Hussein.A.Salim
Open in Telegram
وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..
Show moreThe country is not specifiedThe category is not specified
286
Subscribers
+524 hours
+57 days
+1730 days
Posts Archive
في اليأسِ يبدو العالم أكثر وضوحًا ممّا هو عليه عند لحظات الانتظار، فاليائسُ لا يواري مخاوفه بالأمل، ولا يدّعي فردوسًا لم تطأه قدماه، هو كائنٌ قد تصالح مع اللاطمأنينة التي تكتنف وجوده، ولذلك باتت جميع الاحتمالات قابلة لقلب معناها أمام مرأى عينه، هو لا ينتظر شيئًا، وهنا مناط روحه. فمن يأمّل في ما وراء الشيء الملحوظ لم يستطع بعد أنْ يغني نفسه بتمعن الشيء ذاته واستبطان كنهه. ولهذا نرى اليأس يهب أصحابه قدرةً أكبر على مزاولة الشيء من حيثيّته الكائنة، بما هو موجود، لا بما يُرتجى أنْ يوجد، فتأثيره يؤلب النفس نحو الإصغاء إلى التفاصيل، لأنّ الانتباه لم يعد موزعًا بين الحاضر وما قد يجيء بعده، كونه استقرّ في اللحظة الحيّة. إنّ اليأس، في أقصى صفوته؛ يقرب الإنسان من الأشياء قربًا يكاد يشبه المعرفة البدائيّة، والتي تسبق الرغبة في التملك والتأويل، حينذاك، ينظر المرء إلى ما حوله بعين خفت عنها وطأة التأمُّل، فتغدو الموجودات أكثر امتلاءً، لأنّها لم تعد مطالبة بأنْ تؤدي تمثيليّة داخل تراجيديا المتخيّل ونزواته.
يلتقي ذلك مع ما يورده ميرلوبونتي في عمله «ظواهريّة الإدراك» حيث لا يمثل الجسد وفقًا له: أداة هامشيّة تذعن لتصرف الأنا الواعية فحسب، بل هو طريقة في الانفتاح على العالم. فالمرء لا يملك جسده بمعزل عن ظواهره المدركة، ولهذا يصبح الإدراك والحركة والانتباه والغاية متشابكة داخل وحدة متجسدة، يصعب معها الفصل بين النفس والجسد. هنا تغدو القصديّة أكثر تجسدًا ممّا توحي به الصياغة المبدئيّة للمفهوم، إذ أنّ الإنسان لا يتوجه إلى العالم بواسطة وعي محض يلبث في حيزه ويرسل قصده إلى الخارج، وإنّما الجسد نفسه متوجه إلى العالم. ولذلك فإنّ الألم في تجربتي لا يمكن فهمه بوصفه إحساسًا منفردًا أُلحقَ بإدراك ذهنيّ، لأنّ الجرح ذاته غيّر طريقة وجود جسدي في الفعل.
في هذه المسافة الطفيفة بين الجرح والانتباه إليه، وبين ما أفعله وما أشعر به؛ تنكشف القصديّة بصفتها بنية حيّة للظاهرة المُعاشة. في العمل عشتُ باتجاه شيء ما؛ وحين تلاشت حدة ذلك الاتجاه، تغيّر العالم الذي يحاوطني قليلًا، أو تبدلت الهيئة التي ظهر بها لي من قبل، أمسى ما كان مستترًا في أطراف التجربة منكشفًا في مركزها. جرح صغير في اليد يكشف أنْ الوعي لا يتلقى العالم ككتلة متسقة من المعطيات، وإنّما يعيش فيه عبر انتباه وانتقاء ملازم للمعنى. ومن هنا يمكن فهم ما أضافه هوسرل إلى إرث برنتانو: القصديّة ليست مجرد اتجاه الوعي إلى الأشياء، إنّها مدخل إلى اكتشاف الطريقة التي يُبنى بها حضور الأشياء ومعناها داخل الخبرة.
كان جسدي يختبر الألم لحظة الجرح، لكنّه لم يتحول إلى الموضوع الذي تدور حوله رحى انشغالي، فهو بقي خاضعًا لمجرى الفعل الذي كنتُ مستغرقًا فيه، لأنّني حينما كنتُ أعمل؛ كانت يدي جزءًا من الفعل العمليّ الذي أؤديه، وكان جسدي نفسه مندمجًا في الحركة، بحيث لم أكن أتعامل معه بوصفه موضوعًا مستقلاً أتأمّله. أما حين خف انشغالي، أخذت اليد تظهر لي على نحو مختلف: جرح، وموضع ألم، وشيء يستحق العناية. كأنّ الجسد الذي كان وسيلةً للفعل صار فجأة موضوعًا للانتباه. كان الشغل أمامي بوصفه شيئًا ينبغي إكماله، أما اليد فكانت حاضرة باعتباره اعنصرًا من الحركة في البداية، ثم صارت لاحقًا موضعًا للألم والانتباه. الموضوع واحد في الخارج، لكنّ نمط حضوره في التجربة يتغير بحسب الفعل الذي أعيشه وبحسب الجهة التي يتوجه إليها انتباهي. بيد أنّ الإنسان لا يعيش الأشياء جميعها بنفس الوقع من الحضور، العالم الذي يحيط بنا مفعمٌ بالتفاصيل والأحداث، ومع ذلك لا تدخل كلّها إلى مركز التجربة بذات النقطة الزمنيّة. ولعلّ أكثر ما يلفتني في هذه الواقعة أنّني لم أكن أقرر في أثناء العمل أنْ أتجاهل الألم، لم أصدر حكمًا يلزمني بمواصلتهِ من الأساس، حدث الأمر على نحو أكثر تلقائيّة. كانت الغاية قد استولت على مسار الفعل، واندمج انتباهي فيها، فصار الألم أقل قدرة على استدعائي من موضوع العمل. وهذه التلقائيّة نفسها ذات قيمة ظاهراتيّة؛ لأنّها تكشف جانبًا من الخبرة يسبق التفسير الذي نقدمه لها بعد وقوعها.
