كُنَّاشة من دروس السيد المددي
Open in Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
712
Subscribers
+124 hours
+377 days
+4030 days
Posts Archive
#اختلاف_البيئة_الحديثية_بين_الكوفة_وقم_وبغداد
إن البيئة العلمية في قم تختلف عن البيئة في الكوفة. فقد كان من الممكن أن يحضر في الكوفة ألف شخص مجلسًا للإمام (عليه السلام) في المدينة المنورة، ويسمعوا منه حديثًا، إلا أن خمسمائة منهم فقط كانوا يدوّنون ذلك الحديث. ومن هنا كانت اختلافات النسخ أمرًا طبيعيًا، مما استدعى البحث والمقارنة بينها.
غير أن التراث الحديثي الذي وصل إلى قم لم يكن جميع تراث الكوفة، بل وصل جزء محدد منه فقط.
وقد أعددنا قائمة بأسماء الأشخاص الذين نقلوا الكتب والحديث من الكوفة إلى قم. فمثلًا، قد يكون إبراهيم بن هاشم قد حمل نحو خمسين نسخة، بينما حمل أحمد الأشعري نحو ثلاثين نسخة، وهكذا.
ولهذا السبب، فإن الأوساط العلمية في قم وبغداد ـ لعدم مواجهتها كثرة اختلاف النسخ الموجودة في الكوفة ـ اتجهت تدريجيًا إلى الاعتماد على الشواهد والقرائن في تقويم الروايات.
ومن هنا كان ابن الوليد يرى ـ اعتمادًا على القرائن والمقابلة بين النسخ ـ أن كتب يونس إذا انفرد محمد بن عيسى بروايتها، فإنها لا تكون مقبولة.
بينما نجد أن الكليني في كتاب الكافي أكثر من الرواية عن يونس من طريق محمد بن عيسى.
#السيد_أحمد_المددي
#المنهج_الفهرستي
#الكوفة
#قم
#بغداد
#إبراهيم_بن_هاشم
#محمد_بن_عيسى
#ابن_الوليد
#الكافي
#الدراسات_الحديثية
تتمة في المنهج الفهرستي وتطبيقه على موسى بن عمر
لقد قُبلت هذه الرواية أيضًا في سائر التراث الحديثي القمي، كـ الكافي ومن لا يحضره الفقيه.
أما فكرة اشتراط التوثيق الرجالي لقبول الرواية، فهي الطريقة المتعارفة في علم الرجال؛ إذ نشأت أولًا عند أهل السنة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى أصحابنا الإمامية.
وأما نحن فقد أطلقنا على منهج المتقدمين اسم المنهج الفهرستي أو التحليل الفهرستي؛ أي إن الاعتماد يكون على دراسة النسخ والكتب ومسار انتقالها، لا على مجرد توثيق كل راوٍ على حدة.
وعلى هذا الأساس، فإن نسخ موسى بن عمر كانت موضع اعتماد؛ لأن طرفي سلسلة النقل من كبار الأعلام، مما يمنح هذه النسخ درجة عالية من الوثوق.
ويبقى بحث آخر، وهو تشخيص المراد من موسى بن عمر، وهو أمر لا يخلو من صعوبة.
فقد ورد في الكتب الأربعة ـ فضلًا عما في غيرها من المصادر ـ عدد من الروايات التي جاء فيها اسم «موسى بن عمر» مطلقًا، من دون تعيين. وبما أن الروايات الأخرى التي عُيّن فيها اسمه يكون طرفا السند فيها من كبار الأصحاب، والأمر نفسه موجود في هذه الموارد أيضًا، فإن احتمال كون المراد من «موسى بن عمر» الوارد مطلقًا هو هذا الشخص بعينه احتمال قوي جدًا، بل فوق العادة.
#السيد_أحمد_المددي
#علم_الرجال
#المنهج_الفهرستي
#موسى_بن_عمر
#الدراسات_الحديثية
وفي محل البحث، فإن موسى بن عمر كان من نقلة تراث الكوفة إلى قم، كما أن ابن الوليد لم يستثنه من رجال نوادر الحكمة، ولذلك فهو عندنا شخص يعتمد عليه وفق المبنى الفهرستي.
#السيد_أحمد_المددي
#علم_الرجال
#المنهج_الفهرستي
#موسى_بن_عمر
#السكوني
#النوفلي
#إبراهيم_بن_هاشم
#الوحيد_البهبهاني
#العلامة_الحلي
#تاريخ_المباحث_الرجالية وتطبيقها على محلّ البحث
بدأت المباحث الرجالية بالظهور ما بين سنتي 145–150هـ، وكان أول ما طُرح فيها هو البحث عن العدالة والوثاقة، ثم أضيفت إليها مباحث أخرى، مثل تمييز الرواة المشتركين في الاسم، وغير ذلك من المسائل التي بيّناها في مواضع أخرى.
ويُطلق اسم موسى بن عمر في مصادرنا على شخصين:
موسى بن عمر بن بزيع.
موسى بن عمر بن يزيد.
وقد وثّق النجاشي الأول، ولم يوثّق الثاني.
وهنا يوجد بحثان:
1. من هو المراد من هذين الشخصين؟
2. وهل هو ثقة أم لا؟
ثم ظهر بحث ثالث عند أهل السنة، وانتقل بعد ذلك إلى الإمامية، وهو البحث عن قبول الرواية بمعزل عن توثيق الرواة، وقد تبنّى الأخباريون هذا الاتجاه وواصلوا تطويره.
