كُنَّاشة من دروس السيد المددي
前往频道在 Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
显示更多未指定国家未指定类别
711
订阅者
+124 小时
+377 天
+3830 天
帖子存档
هل يمكن توسيع علم الفهرسة؟ الفرق بين الأسانيد والإجازات في المنهج الفهرستي
(**يبقى السؤال: هل يمكن توسيع #علم_الفهرسة كما أمكن توسيع #علم_الرجال؟
الجواب: إن كان المقصود الفهرسة بالمعنى الذي نجده في كتاب #الذريعة للشيخ #آقا_بزرگ_الطهراني، أو في #الفهرست لابن النديم، فنعم، يمكن ذلك؛ فإذا ثبت أن شخصًا كان له كتاب، ولم يذكره #الشيخ_الطوسي ولا #النجاشي، أمكن إضافته إلى الفهرس.
أما إذا أردنا أن نؤلف فهرسًا على منهج النجاشي نفسه، فالأمر يختلف تمامًا.
فإذا كان الكتاب يعود إلى أحد علماء القرن الثالث الهجري، ولم يرد في فهرستي النجاشي والشيخ الطوسي، فلا يمكنني اليوم أن أنشئ له طريقًا من عندي.
والسبب في ذلك أنّ الفهارس لا تُستخرج من الأحاديث؛ لأنّ الأحاديث قائمة على الأسانيد، بينما الفهارس مبنية على الإجازات.
ولهذا يمكن استخراج علم الرجال من الأسانيد، أما الفهارس فلا بد فيها من طريق إلى الكتاب نفسه، لا إلى مؤلفه.
نعم، يمكن أيضًا الاستفادة من الإجازات لإثبات علاقة الراوي بالمرويّ عنه في علم الرجال.
فمثلًا، نجد في كتاب #اختيار_معرفة_الرجال للكشي ذكرًا لكتاب اسمه «مفاخر أهل البصرة والكوفة»، مع أنّ هذا الكتاب لم يذكر في أي فهرس، حتى في #الذريعة.
وقد تلقّى #الكشي هذا الكتاب عن أستاذه #العياشي، عن مؤلفه #جبرئيل_بن_أحمد_الفاريابي، ويبدو أنّ النسخة التي كانت عنده كانت بطريق الوجادة، وربما كانت النسخة الأصلية، ثم فُقد الكتاب بعد ذلك.
فلو فرضنا أنّ لديّ اليوم إجازة عامة من أحد مشايخ العصر تنتهي إلى #الشيخ_الطوسي، والشيخ الطوسي له طريق إلى الكشي، والكشي له طريق إلى جبرئيل بن أحمد صاحب الكتاب، فهل يجوز ضمّ هذه الطرق بعضها إلى بعض، فنقول:
«أجازني فلان، بإسناده إلى الشيخ الطوسي، عن جعفر بن محمد بن مسعود، عن الكشي، عن العياشي، عن جبرئيل بن أحمد بكتابه»؟
أي: هل يمكن أن نوسّع الفهرسة كما وسّعنا علم الرجال؟
إنّ الإشكال هنا هو أنّ ما وصل إلينا إنما هو أسانيد الكشي إلى روايات الكتاب، لا إجازته لجميع الكتاب.
فلعلّ كتاب جبرئيل بن أحمد الفاريابي كان يشتمل على خمسمائة رواية، بينما لم ينقل الكشي منه سوى مائة رواية.
ومن هنا تكمن المشكلة؛ فإنّ الذي بأيدينا ـ على حدّ تعبيرنا ـ هو أسانيد الكشي إلى بعض أحاديث الكتاب، وليس إجازةً منه لجميع الكتاب.
بينما المطلوب في علم الفهرسة هو إثبات الإجازة إلى مجموع الكتاب.
وقد ذهب بعض المتخصصين في هذا الفن إلى جواز هذا النوع من التركيب، إلا أنّ التمييز بين ما هو سند، وما هو إجازة، من أعقد المسائل وأدقها.
ومن هنا نفهم أيضًا المراد من تعبير بعض العلماء:
«فلان ضعيف في الحديث».
فقد يكون منشأ هذا الحكم أنّ الراوي كان يرى عدم وجود مانع من ضمّ الإجازة العامة إلى طريق الشيخ الطوسي، ثم إلى طريق الكشي، ثم إلى الطريق الصحيح للكتاب، للخروج بنتيجة مفادها امتلاك طريق صحيح إلى الكتاب.
وثمرة هذا العمل هي إدخال الكتاب في دائرة الإجازات، وبالتالي إثبات حجيته.
ولهذا حاول بعضهم معالجة إشكال بعض الروايات بهذا الأسلوب، وأطلقوا عليه عناوين مثل «التعويض» ونحوها.
ومن هنا يبرز السؤال الأساس:
هل أُغلق الطريق الفهرستي نهائيًا، بحيث لم يعد بالإمكان تأليف كتاب على غرار فهرست النجاشي؟
لقد ذهب بعضهم إلى أنّه ما دام أصل الكتاب ثابتًا، والكشي قد رواه بسند صحيح عن العياشي، ونحن نملك طريقًا صحيحًا إلى الكشي عبر الشيخ الطوسي، فما المانع من القول بأن لنا طريقًا صحيحًا إلى كتاب جبرئيل بن أحمد الفاريابي؟
وبناءً على ذلك يمكن أن يُكتب في الفهرس:
«جبرئيل بن أحمد الفاريابي، له كتاب مفاخر أهل البصرة والكوفة، أجازني فلان، عن فلان... بالإسناد إلى #الشيخ_الطوسي، عن #الكشي، عن #العياشي، عن جبرئيل بن أحمد.»
والقائلون بصحة هذا المسلك يستدلون بأنّ أصل الكتاب ثابت، والكشي قد رواه بطريق معتبر عن العياشي، فإذا ثبتت لنا الطريق إلى الكشي، ثبتت تبعًا الطريق إلى الكتاب أيضًا.
وهذا في حقيقته تحويل للأسانيد إلى إجازات، أو بتعبير آخر: إضافة كتب جديدة إلى الفهارس وفق منهج #النجاشي، لا وفق منهج #آقا_بزرگ_الطهراني.
وذلك لأنّ النجاشي كان ينظر إلى الفهارس والكتب من زاوية الحجية والاعتبار، ومن ثمّ وقع البحث في إمكان إحياء هذا المنهج والسير عليه في العصر الحاضر أيضًا.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #علم_الفهرسة #علم_الرجال #النجاشي #الشيخ_الطوسي #الكشي #العياشي #جبرئيل_بن_أحمد_الفاريابي #ابن_النديم #آقا_بزرگ_الطهراني #الذريعة #الفهرست #الإجازة #السند #الوجادة #الحجية #التعويض
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 26/07/1396)
منهج تدوين كتب الرجال وتطوره: بين المصادر السابقة والاستخراج من الروايات
(**إنّ المنهج المتّبع في تأليف كتب #علم_الرجال ـ وهو المنهج الذي سار عليه أيضًا #الشيخ_الطوسي ـ يقوم في الأصل على محورين رئيسين:
1. الاعتماد على المصادر الرجالية السابقة.
فقد كان المؤلف يجمع ما ورد في كتب الرجال التي سبقته؛ فما ذكره #الكشي، أو #البرقي، أو ما ورد في كتاب #ابن_عقدة، يقوم بإثباته في كتابه.
ولكتاب ابن عقدة مستدرك ألّفه #ابن_نوح، إلا أنّ الشيخ الطوسي ـ مع أنّه أدرك ابن نوح ـ لم يعتمد عليه، إضافةً إلى أنّ ابن نوح لم يكن مقيمًا في بغداد.
أمّا #النجاشي فقد أكثر من النقل عن ابن نوح؛ لأنّه كان من تلامذته، وكان ابن نوح شخصيةً علميةً جليلة، يتمتع بمكانةٍ رفيعة في علوم الحديث والرجال.**
2. الاستخراج الشخصي من المصادر الحديثية.
وهو أن يعثر المؤلف في كتابٍ من الكتب على رواية مثل: «فلان، عن جعفر بن محمد»، فيدرج اسم هذا الراوي ضمن أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
وهذا هو المنهج الذي سلكه #السيد_أبو_القاسم_الخوئي في كتاب #معجم_رجال_الحديث، وقد سبقه إليه ـ لأول مرة بين علماء الإمامية ـ #المحقق_الأردبيلي في كتاب #جامع_الرواة.
وخلاصة عملهما أنّهما جمعا أولًا ما ورد في كتب الرجال السابقة، ثم أضافا أسماءً جديدة استخرجاها من المصادر الحديثية، ككتاب #الكافي، حيث وجدا عشرات الأسماء التي لم تذكرها كتب الرجال المتقدمة أصلًا.
ولهذا السبب أصبح عدد التراجم في معجم رجال الحديث أكبر مما في الكتب الرجالية السابقة.
إلّا أنّه يُلاحظ على عمل السيد الخوئي أمران:
أولًا: أنّه عدّ الأسماء المكررة ضمن العدد الإجمالي، وهذا الأسلوب غير معتمد في المنهج العلمي المعاصر، ولو حُذفت التكرارات لنقص عدد التراجم بعدة آلاف.
ثانيًا: أنّ استخراجاته اقتصرت على الكتب الأربعة، بينما لو استُخرجت الأسماء من بقية المصادر الحديثية لزاد العدد أكثر.
ومع استمرار تحقيق المخطوطات ونشرها، قد تظهر أسماء جديدة لرواة عن الأئمة (عليهم السلام)، فيضيفها الباحثون اللاحقون، فيزداد العدد مرةً أخرى.
ولهذا فإنّ علم الرجال ـ بهذا المعنى ـ علمٌ مفتوح ومتجدد.
بل إنّ الباحث يستطيع اليوم أن يجد في كتب أهل السنة أو كتب الزيدية أسماء رواة عن #الإمام_الصادق (عليه السلام) لم ترد في المصادر الإمامية، فيضيفها إلى التراجم الرجالية.**
وعليه، فإنّ أمامنا ثلاثة محاور رئيسة:
1. الروايات.
2. كتب الرجال.
3. كتب الفهارس.
والروايات ـ عند الإمامية وأهل السنة على السواء ـ هي الأساس الذي بُنيت عليه كتب الرجال.
فقد قيل مثلًا: إنّ #ابن_عقدة ألّف كتابًا في أصحاب #الإمام_الصادق (عليه السلام) وذكر فيه أربعة آلاف اسم.
لكن هذا لا يعني أنّه كان يعرف هؤلاء الأشخاص معرفةً شخصية، أو أنّ انتسابهم إلى أصحاب الإمام ثابتٌ يقينًا.
وإنّما كان طريقته أن يقول:
«فلان بن فلان روى عن جعفر بن محمد»، أو: «روى عن الصادق».
