم
يقسّمون ظِلالهم على أَسرّة الكتابة
على حكايات المساء
يمنحون لعجزهم حُضن التعاطف
يتجردون من قشرة القوة حين يقولون :
" يا أطفال الله
تخلصوا من أقنعتكم
و تحرروا من طوابيركم الآلية
من افتراض العبارات
من زيفكم "
مهلا
ياصمت العالم
يا ثرثرته
أتدري كم يبكي الشعراء حين يصمتون ؟
حين يكتبون ..
أو حين يموتون
و هم يحلمون بصلاة أخيرة
أو قصيدة
تُعاود بعث الحيواتِ الناصعة مرة أخرى.
884
رئة أو ضوء
عيناكَ ذاهبتان في شبّاك السماء
ترافقُ طالعَ النّجم
سِلميةٌ كل ثوراتك
لكنك تغضبُ حينما تُسحَلُ على تضاريسِ الدّرب جُثَثُ الحقيقة ..
كناسِك في غاره تستنشقُ البُشرى
عطرا في الأفق
أو طَلعَ وردة
تبتسمُ في حديقةِ أنبياء قُدامى
أو رائحة حُلمية
ترشُقكَ بها أنفاس زرعِ الوادي .
بنَفَسٍ طَويل ..
تتلصّصُ على البيوتِ من خِصاص التّرقب
" في أيِّها ..
يولد البدر من غمامِ الأمل ؟ "
ساكنةٌ خباياك
و فائرة
و مطمئنة
و حائرة
يعتكف حشدٌ من الحُبّ في دَمك
خوفٌ في حبور في ارتعاش في هَيام
مُرتجفا تُزمّل دَهشتك
فتَنشقُّ المرايا عن صورة الماء
تغسِلُ فيه تَيهك .
هيا أبصر إذن !
أتعبك الليلُ الأعشى ..
رَجرَجك
ظلام مُدبب
جرح قلبك و رُكبتيك و ذراعيك و أوتار صوتك
قدماك مشقوقتان
روحك مثقوبة تنزفها كلمّا تموهت العلامة
لكنّ الأذان ارتفع الآن
مع طلوع الشمسِ من جبين النبيّ الأخير
إذ دق ناقوس الميلاد
و تنفست في صدرك رئة جديدة .
تنفسّت رئة العالَم !
فُتحتْ نافذة العرش .