ثم جاء العلامة الحلي في القرن الثامن الهجري، فطرح مباحث خبر العدل وتقسيم الحديث إلى الصحيح والموثّق والحسن وغيرها، وطبّق ذلك عمليًا، فألّف في علم الرجال لتمييز هذه الأقسام. إلا أنهم واجهوا بعد ذلك مشكلات، منها جهالة موسى بن عمر في بعض الأسانيد، مما يؤدي ـ بحسب المبنى الرجالي ـ إلى ضعف الحديث.
أما الأخباريون فقالوا: قد لا نثبت وثاقة موسى بن عمر، لكننا نقبل روايته اعتمادًا على الكتب المشهورة أو عمل الأصحاب ونحو ذلك.
وبعد المدرسة الأخبارية، افتتح الوحيد البهبهاني منهجًا جديدًا، وهو إقامة قرائن جديدة لإثبات وثاقة الرواة، وعدم الاقتصار على المصادر الرجالية الأولى (المعروفة عندهم بالأصول الرجالية الخمسة، مضافًا إليها رجال البرقي، وفهرست أبي غالب، ورجال العلامة)، لأن هناك طرقًا أخرى يمكن من خلالها إثبات الوثاقة.
ومن تلك الطرق عنده: عدم استثناء الراوي من كتاب "نوادر الحكمة". ففي مثل المقام قال: بما أن محمد بن أحمد روى عنه، وابن الوليد لم يستثنه من رجال نوادر الحكمة، فهو ثقة. وهذا بحث رجالي يثبت وثاقته على نحو الإطلاق، حتى في غير روايات نوادر الحكمة.
وبعد الوحيد، توسع المتأخرون في إيجاد قرائن عامة لتوثيق الرواة، ومن أهمها:
كثرة روايات الراوي.
رواية الأجلاء عنه.
وهذان الطريقان ـ في الجملة ـ طريقان جيدان.
غير أن هذا كله يختلف عن مبنى قبول الرواية الذي تبناه الأخباريون.
أما نحن فقد سلكنا طريقًا آخر، وهو التوثيق الفهرستي؛ إذ إن الشواهد تدل على أن موسى بن عمر كان له دور مهم في نقل تراث الكوفة إلى قم، فرواة كتبه هم كبار علماء قم، مثل محمد بن أحمد وسعد بن عبد الله، ومشايخه من كبار علماء الكوفة، مثل الحجّال وابن فضال الأب وغيرهما.
وقد ورد في بعض الأسانيد عنوان «موسى بن عمر بن يزيد البصري» أو «موسى بن عمر البصري»، مما قد يدل على أنه بصري. فإذا روى رواية يكون طرفا السند فيها بصريين، فبحسب مبنانا لا يلزم أن تكون حجة، لأن طرفي السند ليسا من أعلام أصحابنا.
ومن وظائف المنهج الفهرستي أيضًا دراسة النسخ، إلا أن علم النسخ ليس هو المنهج الفهرستي نفسه.
فمثلًا: قد لا تثبت وثاقة النوفلي رجاليًا، ومع ذلك تُقبل روايته عن السكوني؛ لأن أصحابنا اعتمدوا نسخة النوفلي لكتاب السكوني. وهذا ليس توثيقًا مطلقًا للنوفلي، ولا قبولًا لكل رواياته، وإنما هو قبول له في حدود نقله لكتاب السكوني.
وهذا هو المراد بـ التوثيق الفهرستي؛ فهو ليس توثيقًا رجاليًا عامًا، ولا اعتمادًا على مجرد عمل الأصحاب، وإنما هو توثيق محدود بجهة معينة، فلا تثبت وثاقة الشخص على الإطلاق، بل في خصوص هذا المورد.
أما إذا كان الملاك هو عمل الأصحاب، فلا يُقبل إلا المقدار الذي ثبت عملهم به من روايات السكوني؛ لأن النسبة بين عمل الأصحاب وبين روايات السكوني هي العموم والخصوص من وجه، فيقتصر على القدر المتيقن. وهذا هو مبنى جبر ضعف السند بعمل الأصحاب الذي تبناه بعض المتأخرين بعد العلامة الحلي.
ومن المباحث الفهرستية أيضًا أن روايات السكوني تمتاز بتعابير خاصة، ونادرًا ما تتطابق ألفاظها مع روايات أصحابنا.
وأهم من روى عن السكوني هو النوفلي، وإن كان غيره قد روى عنه أيضًا، ولكن بقلة. وأهم من روى عن النوفلي هو إبراهيم بن هاشم، ثم اشتهر كتاب السكوني بعد إبراهيم، فنقله كبار المحدثين، مثل الصفار وغيره، كما أن بعضهم عبّر عن إبراهيم بن هاشم في هذا الطريق بكنيته: أبي إسحاق.
ويُعد المحقق الحلي أول من حاول أن يستخرج من كلام الشيخ الطوسي في شأن السكوني توثيقًا رجاليًا، ثم تبعه كثير من العلماء. ويبدو أن الشيخ التستري أول من اعترض على هذا الفهم، مبينًا أن كلام الشيخ لا يدل على التوثيق، لكنه لم يشرح وجه الإشكال.
