ch
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

前往频道在 Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

显示更多
未指定国家未指定类别
713
订阅者
无数据24 小时
+357 天
+4030 天
帖子存档
🔴 الجذور التاريخية لمباحث الحجية ومصادر التشريع في علم أصول الفقه إنَّ قسماً من مباحث الحجّة يرتبط بالحجّة الثبوتية أو بمصادر التشريع، كالبحث في أنّ الإجماع هل هو حجّة ويُعدّ من مصادر التشريع أم لا؟ وهل سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) حجّة أم لا؟ وهل القياس والرأي حجّة أم لا؟ وهذا المعنى من البحث في الحجّة بدأ منذ القرن الأول الهجري بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكان أكثر ما ظهر منه في البداية في عهد أبي بكر، إلا أنّ ذروة البحث كانت في زمن عمر؛ لأن مدة خلافة أبي بكر كانت قصيرة، كما أنّ الوقائع التي واجهها المسلمون آنذاك كانت محدودة. أمّا في عهد عمر، فقد امتدّت مدة حكمه قرابة عشر سنوات، واتّسعت الفتوحات الإسلامية، فواجه المسلمون موضوعات ومستجدّات لم تكن مطروحة من قبل. فمن ذلك أنّ الأراضي، في الفتوحات التي جرت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، لم تكن تمثّل قيمة اقتصادية تُذكر، باستثناء أرض خيبر؛ إذ إنّ غالب القبائل التي واجهها المسلمون ـ كقبيلة بني المصطلق ـ كانت من البدو الرحّل، والعربي البدوي لا يرتبط بالأرض ارتباطاً وثيقاً، بل يرتحل مع إبله حيث يجد الماء والكلأ، ثم ينتقل إلى موضع آخر. ولذلك كانت أول مرة تكتسب فيها الأرض قيمة اقتصادية في الإسلام هي قضية خيبر. كما أنّ الحجاز ـ مع أنّ مساحته تقارب ضعف مساحة إيران ـ لا توجد فيه أنهار جارية، وكان أهل المدينة يعتمدون على مياه الآبار، مع أنّ الماء يُعدّ أحد أهم مقومات الاقتصاد. ولكن عندما دخل المسلمون العراق، وشاهدوا أراضيه الواسعة الخصبة، التي كانت تُعرف بـ«أرض السواد» لكثرة خضرتها حتى تبدو من بعيد سوداء، طُرح في زمن عمر سؤال جديد: هل تُقسَّم هذه الأراضي بين المقاتلين المشاركين في الفتح أم لا؟ وهذا الموضوع لم يكن له نظير في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، سوى خيبر، التي كانت وإن لم تكن ذات أنهار، إلا أنّها كانت تتمتع بوفرة المياه، وكانت أراضيها الزراعية منظمة في صورة حصون ومزارع. ولهذا فإن كثيراً مما نطلق عليه اليوم اسم «مصادر التشريع» ـ كالإجماع، والقياس، والرأي ـ إنما بدأت مناقشته بصورة جادة منذ عهد عمر. وهناك معنى آخر للحجّة، وهو الحجّة بمعنى الطريق والكاشف، وهو ما نعبّر عنه اليوم بالأمارات والطرق والأدلة. وأصل هذا البحث موجود منذ القرن الأول، إلا أنّ العناية بالدليل من حيث هو دليل، والبحث المنهجي في حجيته، لم يتبلور إلا ابتداءً من القرن الثاني الهجري. وقد التفت المرحوم #السيد_البروجردي، بين المتأخرين من علماء الأصول، إلى مصادر أهل السنة، وتتبع هذه المباحث في كتبهم أيضاً، ومن ذلك أنه أشار