على مستوى شخصيّ، لم أكن بحاجة إلى مثال بعيد حتّى أختبر هذه الفكرة في تجربة مباشرة. يوم أمس، حينما كنتُ منهمكًا في العمل، موجهًا ذهنيّ لإتمام غاية معيّنة؛ جرحت يدي بحافة رفٍ حديديّ. استشعرتُ الألم، ولمحتُ بعض الدماء فوق كفي، لكنّ ذلك لم يقطع انخراطي عمّا كنتُ أفعله، لأنّني كنتُ أعيش داخل الفعل نفسه. مضيت في العمل، ثم لمّا هدأ انشغالي قليلًا، أخذ الألم يظهر بوضوح أكبر، كأنّ شيئًا كان حاضرًا طوال الوقت قد انتقل فجأة إلى مقدمة التجربة. هذه الواقعة الصغيرة جعلتني ألتفت إلى أمر يبدو بسيطًا، مع أنّ التأمُّل فيه يفتح سؤالًا يسترعي النظر: كيف يمكن لشيء حاضر في تجربتي أنْ يبقى بعيدًا عن مركز وعيي؟ وكيف استطاع موضوع آخر، مثل انشغالي والغاية التي تقف وراءه، أنْ يستولي على الانتباه إلى الدرجة التي تراجعت معها إصابة يدي إلى مرتبة ثانويّة؟ إنّ السؤال هنا يتجاوز طبيعة الألم نفسه؛ فما يعنيني هو الكيفيّة التي انتظمت بها التجربة، والطريقة التي توزعت بها الأشياء داخلها، للحد الذي أصبح أحدها مركزًا تتجه إليه عنايتي، بينما استقر الآخر في هامش لم أفقد معه حضوره تمامًا. كان استغراقي داخل العمل أكثر من حركة جسديّة تؤدي وظيفة ما، فقد كان موضوعًا قصدته وخضتُ فيه، وتوجهت إليه بحركتي وانتباهي، وكانت الغاية التي أقف وراءها تمنح هذا الفعل معناه.
قد تبدو القصديّة في ظاهرها مفهومًا شديد التجريد، ينضوي تحت لغة التصورات أكثر ممّا ينتمي إلى مجرى الحياة اليوميّة، غير أنّ الإنسان كثيرًا ما يختبر معناها وفقًا لما يعيشه، إذ يكفي أنْ ينشغل بفعل يستغرق انتباهه حتّى تتكشف له طبيعة وعيه من حيث هو حركة تتجه إلى شيء ما، تنتظم حوله الغاية وتمنحه بعض ما يحضر في التجربة. ولعلّ المرء لا يحتاج في ذلك إلى حالة استثنائيّة، فحادثة صغيرة تكفي لإثارة تساؤل يتجاوز الواقعة نفسها. وهذا ما يميز الحياة المتجسدة التي ننطلق منها في معايشة العالم، بحيث يغدو الفعل النفسيّ مفهومًا من خلال الجهة التي ينفتح عليها. وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزيّة التي صاغها فرانتس برنتانو في حديثه عن الظواهر النفسيّة، إذ رأى أنّ ما يميز الكينونة الواعية هو اتصافها بالقصديّة، أي كونها متعلقة بشيء ومتجهة نحوه. الأمر الذي تفطن له هوسرل لاحقًا، وأحاله إلى مجال أكثر اتساعًا، فصار متعلقًا بكيفية ظهور الموضوع للوعي، وبالطريقة التي يمنح بها نفسه للتجربة، فضلًا عن انتظامه داخل نطاق الإدراك. ذلك أنّ الوعي لا يستقبل العالم على صورة واحدة متجانسة، وإنّما يعيش في مجال تتفاوت فيه درجات الحضور، ويتقدم فيه شيء إلى مركز الالتفات بينما تستقر أشياء أخرى على هامش التجربة. بالتالي يصبح الانتباه ذاته ذا بنية قصديّة، لأنّ المسألة لا ترتهن برؤية الأشياء عن كثب فحسب، بل بالطريقة التي تتوزع بها أهميتها داخل ما نعيشه.