وقد أوضحنا أن المحقق الحلي ـ مع جلالة قدره ـ نقل كلام الشيخ في كتاب "العدة" على غير وجهه، وأن عبارة الشيخ هناك تدل على معنى آخر، لا على التوثيق الرجالي.
وعليه، فقد نقبل السكوني قبولًا فهرستيًا، أي في حدود روايات كتابه، ولا نعمم ذلك إلى سائر رواياته الخارجة عن الكتاب. فهذا ليس توثيقًا رجاليًا عامًا، ولا مجرد اعتماد على عمل الأصحاب، وإنما هو منهج وسط بين الأمرين.
ملاحظات رجالية للأستاذ المددي
#الفرق_بين_المبنى_الرجالي_والمبنى_الفهرستي في النتيجة
قد تكون الرواية معتبرة وفق المبنى الرجالي، لكنها غير مقبولة وفق المبنى الفهرستي، والعكس صحيح.
وبيان ذلك: إن لدينا عددًا من الروايات في كتاب الكافي (وفي التهذيب أيضًا، ولكن بعدد أقل) تتكرر فيها عين هذه السلسلة السندية:
> الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث، عن إسحاق بن عمّار.
وجميع هذه الروايات يروي فيها الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه وآبائه (عليهم السلام)، لتنتهي في آخر السند إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وربما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن كنت لا أتذكر الآن رواية انتهت إلى النبي (صلى الله عليه وآله).
ولدينا مئات الروايات عن إسحاق بن عمّار، وهو من أجلّ الرواة، ولم تُروَ أيٌّ منها بهذه الكيفية. وما توهّمه بعضهم من وجود إسحاقيْن بن عمّار إنما نشأ من عبارة للشيخ الطوسي، والصحيح عندنا أنه ليس إلا إسحاق بن عمّار واحد، وهو هذا الراوي الجليل.
والظاهر أن غياث بن كلوب كان يروي نسخةً عن إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، تشبه ما نجده في بعض أسانيد أهل السنة، كروايات السكوني: عن آبائه، عن علي (عليه السلام).
ولما كان في هذه الروايات التعبير: «عن أبيه، عن آبائه» حتى ينتهي السند إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنهم يسمونها الحديث المسند، وهذا اصطلاح مأخوذ من أهل السنة. أما إذا روى عن الإمام مباشرةً فيقال: «روى عنه»، وإذا لقي الإمام ولم يروِ عنه فيقال: «لقيه».
والروايات الواردة بهذا السند (غياث، عن إسحاق) لا تبلغ عشرين رواية، ونحن نعدّها مشكلة؛ لأن هذا الأسلوب لا ينسجم مع الطريقة المعهودة في روايات إسحاق بن عمّار.
وقد احتملنا أن يكون إسحاق قد دوّن مجموعةً من الأحاديث المسندة، وسلّمها إلى هذا الراوي العامي (لأجل التأليف أو لسبب آخر)، ولا سيما أن إسحاق كانت له مكانة اجتماعية أيضًا.
ويبدو أن إسحاق لم يُعطِ هذه المجموعة لكبار أصحابنا، ولكن الحسن بن موسى الخشّاب أخذها عن غياث بن كلوب، وكان الحسن من كبار مشايخ الكوفة عند الإمامية، فشاعت هذه الروايات بين أصحابنا. ثم أخذ الصفّار، وسعد، وغيرهما هذه الأحاديث عنه أثناء أسفارهم إلى الكوفة، فدخلت في مصادر الحديث الإمامية.
وعلى هذا، فإن المنهج الفهرستي ينظر إلى البنية التركيبية للسند والرواية، لا إلى وثاقة كل راوٍ على حدة.
ومن هنا قد نردّ روايةً صحيحةً بحسب المبنى الرجالي اعتمادًا على المبنى الفهرستي، كما في هذا المثال، وقد نقبل روايةً لا تستوفي شروط المبنى الرجالي وفق المنهج الفهرستي، كما في روايات حفص بن غياث.
#السيد_أحمد_المددي
#علم_الرجال
#المنهج_الفهرستي
#الحديث
#إسحاق_بن_عمار
#غياث_بن_كلوب
#حفص_بن_غياث
🔴 مستثنيات نوادر الحكمة
يُعدّ كتاب نوادر الحكمة من الكتب التي تقع ـ من حيث الصحة والاعتبار ـ في الدرجة الثانية أو الثالثة، وهو لا يخلو من إشكالات. ومع ذلك، يبرز سؤال مهم: لماذا روى الكليني عنه كما روى عن غيره؟ وهنا تظهر ثمرة المباحث الفهرستية؛ إذ إنها تقدم تفسيراً مؤثراً في كثير من الموارد.
كان نوادر الحكمة كتاباً كبيراً، يضم ـ على ما يبدو ـ نحو 2500 إلى 3000 حديث، وقد اشتمل على قدر من الاختلاط. أما مؤلفه فهو في نفسه ثقة، إلا أنه «لا يبالي عمّن أخذ».¹
ولهذا قام بعض علماء قم بتنقيح هذا الكتاب، وهو العمل الذي اشتهر فيما بعد باسم «مستثنيات نوادر الحكمة». ومن أبرز من اضطلع بهذا العمل ابن الوليد (ت 343هـ)، الذي كان معاصراً تقريباً للشيخ الكليني (ت 328 أو 329هـ)، وكان ـ مثله ـ من كبار المحدثين، ذا أثر بالغ، وصاحب مدرسة حديثية متميزة.