إلى أنّ مسألة حجية القطع لا وجود لها في مصادرهم الأصولية. وهذا الأمر لا يختص بالقطع وحده؛ فإنهم لم يجعلوا مباحث الحجج والأمارات والطرق والأدلة باباً مستقلاً كما هو المتداول في علم الأصول عندنا اليوم. وإنما كان اهتمامهم منذ البداية منصبّاً على وسائل إثبات الحكم الشرعي، كالرأي، والقياس، والإجماع، ونحوها، ولم يكن نظرهم متوجهاً إلى مباحث الموضوعات الخارجية. #السيد_أحمد_المددي #السيد_البروجردي #أصول_الفقه #الحجية #مصادر_التشريع #الأمارات #القياس #الإجماع #خبر_الواحد

🔴 مكانة بحث التعارض في كتب الأصول عند المتقدمين والمتأخرين سبق أن ذكرنا أن علماء الأصول من المتأخرين جعلوا مباحث الحجج، والأمارات، والأصول العملية من أبرز المباحث الأساسية في علم الأصول. أما في كتب الأصول عند المتقدمين من أصحابنا ـ أي قبل #الشيخ_الأنصاري ـ مثل كتابي «مفاتيح» و«مناهج»، وكذلك الكتب الأصولية السابقة عليهما، ككتاب «الفصول» وحاشية «المعالم»، بل وحتى كتب #العلامة_الحلي، فلم يكن البحث يُطرح بهذه الصورة؛ أي لم يكن هناك باب مستقل بعنوان الحجج والأمارات، وآخر بعنوان الأصول العملية. نعم، كان بحث التعادل ـ أو التعادل والترجيح، أو التعادل والتراجيح، أو التعادل والتراجح، أو تعارض الأدلة، أو التعارض ـ مطروحًا بتفصيل في كتب الأصول عند أهل السنة، كما اشتد الاهتمام به في كتب الأصول الإمامية بعد #العلامة_الحلي. وقد ذكرنا أن بحث التعارض إنما يتصور على أساس القول بحجية خبر الواحد؛ فالتعارض ـ بالاصطلاح الأصولي ـ فرع الالتزام بالحجية التعبدية للأخبار. أما على مباني قدماء أصحابنا، ولا سيما علماء مدرسة بغداد، فلم يكونوا يقولون بهذا النوع من الحجية، بل كانوا يرون أن المعتبر هو حصول الوثوق والاطمئنان بالخبر أو بالحكم. وبناءً على ذلك، لم يكن هناك مجال لطرح مسألة التعارض بهذا المعنى. ولهذا نجد أن #السيد_المرتضى (قدس سره) لم يُفرد في كتاب «الذريعة» سوى نحو خمسة أو ستة أسطر لبحث التعارض، وذكر فيها أن التعارض فرع ثبوت الحجية، ولما كنا لا نقول بحجية خبر الواحد، فلا موضوع لبحث التعارض. نص #السيد_المرتضى: > «اعلم أنّا إذا كنّا قد دلّلنا على أنّ خبر الواحد غير مقبول في الأحكام الشرعيّة، فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دلّلنا على بطلانه؛ لأنّ الفرع تابع لأصله، فلا حاجة بنا إلى الكلام على أنّ المراسيل مقبولة أو مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفيما يرد له الخبر أو لا يرد في تعارض الأخبار، فذلك كلّه شغل قد سقط عنّا بإبطالنا ما هو أصل لهذه الفروع، وإنّما يتكلّف الكلام على هذه الفروع من ذهب إلى صحّة أصلها، وهو العمل بخبر الواحد». [الذريعة، ج2، ص554-555]. #الأصول #الحجج #الأمارات #الأصول_العملية #التعارض #تعارض_الأدلة #حجية_خبر_الواحد #مدرسة_بغداد #الذريعة