قلتُ لكِ ذات صباح: إنّ الزهور التي أصادفها عند طلوعي الفجر تشبهكِ كثيرًا؛ لونها الأخاذ يشبه فتنة محيّاكِ، وعبقها يذكي حواسي مثلما أنفاسكِ العطرة. أخبرتكِ مرارًا بأنّني أخالها مقلدةً إياكِ في كلّ شيء: ارتجافها حين هبوب النسيم، وسكونها عند ركوده، رقتها بعد اهتزاز وريقاتها، وشذاها المنثور في الريح. لكنّني، لم أدرِ أنك تشبهينها إلى حد أبعد عن مرآي، وأكثر تماثلًا عمّا أظن، ربّما لكوني غير ضليع بشؤون الأزهار مثلكِ؛ ولذا لم أتوقع ما ينتظرني منها. لم أهجس موعد رحيلها من قبل، رغم إخباركِ إياي بموسمها الذي ينتهي بانتهاء الربيع، ولم أعبأ بالشوك الذي جرح كفي مرات عدة، لأنّني أعلم أنّ الأشواك ليست جزءًا أصيلًا من الزهرة. لكنكِ يا زهرتي التي أُحِبّ؛ تلاشيتِ مثل أي زهرةٍ فور انقضاء ربيعكِ، فما بقي سوى أوراقكِ التي تساقطت على قارعة طريقي، ذلك الطريق نفسه الذي حاوطني بأشباهكِ يومًا ما. وحتّى هذه، قد تبددت مع مرور الأيّام، حيث غربل الصيف آثار من يشبهكِ عنّي، إذ لم تعد الأشجار التي أمر عليها فجرًا محملةً بالزهور، صارت مقفرةً منكِ. ما زلتُ أمر بالطريق نفسه عند الفجر، موقنًا بحقيقة رحيلكِ، فقد كففتُ منذ زمن عن انتظار ما وارته الفصول، لأنّ في الطريق شيئًا منكِ لم أستطع اقتلاعه من ذاكرتي؛ رائحة عابرة، أو ظل زهرة على الغصن، أو نسمة توقظ في داخلي ذلك الصباح البعيد حين كنتِ تبتسمين لي، مناديًا إياكِ: يا زهرتي الحلوة!
«إنّ الوطن والشعب على أنّهما ممثلان وضمانتان للخلود الأرضيّ، وعلى أنهما مَثْل ما يُمكن أنْ يكون خالدًا في الدُّنيا، يتجاوزان كثيرًا فكرة الدولة بالمعنى الشائع للكلمة، أي النظام الاجتماعيّ كما يعبر عن نفسه في المفهوم الواضح الذي لدينا عنه وكما هو قائم ومستمر طبقًا لهذه الفكرة. هذه الدولة تقضي ببعض العدالة، تمكن للأمن الداخليّ وتسمح لكلّ فرد، نتيجة لعمله، أنْ يؤمن معاشه، ويطيل أمد وجوده الأرضيّ بالقدر الذي يسمح به اللّٰه. لكنّ هذا ليس سوى الوسيلة والشرط، أو بالأحرى هيكل ما يرغب حبّ الوطن في تحقيقه، أي أنْ ينفتح الخالد والإلهيّ في هذا العالم. وهو في نموه المتصل، يزداد دائمًا أنقى فأنقى وأكمل فأكمل. ومن أجل هذا وجب أنْ تسيطر الوطنيّة على الدولة نفسها، على أنّها محكمتها العليا، الأخرى والمستقلة، تحدد لها اختيار الوسائل لتحقيق هدفها الأوّل».
– فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٥٠«إنّ إيمان الرجل النبيل بديمومة عمله الخالد على هذه الأرض يعتمد على الأمل في الديمومة الخالدة للشعب الذي ينبع منه، وفرديّة ذلك الشعب، دون أنْ يستطيع تدخل أي عنصر أجنبيّ في مجموع ذلك التشريع لإفساده».
– فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٤٨«من لا يرى نفسه من زاوية الخالد يجهل الحبّ؛ حبّ الوطن غريب عليه. إنّ الذي تبدو عنده الحياة اللامرئيّة خالدة، دون الحياة المرئيّة، يستطيع أنْ تكون له سماء ووطن في السماء، لكنّه لا وطن له في الدُّنيا، لأنّ هذا يجب أنْ يُعد أيضًا من مظاهر الخلود، لكن من الخلود المرئيّ الذي تدركه الحواس. إنّ من يجهل هذا الحبّ يثير الشفقة، أما من يعانيه تتداخل في روحه بعض ببعض السماء والأرض، والمرئيّ واللامرئيّ؛ فيصبح سماء حقيقيّة، فإنّه يكافح حتّى آخر نقطة من دمه كي يحفظ الكنز الثمين ويوصله كما هو إلى الازمنة المقبلة».