ولم يصلنا من آثار ابن الوليد إلا القليل، غير أن هذا القليل يكشف عن علو منزلته وعظيم شأنه. وقد أثنى عليه النجاشي بقوله:
> «محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، أبو جعفر، شيخ القميين، وفقيههم، ومتقدمهم، ووجههم... ثقة، ثقة، عين، مسكون إليه.»²
وكان الشيخ الصدوق من تلامذته، وتأثر به تأثراً كبيراً، بخلاف الكليني، الذي لم يظهر تأثره بمنهجه.
وقد قام ابن الوليد بتنقيح كتاب نوادر الحكمة، فقال: الكتاب جيد، إلا هذه الروايات. ولم يكن مقصوده فحص جميع أسانيد الكتاب، وإنما كان ينظر إلى مشايخ المؤلف الواقعين في أول السند، فاستثنى نحو 21 أو 22 مورداً ـ لاختلاف يسير بين الشيخ الطوسي والنجاشي في العدد ـ، ومن ذلك ما رواه عن سهل بن زياد، أو وهب بن منبه، أو محمد بن علي الصيرفي (أبي سمينة)، وغيرهم. وقد اشتهرت هذه الموارد باسم «مستثنيات نوادر الحكمة».
ويذكر النجاشي أن هذا الاستثناء عُرف في بغداد، وأن العلماء هناك قبلوا منهج ابن الوليد، إلا في مورد محمد بن عيسى بن عبيد، حيث خالفوه فيه.³ والإنصاف أن الأمر كذلك.
ومن هنا، فإن نظر ابن الوليد لا يتناول جميع السند، سواء أكان ما بعد ذلك مرسلاً ـ كما في بعض نسخ الكافي ـ أم متصلاً ـ كما في أسانيد التهذيب. كما أن استثناءه قضية خارجية لا قضية حقيقية؛ فكأنه شطب بعض الأسانيد الموجودة في الكتاب، ولم يضع قاعدة عامة في الرجال.
وفي الكافي عدد من الروايات المنقولة عن نوادر الحكمة بأسانيد ضعيفة، وقد تحيّر علماؤنا في سبب إيراد الكليني لها، مع أن ظاهر الحال يقتضي تنبّهه إلى ضعفها. إلا أن الظاهر أن حجية الخبر عند القميين كانت قائمة على تلقي الرواية عن المشايخ ونحو ذلك، لا على الحجية التعبدية المجردة. ومن ثم، فإن ما لم يستثنه ابن الوليد من روايات الكتاب كان يُعد مقبولاً إجمالاً.
وعليه، فإن استثناء ابن الوليد لا يعني توثيق رجال السند أو تضعيفهم، وإنما هو استثناء للرواية نفسها، وينصرف إلى مشايخ المؤلف خاصة.
ولهذا البحث فوائد كثيرة، إذ يسهم في حل كثير من المشكلات الحديثية، ولا سيما فيما يتعلق بمنهج الكليني، وهي نكتة لم يلتفت إليها حتى كبار المتخصصين في علم الرجال. ومن أمثلة ذلك أن روايات علي بن إسماعيل ليست داخلة في هذه المستثنيات.
وعلى هذا الأساس، فإن سرّ قبول الكليني لهذه الروايات يرجع إلى اعتماده مبنى ابن الوليد السائد في مدرسة قم. وأما الشيخ الصدوق، فمن المقطوع به أن قبوله لها كان نتيجة عدم استثناء أستاذه ابن الوليد لها. كما أن بعض علماء بغداد تلقّوا هذا المنهج الفني، وقبلوا هذا النوع من الكلام الذي قرره ابن الوليد.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
المنهج الحديثي لصاحب دعائم الإسلام
يُعدّ كتاب دعائم الإسلام الكتاب الفقهي المعتمد لدى الإسماعيلية، ولا يزال إلى اليوم يمثل مرجعهم الفقهي الأساسي.
ويقع مؤلفه، صاحب دعائم الإسلام (ت 363هـ)، من حيث الطبقة الزمنية بين الشيخ الكليني (ت 329هـ) والشيخ الصدوق (ت 381هـ)؛ إذ عاش بعد الكليني بنحو ثلاثين سنة، وقبل الصدوق بنحو عشرين سنة، كما يسبق الشيخ الطوسي بنحو مئة سنة، مما يمنح كتابه أهمية خاصة بالنسبة إلينا.
وكان المؤلف مقيماً في مصر، ومن المؤكد أنه لم تكن له صلة مباشرة بالحوزات العلمية الإمامية؛ إذ لم يُنقل أنه روى الحديث عن أحد من مشايخنا.
وقد احتملنا ـ لأول مرة ـ أن صاحب دعائم الإسلام لم يكن ملتزماً بقواعد التحديث؛ لأن الشواهد تدل على أنه كان في مصر معاصراً لشخص يُدعى محمد بن الأشعث، وكان مقتضى القواعد أن يروي عنه مباشرة، إلا أنه يقول في شأنه: «في الكتب الجعفرية من رواية علي بن محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي».³
ومن المؤكد أن مصادر أصحابنا كانت متوافرة لدى صاحب دعائم الإسلام، إلا أن الراجح جداً أنها كانت في حوزته بطريق الوجادة، لا بطريق التحديث وفق قواعده المعروفة؛ أي إنه لم يكن يسير في خط التحديث التقليدي، وإنما اتبع المنهج نفسه الذي نسلكه اليوم في التعامل مع المصادر المكتوبة، وقد سبقنا إليه قبل نحو ألف سنة.