ثم يذكر الدليل على ذلك بإسنادٍ ينتهي إلى هذا الراوي، ويورد حديثًا واحدًا تحت كل اسم.
ومن هنا، فقد يكون ذلك الحديث ضعيفًا، أو وقع فيه تصحيف أو تحريف، ولذلك فإنّ رقم الأربعة آلاف ليس رقمًا فنيًا دقيقًا، إذ قد يكون بعض الأسماء غير صحيح أصلًا.
ولا سيما أنّ منهج ابن عقدة كان منهجًا أخباريًا، أي أنّه كان يروي كل ما يسمعه، من دون ممارسة عملية التنقيح والتمحيص.
كما أنّ في أسانيده رواة مجهولين، ولهذا فإنّ رواياته لا تخلو من إشكالات.
وقد سلك علماء أهل السنة المنهج نفسه.
وإنّما ذكرت ذلك لأؤكد أنّ علم الرجال ما يزال إلى اليوم علمًا مفتوحًا، ولم يبلغ صورته النهائية بعد.
وسبب ذلك أنّ علم الرجال لا يعتمد على الكتب الرجالية السابقة وحدها.
فلو اقتصر المؤلف على ما ذكره #الكشي و#البرقي وغيرهما، لانتهى العمل عند حدّ معين.
لكن طبيعة هذا العلم تسمح باستمرار الإضافة والاستدراك، ونعتقد أنّ #الشيخ_الطوسي نفسه كان يسير وفق هذا الفهم.
وقد قام المرحوم #الشيخ_محمد_جواد_الأبطحي أيضًا بجهد مماثل، وأضاف نحو أربعة آلاف اسم.
ولو وصلت إلينا اليوم بقية التراث الزيدي، فقد نتمكن من إضافة ألفين أو ثلاثة آلاف اسم آخر.
ويرجع ذلك إلى أنّ علم الرجال ليس إلا انعكاسًا للروايات؛ إذ وُضع للتعريف بأحوال الرواة، لا أنّ علم الرجال وُجد أولًا ثم صُنفت الروايات على أساسه.
فالجذور الأولى لعلم الرجال تعود إلى حدود سنتي 140 و150هـ، وقبل ذلك كانت الروايات موجودة بالفعل، ثم أخذت هذه الروايات تدريجيًا تُستثمر في بناء علم الرجال من زوايا متعددة، وكلما تقدم الزمن تطورت تلك الزوايا وتغيرت مناهج البحث فيها.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #علم_الرجال #الشيخ_الطوسي #النجاشي #الكشي #البرقي #ابن_عقدة #ابن_نوح #السيد_أبو_القاسم_الخوئي #معجم_رجال_الحديث #المحقق_الأردبيلي #جامع_الرواة #الشيخ_محمد_جواد_الأبطحي #الإمام_الصادق #الفهرسة #الرواية #التراث_الحديثي
علم الرجال وتطوره التاريخي: بين تغير الغايات وتبدل المناهج
(**لما كان #علم_الرجال من العلوم الاعتبارية، فإنّ هذه العلوم لا تمتلك موضوعًا ثابتًا بذاته، وإنما يتحدد موضوعها تبعًا للحاجة، والهدف، والغاية، والمقصد الذي أُنشئت من أجله. ولذلك، فإنّها تتطور عبر التاريخ، وتستوعب قضايا جديدة بحسب تغير الأهداف.
ففي المرحلة الأولى ـ تقريبًا منذ سنتي 140 و150هـ وما بعدهما ـ كان البحث في علم الرجال يدور حول وثاقة الراوي وعدم وثاقته.
ثم، بعد سنة 200هـ تقريبًا، ولما شاع القول بعدم حجية الخبر المرسل، برزت مسألة الطبقات؛ ليتحققوا من إمكان رواية راوٍ عن آخر، وهل بينهما لقاء واتصال أم لا.
ولهذا نجد #الشافعي يؤكد في كتاب #الرسالة على عدم حجية الخبر المرسل، في حين كان #أبو_حنيفة يعمل بالمراسيل.
ومع انتشار هذا الاتجاه، أصبح من الضروري بيان طبقات الرواة؛ ليتضح هل الرواية مرسلة أم متصلة.
نعم، أقصى ما يترتب على اختلال الطبقة هو أن تصبح الرواية مرسلة، ومن كان ـ كـ أبي حنيفة ـ يحتج بالمراسيل، فإنه يبقى عاملًا بها.
بل قد يصل الأمر ـ بحسب الغاية المتوخاة ـ إلى الاستغناء عن علم الرجال أصلًا.
فإذا كان المقصود هو إثبات الحكم الشرعي ووصوله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّ #السيد_المرتضى يرى أنّه لا حاجة أصلًا إلى الحديث، وبالتالي لا حاجة إلى علم الرجال أيضًا.
فهو يقول: إذا كان الغرض هو إثبات أنّ الحكم صادر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو ثابت عند الشيعة، فمتى تحقق ذلك من خلال تلقي الطائفة له بالقبول، انتفت الحاجة إلى الرواية نفسها، ومن باب أولى إلى البحث الرجالي.
بل حتى لو وُجدت عشرة أحاديث صحيحة السند، فإنّها لا قيمة لها إذا لم يتحقق تلقي الطائفة لها بالقبول.
وكذلك ذهب #الأخباريون، بل وبعض الأصوليين المعاصرين، إلى أنّه لا حاجة إلى علم الرجال ولا إلى علم الفهرسة، وإنما المدار على قبول الأصحاب للرواية؛ فإن قبلوها قبلناها وعملنا بها، وإلا فلا.
وعلى هذا المبنى تسقط جميع هذه المباحث من أساسها.
وعليه، فإنّ الهدف، والغاية، والمنهج هي التي تحدد طبيعة هذه العلوم.
ففي علم الفقه قد يسلك الفقيه منهجًا ـ كما هو شأن #السيد_المرتضى ـ لا يجعل الحديث محورًا للاستدلال، وقد يسلك منهجًا آخر ـ كما هو حال كثير من الأصوليين المعاصرين ـ يعتمد على الحديث، من دون أن يجعل البحث الرجالي عنصرًا أساسًا في عملية الاستنباط.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #علم_الرجال #علم_الفهرسة #الحديث #الخبر_المرسل #الشافعي #الرسالة #أبو_حنيفة #السيد_المرتضى #الأخباريون #الأصوليون #طبقات_الرواة #حجية_الحديث
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 26/07/1396)
منهج العلّامة الحلي في حجية الخبر وموقف الأخباريين: بين الدراسة الرجالية والحجية التعبدية
(**إنّ إصرار بعض الباحثين على اعتبار #العلامة_الحلي متأثرًا بأفكار أهل السنة ليس صحيحًا، ولا يليق إطلاق مثل هذه الأحكام في حق كبار العلماء.
ولا ريب أنّ حجية خبر العدل تستند إلى مرتكزات عقلائية، ومن الإنصاف أن يُقال: إنّ كلام العلامة الحلي يجمع بين المرتكز العقلائي وبين الاستدلال بالقرآن الكريم، ولا سيما قوله تعالى:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وقد ذكرت مرارًا أنّ أعلامًا كبارًا، مثل #الشيخ_الطوسي و#العلامة_الحلي، كانوا يعيشون في الفضاء العلمي الإسلامي العام، ولذلك كانوا مضطرين إلى مراعاة بعض المعايير العلمية السائدة.
ففي ذلك العصر كانت حجية خبر العدل قد أصبحت من المسلَّمات عند أهل السنة، ولم تعد محل نقاش.
ولهذا نجد #ابن_حزم ـ وهو معاصر الشيخ الطوسي في الأندلس ـ يقول: إنّ الخبر الصحيح ـ وهو: «ما يرويه العدل الضابط عن مثله إلى آخر السند من غير شذوذ ولا علة» ـ هو بمنزلة القرآن الكريم، ويدخل تحت قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
بل يصرّح بأنّ القرآن والخبر الصحيح كلاهما وحيٌ من عند الله تعالى، وحكمهما واحد في وجوب الطاعة [#الإحكام، ج1، ص88].
وبناءً على ذلك، فإنّ الأخبار الواردة في #صحيح_البخاري ـ حتى ما يرويه #أبو_هريرة ـ تُعد عنده من مصاديق قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
مع أنّ من المعلوم أنّ في صحيح البخاري روايات تخالف الوقائع التاريخية، ومع ذلك يرى بعضهم أنّها واجبة القبول لمجرد صحة سندها.
ومن هنا، لم يكن إنكار حجية خبر الواحد ممكنًا في ذلك الوسط العلمي.
وكان هدف العلامة الحلي هو تقنين هذا المبدأ وضبطه، ولذلك سلك الطريق الرجالي.
يُضاف إلى ذلك أنّه في عصره كانت كتب الأصحاب الأصلية قد فُقدت، ولو كانت تلك الكتب لا تزال موجودة، لسلك العلامة المنهج الفهرستي، ولقال مثلًا:
لدينا خمس نسخ من كتاب #محمد_بن_شريح، وهذه النسخة هي المعتمدة.
ولدينا أربع نسخ من كتاب #الحسين_بن_سعيد، وهذه هي النسخة الموثوقة.
ثم جاء #الأخباريون، وقالوا: لا حاجة إلى البحث الرجالي أصلًا؛ لأنّ هذه الكتب التي دوّنها أصحاب الأئمة كانت محفوفة بالقرائن، وقد بُذلت جهود كبيرة في حفظها وتنقيحها، فنحن نقبلها جميعًا.
ولا سيما بعد أن وجدوا رواية عن #الإمام_الجواد (عليه السلام)، نُقلت في قم، جاء فيها أنّ بعض أصحاب الأئمة قالوا:
«إنّ أصحابنا كانوا يعيشون في ظروف تقية شديدة، فدفنوا كتبهم، وقد استخرجناها الآن، أفنحدّث بها؟»
فأجاب الإمام (عليه السلام):
«حدّثوا بها؛ فإنّها حق» [#الكافي 1: 53/15؛ #وسائل_الشيعة 18: 58/27].
ولا يرد هنا إشكال الدور؛ لأنّهم ـ رغم ضعف سند هذه الرواية ـ كانوا يعتقدون اعتقادًا راسخًا بصحة كتاب #الكافي.
ومن هنا نشأت الحجية التعبدية عند الأخباريين.
فهذه هي النقطة المحورية في منهجهم؛ ولذلك عندما يقول الأخباريون:
«كل حديث ورد في كتاب مشهور من كتب أصحابنا فهو حجة»،
فإنّهم لا يقصدون الحجية المستندة إلى آية النبأ، بل يقصدون الحجية التعبدية، ويستدلون عليها بهذه الرواية، لا بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
ومن المعلوم أنّ هذا اللون من النقل ـ بحسب اصطلاح المحدثين ـ يُعد من أردأ أنواع تحمّل الحديث؛ لأنّه من قبيل الوجادة.