– فيخته| خطابات إلى الأمة الألمانيّة-ص١٤٩
فما معنى ذلك الخطاب الذي يرفع الشرعيّة فوق ناموس أرضهِ لكي يجسدها في ناموس آخر من الأراضي؟ إنّ الولاء الذي يبديه أولئك الحثالات، يعلن انصرافه عن الحدود بوصفها صنيعة إمبرياليّة، لكنّه سرعان ما يستقر عند حدود أخرى، أما شرعيتهم التي تزعم تجاوز الأوطان، لا تستقيم دون الولاء الخالص لكيان سياسيّ دون سواه، فالانحياز إليه لم يكن خروجًا عن الناموس الأرضيّ، وإنما انتقالًا من نطاقه الأول إلى نطاقٍ آخر لا يختلف عنه في جوهره، وإنْ اختلف في الجهة التي يستقر عندها الولاء. ولعلّ المفارقة الأبرز تكمن في أنّ جماعة الفقيه التي تنكر على وطنها حقّ الطاعة بدعوى سمو المرجعيّة، تجد نفسها تمنح ذلك الحقّ كاملًا لدولة ثانية، وفقًا لذات الشروط السياسيّة، مع الاختلاف في تعريف موضوعها. إنّ دلالة التواطؤ مع إيران في تلك المرحلة أكثر من مجرد انحياز عسكريّ عابر، إذ يكشف عن أزمة ولاء كانت تنتهز فرصةً للانضواء تحت رابطة توهمه أنّها أعلى منه، فالعراقيّ الذي جعل مرجعيته خارج شعبه لم يعد ينظر له باعتباره الإطار الذي تتحدد داخله مسؤوليته السياسيّة، لأنّه أصبح يرى فيه عارضًا تاريخيًا يمكن تجاوزه متى تعارضت مع الحقّ الذي يؤمن به. وبذلك انتقل معيار الانتماء من الأرض التي نشأ فيها إلى المرجعيّة التي اعتقد أنّها تمنحه معنى الانتماء نفسه. فالإشكال لا يزول بتغيير موضع الولاء، إذ تبقى السلطة التي يُلتف حولها سلطةً أرضيّة، وتظل الشرعية التي تُمارس باسمها مقيدةً بما تفرضه الدولة من اعتبارات البقاء والسيادة وإدارة الشعب.
تظهر هذه المفارقة في الحرب العراقيّة الإيرانيّة أوائل الثمانينات، حيث برزت جماعات مثل فيلق بدر وحزب الدعوة والمجلس الأعلى كمتطوعين للقتال ضد الجيش العراقيّ، حيث رأت هذه الجماعات في إيران مرجعيّة تتقدم على الدولة العراقيّة، فاختارت الانحياز إليها انطلاقًا من تصورها للحقّ الذي يملي عليها نصرة نائب المهدي وقتال الدولة الآثمة. لم يكن هذا الموقف حادثة عابرة فرضتها ظروف الحرب، بل نتيجة متوقعة لفكرة تجعل مصدر الشرعيّة منفصلًا عن الحقّ الأوحد، المرتبط بالوطن. فحين يُعاد تعريف الولاء خارج الإقليم الذي يحتضن الجماعة السياسيّة، يصبح الانتقال من دولة إلى أخرى انتقالًا بين درجتين من الاعتقاد، واحد منهما يوالي بلده بوصفه حقًا بذاته، متعديًا بإيمانه طبيعة الدولة وهيئتها، والآخر ينتمي إلى دولة معادية لوطنه، بمبررات عقائديّة، ومخيال دينيّ يفتتن برجالات هذه الدولة، والتي لم تكن بدورها خارج مقتضيات السياسة، فقد خاضت الحرب باعتبارها أمة تدافع عن حدودها، وتحافظ على مؤسساتها، وتدير علاقاتها وفق ما تقتضيه المصلحة الاستراتيجيّة، ولم تكن هذه الاعتبارات طارئة على تجربتها بطبيعة الأمر، كونها بزغت من صميم بقائها. ذلك أنّ الدولة، أيًا كان الأساس الذي تستند إليه في تبرير وجودها، لا تخرج عن كونها تنظيمًا سياسيًا يتحقق في مكان بعينه، وبين جماعة محدودة، وتحت وطأة ضرورات لا تتبدل بتبدل اللغة التي تُصاغ بها شرعيتها.
