خفايا المتون، وخبايا الحواشي
Open in Telegram
Show more
The country is not specifiedThe category is not specified
1 252
Subscribers
+524 hours
+137 days
+5830 days
Posts Archive
والنّفس خيلُ إبليسَ، فإنْ أعطِيَ لِجامَها أوقع بالمرءِ في المهالِك!
من أثر الشّعر في النفّوس:
قال أبو العبّاس: وقال أبو بكر بن عيّاش: نزلتْ بي مصيبةٌ أوجَعتْني، فذكرتُ قول ذي الرُّمّة:
لعلّ انحِدار الدَّمع يُعقِبُ راحةً
من الوجدِ، أو يشفِي نجيَّ البَلابلِ
فخلوتُ فبكيتُ فسلوتُ.
[الكامل للمبرّد]
العلمُ قد يُتوارث، بل وقد يُتداول، وأما الملكة والإدراك فلا وِراثةَ فيهما أصلا.
تتفاضلُ المجتمعاتُ بعضُها على بعض بصُمودِها وثباتها على قراءة المتون المضغوطة، والحواشي الصّلبة؛ وأمّا المجتمعاتُ التي تنسجُ علومَها من وحي الأحداث -فحسب- بحيث تزولُ بزوالها، وتبقى ببقائها = فهي مجتمعاتٌ دُونيّةٌ غيرُ مبتكِرةٍ. وبه قال الأوّلون والعلماء المُبدِعون!
https://youtu.be/vgQMpd7fnx0?si=dI0l8fjA0Qbqb3I0
سلسلة الاتصال العلميّ للأستاذ الدكتور مشاري بن سعد الشثري.
مِن نظمِ منذر بن سعيدٍ قولُه:
الموتُ حوضٌ وكلُّنا نرُد
لم ينجُ ممّا يخافه أحد
فلا تكُن مغرَمًا برزقِ غدٍ
فلستَ تدري بما يجيءُ غدُ
وخُذ من الدّهر ما أتاك به
ويسلم الرّوح منك والجسدُ
والخيرُ والشرُّ لا تُذِعه فما
في الناس إلا التشنيعُ والحسدُ
[نفح للطّيب للمقّري]
يظنُّ الغمرُ أن الكتْبَ تهدي
أخـــا فهمٍ لإدراك العلــــومِ
وما يدري الجهول بأنّ فيها
غوامضَ حيّرت عقلَ الفهيمِ
إذا رمتَ العلوم بغير شيـخٍ
ضللتَ عن الصّراط المستقيمِ
وتلتبس الأمورُ عليكَ حتّى
تكون أضلّ من توما الحكيمِ
[لأبي حيّان]
التأمّل الطويل في المتون: ممتعٌ للعقل، وخلّاقٌ للمعاني، وملهِمٌ للأفكار!
تراه خميصَ البطنِ والزّاد حاضرٌ
عتيدٌ ويغدُو في القميصِ المقدَّد
المعنى -كما ذكره المرزوقي-: ترى بطنه مُنطويًا والزّاد مُعدٌّ، لأنّه يُؤثِر به غيرَه على نفسه، ولأنّه لا نهمةَ ثمَّ، ولا حرصَ على عِمارة البدنِ، ولا على استِسراءِ الثّياب، فهو يغدو في القميصِ الممزَّق؛ إذ كان يبتذلُ بنفسه فيما كان يكسِبُه فخرًا وعُلوًّا.
قلتُ: ولمّا كانت تلك معاييرَهم في وصفِ الرّجال، وعليها انعقَدتْ نُعوتُهم، وفيها تأتَّتْ مُنافساتُهم = قادُوا العالمَ، وغيّروا مجرى التّاريخ بانتزاعِ مُلكِ الجبابرة، واستئصال عُروشِ الطّغاة، فكانت أسماؤهم لائحةً على جبين التّاريخ، والواحدُ فيهم معدودٌ بألفٍ!
وأما معايير اليوم فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبرِ! والله المستعان.
من لم تكن أوقاته المسائيّة مرتّبة لن يكون يومُه القادمُ حسنا.