ومع ذلك، قال الأخباريون: كل كتاب اشتهر بين أصحابنا في القرن العاشر أو الحادي عشر الهجري ـ حتى لو استُخرج من تحت الأرض ـ يجوز التحديث به والاعتماد عليه.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #العلامة_الحلي #الشيخ_الطوسي #ابن_حزم #الإحكام #صحيح_البخاري #أبو_هريرة #حجية_خبر_الواحد #الحجية_التعبدية #الأخباريون #علم_الرجال #علم_الفهرسة #الإمام_الجواد #الكافي #وسائل_الشيعة #الوجادة
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 26/07/1396)
الترجيح بين الأخبار ومقوّمات الحجية: قراءة في منهجية التعامل مع التعارض
(**إنّ ترجيح خبرٍ على خبرٍ آخر فرعُ ثبوت الحجية لكليهما، وهذا لا يتصور إلا على مبنى الحجية التعبدية.
أمّا قدماء الإمامية، فلم يعرفوا نظرية الترجيح بهذا المعنى، وإنما بدأ منهج الترجيح في الوسط الإمامي منذ عصر #العلامة_الحلي، ثم وقع البحث بعد ذلك: هل يقتصر على المرجحات المنصوصة، أم يجوز التعدي عنها وترجيح أحد الخبرين بأي مرجح يورث القوة؟
وأمّا نحن، فلا نقبل أصل الحجية التعبدية، ولذلك لا يرد الترجيح بهذا المعنى في كلماتنا أصلًا.
فنحن لا نبحث عن الترجيح، وإنما نبحث عن الشواهد؛ لأنّ الخبر الذي تقوم عليه الشواهد هو الحجة، ولا يمكن أن يقوم الشاهد التام على كلا الخبرين المتعارضين معًا.
وكذلك لم نقبل الحجية التعبدية لظواهر الألفاظ، أي القول بحجية اللفظ مع احتمال إرادة خلاف ظاهره، بل نعتقد أنّ اللفظ إنما يكون حجة إذا كان له ظهور عرفي واضح، فإذا تزعزع هذا الظهور أو دخله الإشكال، سقطت حجيته.
وقد ذهب #الشيخ_الطوسي إلى حجية خبر الواحد، ومن الطبيعي ـ على هذا المبنى ـ أن يقول بوقوع التعارض، ثم يسعى إلى الجمع بين الأخبار.
وأمّا #الشيخ_الكليني ـ بنحوٍ ما ـ، ومن بعده #صاحب_الكفاية، فقد ذهبا إلى التخيير.
وأدرك بعض الأعلام، ومنهم #آقا_ضياء_العراقي، أنّ القضية ليست ترجيحًا بين حجتين، بل هي تمييز الحجة عن اللاحجة، فعبّر عنها بهذا العنوان.
غير أنّنا نعبّر عنها بـ «مقوّمات الحجية».
وعليه، فإذا كان خبرٌ ما موافقًا للأجواء العامة عند أهل السنة، وكان قد صدر تقيةً، فهو ليس بحجة من الأساس، لا أنّه حجة ثم يُقدَّم عليه خبرٌ آخر.
وأمّا #صاحب_الكفاية فقد اعتبر أمرين ـ وهما موافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة ـ من مقوّمات الحجية، بينما عدّ سائر المرجحات ـ كـ موافقة الشهرة وغيرها ـ من المرجحات.
إلا أنّه يرى أنّ الأخبار العلاجية نفسها متعارضة، ولذلك يحملها على الاستحباب، فتكون النتيجة عنده: التخيير مع استحباب الأخذ بالراجح.
والمقصود بـ مقوّمات الحجية ـ كما تقدم ـ أنّ الخبر المخالف للكتاب، أو الموافق للأجواء العامة عند أهل السنة، ليس حجةً في نفسه، سواء وجد له معارض أم لم يوجد.
وهذا المعنى تدل عليه رواياتنا، ومن أوضحها صحيحة #عبيد_بن_زرارة، حيث جاء فيها:
«ما سمعتَ منّي يُشبه قولَ الناس، ففيه التقيّة» [#الاستبصار 3: 318/1130؛ #تهذيب_الأحكام 8: 98/330].
والرواية لا تقيّد هذا الحكم بصورة وجود المعارض، بل تجعل موافقة العامة بنفسها مانعًا من الحجية.)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #حجية_خبر_الواحد #الحجية_التعبدية #الترجيح #التعارض #مقومات_الحجية #تمييز_الحجة_عن_اللاحجة #التقية #الشيخ_الطوسي #العلامة_الحلي #الشيخ_الكليني #صاحب_الكفاية #آقا_ضياء_العراقي #عبيد_بن_زرارة #الاستبصار #تهذيب_الأحكام
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 25/07/1396)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #الغلو #النجاشي #علم_الرجال #علم_الفهرسة #سهل_بن_زياد #أحمد_بن_محمد_بن_عيسى #أبو_الخطاب #المفضل_بن_عمر #عبد_الله_بن_سبأ #داود_بن_كثير_الرقي #الكافي #فهرست_أسماء_مصنفي_الشيعة
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 23/07/1396)
الغلو في التراث الإمامي: بين الانحراف العقدي وأثره في تقييم الموروث الحديثي
(**في بحث #الغلو ـ حيث ذكرنا له ثمانية مؤشرات ـ تبرز نقطتان أساسيتان لهما أهمية بالغة:
1. إنّ الغلو ـ في بداياته ـ كان على نوعين:
الغلو العقدي؛ وهو الاعتقاد بألوهية الأئمة (عليهم السلام)، أو نسبتهم إلى صفاتٍ خاصة بالله تعالى، ونحو ذلك.
الغلو العملي؛ ويتمثل في ترك الواجبات وارتكاب المحرمات.
وهذان هما المؤشران الرئيسان للغلو.
2. إنّ أصحاب هذا الاتجاه لم تكن مصادرهم وكتاباتهم تتمتع بالدقة المطلوبة؛ لأنهم كانوا يعيشون ضمن أجواء فكرية خاصة، فلم تكن الدقة في نقل الحديث تمثل لديهم أولوية.
ومع ذلك، ينبغي الالتفات إلى أنّ ما يرد في كتب الرجال من وصف شخصٍ بـ الغلو، أو بعدم الوثاقة، أو حتى بالضعف، ليس المقصود منه الحكم بفسقه أو سقوط عدالته الشرعية، بحيث لا يصح ـ مثلًا ـ إجراء الطلاق عنده أو الصلاة خلفه، وإنما المراد أحد أمرين:
أولًا: الجانب الرجالي؛ أي: هل يمكن الاعتماد على روايات هذا الشخص؟
وثانيًا: الجانب الفهرستي؛ أي: هل تتمتع كتبه ومصنفاته بالدقة والضبط أم لا؟
فإذا ذكر #النجاشي أنّ شخصًا كان من الغلاة، فإنّ مقصوده في الغالب هو أنّ كتبه ليست دقيقة؛ لأنّ الغلو كان اتجاهًا فكريًا له أثر مباشر في طبيعة الموروث العلمي.
فمثلًا، #عبد_الله_بن_سبأ ـ على فرض ثبوت وجوده ـ كان يعتقد بألوهية #أمير_المؤمنين_الإمام_علي (عليه السلام)، إلا أنّ هذا ليس هو خط الغلو الذي نتحدث عنه هنا.
إنّ خط الغلو بوصفه مدرسة فكرية تمتلك تراثًا حديثيًا وتقف في مقابل خط الاعتدال، لم يكن موجودًا في عصر عبد الله بن سبأ، ولا في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل ولا حتى في زمن #الإمام_الباقر (عليه السلام).
وإنما ظهر هذا الاتجاه ابتداءً من عصر #الإمام_الصادق (عليه السلام)، ولا سيما بعد ثورة زيد سنة 121هـ، حيث امتزج الغلو العقدي بالغلو السياسي، واقترن ببعض الحركات المسلحة، وبرزت فيه شخصيات مثل #أبي_الخطاب، الذي جمع بين الانحراف الفكري والانحراف السياسي.
وللأسف، فإنّ بعض الباحثين اليوم يضعون #المفضل_بن_عمر في الخانة نفسها التي يضعون فيها أبا الخطاب، مع أنّ الأمر ليس كذلك.
فـأبو الخطاب كان فاسد العقيدة، يزعم أنّ #الإمام_الصادق (عليه السلام) هو الله، وأنّه هو النبي، بينما المفضل بن عمر لم يكن كذلك.
نعم، قد يكون خطه الاجتماعي والسياسي قريبًا من خط أبي الخطاب، وربما كان من دعاته أو المؤيدين لتحركه السياسي؛ إذ خرج أبو الخطاب مع نحو سبعين رجلًا في حركة مسلحة انتهت بمقتلهم جميعًا، وليس من المستبعد أن يكون للمفضل دور في هذا الجانب، لا في الانحراف العقدي.
وكذلك يقول #النجاشي في ترجمة #سهل_بن_زياد:
«كان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب، وأخرجه من قم إلى الري» [#فهرست_أسماء_مصنفي_الشيعة: ص185].
وهنا المقصود بالغلو هو الغلو السياسي، لا أنّ سهل بن زياد كان يعتقد بألوهية الأئمة (عليهم السلام)، أو أنّه كان يترك الصلاة ونحو ذلك.
إذن، المقصود هو الغلو الذي يؤثر في قيمة الموروث العلمي.
وكذلك فإنّ #أحمد_بن_محمد_بن_عيسى حين وصف سهل بن زياد بالكذب، لم يكن يقصد الكذب بالمفهوم المتعارف.
فكلاهما من أهل قم، وقد سافرا إلى الكوفة لتحمل الحديث. وكان اعتراض أحمد يتمثل في أنّ سهلًا يقول: «عن الوشّاء»، وهي صيغة توحي بأنّه سمع الحديث منه مباشرة، مع أنّه في الواقع وجده في كتابه ولم يسمعه منه، وكان ينبغي أن يقول: «في كتاب الوشّاء».
وهذا يرجع إلى الخلاف المعروف في علم الحديث: هل العنعنة مساوقة للاتصال، أم أنّها أعم منه؟
فقد كان سهل بن زياد يرى أنّ العنعنة تدل على الاتصال، بينما لم يكن أحمد بن محمد بن عيسى يرى ذلك.
وهذا لا يُعد كذبًا بالمعنى الحقيقي.
ومن هنا لم يُحسن فهم عبارة النجاشي منذ البداية؛ إذ إنّه يقول أولًا:
«كان ضعيفًا في الحديث، غير معتمد فيه».
ثم يعقب بقوله:
«وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب».
وكأنّ النجاشي يريد أن يقول: إنّ تعبير أحمد بـ«الكذب» ليس دقيقًا، والأولى أن يقال: «ضعيف في الحديث».