ولهذا تغدو الدعوى التي تنشد تأسيس الدولة على حقّ مستقل عن مقتضيات هذا الاجتماع واقعةً في مفارقة لا يلبث التاريخ أنْ يكشفها؛ فما يُرفع ابتداءً على أنّه مبدأ مطلق، ينتهي إلى الدخول في جملة الاعتبارات التي تحكم سائر الدول، من حساب الأمن وتدبير الموارد، وصولًا لصيانة الحدود والمنافذ، وليس انتهاءً بتعريف الجماعة التي تُناط بها الطاعة والولاء. وعند هذا الموضع لا يبقى الأمر متعلقًا بمصدر الحقّ، وإنّما بالكيفية التي يُمارس بها، لأنّ ممارسة السلطة تقتضي من حيث هي ممارسة شروطًا لا تستلهم وجودها من الخطاب الذي يبررها، بقدر ما تسوغه طبيعة الدولة ذاتها. وما يضاعف الإشكال أنّ الجماعات التي تتخذ من هذا الحقّ منطلقًا لقيام الدولة، لا تجد مناصًا من الإقرار بالشروط التي كانت قد نحتها جانبًا عند ابتداء الدعوى. فما إنْ تنتقل الفكرة إلى مجالها التطبيقيّ حتّى تصبح معنيةً بتحديد الإقليم، وتعريف الجماعة التي يشملها سلطانها، ورسم حدود السيادة وإدارة مصالحها الخاصة، وهي جميعها مسائل تستل شرعيتها من طبيعة الاجتماع القوميّ وما يفرضه من متطلبات. ومن هنا تبدو الشرعيّة التي يُراد لها تجاوز الناموس الأرضيّ؛ غير متوقفة عن العودة إليه كلّما أريد لها أنْ تُمارس فعلها في التاريخ. فما يتراءى في بادئ الأمر على إنه حقّ متعالٍ، يغدو في مآله صورةً من صور التنظيم السياسيّ الذي يخضع لسائر ما تخضع له الدول من ضرورات البقاء والاستمرار.
الزعم بوجود حقّ داخل نطاق الدولة بمعزل عن الناموس الأرضيّ؛ ادعاء يبطله أقل تفحص لطبيعتها الكائنة، فالدولة تكتسب مبررها قبل أي تأطيرات يحددها الدستور أو الجهاز الإداريّ، لأنّ الحقّ الأعلى سابق للسلطة، وسيدٌ على كلّ حقٍ ينبثقُ منها. فبوصفه الإقليم الذي يشكل حيثياتها ويفرض إمكاناته الخاصة؛ لا تُعد الدولة مفرغة عن حمولات المكان تبعًا له، بل أنّ وجودها لا يستوعبه الواقع بغير الأخذ بالشروط الإقليميّة للمدى المكانيّ. ولذلك فإنّ رفض مشروعيّة أي دولة ينبغي أنْ يتوخى الدقة في مسوغاته، لأنّه، ومن الوارد جدًا؛ أنْ يكون فاقدًا لأحقيته من الأصل. كثيرًا ما تكون الدعوات التي تزعم الحقّ على حساب ناموس الأرض؛ استغناءً عن الذات وخيانةً لها، إذ أنّ دعواها لا تكشفُ عن حقٍ يتعالى عمّا هو كائن، كي يُفهم الأمر بمثابة اجتياز "للتُراب والتَرائب" بقدر ما تنشدُ حقًا مُناظرًا لحقها المفروض، وإنْ ادعت سوى ذلك. لا شك أنّ فكرة تجاوز الأوطان ضاربة في إرث العديد من العقائد التبشيريّة، غير أنّ اللافت هو كونها لا تتبنى حقًا مزعومًا داخل حيز الدولة وشروطها، إنّما الحقّ الذي تصبو إليه ينأى عن الناموس الأرضيّ كُليًا. بينما على الجهة الأخرى، يدور دعاة الحقّ الهجين في منطقة واحدة مع الوجود الجيوسياسيّ، ضمن نفس المقتضيات والبواعث. بيد أنّ الشرعية السياسيّة لا تُبتغى في الفراغ، ولا تُمارس خارج الحيز الذي يحدها ويُعين موضوعها، فكلّ جهة سياسيّة مهما كانت دعواها، تجد نفسها بإزاء واقع يستمد وجوده عبر الاجتماع البشريّ، وما يستلزمه من أرض وحدود ومصالح وقوى متقابلة.