ومن النقاط المهمة أيضاً أن الشيخ الطوسي ألّف كتاب الاستبصار للجمع بين الأخبار المتعارضة، وقد سبقه صاحب دعائم الإسلام إلى منهج مشابه في رسالة أسماها الإيضاح، وإن كانت هذه الرسالة قد وصلت إلينا ناقصة.
فقد انتهج صاحب دعائم الإسلام، قبل الشيخ الطوسي بما يقرب من مئة سنة، منهج «الجمع مهما أمكن» في معالجة الأخبار المتعارضة. ومن هذه الجهة يُعد كتاب دعائم الإسلام ذا قيمة علمية كبيرة، فضلاً عن امتلاكه مزايا أخرى أشرنا إليها في مواضعها.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
كتاب الجعفريات
ظهر كتاب الجعفريات وانتشر في منتصف القرن الرابع الهجري في مصر. ونعتقد أن الجعفريات هو نفسه كتاب السكوني، غير أنه رُوي بسند واحد عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ووصل ضمن التراث المصري.
وقد حذف أصحابنا في قم قسماً من كتاب السكوني، إلا أن بعض تلك المقاطع المحذوفة بقي محفوظاً في كتاب الأشعثيات (الجعفريات) أو في كتاب دعائم الإسلام.
وأول من أدخل كتاب الجعفريات إلى الوسط الشيعي ـ بصورة غير رسمية ـ هو السيد أبو الرضا فضل الله الراوندي (ت 570هـ)، حيث أورده بعنوان «النوادر». وهذه النسخة هي نفسها الجعفريات برواية شهد الروياني. أما عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، فهو من علماء أهل السنة، وقد اغتيل على يد الإسماعيلية، الذين كان يُطلق عليهم آنذاك اسم «الملاحدة».
ومع ذلك، لم يحظ هذا الكتاب بشهرة واسعة في الحوزات العلمية الشيعية، ولم يكن وضعه أفضل من نسخة الجعفريات الأخرى؛ ولذلك لم ينقل عنه علماء كبار، مثل العلامة الحلي، والشهيد الأول، والشهيد الثاني، وصاحب المدارك في مؤلفاتهم.
وفي القرن الثالث عشر الهجري، جُلِبت نسخة من كتاب الجعفريات من الهند، فنقل عنها المحدث النوري في كتاب المستدرك. وبهذا دخل الكتاب لأول مرة إلى المصنفات الحديثية الإمامية، ثم أخذت الرواية عنه تنتشر تدريجياً في الكتب الفقهية؛ فمثلاً نقل عنه صاحب الجواهر في كتاب جواهر الكلام.
ثم قام السيد البروجردي بطباعته لأول مرة، وبذلك دخل الكتاب رسمياً إلى التراث الإمامي، وأُدرج بعد ذلك في جامع أحاديث الشيعة وغيره من المصنفات.
كما نقل عنه السيد الخوئي، واعتمد في ذلك على ما أورده المستدرك. وقد كان يرى في البداية صحة سند الجعفريات، ثم تراجع لاحقاً عن قبول بعض أسانيده. كما ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى اعتبار سند كتاب الجعفريات، إلا أن هذا الرأي ـ بحسب المؤلف ـ غير صحيح.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
4. الخصائص الأسلوبية لروايات السكوني
بغضّ النظر عن الجوانب التاريخية، وشخصية السكوني، ومسألة وثاقته أو عدمها، فإن رواياته تمتاز بأسلوب تعبيري وصيغ خاصة لا نجدها في غيرها. وهذه ملاحظة جديرة بالتأمل؛ إذ من المستبعد أن يكون الإمام الصادق عليه السلام قد اختص السكوني وحده بمثل هذه التعابير.
فمن ذلك ما ورد في باب صلاة المسافر:
«سَبْعَةٌ ـ أو سِتَّةٌ، على اختلاف النسخ ـ لا يَقْصُرُونَ الصَّلاةَ».¹
فإن العدد الوارد فيها، سواء كان «سبعة» أو «ستة»، انفرد به هذا الكتاب، بينما ورد في رواية زرارة: «أَرْبَعَةٌ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّمَامُ فِي السَّفَرِ كَانُوا أَوِ الْحَضَرِ».²
وكذلك رواية «أَنْهَاكُمْ عَنِ الزَّفِنِ»، فهي أيضاً من منفردات السكوني؛ أي إن الإمام عليه السلام لم ينقل هذا التعبير إلا للسكوني، ولم ينقله إلى غيره، ومن البعيد جداً أن يكون الإمام قد ابتدأ بإلقاء مثل هذه المضامين إليه وحده.
ومع ذلك، فإن نظائر كثير من روايات السكوني موجودة في روايات أهل السنة.
أما أهل السنة، فإنهم متفقون على اتهام السكوني بالكذب، ولم يروِ له أصحاب الصحاح الستة إلا حديثاً واحداً أخرجه ابن ماجه في سننه.
