351
订阅者
+124 小时
+87 天
+4330 天
帖子存档
351
نعم، أنا متأكّدةٌ جدًّا،
وعندي يقينٌ لا يتّسع للشكّ بأنّني سأتزوّج رجلًا مُلهَمًا بالكتابة، يُتقن قراءة التفاصيل التي يعجز الآخرون عن رؤيتها؛ يُلاحظ ما يتبدّل في عينيَّ، وما تُخفيه نبرة صوتي، وما لا أجرؤ على قوله.
وعندها، أظنّ أنّني سأعتزل الكتابة إلى الأبد؛
فكيف أكتب، والرجل الذي أحبّه يُجيد قراءة ما بين السطور؟
كيف أستعير من الخيال وجوهًا للحبّ، وأنا أعود كلّ ليلة إلى رجلٍ يُجسّده؟
وكيف أكتب عن رجلٍ لا يعرفني، وقد أصبح قلبي بيتًا لرجلٍ يعرفني حتّى في التفاصيل التي أجهلها عن نفسي؟
وربّما، في أوّل ليلةٍ لنا، سأراه يُقلّب صفحات دفتري القديم، ثم يتوقّف عند نصٍّ لم أُكمله منذ سنوات؛ يقرأه بصمت، ويُعيده إلى مكانه دون تعليق.
وفي الصباح، سأفتح دفتري لأكتب شيئًا جديدًا، فأجد بين صفحاته ورقةً بخطّه، لا تحمل سوى جملةٍ واحدة:
«أمّا هذه المرّة، فلا تكتبي النهاية وحدكِ.»
-غزالة
351
أطمحُ أن أغيبَ مثلَ الشمس؛
أن أتركَ للعالم ضوءَه، وأمضي،
فَـ حتّى الشمس، على اتّساع ما تمنح، لها موعدٌ مع الأفول.
تختفي كلَّ مساء دون أن تعتذر، وتستريحُ من عيونٍ اعتادت أن تنتظرَ منها النور، ثم تعودُ في الغد بكامل هيبتها، كأنّ الغيابَ
لم ينتقص منها شيئًا.
وأنا أيضًا، أودُّ لو أملكُ حقَّ الأفول، أن أغيبَ دون أن يُساء فهمي، وأن أعودَ حين أستردُّ شيئًا منّي…
فليس من العدل أن يُطالَب الضوءُ بأن يظلَّ مُضيئًا طوالَ الوقت.
-غزالة
351
في الخامسة صباحًا،
حين ينسحب الليل على مهل، ويترك للضوء خيطًا رقيقًا يعبر النافذة، أتمنّى لك صباحًا دافئًا، كأنّ يدًا حنونة تمسح عن روحك تعب الأمس، وكأنّ العالم، بكلّ اتّساعه، قرّر أن يكون لطيفًا معك اليوم.
أتمنّى لو تصلك منّي رِقّة هذا الفجر، ولو تعرف كيف يمكن لفكرةٍ صغيرة عنك أن تجعل الساعات الأولى من الصباح أكثر دفئًا… وكيف يمرّ الشوق أحيانًا هادئًا، دون أن يترك لنا سوى رغبةٍ صغيرة في أن يكون أحدهم أقرب.
ولا تسألني لِمَ أنا مستيقظة الآن…
ربّما لأنّ الفجر جاء هذه المرّة بشيءٍ من ملامحك، أو لعلّني كنتُ أنتظر شيئًا لا أعرف كيف أسمّيه بعد…
-غزالة
351
«لا تخاف، هاتِ ايدَكَ وضعها في يدي، ولا تخاف».
لِمَ تخافُ وتُصغي إلى ضجيجِ أفكاركَ؟ ها أنا بجانبكَ يا حبيبي، انظرْ إلى عينيَّ قليلًا، ودَعْ عنكَ كلَّ ما يُرهقُ قلبَكَ.