وهذهِ الثُنائية من جهة الموضوعيّة التاريخيّة: ليست خافيةً عن مُسلَّمات التأمل والاستقراء، غير أنها من جهةِ الإمكان: تشيرُ لتجاربَ سياسية على خلافِ ما سبق، ومعظم هاتهِ التجارب هي حديثة نسبيًا، إذ تشرعُ بمحاولةِ اختلاق أمة واصطناع هوية مُتخيّلة لها عن طريق أدواتٍ سياسيّة مبتكرة، وتعود جذور هذه البوادر إلى مؤتمر وستفاليا عام ١٦٤٨م، الذي مهد الطريق تِباعًا لاتخاذ القيم الوضعيّة: كنوماس دوليّ، وبُنى تشريعيّة تقوم عليها الدول والأمم. الولايات المتحدة الأمريكيّة هي أبرز مثال يُطابق هذه الانعطافة، فهي دولة كاملة بُنيت على الإيهام بوجود الأنا، الأمة، الوطن، خلال إطروحات مفكريها في السياسة: كتوماس جيفرسون، وجون آدامز، وويليام سميث وغيرهم، إلّا أنّها في الواقع-أي الأمة الأمريكيّة المزعومة-لا تعدو أنْ تكون عبارة عن هجين غير متجانس من الشعوب، التي تنتفي بجوهرها عمّا هو متأصل هوياتيًا، وحتّى مستوطناتها المُسماة بالولايات؛ قد شُيدت على أساس المخاض السياسيّ ما بين القوى وعِصابات الشوارع، كحالٍ مقاربٍ لما يطرحه فيلم (Gangs of new york) الذي يُجسد الحروب الأهليّة بين المستوطنين الإنگليز، وباقي الشعوب الوافدة من بلدان أوروبيّة مختلفة. والمُثير في هذا العمل أنّه يصور الصراع متمحور حول حقّ الأرض والوطن للأطراف المتناحرة، رغم أنّ جميع الأطراف هي أجنبيّة على حدٍ سواء! ومن ضمن التداعيات الأخرى التي ولدها مفهوم الدولة الحديثة؛ هو تحويل الأنظمة الملكيّة من مطلقيتها الشرعية إلى دول ذات طابع ملكيّ دستوريّ، بإقحام قوانين الحقوق والتسوية وباقي إفرازات العقد الاجتماعيّ-الليبراليّ-على مصادر تشريعها، لينتج لنا تفكك تدريجيّ في علاقةِ الدولة بالأمة التي تمثلها سياسيًا، والذي وصل إلى حد استلاب الحدود الطبيعيّة بل والاستغناء عنها وفقًا لمعاهدات سياسيّة دوليّة، وليس خِتامًا طبعًا بتفكك الإمبراطوريات مطلع القرن العشرين، تحت وطأة المعاهدات العالميّة، مثل معاهدة فرساي ١٩١٩م التي شظت الأوطان وماهيتها إلى دول مقسمة، وفقًا لإرادة الحلف المنتصر في الحرب العالمية الأولى، أو ثورات جماهيرية كالثورة البلشفية ١٩١٧م المُقوِّضة للإمبراطورية الأرثوذكسيّة لروسيا. وجميع هذهِ التجارب بما فيها الشموليات الاشتراكيّة التي تلتها فيما بعد: انبثقت على ثنائية المُصطنَّع والاصطناع-على حد تعبير جان بودريار-في صياغة المفاهيم السياسيّة وإحلالها بيروقراطيًا مكان معنى الأمة ومصداقها، فلم يعُد للأمة أي بعد أصوليّ مُعتد به من الناحية الموضوعيّة، إنّما هي-ولا سيما في عصر الرأسماليّة المتأخرة-عبارة عن صنيع مفاهيميّ للدول وغاياتها المختلفة.
إذ أنّ الدولة كمفهوم: يمكن اعتبارها-إن جاز التعبير-وليدة مخلصة للأيديولوجيا السياسيّة، وتبرز أهميتها في خلق النظام وتوطيد الحدود إداريًا، وذلك يشمل حتّى النخب التي تبروز مفهوم الدولة في بوتقةٍ مفاهيميّة-الوطنيّة أنموذجًا-فهي الأخرى تمثلُ انعكاسًا للرؤية السياسيّة، وليست على أيةِ حالٍ مصداقًا للوطن بالضرورة، كما قال يورغن هابرماس ذات مرة: «الجماعة الوطنيّة لا تسبق الجماعة السياسيّة، بل هي نتاجٌ لها!». هذا لا يعني بالطبع تهميش أهمية الدولة المُلازمة لكلّ أمة بشريّة، إنّما وضعها كمسبب لنشوء الأمة حضاريًا؛ هو ممّا لا نجيزه تحت أي مسوغٍ-هيجليًا كان أو ماركسيًا-فمن جهةٍ ما: الدولة أيضًا يُمكن عدها كمغذي للانتماء، ومبلورة له ضمن صياغة سياسيّة، كونها سلطة عُليا تحمل على عاتقها عبأ تهذيب رعاياها من حيث المفاهيم المتعلقة بالولاء للأمة. وتاريخيًا قد اهتدت الدول الإمبراطورية على تعزيز قيم الطاعة والإذعان الرُّوحي بالنسبة للمُنتمين لها، فالدولة الهيراركيّة-التقليديّة؛ كانت تتمظهر بهرميتها وفق الولاء المُطلق للملك الذي يمُثل خليفة الانبعاث الحضاريّ لأمته وشفيعها الأعلى، إذ قد يكون وكيلًا للّٰه على الأرض وحاملًا لشريعتهِ المقدسة، أو نصف آلهة بناءً على المنظور الوثنيّ، وبكلتا الحالتين فإنّ ما يسترعي النظر: هو تلك الهالة الرمزيّة التي كان يتصف بها الملك، والدالة قطعًا على هيمنةِ الدولة الحاكمة في ترويضِ محكوميها-شكلًا ومضمونًا-فيما تبغيهِ وتصبو إليه، وهي سلطة تكتسبُ شرعيتها عن طريق إيمان الرعية بالدولة ونظامها، وليس شرطًا أنْ تُفهم على غرار الترهيب القسريّ وما شاكل، كون أنّ تفويض الحال للملك مسألة تجتاز نطاق الرهبة بطبيعة الأمر، وهذا مما أوردهُ أبو منصور الثعالبي في كتابهِ"آداب المِلوك". إجمالًا: إنّ علاقة الدولة بالأمة، ليست علاقة نشأة وبناء هوياتيّ، بل هي أقرب ما تكون للإرادة الجيوسياسيّة والاقتصاديّة كما أسلفنا.