وعليه، فلو قلنا ـ كما يقول أهل السنة ـ إن السكوني كان يكذب في رواياته، لارتفع عنا عبء البحث والتحقيق في أمرها. أما إذا افترضنا صدقه، فمن المحتمل أنه عرض على الإمام الصادق عليه السلام مجموعةً من الروايات المتداولة عند العامة، فأقرّها الإمام عليه السلام على نحو الإجمال.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
4. خلاصة الأقوال في السكوني ورواياته
إجمالاً، توجد ثلاثة آراء رئيسة في علم الرجال بشأن السكوني:
1. قبول رواياته والعمل بها.
وأصحاب هذا الرأي على عدة اتجاهات:
فمنهم من قبل روايات السكوني اعتماداً على عبارة الشيخ الطوسي في كتاب العدة، وقد تقدم توضيح المراد منها.
ومنهم من يرى أنه حتى لو لم تثبت وثاقة السكوني، فإن عمل قدماء الأصحاب برواياته ثابت، وهو كافٍ للاعتماد عليها.
ومنهم من يقول: إن كل رواية نقلها الأصحاب، كالكليني، عن السكوني، فهي مقبولة عملياً.
أما السيد الخوئي، فمبناه يقوم على توثيق السكوني لوروده في كل من كامل الزيارات وتفسير القمي، ولذلك يرى أن روايات السكوني، سواء أكانت من طريق النوفلي أم من طريق عبد الله بن المغيرة، معتبرة.
2. عدم العمل برواياته.
وذلك لأن السكوني لم تثبت وثاقته، فهو مجهول الحال.
3. التفصيل بين طرق رواياته.
فحتى مع فرض ثبوت وثاقة السكوني، فإن وثاقة حسين بن يزيد النوفلي، راوي كتابه، غير ثابتة، بل قد ورد فيه تضعيف. ولذلك تُقبل روايات السكوني إذا جاءت من غير طريق النوفلي، كطريق عبد الله بن المغيرة.
ولو جُمعت جميع روايات السكوني، لتكوَّن منها كتاب يضم نحو 2500 إلى 3000 حديث، يزيد أكثر من 90% منها على ما رواه النوفلي، في حين أن أقل من 10% منها مروي عن طريق عبد الله بن المغيرة، وهو من أصحاب الإجماع.
وقد قال القائلون بقبول السكوني: إذا سلّمنا بأن عبارة الشيخ الطوسي تدل على عمل الطائفة بروايات السكوني، فإن هذا يشمل النوفلي أيضاً، ويقتضي الحكم بوثاقته؛ لأن أكثر روايات السكوني إنما وصلت إلينا عن طريقه.
أما مبنـانا، فهو واضح إجمالاً؛ إذ إننا لا نركّز كثيراً على هذه المباحث الرجالية، بل نبدأ أولاً بدراسة الكتاب نفسه، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مؤلفه، وعلى هذا الأساس لا نعمل بالروايات التي ينفرد السكوني بنقلها.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
تتمة البحث في موقف الشيخ الطوسي من روايات السكوني
(وليس واضحاً لدينا سبب تمسّك الشيخ الطوسي بهذه الرواية، ثم قوله بعد نقلها:
> «ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن درّاج، والسكوني، وغيرهم من العامة عن أئمتنا عليهم السلام.»
ووجه الإشكال أن روايات السكوني ترد غالباً بصيغة: «عن جعفر، عن آبائه، عن علي عليه السلام»، فهي في الحقيقة روايات عن الأئمة عليهم السلام، بينما مورد تلك الرواية هو ما ينقله أهل السنة عن أمير المؤمنين عليه السلام.
والنتيجة أن كتب الرجال نسبت إلى العدة للشيخ الطوسي أن الأصحاب عملوا بروايات السكوني لوثاقته، مع أن هذا المعنى غير موجود في كتاب العدة، وإنما أساء المحقق الحلي في المسائل العزية فهم عبارة الشيخ. ولعل منشأ هذا الفهم أن الشيخ، بعد صفحتين أو ثلاث من هذا الموضع، يتحدث عن بعض رواة أهل السنة، وعن فرق كالفطحية والواقفة، ويقول في شأنهم: إننا نعمل بروايات أمثال عمار بن موسى وبعض الواقفة؛ لأنهم ثقات.
ففي الموضع الذي يتحدث فيه الشيخ عن الوثاقة لا يذكر اسم السكوني، وفي الموضع الذي يذكر فيه السكوني لا يتحدث عن وثاقته. ومن المحتمل جداً أن المحقق الحلي قد خلط بين الموضعين، أو قاس أحدهما على الآخر، مع أن هذا القياس غير صحيح.
وعليه، فإن كتاب السكوني اشتهر بين علماء قم منذ أواخر القرن الرابع الهجري، من خلال نسخة إبراهيم بن هاشم، ثم انتقلت هذه النسخة نفسها إلى بغداد واشتهرت هناك، وروى عنها الكليني، والصفار، ومحمد بن يحيى، وغيرهم.
ثم جاء الشيخ الطوسي في القرن الخامس، ففسّر سرّ العمل بهذه الروايات بأنه الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام. وبعده جاء المحقق الحلي في القرن السابع، فاعتبر أن السر هو وثاقة السكوني، ثم شاع هذا الفهم في كتب الرجال.
ومنذ نحو سنة 1100هـ وما بعدها، ولا سيما في عصر صاحب الجواهر، شاع الرأي المعروف القائل: إن روايات السكوني ضعيفة السند، لكنها تنجبر بعمل الأصحاب.