[لقائله]
اعتناق الألم والالتحافُ باليأس:
بادئَ ذي بدءٍ فقد يكونُ الألمُ مُؤيِسًا للنفس، مُوجعًا للقلب، مُفضيًا إلى التّلف، مُلجئًا المرءَ إلى الاِتّزار بغيره. يُقيمه ثم لا يقعده، يطلُبُ مرّةً، ويُطلَبَ مرّاتٍ، يضطرُّه إلى سجالٍ مستمرٍّ وعِراكٍ طويلٍ حتّى يُنال منه، هذا، ولكن في جانبٍ آخرَ فالألمُ إفضالٌ يُتفضَّلُ به على طبقةِ الكتّاب والمُنشئين؛ فإنْ هم أُصِيبُوا بفَقد أصحابهم، واغترابِ قرائبِهم، أو فُجِعوا بتباعدِ خلّانهم، وتساقُطِ دُررِ عقدهم المنظوم = تراهم يتمَلمَلُون، ويضطرِبون، فيبحثُونَ عن منافِذَ للوُلُوج وللخُروج، ويطَؤُونَ الحَزنَ والسَّهلَ متمثّلين بقول القائل:
فاليومَ أَضحَوْا للمَنُونِ وسيقةً
من رائحٍ عجِـلٍ وآخَـرَ مُغـتدِ
ولكن سرُعان ما يكتشفُونَ زور تلك الطُّرق وزيفَها. ثم ماذا؟ يُسارِعُون إلى القلمِ؛ ليتآنسُوا به ويَتداوَوا به. ثم ماذا؟ تراهم يُبدعون، وما ذلك الإبداعُ إلا من وِلادِ رحم الألم، فيُبحِرُون بك في معانٍ نفسيّةٍ، وكأنّهم عن نفسك يتحدّثون، وعن معناك يُعبِّرونَ، ليس إلا لأجلِ أن الألم هو الذي استنطَقَهم، واستخرج منهم أحسنَ ما في مكنونهم ومكمُون نفسك؛ فيؤولُ الألمُ إلى الأمل، واليأسُ إلى الفرح!
استباقُ الكتابِ صاحبَه، وتفظيعُ شأن الكتابة:
"والكتابُ قد يَفضُل صاحبَه، ويتقدّم مؤلّفه، ويرتجِحُ قلمُه على لسانِه بأمورٍ: منها أنّ الكتاب يُقرأ بكلّ مكانٍ، ويَظهر ما فيه على كلّ لسانٍ، ويُوجَد مع كلّ زمانٍ، على تفاوُت ما بين الأعصار، وتباعُد ما بين الأمصار، وذلك أمرٌ يستحيلُ في واضعِ الكتاب، والمُنازعِ في المسألةِ والجواب"
[الحيوان للجاحظ]
على أنّ السّكاكيّ قد عزم على إملاءِ حواشٍ على كتابه لبسطِ ما أجمَله في مواضعَ قصدًا للاختصار؛ ولذلك قال في أوّله: «وها أنا مُمْلٍ حواشيَ جاريةً مجرى الشرح للمواضع المشكلة، مستكشِفةً عن لطائف المباحث المهملة، مطّلعة على مزيدِ تفاصيلَ في أماكنَ تمسُّ الحاجة إليها». وقال في آخر الكتاب: «فلنُؤثر ختْمَ الكلام حامدين الله تعالى ومصلّين على الأخيار، ونشمِّر الذّيلَ لإملاء حواشٍ عَرِيَ عن بعض فوائدها المتنُ لقصدِ الاختصار». وأحال في أثناء الكتاب غيرَ مرّة على هذه الحواشي، إلا أنّه لا يُوجد في كلامِ شُرَّاحِ كتابه ما هو مأخوذٌ من حواشيه، فالظاهرُ: أنّ هذه الحواشيَ لم يقع الشُّروعُ فيها، وذلك يدلنا على أنّه أتمَّ كتاب «المفتاح» في أواخر عمره، وأواخر خلافة النّاصر.
[جمهرة مقالات ورسائل الشّيخ الطاهر ابن عاشور]
الشّعر يكادُ يكونُ ترويضًا للنّفسِ على النُّبلِ والكرامة والُمروءة قبل أن يكون مدرسةً يُتعلّم منها التّصرُّفُ في الكلام، وليُّ بعضِه على بعضٍ. ومن أفضلِ علائمِه وأشرفِ مواطنِه: أنّك إذا أدَرْتَ نظرَك فيمن حولك وتفرَّست فيهم فمن لاقيتَه فطِنًا نبِهًا ذا نفسٍ شريفةٍ، وخلقٍ نبيلٍ فاعلَم: أنَّ مأتاه من مرتَعِ الشّعر، وأنّ ارتواءَه من معينِ الشّعر، وأنّ هذا التّهذيب المعنويَّ وهذا الثّقيفَ اللسّانيَّ إنّما جاءَ من صُلبِ الشِّعر ليسَ غيرُ.