يرى كارلو بوردوني أنّ معنى الأمة يمتلكُ أصولًا سابقة لنشوء الدولة ومفاهيمها، فركيزة رؤيته مرتبطة بالانتماء للأرض التي تولد فيها الأمة البشريّة، وعلى إثرها يُمكن تحديد الدلالات المكونة للأمة بصفتها كينونة ما. ذلك أنّ الدلالة المكانيّة هي الرابطة العُليا لما يعقبها من جهة الهويّة والأنا-بمختلفِ أشكالها-فأي تجمعٍ حضاريّ عبر التاريخ لم يبتدأ إلّا بالتجمهر حول كيان داخل الطبيعة. في المجتمعات الزراعيّة مثلًا: شرع أسلافنا بعد الثورة النيوليثيّة-قرابة العصر الحجريّ الحديث-على الالتفاف تجاه مصادر الأرض المزودة بالموارد، بغية سد الحاجات الغرائزيّة وتنظيم إيراداتها، وتبعًا لذلك اختُلقت المِهن والحِرف والتقاليد في اِستجلاب تلك الموارد الطبيعيّة واستثمارها على أتمِ وجه، ونتج استنادًا لهذا: أدوات تواصليّة كاللغة والكِتابة؛ لأجل التفاهم ما بين أبناء البقعة الجُغرافيّة المشتركة، الذين تحولوا لاحقًا لقبائل وعِرق أنثربولوجيّ موحد كنتيجة للوحدة الأرضيّة، باعتبارِ أنّ التوطن البشريّ يقفُ في أصلهِ على البعد الجيوفيزيقيّ نشوءً وتكونًا، بما في ذلك ما ينتجُ بناءً عليه: من ثقافة وأعراف وأديان وعادات وميثولوجيا، التي لا تُعدُ-من حيث موضوعيتها-إلّا تعبيرًا عن الإنسان وتكوينه الذاتيّ المُكتسب جراء بيئته الطبيعيّة-الأرضيّة. بالتالي فإنّ مفهوم الدولة لا يتوافق مع أصالةِ أي نشأةٍ هوياتيّة، بل ومن غير اللائق علميًا وضعه كعلةٍ للانبثاق المُعتبَر للأمة، لأنه بالحقيقة أداة تابعة لها وليس سببًا مباشرًا في بزوغ وجودها التاريخيّ.
يرى كارلو بوردوني أنّ معنى الأمة يمتلكُ أصولًا سابقة لنشوء الدولة ومفاهيمها، فركيزة رؤيته مرتبطة بالانتماء للأرض التي تولد فيها الأمة البشريّة، وعلى إثرها يُمكن تحديد الدلالات المكونة للأمة بصفتها كينونة ما. ذلك أنّ الدلالة المكانيّة هي الرابطة العُليا لما يعقبها من جهة الهويّة والأنا-بمختلفِ أشكالها-فأي تجمعٍ حضاريّ عبر التاريخ لم يبتدأ إلّا بالتجمهر حول كيان داخل الطبيعة. في المجتمعات الزراعيّة مثلًا: شرع أسلافنا بعد الثورة النيوليثيّة-قرابة العصر الحجريّ الحديث-على الالتفاف تجاه مصادر الأرض المزودة بالموارد، بغية سد الحاجات الغرائزيّة وتنظيم إيراداتها، وتبعًا لذلك اختُلقت المِهن والحِرف والتقاليد في اِستجلاب تلك الموارد الطبيعيّة واستثمارها على أتمِ وجه، ونتج استنادًا لهذا: أدوات تواصليّة كاللغة والكِتابة؛ لأجل التفاهم ما بين أبناء البقعة الجُغرافيّة المشتركة، الذين تحولوا لاحقًا لقبائل وعِرق أنثربولوجيّ موحد كنتيجة للوحدة الأرضيّة، باعتبارِ أنّ التوطن البشريّ يقفُ في أصلهِ على البعد الجيوفيزيقيّ نشوءً وتكونًا، بما في ذلك ما ينتجُ بناءً عليه: من ثقافة وأعراف وأديان وعادات وميثولوجيا، التي لا تُعدُ-من حيث موضوعيتها-إلّا تعبيرًا عن الإنسان وتكوينه الذاتيّ المُكتسب جراء بيئته الطبيعيّة-الأرضيّة. بالتالي فإنّ مفهوم الدولة لا يتوافق مع أصالةِ أي نشأةٍ هوياتيّة، بل ومن غير اللائق وضعه كعلةٍ للانبثاق المُعتبَر للأمة، لأنّه بالحقيقة أداة تابعة لها وليس سببًا مباشرًا في بزوغ وجودها التاريخيّ.