وفي القرن الرابع عشر الهجري، التفت التستري إلى أن عبارة الشيخ الطوسي لا تدل على توثيق السكوني، إلا أنه لم يقدّم تحليلاً أو تفسيراً لعبارة الشيخ. أما نحن، ففي القرن الخامس عشر الهجري، فقد عرضنا التطور التاريخي لهذه المسألة وبيّنا مسارها.
وهذا هو، بإيجاز، التاريخ العلمي لتعامل قدماء الإمامية مع روايات السكوني حتى عصرنا.)
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
3. كلام الشيخ الطوسي في بيان سرّ عمل الأصحاب بروايات السكوني
يُعدّ الشيخ الطوسي أول من صرّح في كتابه العدة بسرّ عمل الأصحاب بروايات السكوني. فقد ذكر أننا لا نعمل بجميع روايات السكوني، وإنما نعمل بها في الموارد التي لا نجد فيها رواية من طريق الشيعة، وذلك استناداً إلى رواية عن الإمام الصادق عليه السلام مضمونها: إذا لم تجدوا الحكم في رواياتكم، فانظروا إلى ما رُوي عن علي عليه السلام فاعملوا به.
وهذا الكلام لا يدل على أن الشيخ الطوسي وثّق السكوني، مع أن الشيخ قد وثّق في مواضع أخرى بعض الرواة من أصحاب المذاهب الفاسدة، كالواقفة والفطحية. كما أن العمل بروايات السكوني بدأ منذ أوائل القرن الثالث الهجري، أي نحو سنتي 240–250هـ، في حين أن عبارة الشيخ الطوسي كُتبت حوالي سنة 460هـ، أي إن بينهما ما يقرب من مئتي سنة.
والتوجيه الفني لعبارة الشيخ هو إثبات نوع من الحجية التعبدية لروايات السكوني؛ أي إن الإمام عليه السلام مهّد لقبولها تعبداً. أما إذا أُرجع الأمر إلى نفس روايات السكوني، فقد يُفهم منه نوع من الحجية العقلائية. والمقصود بمن يروون عن أمير المؤمنين عليه السلام هم الأئمة الأطهار عليهم السلام.
إلا أن هذه الرواية لم يذكرها الشيخ الطوسي إلا في كتاب العدة، ولا نجدها في سائر كتبه، كما أنها رواية مرسلة مجهولة، فلا يمكن إثبات هذا الأمر المهم بها، ولا يصح الاستناد إليها في توثيق السكوني. ويضاف إلى ذلك أن أكثر روايات السكوني ترد بصيغة: «عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله»، فهي في الحقيقة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لا عن أمير المؤمنين عليه السلام مباشرة، ولذلك فإن الاعتماد على مفردات روايات السكوني يواجه إشكالاً.
وبناءً على ما يفهم من رواية الشيخ، فإن قيمة روايات السكوني هي بمنزلة الأصل العملي لا بمنزلة الحجة؛ إذ إنه يقول: إذا لم توجد رواية للشيعة، فارجعوا إليها. ومن المعلوم أن الشيعة في العصور الأولى لم يكونوا يبحثون عن الأصول العملية، وإنما كانوا يبحثون عن النصوص الحديثية، ولم تكن آنذاك فكرة طرح الروايات والرجوع إلى الأصل العملي قد تبلورت علمياً. ولهذا أصبحت روايات السكوني في مدرسة قم بمنزلة بديل عن الأصل العملي، ثم لما هاجم ابن إدريس خبر الواحد، وبعد أن شاع في عصر الشهيد الثاني وصاحب المدارك وصاحب المعالم الرجوع إلى الأصول العملية، أخذت روايات السكوني تتراجع إلى الهامش، وحلّت الأصول العملية محلها.
ومما يؤسف له أنه بعد نحو مئتي سنة من الشيخ الطوسي، ذكر المحقق الحلي في المسائل العزّية أن الأصحاب عملوا بروايات السكوني بسبب وثاقته، ثم اشتهر هذا الفهم بين العلماء، وانتقل بعد ذلك إلى علم الرجال، حتى أصبح المعروف أن الشيخ الطوسي قد وثّق السكوني في العدة. إلا أن التستري كان أول من اعترض على هذا الفهم في كتاب القاموس، وبيّن أن عبارة العدة لا تدل على توثيق السكوني، وهو اعتراض في محلّه، غير أنه اكتفى بالإشكال على المحقق الحلي، ولم يوضّح مراد الشيخ الطوسي من عبارته.
وقد أوضحنا في موضعه هذه العبارة بالتفصيل، وبيّنا أن الشيخ لم يسلك طريق توثيق السكوني، وإنما ادّعى أن الأصحاب عملوا برواياته؛ لأن عندنا رواية عن الإمام الصادق عليه السلام تقول: «فانظروا إلى ما رووا عن علي عليه السلام»، وظاهر لفظ «رووا» هو النقل والرواية.
وهذه الرواية مرسلة، ولا نجد لها شاهداً في موضع آخر، وحتى لو فرض صدورها عن الإمام الصادق عليه السلام، فلا دليل على استمرار حكمها في جميع الأزمنة، بل الظاهر أنها كانت صادرة في بداية تشكّل الفقه الإمامي، حين لم يكن قد اكتمل تدوينه، وكان المخاطب بها شيعة الكوفة؛ أي إن الإمام يأمرهم، عند فقدان النص الخاص، بأن يعملوا بما يرويه علماء ومحدثو الكوفة عن أمير المؤمنين عليه السلام، لأن فقه الكوفة كان يُعرف في اصطلاح أهل السنة بأنه فقه علي بن أبي طالب عليه السلام وعبد الله بن مسعود.