اقتربْ منّي، وضَعْ قبلةً على جبيني، ثمّ أَسندْ رأسَكَ إليَّ، وأخبرني عمّا لم تستطعْ البوحَ به لأحد.
دعني أُحبُّكَ في تلك اللحظات التي لا تُحبُّ فيها نفسَكَ، وأمسحْ بيدي على وجهكَ، وأقبّلْ عينيكَ اللتين أتعبهما التفكير.
يا حبيبي، ليس عليكَ أن تجدَ حلًّا لكلِّ شيء، ولا أن تتظاهرَ بالقوّةِ أمامي، يكفي أن تُمسكَ يدي، وأن تنظرَ إليَّ كما لو أنّكَ وجدتَ أخيرًا مكانًا لا تُقاتلُ فيه مخاوفَكَ.
تعالَ،ودَعْني أُحبُّكَ قليلًا؛ لعلَّ قلبَكَ ينسى، ولو لمرّةٍ واحدة، كيف يكونُ الخوف.
-غزالة
351
الآن، مدينتي تمطر؛
وكم تمنّيتُ لو أنّكَ معي،
أن نرقص تحت المطر،
وأن ننسى كلَّ
ما كان بيننا من خلاف،
فنختلفُ من جديدٍ على أشياءَ صغيرة، ونتصالحُ بقبلة.
وأن أتشاجرَ معكَ ضاحكةً بسبب رائحة سجّارتكَ،
التي أظنّكَ مستعدٌّ لبيعِ الكوكبِ بأسره من أجلها،
ثمّ أعودُ فأقتربُ منك،
وأسرقُ من بين أصابعكَ تلك السيجارة،
كأنّني بذلك أنتصرُ عليك،
وأنا في الحقيقة لا أريدُ
من العالم كلّه سوى أن أكونَ معكَ، في مدينةٍ تمطر،
وقلبَين لا يُحسنانِ البقاءَ متخاصمَين.
-غزالة
351
حقًّا، لا أعرفُ لِمَ كلُّ هذه التراكمات،
وأنا التي لم أعبر من عمري سوى بداياته.
كيف استطاعت أيّامٌ قليلةٌ
أن تتركَ في داخلي كلَّ هذا التعب؟
كأنّني عشتُ أعمارًا لا تخصّني،
وحملتُ من الأيّام ما يفوقُ سِنّي
، حتى صرتُ أشتاقُ إلى نفسي، تلك التي كان ينبغي
أن أكونَها قبل
أن يُثقلها كلُّ هذا.
-غزالة
351
أنا والجوِّ الآن متشابهان؛
كلانا يبحثُ عن أيِّ ثغرةٍ
لإسقاطِ ما تبقّى منه،
كأنَّ السماءَ لم تَعُد تتّسعُ لغيمها، وكأنَّ صدري قد ضاقَ بما راكمهُ من عواصف.
لقد صرنا تَلًّا من الهموم،
لا نحنُ نُزهرُ،
ولا نحنُ نملكُ
رفاهيةَ السقوطِ الأخير.
-غزالة
351
تعالَ،
وارتمِ في حضني؛
فإنَّ أنفاسَكَ تُؤجِّلُ اعترافًا في صدري.
ذُبْ بين ذراعيَّ،
فما خُلِقَ العناقُ ليضمَّ الجسد،
بل ليُربِكَ المسافةَ حتى تنسى اسمَها.
اقتربْ أكثر،
حتى يختلطَ عطرُكَ بأنفاسي،
فلا أدري أيُّنا تركَ أثرَه في الآخر،
وأيُّنا صارَ فتنةَ الآخر.
أريدُ أن أُربكَ شفتيكَ بقبلاتي،
وأن أتركَ على فمِكَ منّي أثرًا
تعجزُ الكلماتُ عن وصفِه،
وأن أُصغيَ إلى ارتجافِ أنفاسِكَ
حينَ يعجزُ الكلامُ عن إنقاذِنا من هذا القُرب.