تتقدم بعض الصور، وتتأخر أخرى، وتسقط تفاصيل كانت تبدو يومًا ذات شأن، بينما تبقى أشياء لم تحظَ انتباهًا خاصًا، فإذا بها أشد رسوخًا من سواها. فالنفسُ تألفها وتعيش وجودها، كما لو كانت تشهدُ علة الظواهر جميعًا.
Series: Baghdad Central
حينئذٍ يمسي النظر في الوطن أقرب إلى الكشف عن حقيقة ظلت حاضرة في كلّ أطوارها، تنتظر من يسلك إليها الطريق الملائم، أكثر من انتظارها تعريفًا جديدًا يضاف إلى ما قيل فيها. وعندما يبلغ البحث هذه المرتبة، تصير التحولات المعنيّة أشبه بأغصانٍ نمت على جذع واحد، يمدها بأسباب البقاء ويمنحها قابلية الامتداد مهما اختلفت هيئاتها. فلو كان الوطن مجموع ما يطرأ عليه من أوصاف، لكان كلّ تبدل كفيلًا بولادة وطن آخر، ولكانت كلّ قطيعة سياسيّة بدايةً لكيان مستحدث. غير أن الوجدان البشريّ يأبى هذا التصور، كما ترفضه الخبرة العينيّة. ثمة استمرارية يشعر بها البشر قبل صياغتها في عبارة، ويأنسون بها بشكل يسبق البرهنة عنها. ولربّما أكبر ما يشي بالاضطراب في التصورات المعتادة عن الوطن؛ انشغالها بما يطرأ أكثر من انشغالها بما يستقر، فالدولة حادثة في التاريخ، والحضارة مرحلة من مراحله، كما أنّ الحدود السياسيّة لا تعبر عن حقيقة حدوده الأصيلة .لكلّ واحد منها أثره في التعاطي مع الوطن، غير أنّ أيًا منها لا يستوعب معناه استيعابًا كاملًا، لأنّ جميعها يدخل في سياق الحركة، بينما يظل السؤال معقودًا على ما يمنح تلك الحركة وحدتها.
وعند الحديث عن المكان وماهيته، لا مناص من استحضار معنى الوطن، فهو ثمرة علاقة قد تجذرت في جوهر الموجود، واستقرت داخل إدراكه، حيث تتشابك الذاكرة مع ألفة وجوده، وتتداخل الحركة اليوميّة مع الإحساس بالانتماء له، فيغدو جزءًا من طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا يُفهم انجذاب الإنسان إلى وطنه من جهة تختلف عن تلك التي اعتادت الميتافيزيقا أنْ تسلكها، فالتعلّق ليس وليدًا للتعريف، بل هو ما يمنح التعريف مشروعيته. وما يُصاغ في المؤلفات والكتب يأتي بعد أنْ يكون قد استقر في المعايشة، واكتسب في الأنا موضعًا يسمح للعقل بأنْ يتأمّله ويعيد ترتيبه. وفي ذلك تبرز مسألة تستحقُ الوقوق طويلًا، فإذا كانت المعايشة قد هيأت للإنسان سبيل التمسك بالمكان رغم ما يعتريه من تحول، فبأي معنى يمكن الحديث عن احتفاظ الوطن بذاته، مع تعاقب الدول وتبدل الألسنة وتغير أنماط العمران؟ أيّ عنصر استطاع أنْ يتجاوز هذه التحولات جميعًا عبر الأجيال المتعاقبة؟ تلك التساؤلات تفتح باب البحث في ماهية الوطن، مستطبنةً الأصل الذي تشكلت منه الصور المتعددة.
وعند الحديث عن المكان وماهيته، لا مناص من استحضار معنى الوطن، فهو ثمرة علاقة قد تجذرت في جوهر الموجود، واستقرت داخل إدراكه، حيث تتشابك الذاكرة مع ألفة وجوده، وتتداخل الحركة اليوميّة مع الإحساس بالانتماء له، فيغدو جزءًا من طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا يُفهم انجذاب الإنسان إلى وطنه من جهة تختلف عن تلك التي اعتادت الميتافيزيقا أنْ تسلكها، فالتعلّق ليس وليدًا للتعريف، بل هو ما يمنح التعريف مشروعيته. وما يُصاغ في المؤلفات والكتب يأتي بعد أنْ يكون قد استقر في المعايشة، واكتسب في الأنا موضعًا يسمح للعقل بأنْ يتأمّله ويعيد ترتيبه. وفي ذلك تبرز مسألة تستحقُ الوقوق طويلًا، فإذا كانت المعايشة قد هيأت للإنسان سبيل التمسك بالمكان رغم ما يعتريه من تحول، فبأي معنى يمكن الحديث عن احتفاظ الوطن بذاته، مع تعاقب الدول وتبدل الألسنة وتغير أنماط العمران؟ أيّ عنصر استطاع أنْ يتجاوز هذه التحولات جميعًا عبر الأجيال المتعاقبة؟ تلك التساؤلات تفتح باب البحث في ماهية الوطن، مستطبنةً الأصل الذي تشكلت منه الصور المتعددة.