فإذا قُبل هذا الفهم، كان مورد الرواية مرحلة زمنية خاصة. أما بعد انتشار روايات أهل البيت عليهم السلام، وتدوينها، وقيام الأئمة عليهم السلام ببيان الأحكام على نحو تفصيلي، وتأليف الكتب، فلم تعد هناك حاجة إلى الرجوع إلى ما يرويه عامة الناس عن أمير المؤمنين عليه السلام. وبذلك يكون هذا الحديث قد أصبح متروك العمل بطبيعته مع مرور الزمن، لانتهاء موضوعه.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
2. لمحة تاريخية عن تعامل الأصحاب مع روايات السكوني وكتابه
دوّن السكوني في عصره كتاباً يرويه عن الإمام الصادق عليه السلام، ولم ينقله عنه في الكوفة أحد غيره. وفي الطبقة التالية، لم يروِ كبار أصحاب المدرسة البغدادية الأولى، مثل ابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي، وهم من أعظم نقاد الحديث وممحصيه، شيئاً عن السكوني؛ فمثلاً لا توجد لدينا حتى رواية واحدة يرويها ابن أبي عمير عن السكوني.
وإنما نقل عبد الله بن المغيرة عدداً لا بأس به من رواياته، كما نقل واحد أو اثنان غيره عدداً يسيراً منها. وأكثر من روى عن السكوني هو النوفلي، إذ نقل نسخة كتابه. ثم لم يروِ هذه النسخة بعد النوفلي سوى إبراهيم بن هاشم، إلا أن هذا الكتاب اشتهر في قم بعده. وعليه، بقيت روايات السكوني شاذة لمدة جيلين أو ثلاثة، ثم أخذ عدد ملحوظ من علماء قم يروونها بعد إبراهيم بن هاشم.
وقد روى تلامذة إبراهيم بن هاشم، مثل محمد بن أحمد، هذه الروايات عنه، إلا أن أكثر ما وصل إلينا منها كان عن طريق ابنه، بواسطة الكليني. كما أن الشيخ الصدوق يروي هذه النسخة أيضاً، وهي النسخة نفسها. ثم حظيت هذه النسخة القمية بالقبول في المدرسة البغدادية الثانية، كما أن النسخة التي اعتمدها النجاشي والشيخ الطوسي هي عين هذه النسخة، مع أنه كان بإمكانهما أن يروياها بطريق مستقل من الكوفة.
وينبغي الالتفات إلى أن طريقة النقل عند مدرسة قم والمدرسة البغدادية الثانية من كتاب السكوني كانت انتقائية، ولم تتعامل معه على أنه حجة تامة في جميع ما اشتمل عليه. ولذلك نقل الشيخ الكليني قسماً من رواياته لم ينقله الشيخ الصدوق، والعكس صحيح. كما أن كلاً منهما نقل طائفة من الروايات لم ينقلها الشيخ الطوسي، والعكس كذلك، فتكون النسبة بين مروياتهم العموم والخصوص من وجه.
والمتيقن هو أن قسماً من كتاب السكوني قد تُرك ولم يُنقل، أي إن الأصحاب لم يقبلوه بأجمعه. أما السبب الفني لقبول القميين لروايات السكوني وعدم قبولها في المدرسة البغدادية الأولى، فليس واضحاً، وإن أمكن افتراض بعض الاحتمالات؛ من قبيل أن القميين كانوا أكثر ميلاً إلى المنهج الأخباري، وأن قم كانت أبعد عن المدينة، ولم يكن الوصول إلى الأئمة عليهم السلام فيها ميسوراً، فاقتضت ظروف الزمان والمكان الاعتماد على التعبد بالروايات. أما البغداديون، فلكونهم أيسر وصولاً إلى الحج والعمرة، وكانوا يتلقون الأحكام من مصادرها الأصلية بصورة أقرب، فلم يجدوا حاجة إلى الاعتماد على تلك الروايات.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
1.سند روايات السكوني
تُنسب روايات السكوني إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهو يرويها عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن رسول الله صلى الله عليه وآله، كما أن بعض رواياته منسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام نفسه. والصيغة الصحيحة والدقيقة لسند روايات السكوني هي: «السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال...».
وقد يرد السند أيضاً بهذه الصيغة: «عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله»؛ أي إن الكلام في بعض الموارد هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وفي موارد أخرى هو كلام رسول الله صلى الله عليه وآله. وإذا ورد في بعض المواضع: «عن جعفر، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله»، فإن جزءاً من السند يكون قد حُذف.
ولم تذكر مصادرنا تاريخ وفاة السكوني ولا مهنته، إلا أن كتب أهل السنة تذكر أنه كان قاضي الموصل، وأن وفاته كانت سنة 180هـ. وبناءً على ذلك، يكون قد عاش حتى أواخر حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام (المتوفى سنة 183هـ)، ولعل له رواية أو روايتين عنه. وإذا صح تاريخ وفاته، فمن المفترض أنه سمع من الإمام الصادق عليه السلام وهو في سن الشباب، أي قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة تقريباً.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