ولولا خصالٌ سَنَّها الشِّعر ما درى
بغاةُ العُلا: من أين تُؤتَى المكارمُ؟!
قال عمرو بن العاص لدِهقانِ نهرِِ تِيرَى: بِمَ ينبُلُ الرّجلُ عندكم؟ فقال: بتركِ الكَذِب؛ فإنّه لا يشرّف إلّا من يُوثَقُ بقوله، وبقيامه بأمرِ أهله؛ فإنّه لا ينبُلُ من يحتاج أهله إلى غيره، وبمُجانَبةِ الرِّيَب؛ فإنّه لا يعزّ من لا يُؤمَن ألّا يصادَفَ على سوأةٍ، وبالقيامِ بحاجاتِ الناس؛ فإنه من رُجِي الفرَجُ لديه كثرتْ غاشيتُه.
[الكامل للمبرّد]
المقّري في تعريفِه بأبي المطرّف المخزومي:
ومال إلى الأدبِ فعُدَّ فيها من مجيدي النّظم،
فأمّا الكتابةُ فهو فارسُها الذي لا يُجارى، وصاحبُ عينها الذي لا يُبارى، وله وعظٌ على طريقة ابن الجوزي، ورسائلُ خاطب بها الملوكَ وغيرَهم من الموحّدين والحفصيين، وله تأليفٌ في كائنة ميورقة وتغلُّب الرّوم عليها نحا في الخبر عنها منحى الإمام الأصبهاني في الفتح القدسي، وله كتابٌ تعقّب فيه على الفخر الرّازي في كتاب «المعالم»، وله كتاب ردّ به على كمال الدين الأنصاري في كتابه المسمى (بالتبيان، في علم البيان، المطلع على إعجاز القرآن » وسماه «بالتنبيهات ، على ما في البيان من التمويهات».
[نفح الطيب للمقّري]
من شعر حسّانِ بن ثابتٌ رضي الله عنه:
تَغَنَّ فِي كُلِّ شِعْرٍ أَنْتَ قَائِلُهُ
إِنَّ الغِنَاءَ لهِذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ
قال العلّامة الطّاهر ابن عاشور:
ساق -المرزوقي- بيتَ حسّانٍ؛ حجَّةً على: أنّ ميزان الشّعر من نوع الموسيقى، فأوزانُ الشّعر وضروبُه تتفاضل بمقدار شدة تناسبِ الحركات والسكنات، كما هو شأنُ الموسيقى. فحسّان يُرشد الشّاعرَ إلى اختبار استقامةِ ميزانه، بأنْ يُنشد أبياتَه بالتّرنُّم كالغناء، ليستبينَ له مستقيمُ الوزن. فإنّه إذا أنشده فلم يتعثّرْ لسانُه في تساوي أجزائه، علِم استقامتَها، وإلّا شعَرَ باختلالٍ فأصلحه بمقدارِ ما تحصل به المساواة. وذلك أنّهم لم تكُنْ عندهم قواعدُ العروض، وإنّما كانوا يُدركون الميزانَ بالسليقة.
[شرح المقدّمة الأدبيّة للطّاهر ابن عاشور]
«ولعلّ ما يتميّزُ به شرحُ المرزوقي، هو تلك المقدّمة النّقديّة الطّويلة التي تناولتْ قضايا فنّ القول من شعرٍ ونثرٍ في نطاق أحكامٍ نقديّة بارعةٍ غيرَ مغفِلٍ الحديثَ عن أبي تمّام الشاعر، متحدّثًا عن عمود الشّعر عند العرب معرّفًا به مبيّنًا عناصرَه ضاربًا المثلَ إثرَ المثل، الأمرُ الذي يجعل قارئ شرحِ المرزوقي يُرزَق فائدتين ويَخرج بحصيلتين: فائدة المقدّمة، وحصيلة النصّ والشّرح.