أريدُ أن نبلغَ من التماسِّ حدًّا
تضيعُ فيه الحدودُ بين ما أشتهيه منك،
وما لم أعد أستطيعُ إنكارَه في نفسي.
-غزالة
351
مَتى تُصبحينَ لي، يا مُدلَّلتي؟
أكُلُّ هذا العِنادِ، وأنا أُهيِّئُ لكِ قلبي كأنّهُ البيتُ الوحيدُ الذي لن يُغلِقَ أبوابَهُ في وجهكِ؟
كُفّي عن هذا التمرُّد، لقد أتى الشتاءُ، وامتلأتِ النوافذُ بالبَرْد، وما زلتِ أنتِ تُؤجِّلينَ مجيئكِ، كأنّ الفصولَ خُلِقَتْ لتتبدّل، إلّا أنتِ، خُلِقتِ لتُبقيني في انتظاركِ.
-غزالة
351
نعم، قال لي الطبيب:
«انتبهي لنفسك، ولا تُفكّري فيما قد يحدث غدًا أو بعد غد».
وبالله عليك، كيف لا أفكّر؟
كيف أُقنع عقلي بالصمت، وأنا أرى نفسي تنهار أمام عينيّ، ولا أملك يدًا تنتشلني ممّا أنا فيه؟
كيف أترك الغد وشأنه، والغدُ هو أكثر ما يُرعبني؟
كيف أعيش هذه الساعة دون أن أستبقها إلى ساعاتٍ لم تأتِ بعد، وأُعاني فيها أشياءَ لم تحدث، لكنّ احتمالاتها تنهش ما تبقّى منّي؟
يقولون: لا تُرهقي نفسكِ بالتفكير، وكأنّ التفكير بابٌ أُحكم إغلاقه، لا هاويةٌ كلّما حاولتُ الابتعاد عنها وجدتُني في قاعها.
أخشى ما سيأتي، وأخشى ألّا أكون بخير حين يأتي، وأخشى أن يستنزفني الانتظار إلى الحدّ الذي لا أعود فيه قادرةً على استقبال أيّ شيء، حتى الأشياء التي تمنّيتُ طويلًا أن تحدث.
يا إلهي، كيف أطمئنّ إلى غدٍ لا أعرفه، وأنا أبذل كلّ ما في وسعي لأعبر هذا اليوم دون أن أفقد شيئًا آخر من نفسي؟
-غزالة
351
يا فؤادي،
لو استطعتُ أن أستعيرَ لكَ عينيَّ في اللحظة التي رأيتُكَ فيها، لفعلت؛ لا لتعرفَ كم كنتَ جميلًا، بل لتشهدَ الجريمةَ التي ارتكبها الجمالُ بحقِّ مقاييسي، حين جاءَ وجهُكَ وأبطلَ صلاحيةَ كلِّ ما عرفتُه قبلك.
أردتُكَ أن ترى كيف انحنى ذوقي عن أشياءَ كان يُفتنُ بها، وكيف فقدت الوجوهُ قدرتَها على إدهاشي، لا لأنّها نقصت جمالًا، بل لأنّ عينيَّ عرفتا هيئةً لم تعودا تقبلان بعدها بالتقريب.
لقد فعلتَ بي ما تفعله الفكرةُ حين تعثر على جسدٍ يُجسّدها؛ لم تعد الجمالَ الذي أراه، بل صرتَ المعيارَ الذي أُحاكِمُ به ما أرى.
وهذا، يا حبيبي، ليس ما يُخيفني؛ ما يُخيفني أنّني لا أعرفُ أكنتُ أراكَ كما أنت، أم أنّ شيئًا فيَّ كان ينتظرُكَ منذ الأزل، فلمّا جئتَ، سمّاكَ استثناءً، وأعاد كتابةَ العالم على مقاس عينيكَ.
-غزالة