وهذا من أدقّ تعبيرات النجاشي وألطفها؛ لأنّ العبارتين متصلتان في السياق، وليستا حكمين مستقلين.
ثم كيف يُعقل أن يروي #الشيخ_الكليني في #الكافي أكثر من تسعمائة رواية عن رجلٍ كذّاب؟!
وكذلك يقول النجاشي في ترجمة #داود_بن_كثير_الرقي:
«ضعيف جدًا، والغلاة تروي عنه»، ثم ينقل عن #أحمد_بن_عبد_الواحد قوله:
«قلّما رأيت له حديثًا سديدًا» [#فهرست_أسماء_مصنفي_الشيعة: ص156].
ولو كان المقصود بالغلو هنا القول بألوهية الأئمة، فما العلاقة بين ذلك وبين الحكم على جودة الحديث أو سلامة الموروث الروائي؟
إنّ المشكلة أنّ كثيرًا من المتأخرين جمعوا جميع أنواع الغلو في معنى واحد، ومن هنا وقعوا في أخطاء منهجية في فهم كلمات علماء الرجال وتقييمهم للرواة.)
كتاب النجاشي بين الفهرسة والرجال: التحول المنهجي من المدرسة الفهرستية إلى المدرسة الرجالية
(**كان اهتمام #النجاشي في الأساس فهرستيًا، أمّا ملاحظاته الرجالية فكانت في الغالب تأتي على سبيل الجملة الاعتراضية. فهو يصرّح في مطلع الجزء الثاني من كتابه بقوله:
«الجزء الثاني من كتاب فهرست أسماء مصنّفي الشيعة وما أدركنا من مصنَّفاتهم وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم... وما قيل في كلّ رجل منهم من مدح أو ذم» [#فهرست_أسماء_مصنفي_الشيعة (رجال النجاشي): ص211].
ومن هنا يتضح أنّ الكتاب في حقيقته كتابٌ في فهرسة الكتب والمصنفات، وأمّا ما يورده أحيانًا من توثيق أو تضعيف، فإنّما يأتي عرضًا وتبعًا.
ولهذا نجده يفرّق بنفسه بين ما أخذه من كتب الرجال وما أخذه من كتب الفهارس؛ ففي بعض التراجم يقول: «ذكره أصحاب الرجال»، وفي بعضها الآخر يقول: «ذكره أصحاب الفهارس»، بينما لا يذكر هذا التنبيه في مواضع أخرى.
وعليه، فإنّ التعابير من قبيل: «ثقة»، أو «ضعيف»، ونظائرها، ليست هي المقصود الأصلي من الكتاب، بل هي عبارات اعتراضية، ولذلك نجد أنّ #الشيخ_الطوسي في كتابه يورد مثل هذه الملاحظات بدرجة أقل بكثير.
نعم، إذا قال النجاشي: «مسكون إلى روايته»، فإنّ هذه العبارة لا تدل على الوثاقة فحسب، بل تتضمن أيضًا إشارةً فهرستية، أي إنّ كتبه نفسها موضع اعتمادٍ كامل.
ومع مرور الزمن، وبعد أن تُرك العمل بالمباحث الفهرستية، وعدم استنساخ كثيرٍ من تلك الكتب وضياعها، وذلك منذ وفاة النجاشي (نحو سنة 450هـ) إلى عصر #العلامة_الحلي (726هـ)، انقلبت الصورة تمامًا؛ ففي كتاب #خلاصة_الأقوال لم ينقل العلامة إلا الملاحظات الرجالية الواردة في كتاب النجاشي.
بل إنّه حذف الأسانيد، كما لم يعد يذكر عبارات مثل: «له كتاب» أو «له كتب»، فأصبحت الجمل الاعتراضية عند النجاشي هي الأصل الذي بُني عليه كتاب العلامة.
وكذلك في كتاب #قاموس_الرجال ـ الذي ألّفه صاحبه ردًّا على #تنقيح_المقال للمرحوم #المامقاني ـ نلاحظ أنّه يحذف كلّ ما يتصل بالمباحث الفهرستية، مع أنّها مذكورة في تنقيح المقال؛ وذلك لأنّ منهجه رجالي محض.
وخلاصة تطور الفكر الإمامي في هذا المجال هي:
1. أنّ #النجاشي أنجز عملًا فهرستيًا بالغ الدقة.
2. أنّ هذا المنهج لم يُواصل بعده، فتوقفت الدراسات الفهرستية.
3. أنّ #العلامة_الحلي استخرج من كتاب النجاشي الجانب الرجالي وحده.
4. ومنذ عصر العلامة، انصرف العلماء إلى علم الرجال، حتى أُهملت المباحث الفهرستية إهمالًا شبه تام.)
(**وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ كتاب #النجاشي هو كتاب فهرست، غير أنّه يشتمل في ثناياه على بعض المباحث الرجالية على سبيل الاستطراد.
وأمّا التحول الذي أحدثه #العلامة_الحلي في القرن الثامن الهجري، فقد تمثل في حذف المادة الفهرستية من كتاب النجاشي، فتحول كتابه إلى مصنفٍ رجالي خالص.
فمثلًا، في ترجمة #محمد_بن_شريح حذف العلامة المعلومات الفهرستية، واكتفى بقوله:
«محمد بن شريح الحضرمي، أبو عبد الله، ثقة، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)» [#خلاصة_الأقوال: 263/134].
كما حذف عبارة «له كتاب»، وهذا في محلّه؛ لأنّ البحث الرجالي غير البحث الفهرستي.
أمّا #الشيخ_الطوسي، فقد اقتصر هنا على المعلومات الفهرستية، فقال:
«محمد بن شريح، له كتاب، أخبرنا به جماعة، عن...» [#الفهرست: 217-218/615، و230-231/666،670].
وقد توهّم بعض الباحثين ـ لما رأوا أنّ النجاشي يورد أحيانًا ملاحظات رجالية ـ أنّ كتابه كتاب رجال، مع أنّ حقيقته كتاب فهرست، وما يورده من معلومات عن الترجمة، أو الطبقة، أو الوثاقة إنّما يأتي تبعًا للتعريف بصاحب الكتاب، لا أنّه المقصود الأصلي من التأليف.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الفقه #النجاشي #فهرست_أسماء_مصنفي_الشيعة #الشيخ_الطوسي #الفهرست #العلامة_الحلي #خلاصة_الأقوال #قاموس_الرجال #تنقيح_المقال #المامقاني #علم_الرجال #الفهرسة #التراث_الحديثي
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 23/07/1396 و26/07/1396)
قراءة في موقف الكليني والصدوق من حديث زرارة ودلالة النوم على نقض الوضوء
(ولا شكّ أنّ #الشيخ_الكليني و#الشيخ_الصدوق** قد اطّلعا على هذا الحديث في كتاب #الحسين_بن_سعيد، وليس الأمر أنّهما لم يرياه.
ولكن يبقى السؤال: هل فهما من الحديث أنّ النوم ليس ناقضًا للوضوء، وأنّ الناقض إنّما هو اليقين بحدوث الحدث؟
فلو كان هذا هو المراد من الحديث، لوجب حمله على التقية؛ لأنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) قائم على أنّ النوم بنفسه حدثٌ ناقضٌ للوضوء.
وأمّا ما نُقل عن #عبد_الله_بن_عباس من أنّ «النوم ليس ناقضًا»، فأنا أستبعد ذلك جدًّا؛ وذلك لوجهين:
أولًا: إنّ ابن عباس كان عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) في حدود العاشرة أو الثانية عشرة من عمره، ولم يكن في مستوى يؤهله للإحاطة بالسنة النبوية وفهمها على نحوٍ تام.
وثانيًا: إنّه كان شديد التأثر بـ #أمير_المؤمنين_الإمام_علي (عليه السلام)، ومن المقطوع به أنّهم قد نقلوا عن الإمام (عليه السلام) أنّ النوم ناقضٌ للوضوء.**)
#السيد_أحمد_المددي #خارج_الأصول #الاستصحاب #زرارة #الشيخ_الكليني #الشيخ_الصدوق #الحسين_بن_سعيد #عبد_الله_بن_عباس #أمير_المؤمنين_الإمام_علي #الوضوء #التقية
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الأصول، 23/08/1397)
وفي القرن الخامس أدرجه #الشيخ_الطوسي بعد التزامه بحجية خبر الواحد، ومن هنا ذاع الحديث واشتهر.
وأمّا الاستدلال بهذا الحديث على قاعدة الاستصحاب، فلم يظهر بصورة واضحة إلا في القرن العاشر على يد والد #الشيخ_البهائي في كتاب #العقد_الطهماسبي.
ثم جاء الإخباريون في القرن الحادي عشر، فذهبوا إلى اختصاص دلالة الحديث بالشبهات الموضوعية.
وفي القرن الثاني عشر وسّع #الوحيد_البهبهاني دائرة دلالته لتشمل الشبهات الحكمية أيضًا.
ومنذ القرن الثالث عشر سار #الشيخ_الأنصاري، ومن بعده تلامذته، على هذا المنهج، وأكملوا البناء العلمي عليه.**)
#السيد_أحمد_المددي #الاستصحاب #زرارة #الأصول #المصنفات #الشيخ_الكليني #الشيخ_الصدوق #الشيخ_الطوسي #النجاشي #الشيخ_المفيد #ابن_شهرآشوب #الذريعة #الوحيد_البهبهاني #الشيخ_الأنصاري #العقد_الطهماسبي #الحديث #علم_الفهرسة #علم_الرجال
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه)
التطور التاريخي لحديث زرارة ومفهوم «الأصول» في التراث الإمامي وأثره في تأسيس قاعدة الاستصحاب
(3. إنّ مرحلة إنتاج التراث الحديثي عند الإمامية تمتد تقريبًا من سنة 80 هـ إلى 150 هـ، أي في عصر #الإمام_السجاد و#الإمام_الباقر و#الإمام_الصادق (عليهم السلام). ثم انتقلت هذه الموروثات من سنة 150 هـ إلى حدود 300 هـ إلى بغداد، حيث تكوّنت المدرسة البغدادية الأولى. وهناك نهض كبار الأصحاب ـ مثل #البزنطي و#ابن_أبي_عمير و#يونس_بن_عبد_الرحمن** وغيرهم ممن ينتمي إلى الاتجاه البغدادي ـ بعملية تنقيح التراث الحديثي.
ومنذ سنة 200 هـ إلى 400 هـ انتقلت المصادر إلى قم، فبذل علماؤها جهدًا كبيرًا في دراسة المصادر وتمحيصها. ففي الكوفة كان المؤلفون وكبار الأصحاب حاضرين، فإذا اعترضتهم مشكلة رجعوا إلى مؤلفي الكتب أنفسهم، أمّا في قم ـ وكان أكثر علمائها من الفرس مع بُعد المسافة عن الكوفة ـ فقد انصبّ اهتمامهم على العمل على المصادر نفسها، وهو ما اصطلحنا على تسميته بـ العمل الفهرستي.