🔴 مراتب الملكية. كما أن لفظ «الملك» من المفاهيم المشككة التي تطلق على مراتب متعددة: فأعلاها ملك الله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهذا الملك ليس ملكاً اعتبارياً، ولا يندرج ضمن الأعراض النسبية ـ كالملك أو الجِدّة أو «له» بحسب اصطلاح بعضهم ـ بل هو خارج عن المقولات، ولا يرتبط بعالم الاعتبارات أصلاً. والمرتبة الثانية هي السلطة التي تملكها الموجودات على أنفسها، كما أن الإنسان قادر على تحريك يده بإرادته. وهذه أيضاً سلطة حقيقية، وليست ملكية اعتبارية. وفي مقابل هاتين المرتبتين تأتي الملكية الاعتبارية، وهي ما اعتبره العقلاء تدريجياً عبر الزمن داخلاً تحت سلطنة الشخص، وإن لم تكن له عليه سلطة تكوينية مباشرة؛ كأن يمتلك داراً في أوروبا أو العراق أو مكة أو المدينة، فإن العقلاء يعدّونها ملكاً له وخاضعة لسلطته، وهذه سلطة اعتبارية. وليس من البعيد أن تكون الاعتبارات القانونية قد نشأت في البداية من مناشئ حسية، ثم أخذت تتوسع تدريجياً، كما في مثال التفاحة التي قطفها الإنسان، فقيل: إنها ملكه. ثم تطور هذا المفهوم حتى بقيت سلطنته معتبرة، وإن ابتعد عنها مكاناً، واتسعت دائرة الملك شيئاً فشيئاً. بل ليس من المستبعد أيضاً أن تكون الأحكام نفسها قد اختلفت في تلك المراحل؛ فربما كان معنى الملك في مرحلةٍ ما هو مجرد حق الأكل، دون حق التمليك للغير، أو كان يثبت له حق الأكل دون الإتلاف، أو حق الأكل والإتلاف دون الهبة... إلى غير ذلك من المراتب. #بعض_أقسام_الملك

🔴 قيام أصالة الاحتياط مقام القطع الطريقي، والفرق بين الاحتياط العقلي والشرعي (القسم التاسع) (لما كانت الأصول العملية من الأمور الاعتبارية والإبداعية، فإنها تتعامل مع حدود علم المكلّف وتُرتِّب الوظيفة العملية على أساس ما يعلمه، بخلاف الأمارات التي يكون التعامل فيها مع الواقع نفسه. وعليه، فإن الأصول التي نؤمن بها في هذا المقام تنحصر في أصالة التخيير وأصالة الاحتياط. وقد ذهب جمعٌ من الأصوليين إلى عدم جريان أصالة التخيير، وقالوا: إن المورد ليس من باب الأصل العملي، بل من باب اللابدية العقلية، فلا مجال لأصالة التخيير. وسنوضح ذلك في محلّه إن شاء الله، ونبيّن أنها جارية ولا إشكال فيها. إلا أنّ موارد أصالة التخيير قليلة جداً؛ لأنها تختص بدوران الأمر بين المحذورين، ومن هنا فإن البحث الأساس ينصبّ على أصالة الاحتياط، وهل تقوم مقام القطع أم لا؟ وقد ذُكرت في ذلك ثلاثة احتمالات: 1. أنها تقوم مقام القطع. 2. أنها لا تقوم مقامه. 3. التفصيل بين الاحتياط العقلي والاحتياط الشرعي. فإذا كان الاحتياط عقلياً، فإن العقل لا يقول: «هذا خمر»، وإنما يقول: «اجتنب عنه»، كما أنه لا يقول: «لقد وقعت قطرة الدم في هذا الإناء بعينه»، وإنما يقول: «اجتنب عن الإناءين معاً». فإذا كان تنزيل العقل بهذا المقدار، فلا يترتب عليه أن يُقام حدّ شرب الخمر على من شرب أحدهما. أما في الاستصحاب، ومع وجود دليلٍ مثل: «لا تشرب الخمر»، فإذا كان عندي خمر ثم شككت هل