أمّا أصحابنا في ما وراء النهر، فقد ركّزوا اهتمامهم بصورة أكبر على علم الرجال. وقد بلغ العمل الفهرستي ـ أي دراسة أسانيد الكتب ومتونهـا ـ من الدقة حدًّا أصبحت معه النسخ القمّية أصحَّ وأدقَّ من النسخ الموجودة في الكوفة نفسها.
وأمّا مرحلة التنقيح النهائية فقد تمت في المدرسة البغدادية الثانية، خلال الفترة الممتدة من سنة 330 هـ ـ تاريخ دخول #الشيخ_الكليني إلى بغداد ـ إلى سنة 450 هـ ـ تاريخ خروج #الشيخ_الطوسي منها ـ، وهي المرحلة التي كان لها أعظم الأثر في جميع معارفنا الإسلامية إلى يومنا هذا.
وقد لاحظ #الشيخ_الطوسي أنّ هذا الحديث غير موجود في كتابي #الكافي و#من_لا_يحضره_الفقيه، فنقله من كتاب #الحسين_بن_سعيد، ويبدو أنّ هذا الكتاب لم يمكث في قم إلا مدة قصيرة، فلم يخضع لعملية التنقيح التي خضعت لها سائر الكتب.
ولعلّ السر في ذلك أنّ الاستصحاب في هذه الرواية ذو طابع عملي لا إدراكي؛ أي إنّ من توضأ يستمر في ترتيب آثار الوضوء حتى يتيقن بحدوث الحدث. ومن ثمّ، فليس الكلام عن الحالة النفسية المتمثلة في اليقين والشك، بل إنّ الحديث ـ على الظاهر ـ ناظر إلى مسلك اليقين؛ أي إذا أصابك النعاس، فاستصحب آثار الوضوء حتى يحصل لك اليقين بوقوع الحدث.
ومن البعيد جدًا أن يكون حديث بهذه الشهرة قد تركه #الشيخ_الكليني و#الشيخ_الصدوق، ثم يضطر #الشيخ_الطوسي في القرن الخامس إلى استخراجه من كتاب #الحسين_بن_سعيد.**
**4. ويُحتمل أنّ مصطلح «الأصل» قد ظهر بين أصحابنا في عصر #الإمام_الرضا (عليه السلام).
أمّا عند أهل السنة، فكان الأصل يُطلق على مجموعة الأحاديث التي يسمعها الراوي من أستاذه ويقيّدها كتابةً، ثم يقارنها بما سمعه من غيره، فينتقي منها ما يراه صالحًا، فيخرج منه المصنَّف؛ فكأنّ الأصل بمنزلة المسوّدة، والمصنف بمنزلة النسخة المنقحة.
وأمّا المصطلح الذي شاع بين الإمامية ـ سواء في بغداد أم في قم ـ فهو التفريق بين «الأصول» و«المصنفات».
ولهذا فإنّ #النجاشي ألّف فهرسًا خاصًا بـ مصنفات الأصحاب، ولذلك لم يذكر سوى خمسة أو ستة كتب من الأصول، بينما ألّف #الشيخ_الطوسي فهرسًا يشمل الأصول والمصنفات معًا.
وتُعدّ كتب #حريز من الأصول. كما يذكر #الشيخ_الطوسي في ترجمة #هارون_بن_موسى_التلعكبري أنّه: «روى جميع أصول الأصحاب ومصنفاتهم».
وينقل #ابن_شهرآشوب عن #الشيخ_المفيد أنّ الإمامية ألّفوا منذ عصر #أمير_المؤمنين (عليه السلام) إلى عصر #الإمام_الحسن_العسكري (عليه السلام) أربعمائة كتاب تُعرف بالأصول.
ولعلّ هذا النص كان موجودًا في بعض مؤلفات #الشيخ_المفيد التي لم تصل إلينا، إذ لم ينقله غير #ابن_شهرآشوب.
وقد ذكر #الشيخ_الطوسي نحو سبعين أصلًا، بينما أحصى #آغا_بزرگ_الطهراني في الجزء الثاني من #الذريعة مائة وسبعة عشر أصلًا، وهو عدد لا يزال بعيدًا عن الأربعمائة المذكورة.
ويبدو أنّ #الشيخ_الطوسي بعد تبنّيه حجية خبر الواحد لم يعد يرى فرقًا جوهريًا بين الأصل والمصنف.**
5. وكان كتابا #حماد و#حريز** ـ وهما من الأصول ـ موجودين في قم. أمّا كتاب #الحسين_بن_سعيد، فإنّ #الشيخ_الطوسي يصفه بقوله: «صنّف»، مما يدلّ على أنّه كان من المصنفات.
وقد احتملنا أنّ المصنفات كانت تضم الأحاديث الصالحة للتدوين، لكنها لم تكن صالحة للاحتجاج بها مباشرة، لا بمعنى أنّها ضعيفة، بل بمعنى أنّ اصطلاح «المصنف» عند الإمامية يقابل اصطلاح أهل السنة: «يُكتب حديثه ولا يُحتجّ به»، لا اصطلاح: «لا يُكتب حديثه». ومن ثمّ، فإنّ العمل بهذه الروايات يحتاج إلى البحث عن شواهد تؤيدها.**
**6. وبناءً على ذلك، فإنّ الحديث الأول لزرارة قد ورد في القرن الثالث في كتاب #الحسين_بن_سعيد بوصفه من المصنفات. ثم لم يورده #الشيخ_الكليني ولا #الشيخ_الصدوق في القرن الرابع؛ لأنّ كتابيهما انتقائيان وفقهيان.
حديث زرارة والاستصحاب: بين «مسلك اليقين» و«مسلك الشك» في تحليل الرواية
(**1. لقد ذكرنا في بحث الاستصحاب عند التعرض لحديث #زرارة الأول:
(وبهذا الإسناد (عن الشيخ ـ أيّده الله ـ، عن أحمد بن محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وعن الحسين بن الحسن بن أبان، جميعاً) عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أ توجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة، قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذُن، فإذا نامت العين والأُذُن والقلب فقد وجب الوضوء. قلت: فإن حرِّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، ولكن ينقضه بيقين آخر. [#تهذيب_الأحكام، ج1، ص8، ح11])، أنّ الرواية تتناول مسألة الشك في انتقاض الوضوء بسبب النوم.
أمّا الرواية التي نقلها أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فهي تتحدث عن الشك في حدوث الحدث أثناء الصلاة، بينما حديث زرارة يدور حول النعاس والخفقة.
وقد ذكر #ابن_رشد في كتاب #بداية_المجتهد_ونهاية_المقتصد أنّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، ثم أشار إلى وجود مسلكين أساسيين، هما: مسلك اليقين ومسلك الشك.
فـمسلك اليقين يعني: إذا كان الإنسان متوضئًا ثم غلبه النعاس، فإنّ يقينه السابق بالوضوء يبقى معتبرًا حتى يتيقن بحدوث الحدث. وأصحاب هذا الاتجاه يرون أنّه إذا نعس الإنسان أو حتى نام، ثم تيقّن بحدوث الحدث انتقض وضوؤه. والمراد من الحدث عندهم ـ بخلاف فقه الإمامية ـ ليس النوم نفسه، بل أمر آخر كخروج الريح. وعليه، فإنّ من تيقّن بحدوث الحدث أثناء النعاس أو النوم وجب عليه الوضوء، وأمّا إذا لم يحصل له اليقين، فوضوؤه باقٍ صحيحًا، ولا يكون النوم في حدّ ذاته ناقضًا له.
وأمّا مسلك الشك، فيرى أنّ الإنسان إذا شك أثناء النوم في حدوث الحدث، لم يجز له البناء على يقينه السابق، بل يجب عليه الوضوء.
ويبدو أنّ #ابن_رشد كان يمتلك ذهنية فلسفية عميقة، ومن المحتمل أنّه هو الذي صاغ هذا التقسيم بهذا الأسلوب.**
**2. وأوّلًا، من المستبعد أن يكون #زرارة قد غفل عن محلّ البحث فطرح مسألة النعاس؛ لأنّ الرواية المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله) تدور حول خروج الريح. ومن هنا، فإنّ إثارة زرارة لمسألة «الخفقة والخفقتين»، مع ملاحظة تعبير الإمام: «فإنّه على يقينٍ من وضوئه»، توحي بأنّ الرواية قد تكون ناظرة إلى مسلك اليقين، وبطبيعة الحال فهي تخالف مسلك أصحابنا الذين يرون أنّ النوم نفسه حدثٌ ناقضٌ للوضوء.
ولعلّ هذا هو السبب في أنّ قدماء الإمامية لم يوردوا هذا الحديث، ولا سيما أنّه من #كتاب_حريز. ومن المحتمل أنّ #الشيخ_الصدوق لم يروه تأثرًا بأستاذه #ابن_الوليد، ذلك أنّه هو و#الشيخ_الكليني كانا من أعظم من تصدّى لتنقيح الحديث في أوائل القرن الرابع الهجري. ولذلك، فإنّ عدم قبولهما لهذا الحديث ليس أمرًا عاديًا، ومن هنا لم يحظَ الحديث بالشهرة بين المتقدمين.
وقد ذكرنا مرارًا أنّ #الشيخ_الطوسي و#النجاشي كلاهما كانا على صلة وثيقة بالتراث الكوفي، وأنّ #كتاب_حريز قد أُلِّف قطعًا في الكوفة، كما أنّ #حماد، راويه المعروف، كان كوفيًا أيضًا. ومع ذلك، فإنّ النجاشي، بل وحتى الشيخ الطوسي ـ مع كثرة نقوله ـ إنّما ينقلان روايات كتاب حريز من نسخة #الشيخ_الكليني القمّية؛ أي إنّهما رجعا إلى قم ثم اعتمدا على النسخة القمّية، مع أنّ الأصل والنسخ كانت موجودة في الكوفة.
وقد أوضحنا في التحليل التاريخي أنّ هذا يكشف عن أنّ علماء قم كانوا أكثر دقةً من أهل الكوفة أنفسهم في تنقيح التراث الحديثي الكوفي؛ إذ لو كانت النسخ الكوفية أوثق، لكان من الطبيعي أن يعتمد #الشيخ_الطوسي عليها مباشرة، لا على النسخة القمّية.**)
#السيد_أحمد_المددي #الاستصحاب #زرارة #تهذيب_الأحكام #ابن_رشد #بداية_المجتهد_ونهاية_المقتصد #كتاب_حريز #الشيخ_الكليني #الشيخ_الصدوق #ابن_الوليد #الشيخ_الطوسي #النجاشي #اليقين #الشك #الوضوء #الحديث
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه)
حقيقة عقد الرهن وأثر القبض فيه: بين العقد الإنشائي والعقد المادي
(1. إذا وهب شخصٌ كتابًا أو باعه، فإنّ المعروف بين الفقهاء أنّه في الهبة قد تحقّق الإنشاء والعقد، إلا أنّه ناقص، ويكتمل بالقبض، فإذا تصرّف الموهوب له لزم العقد. وعليه، فالقبض في باب الهبة مكمِّل للإنشاء. أمّا في البيع، فإذا قال: «بعتُ الكتاب بمائة تومان»، فقد تمّ العقد واكتمل، ولا يحتاج إلى مكمِّل، كما أنّه عقد لازم. ولكن ماذا عن الرهن؟ فإذا قال في مقابل قرضٍ يأخذه: «جعلتُ هذا الكتاب رهنًا»، فإلى أيّ قسمٍ ينتمي؟
2. ومن باب التمهيد، ينبغي أن يُعلم أنّه ـ وفقًا لما ذكره #السنهوري في كتابه ـ فإنّ الغربيين يفسّرون العقد أحيانًا بطريقة يميّزون فيها بين العقد الإنشائي والعقد المادي؛ فالعقد المادي هو الذي يتحقّق بنفس الفعل الخارجي. أمّا في المعاطاة، فإنّ العقد قد أُنشئ بالفعل، لكنّ الفعل إنّما هو وسيلة لإبرازه، بخلاف العقد المادي، فإنّ العقد نفسه يتحقق بالفعل الخارجي.
3. ومن ذلك ما ورد في الروايات: «لا رهن إلا مقبوضًا» [#تهذيب_الأحكام، ج7، ص176، ح779]، وما جاء في القرآن الكريم: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. وقد عدّ القانون الغربي الرهن تارةً من العقود المادية، وأخرى من العقود الإنشائية. أمّا صاحب #جواهر_الكلام فقد ذكر عدة احتمالات في بيان أثر القبض في الرهن، إلا أنّ شيئًا منها ليس صحيحًا. والصحيح أنّ الرهن في ذاته عقدٌ مادي. وقد ذهب بعض علماء أهل السنة إلى أنّ الرهن لا يثبت إلا في السفر والدَّين. وليس معنى ذلك أنّ القبض وسيلةٌ لإبراز العقد، بل إنّ الرهن لا يتحقق أصلًا إلا بالقبض. والرهن في الآية المباركة وارد في مورد الدَّين، وإن كان يمكن أن يتحقق في غير القرض أيضًا، كما لو اشترى شيئًا ولم يكن معه الثمن، فجعل شيئًا آخر رهنًا بدلًا عنه.
4. أمّا ما يجري في عصرنا، فهو كلّه من قبيل العقد الإنشائي؛ كما لو رهن شخصٌ داره، مع بقائه ساكنًا فيها. غير أنّ الرهن بطبيعته صنفٌ خاص من العقود.
5. فإذا أقرضتَ شخصًا مالًا، فإنّ عقد القرض عقدٌ إنشائي، ثم تطلب منه في مقابله وثيقةً. فإذا كانت الوثيقة نفسها أيضًا مجرّد عقد، فما الفرق بينها وبين العقد الأول؟ بل إنّ جعل الرهن مجرّد عقد يزيد الإشكال تعقيدًا. والنكتة الفنية هنا هي أنّ الرهن في حقيقته ليس إنشاءً، بل هو تسليم شيءٍ عمليًا للدائن. فالرهن عقدٌ مادي، وإلا لو كان إنشائيًا لكان نظير العقد الأول. ومن هنا كان نوعًا خاصًا من العقود، وليس كالمعاطاة التي يكون فيها الفعل مجرد وسيلةٍ لإبراز العقد.
6. والذين يقولون: «إنّ الرهن عقدٌ مادي» يرون أنّ قول الراهن: «جعلتُ الكتاب رهنًا» ليس عقدًا أصلًا، وإنما يتحقق العقد عندما يقبض المرتهن الوثيقة. ولعلّ أولئك من علماء أهل السنة الذين خصّوا الرهن بالدَّين والسفر قد نظروا إليه بهذه النظرة. أمّا نحن اليوم ـ كما تقدّم ـ فإنّنا نعامل جميع أنواع الرهن على أنّها عقود إنشائية. غير أنّ أولئك يريدون في الحقيقة أن يقولوا: إنّ التمليك يتحقق باللفظ والعقد، أمّا الوثيقة فشيءٌ آخر. وهذا يكشف عن عمق التفكير البشري في معالجة هذه المسألة؛ إذ إنّ التمليك، سواء أكان مجانًا (الهبة) أم بعوض (البيع) أم تمليكًا للمنافع (الإجارة)، يمكن أن يتحقق باللفظ، أما الرهن فهو توثيقٌ للحق، أجعل به العين وسيلةً لاستيفاء دَيني، وهذا التوثيق لا يتحقق بمجرد اللفظ. فكون المال وثيقةً لا يثبت باللفظ، لأنّه إذا لم يتحقق القبض، فإنّ الذي يملك حق استيفاء الدَّين هو القانون فقط، أمّا إذا حصل القبض، فإنّ المرتهن نفسه يستطيع ـ عند امتناع المدين عن الوفاء ـ أن يستوفي حقه من العين المرهونة.
7. والإنصاف أنّه إذا ثبتت رواية: «لا رهن إلا مقبوضًا»، فإنّها تدلّ بوضوح على أنّ الرهن عقدٌ مادي.)
#السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، #الرهن، #العقد_الإنشائي، #العقد_المادي، #القبض، #المعاطاة، #الهبة، #البيع، #الإجارة، #الوثيقة، #تهذيب_الأحكام، #جواهر_الكلام، #السنهوري
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 21 و22/08/1397)
الاعتبار والتنزيل في باب النيابة: قراءة في حقيقة العقود وأقسام التنزيل
(**1. إنّ الأصل في حياة الإنسان هو وجود الأمور الواقعية، إلا أنّ الإنسان ـ بسبب بعض خصائصه ـ كان ينشئ إلى جانبها أمورًا اعتبارية. ومن أبرز هذه الأمور الاعتبارية العقد؛ إذ إنّ العلاقات الاجتماعية قد بُنيت على الاعتبارات، والعقود والاتفاقات هي التي تُشكّل بنية المجتمع البشري.
وهذا التصرّف ـ سواء أكان عن وعي أم عن غير وعي ـ أمرٌ راسخ في الطبيعة البشرية. فالتاريخ من سنخ الواقع، بينما الأسطورة من سنخ الاعتبار. والحقيقة تنتمي إلى الواقع، في حين أنّ المجاز ينتمي إلى الاعتبار. وهذا كلّه موجود في حياة الإنسان. وبرأيي، لا ينبغي لنا أن ننشغل بتحليل هذه الأمور؛ لأنّ التحليلات ينبغي أن تبقى في الحدود التي تعود إلى الاعتبارات القانونية. وإنما يقع البحث في: ما حقيقة هذا الوجود الاعتباري؟
2. أمّا في باب النيابة، فلأنّ النيابة تقوم على أساس التنزيل (أي: جعل شيء بمنزلة شيء آخر)، فإنّ تحليلها ذو أبعاد واسعة، إلا أنّ أبرز احتمالاته ثلاثة:
أ. تنزيل البدن: فإذا كان التنزيل بهذا المعنى، لم يكن للرجل أن يُنزِّل نفسه منزلة المرأة. غير أنّ هذا المعنى، وإن كان معقولًا في نفسه، إلا أنّه لا يستفاد من الأدلة، فهو ليس واقعًا شرعًا.
ب. تنزيل العمل: وهو أمر معقول وثابت في الواقع.
ج. تنزيل الثواب.
وقد استفدنا من الأدلة أنّ التنزيل في الواجبات هو تنزيل العمل، وفي المستحبات هو تنزيل الثواب. فتنزيل العمل يعني أنّه إذا ترك شخص الصلاة أربعين سنة، ثم صلّى عنه غيره، تبرأ ذمته ويُعدّ كأنّه هو الذي أتى بها. أمّا في تنزيل الثواب، فإنّه وإن كان يُعاتَب يوم القيامة: «لِمَ لَمْ تُصَلِّ؟»، إلا أنّ ثواب العمل يُعطى له.
ولدينا قاعدة مفادها أنّه كلّما كان الحكم قائمًا على الاعتبار والتنزيل، اقتصرنا فيه على المقدار الواضح والمتيقَّن. ولذلك، ففي باب المستحبات يكفي تنزيل الثواب، ولا حاجة إلى تنزيل العمل. أمّا في باب الواجبات، فلا تتحقق براءة الذمة إلا بتنزيل العمل. وأمّا في المستحبات، فلا موجب لأن يُقال: «إنّ عمل النائب هو عمل أبيه»، بل يكفي أن يُمنح ثواب ذلك العمل.**)
#السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، #النيابة، #التنزيل، #الاعتبارات_القانونية، #العقود، #الواجبات، #المستحبات، #براءة_الذمة
📚 (#حضرة_آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، #خارج_الفقه، 20 و21/08/1397)
🔴 الأصول العملية والأمارات بين الجعل الشرعي والارتكاز العقلائي
(## أولاً: أقسام الأصول العملية والأمارات والحجج
تنقسم الأصول العملية والأمارات والحجج والأدلة ـ بوجه عام ـ إلى قسمين رئيسين:
أ- ما كان مجعولاً من قبل الشارع ولا يستند في أصله إلى العرف.
ومن أمثلته أصالة الطهارة؛ إذ ليس من المرتكزات العرفية أن الأصل الأولي في كل شيء هو الطهارة. فإذا قال الشارع: «كل شيء نظيف»، فإن هذا يصبح ـ بطبيعته ـ قاعدةً كلية يُرجع إليها عند الشك لرفعه، ولا سيما بناءً على رأي مشهور الأصحاب القائلين بجريان أصالة الطهارة حتى في الشبهات الحكمية. وهذا القسم قليل في الجملة.
ب- ما كانت جذوره قائمة على الارتكاز العرفي والعقلائي.
إلا أن العرف لا يضع حدوداً دقيقة لكيفية الاستفادة منه في علم الأصول أو الفقه أو القواعد الفقهية، ومن هنا كان لا بد من تقعيده وإعطائه ضوابط وحدوداً واضحة.
وعليه، فإن هذا القسم الثاني يقوم في أصله على أسس عرفية وعقلائية، وربما كان كثير مما جرى عليه الصحابة في صدر الإسلام ذا منشأ عرفي، إلا أنه اكتسب مع مرور الزمن في الفقه والأصول حدوداً وضوابط محددة، وكان هدف الأصوليين هو صياغة هذه المعايير؛ لأن الممارسة العرفية وحدها لا تكفي لتحديد الضوابط.
ثانياً: قاعدة القرعة وحدودها
ومن الأمثلة على ذلك قاعدة القرعة، فإن أصلها في الجملة عرفي، أما تحويلها إلى قاعدة كلية، بحيث يقال: «كلما وجد أمر مجهول رجع فيه إلى القرعة»، فهو من عمل الفقهاء.
وقد اشتهر في هذا الباب نصان:
- «القرعة لكل أمر مجهول».
- «القرعة لكل أمر مشكل».
وكان المرحوم آية الله البجنوردي ينقل عن المرحوم آقا ضياء العراقي أن «المجهول» هو ما كانت له حقيقة واقعية نجهلها، بينما «المشكل» هو ما تكون حقيقته بنفسها مورداً للإشكال، كما في الخنثى.
وعلى هذا الأساس، فإن كان النص هو: «لكل أمر مشكل» أمكن الاستناد إلى القرعة في تشخيص الخنثى، أما إذا كان: «لكل أمر مجهول» فلا يشمله ذلك؛ لأن الخنثى ليست من موارد الجهل بواقع معلوم، بل من موارد الإشكال في نفس الواقع.
وهذا تحليل لا يخلو من وجاهة، إلا أن المشكلة الأساسية هي أن هذين النصين لا أصل لهما من جهة الرواية.
بل إننا لا نجد بين الفقهاء ـ فيما عدا السيد ابن طاووس ـ من أفتى بعموم هذه القاعدة. وقد نقل عنه القول بالرجوع إلى القرعة في موردين فقط: تعيين جهة القبلة، والمرأة التي لا تدري هل الدم الذي رأته دم حيض أم استحاضة.
كما صرح صاحب الجواهر بأنه، وإن وردت روايات بلسان العموم في باب القرعة، فإن الفقهاء لم يعملوا بهذا العموم، وإنما اقتصروا على الموارد التي ثبت فيها الإجماع على الرجوع إلى القرعة.
ونحن لا نكتفي بكلام صاحب الجواهر أو السيد ابن طاووس، بل أثبتنا أساساً أن كلا الروايتين غير صحيحتين سنداً. نعم، لو ثبتتا سنداً لأمكن تأسيس قاعدة عامة.
وعليه، فلا إشكال في أصل مشروعية القرعة، وإنما الإشكال في تحديد نطاقها وحدودها.
ثالثاً: حجية خبر الثقة
ومن الأمثلة أيضاً خبر الثقة؛ فإن العرف والعقلاء يعملون به في الجملة، إلا أن غاية علم الأصول كانت تقنين ذلك وجعله قاعدة منضبطة.
فإذا ثبتت وثاقة الراوي وأخبر بشيء، فإن ذلك يولد غالباً الوثوق بصدقه. فإن قيل: «اعمل بخبر الثقة إذا أورث الوثوق»، كان ذلك مبنياً على المرتكز العقلائي، أما إذا قيل: «اعمل بخبر الثقة سواء حصل الوثوق أم لم يحصل»، كان ذلك من باب الحجية التعبدية.
وقد اعتمد الأخباريون على رواية عن الإمام الجواد (عليه السلام)، فجعلوها ضابطاً عاماً، وهي قوله (ع): «حدّثوا بها؛ فإنها حق»، واستدلوا بها على أن ما ورد في الكتب المشهورة عند الشيعة حجة تعبداً.
أما المرحوم النائيني فقد استدل بروايات من قبيل: «فإنه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه عنا ثقاتنا»، وبقوله (ع) في شأن يونس بن عبد الرحمن: «نعم»، عندما سئل عن الأخذ عنه، وقال: إن الشارع قد تعبّدنا بالعمل بخبر الثقة.
وأما السيد الخوئي، فمع تضعيفه لبعض تلك الروايات سنداً، فقد استدل على الحجية التعبدية بخبر العمري، ولا سيما من قوله (ع): «فاسمع له وأطع؛ فإنه الثقة المأمون».
وقد ذكرنا أن هذه الرواية واردة في باب وكالة العمري، ولا علاقة لها بحجية خبر الثقة بالمعنى الأصولي؛ ويشهد لذلك أن لفظ «الطاعة» لا يستعمل في باب نقل الأخبار، كما أن وصف «الثقة» كان متعارفاً في حق الوكلاء.
نعم، إن تعبير «يرويه عنا ثقاتنا» ظاهر في الرواية، إلا أن ذيل الحديث: «قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرنا...» يدل بوضوح على أن الكلام ناظر إلى السفارة والوكالة الخاصة، لا إلى حجية خبر الثقة في علم الأصول.
ومن هنا، فإن تقطيع الحديث والاقتصار على صدره هو الذي أوقع هذا الإشكال.
يضاف إلى ذلك أن الرواية تتحدث عن أشخاص ثبتت سفارتهم واشتهر أمرهم، بينما لا يُشترط في حجية خبر الثقة هذه الشهرة، بل يكفي تحقق الوثاقة.)
المصدر: السيد أحمد المددي، بحث الخارج في أصول الفقه.
🔴 الفرق بين الإسناد الفعلي والإسناد الاشتقاقي وأثره في فهم الخطاب الشرعي
(لا شك في وجود فرق بين الإسناد الفعلي والإسناد الاشتقاقي. فقولنا: «باع حذاءه» لا يدل إلا على أن الشخص باع حذاءه، ولا يقتضي أن تكون مهنته بيع الأحذية، بخلاف قولنا: «بائع الأحذية»، فإنه يدل على الاشتغال بهذه المهنة.
والتحليل الذي نرتضيه ـ وجلّه مستفاد من المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني ـ يقوم على أمرين:
أولاً: إن ملاحظة المصبّ الرئيس للكلام في القضايا الاعتبارية أمر بالغ الأهمية.
وقد بيّنا في بحث «لا ضرر» أن الأعلام ذكروا أن «لا» قد تكون للنفي، كما في قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وقد تكون للنهي، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾؛ أي إن النظر تارةً يكون إلى إعدام الشيء ونفيه، وتارةً يكون إلى زجر المخاطب ومنعه.
ففي الإرادة التكوينية قد يُزال الماء نفسه، وقد يُمنع الشخص من الوصول إليه، إلا أننا نرى أن الفرق بين الموردين ليس فرقاً جوهرياً أو ماهوياً، وإنما هو اختلاف في المنظور الابتدائي.
ومن هذا القبيل أيضاً آية النبأ؛ إذ ينبغي أولاً تحديد المصبّ الرئيس للآية: فهل هي بصدد بيان حال الفاسق، أم بصدد بيان أقسام الخبر؟
فإن كان الثاني، أمكن الاستدلال بها على حجية خبر العادل، أما إن كان الأول، فلا دلالة لها على ذلك.
ومن هنا، فإن تفسير الآية على نحو: «النبأ إن كان الجائي به فاسقاً...» ليس تحليلاً فنياً، بل هو نوع من التصرف في ظاهر الآية؛ لأن الآية تريد أن تقرر أن من اعتاد ارتكاب سائر ألوان الفسق لا يُؤمن منه التساهل في نقل الأخبار أيضاً.
ثانياً: إن اللغة العربية تعبّر عن اختلاف المعاني بواسطة الهيئات الصرفية، ولذلك لا يكفي تحليل المادة وحدها، بل لا بد من تحليل الهيئة أيضاً.
ففي قولنا: «قام زيد»، وقولنا: «زيد قائم» ـ وهما ما نعبر عنه بالإسناد الفعلي والإسناد الاشتقاقي ـ يكون النظر في باب الفعل منصباً على الحدث، ثم يُسند هذا الحدث إلى ذاتٍ ما على نحو الحركة التدريجية من العدم إلى الوجود.
أما في الإسناد الاشتقاقي، فإن النظر يكون أولاً إلى الذات، ثم يُسند إليها الحدث بنحو من أنحاء التلبس؛ سواء أكان تلبساً مهنياً، أم حرفياً، أم حدوثياً، أم ثبوتياً. فالإسناد هنا ثبوتي، وليس من قبيل الحركة التدريجية.
وعلى هذا الأساس، عندما يقال: «المشتق مركب من ذات»، فالمقصود هو هذا المعنى؛ إذ إن من يوصف بأنه «قائم» قد يكون في وقت سابق غير قائم، لكن هيئة «قائم» لم تُلحظ فيها تلك الحالة السابقة، وإنما لوحظت حالة قيامه وثبوت هذا الوصف له فحسب.)
المصدر: السيد أحمد المددي، بحث الخارج في الفقه، درس بتاريخ 29/7/1397هـ.ش
#أصول
🔴 تقويم روايات جواز النظر إلى نساء أهل الذمة في ضوء المنهج الحديثي - 2 -
(#النظر_إلى_نساء_أهل_الذمة)
(وخلاصة الكلام: إن جميع ما نُقل في هذا الباب يكاد ينحصر في مصادر أهل السنة، وهذا يعزز بقوة احتمال أن تكون هذه الروايات قد صدرت في أجواء التقية، ولا سيما أن القول بالملازمة قد نُقل عن #الحسن_البصري.
نعم، وردت هذه الرواية أيضاً في كتاب «الجعفريات»، وهو من التراث الإمامي الذي وصل إلينا من مصر. وقد وصل هذا الكتاب إلى بغداد في أواخر القرن الرابع الهجري، إلا أنه لم يحظَ بتلقٍّ بالقبول بين العلماء.
ثم نقلها الراوندي في كتاب «النوادر»، وهو من مؤلفات القرن السادس، ومع ذلك لم تلقَ الرواية قبولاً عاماً.
وفي حدود عصر صاحب «مستدرك الوسائل»، أي الحاج النوري، أُحضرت نسخة من هذا الكتاب من مصر، ولما أوردها في كتابه اشتهرت بين العلماء، ثم اعتمد #السيد_البروجردي على النسخة نفسها التي اعتمدها صاحب المستدرك وقام بطباعتها.
والذي نراه أن هذا الكتاب هو في حقيقته كتاب السكوني نفسه، غير أنه انتقل إلى مصر وتعرض لبعض التغييرات.
ومع أن صاحب «دعائم الإسلام»، وهو معاصر تقريباً لمؤلف الجعفريات ـ إذ توفي محمد بن محمد بن الأشعث نحو سنة (351هـ)، بينما توفي صاحب دعائم الإسلام نحو سنة (361هـ) ـ قد أكثر النقل عنه، فإنه لم يورد هذه الرواية أيضاً.
وهذا كله يجعل قبول هذه الرواية أمراً بالغ الصعوبة، ولا سيما أن تعليلها بقولها: «لأنهن إذا نُهين لا ينتهين» ـ وهو ما يُعرف بقاعدة الملازمة ـ يشبه إلى حد كبير طريقة استدلال فقهاء أهل السنة.
وعليه، فلا يمكن بمجرد هذا التعليل رفع اليد عن عمومات وإطلاقات الروايات، من قبيل: «النظرة سهم من سهام إبليس».)
المصدر: السيد أحمد المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، درس بتاريخ 28/7/1397هـ.ش،
🔴 النظر إلى شعر نساء أهل الذمة بين دلالة الترخيص القانوني والروايات الواردة -1-
(#النظر_إلى_نساء_أهل_الذمة)
(كان أصل البحث في مسألة جواز النظر إلى شعر نساء أهل الذمة يدور حول هذه النقطة: هل إن الترخيص الذي يمنحه القانون الشرعي لتلك المرأة في كشف شعرها يستلزم جواز نظر الرجل إليها، أم لا؟
وقد ظهر هذا الرأي منذ القرن الأول الهجري، ونُقل أيضاً عن عدد من التابعين، بل إن البخاري عقد له باباً بعنوان: «باب إذا اضطرّ الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن». ومع ذلك، ذهب فريق آخر إلى عدم الجواز، مستندين إلى الرواية المشهورة: «النظر سهمٌ من سهام إبليس مسموم».
ومن الغريب أننا لا نملك في هذه المسألة سوى روايتين أو ثلاث روايات في الجملة.
أولاً: رواية عباد بن صهيب
وقد تقدمت الإشارة إليها، وهي منقولة بنصين:
النص الأول:
«لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل التهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج؛ لأنهم إذا نهوا لا ينتهون.»
النص الثاني:
«لا بأس بالنظر إلى شعور نساء أهل تهامة والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمة والعلوج؛ لأنهن إذا نهين لا ينتهين.»
ويُحتمل احتمالاً قوياً أن يكون مصدر النصين معاً كتاب حسن بن محبوب الذي وصل إلى قم، وكان راويه أحمد الأشعري.
وأما سبب الاختلاف بين نسخة الكافي ونسخة الشيخ الصدوق، فمن الصعب الجزم به لبعد العهد بالمصادر الأصلية. إلا أنه ينبغي الالتفات إلى أن كتابي الكافي ومن لا يحضره الفقيه كلاهما من الكتب الانتقائية، وقد قام كلٌّ من ابن الوليد والكليني في أوائل القرن الرابع بعملية تنقيح واسعة للأحاديث في قم.
وكان ابن الوليد من كبار نقاد الحديث، بل إن جانباً مهماً من مادتي الشيخ الطوسي والنجاشي في الرجال والفهارس يرجع إليه، وكان الشيخ الصدوق شديد التأثر بأستاذه، ولذلك يُحتمل بقوة أن تكون موارد اختلافه مع الكليني متأثرة بمنهج ابن الوليد.
وقد توفي الكليني في بغداد، بينما توفي ابن الوليد في قم، وذلك بعد استيلاء آل بويه على بغداد سنة (334هـ)، أي قبل وفاة ابن الوليد بتسع سنوات.
ورغم أن مدى التزام الشيخ الصدوق بقواعد التحديث ـ كالتنبيه على موارد الوجادة ونحوها ـ ليس واضحاً تماماً، إلا أنه كان شديد الالتزام بنص الحديث، ويُعد في ذلك من أبرز المحدثين.
أما عباد بن صهيب، فهو بصري، وقد وثقه النجاشي صراحة، فقال: «ثقة، روى عن أبي عبد الله (ع) كتاباً».
وقد اعترض المرحوم التستري على ذلك، متسائلاً: كيف وثقه النجاشي مع كونه من أهل السنة؟ ويمكن الجواب بأن النجاشي ربما لم يلتفت إلى مذهبه، أو أن مراده من التوثيق هو الوثاقة في النقل لا في الاعتقاد.
إلا أن جمهور علماء الرجال من أهل السنة ضعفوه، وكان الإمام البخاري ـ المعروف بأدبه في عبارات الجرح ـ قد قال فيه: «تركوه»، وهي من أشد عبارات الجرح عنده، وقد وصفه أيضاً بأنه كثير الحديث، وأن وفاته كانت بعد سنة (202هـ) أو قريباً منها.
وعليه، فهو في اصطلاحهم متروك الحديث، ولذلك لم تُروَ أحاديثه في الصحاح الستة، مع أنه يروي عن الإمام الصادق (ع).
ولما كان ابن الوليد بالغ الدقة في نقد الروايات، وكان الشيخ الصدوق متأثراً به تأثراً واضحاً، فأرى أن ترجيح نسخة الصدوق أقرب.
ثانياً: رواية السكوني
وهي من الروايات التي عمل بها العلماء في موارد متعددة لاعتبارات خاصة، مع أن علماء أهل السنة قد اتفقوا على تضعيف السكوني وعدم الاعتماد عليه.
ثالثاً: رواية أبي البختري
وهو ممن اشتهر عند أهل السنة بالكذب، حتى قيل فيه: «من أكذب البرية».
كما ورد في كلماتهم أنه «كان يسهر الليل في وضع الحديث».
ومن غرائب أمره أنه ينسب مجموعة كبيرة من الروايات إلى الإمام (ع)، وقد انتشرت رواياته في كتب أهل السنة، كما ورد قسم كبير منها في كتاب «قرب الإسناد» للحميري.
ومن أعجب ما ينفرد به حديث:
«بارك لنا في الخبز، ولا تفرّق بيننا وبينه؛ فلولا الخبز ما صلّينا، ولا صمنا، ولا أدّينا فرائض ربنا.»
فإن هذا الحديث ينتهي في جميع طرقه إليه، ولا يُعرف له طريق مستقل غيره.)
🔴 الفرائض والسنن في التشريع الإسلامي وتفصيل أحكام الربا
(#الفرائض_والسنن #الربا #الفقه #السيد_أحمد_المددي)
(1. يُستفاد من مجموع الأدلّة أنّ في النظام التشريعي الإسلامي ـ بل وفي المنظومة الأخلاقية أيضاً ـ أحكاماً بيّنها القرآن الكريم، وهي الفرائض، وأخرى بيّنتها السنّة النبوية، وهي السنن. ومن ذلك ما روي عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): «فرض الله الزكاة مع الصلاة في الأموال، وسنّها رسول الله (ص) في تسعة أشياء...» (الكافي، ج3، ص509، ح1؛ تهذيب الأحكام، ج4، ص3، ح5).)
(2. والسنن النبوية تنقسم إلى قسمين: سنن إثباتية، كإيجاب الواجبات واستحباب المستحبات، وسنن نفيية، كتحريم المحرمات وكراهة المكروهات. ومن خلال التأمل في الأدلة يظهر أنّ السنن في باب الواجبات تأتي غالباً مكمّلة للفريضة، كذكر الركوع في الصلاة؛ فلو أتى الإنسان بهذا الذكر مستقلاً خارج الصلاة لم يسقط به الأمر المتعلق به في الصلاة.
وأما السنن في باب المحرمات، فالذي يظهر لنا حالياً أنّها ترجع إلى أحد أمرين:
أن يكون التشريع من باب المقدّمية؛ سداً للذريعة ومنعاً من الوقوع في الحرام.
أو أن يكون النبي (ص) قد كشف عن مصداق خفيّ للحكم الشرعي لم يكن الناس يعدّونه من مصاديقه.
ومن أمثلة ذلك الربا؛ فإن أكثر موارد الكسب في مكة كانت تقوم على التجارة والمضاربة، حيث يدفع أصحاب الأموال أموالهم إلى التجار فيعملون بها ويقتسمون الأرباح، وكان ذلك مشروعاً، بخلاف الربا. وكان الربا منتشراً في مكة، ولا سيما في الطائف، كما كان اليهود يمارسونه في المدينة. ومن الشواهد على ذلك أنّ من بنود معاهدة وفد نجران مع النبي (ص) ترك التعامل بالربا، مما يكشف عن شيوعه بينهم، ثم أخرجهم عمر من نجران بدعوى أنهم عادوا إلى الربا فنقضوا العهد.
والآية الكريمة: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ناظرة إلى ربا النسيئة، إذ كان المشركون يقولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. ثم جاءت السنّة النبوية فحرّمت أيضاً ربا المعاوضة (الربا النقدي)، لكنه خُصَّ بالأشياء المكيلـة والموزونة؛ فالمعيار في بعضها الحجم، وفي بعضها الوزن، أما المعدودات ـ كالبيض أو غيره ـ فلا يجري فيها هذا النوع من الربا.
ثم شرّع النبي (ص) تحريم الربا القرضي، وهو أن يشترط المقرض زيادة عند الوفاء. وهذا غير ربا المعاوضة، وغير ربا النسيئة. ولأجل رفع توهم بعض الناس الذين كانوا يظنون أنّ الزيادة في القرض ليست رباً لأنها بعنوان القرض، جاء التشريع النبوي مستقلاً، ومن ذلك قوله (ص): «كل قرض يجر منفعة فهو فاسد» (الكافي، ج5، ص255، ضمن ح1؛ تهذيب الأحكام، ج6، ص202، ضمن ح452). وبذلك ثبتت في باب الربا سنتان نبويتان مستقلتان: تحريم الربا القرضي، وتحريم ربا المعاوضة.)
(3. ويظن كثير من أصحابنا أن هذه الأقسام الثلاثة ترجع إلى حقيقة واحدة، وأن تحريمها جميعاً مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، مع أنّ التحقيق أنّ ربا النسيئة هو الذي دلّ عليه القرآن، أما الربا القرضي ـ سواء تعلق بالمكيل أو الموزون أو المعدود ـ وربا المعاوضة في خصوص المكيل والموزون، فإنما ثبتا بالسنّة النبوية.
ومن هنا يُفهم أيضاً ما نُقل عن ابن عباس من التوقف في تحريم ربا المعاوضة؛ إذ كان يرى أن القرآن إنما حرّم ربا النسيئة. وابن عباس كان صغير السن في حياة النبي (ص)، ولذلك تعدّ أكثر رواياته مرسلة عند أهل الحديث، وإن كان أهل السنة يحتجون بها لاعتقادهم بعدالة جميع الصحابة. وقد ذكروا أنه رجع بعد ذلك عن رأيه، وأقرّ بأن هذا القسم أيضاً من الربا المحرم، لكن ثبوته كان عنده بطريق السنّة.)
(4. والخلاصة أنّ السنن في باب المحرمات ترجع إلى أحد وجهين:
1. التشريع على سبيل المقدّمية؛ لأن التساهل في ربا المعاوضة قد يجرّ تدريجياً إلى الوقوع في ربا النسيئة، فحُرّم سداً لهذا الباب.
2. الكشف عن مصداق خفي لم يكن الناس يعدّونه من الربا، فكشف النبي (ص) عن حقيقته، فلا يُتوهم أن مبادلة مائة بمائة مع زيادة يسيرة ليست رباً، بل إن تلك الزيادة هي التي تجعل المعاملة داخلة في عنوان الربا.)
المصدر: حضرة آية الله السيد أحمد المددي، دروس الخارج في الفقه، بتاريخ 18/07/1397هـ.ش.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