انقلب خلاً أم لا، فإن قول الإمام (ع): «لا تنقض اليقين بالشك»، ومعناه: «كنت على يقين بخمريته»، يقتضي الحكم بأنه لا يزال خمراً، فيشمله دليل «لا تشرب الخمر»، كما يشمله أيضاً الدليل الآخر القائل: «شارب الخمر يُجلد». وأما إذا شكّ المكلّف حال السجود في أنه هل ركع أم لا، فقال الإمام (ع): «إذا شككت في السجود فبلى، قد ركعت»، فهنا يثور السؤال: هل يترتب على «امض في صلاتك» و«بلى، قد ركعت» جميع الآثار الأخرى التي يكون الركوع موضوعاً لها، كما لو كان شخص مريض قد نذر أن يتصدق إذا تمكن من الركوع؟ فالقول الذي يمنع ترتب تلك الآثار يقول: إن «امض في صلاتك» و«بلى، قد ركعت» ناظران إلى تصحيح الصلاة فقط، ولا نظر لهما إلى دليل آخر من قبيل: «إذا ركعت اليوم فعليَّ أن أتصدق». أما الرأي الآخر فيرى أن قوله (ع): «بلى، قد ركعت» حكمٌ بتحقق الركوع، وأن مفاده ـ على تعبير #الشيخ_النائيني ـ هو انكشاف الواقع، وبذلك يثبت تحقق الركوع، ويلزم الوفاء بالنذر. إذن، النقطة الفنية في محل النزاع هي: إذا شرّع الشارع أصلاً تنزيلياً بلحاظ أثرٍ معين، فهل يجوز لنا ترتيب جميع الآثار الأخرى المترتبة على ذلك العنوان، أم يقتصر الأمر على الأثر الذي ورد النص لأجله؟ ومنشأ الخلاف هو أن بعضهم يرى أن قوله (ع): «بلى، قد ركعت» إنما سيق بلحاظ «امض في صلاتك» فقط، لا بلحاظ الوفاء بالنذر. بينما يرى آخرون أن قوله: «بلى، قد ركعت» يثبت عنوان الركوع بكل آثاره الشرعية. وعليه، فقد ذكرت ثلاثة آراء: 1. يرى بعضهم ـ ومنهم #الشيخ_الآشتياني ـ أن الإمام (ع) إذا قال: «بلى، قد ركعت» أو «امض في صلاتك»، وجب أيضاً الوفاء بالنذر؛ لأن هذين التعبيرين لا معنى لهما من دون تحقق الركوع، فالأمر بالجري العملي يكشف عن تحقق الركوع. 2. ويرى فريق آخر أن الوفاء بالنذر لا يجب في أيٍّ من التعبيرين؛ لأن موضوع النذر هو الركوع الواقعي. 3. ويفصّل فريق ثالث، فيقول: إذا كان لسان الدليل هو «بلى، قد ركعت»، ترتبت جميع آثار الركوع، أما إذا كان لسانه «امض في صلاتك»، فإنه لا يدل إلا على الوظيفة العملية، فهو أصل غير تنزيلي، ولا نظر له إلى تحقق الركوع، فلا يشمله دليل وجوب الوفاء بالنذر.) (سماحة آية الله الأستاذ #السيد_أحمد_المددي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #الاحتياط_الشرعي #الاحتياط_العقلي #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي (القسم التاسع)

🔴 البراءة العقلية والشرعية، وجريان الأصول غير التنزيلية، وموقفها من قيامها مقام القطع الطريقي (القسم الثامن) (نعم، الأصول غير التنزيلية تجري في الأحكام؛ لأنها لا تتكفّل بإثبات الحكم ولا تقول: «هذا واجب»، وإنما تقول ـ على سبيل المثال ـ: بما أن شكّك واقع في أطراف العلم الإجمالي، فعليك الاحتياط. ونحن نرى أن مفاد أصالة البراءة هو: أنه متى لم تجد دليلاً على حرمة فعلٍ ما، فلا يكون التكليف منجَّزاً، وإذا لم يكن منجَّزاً فلا عقوبة عليه. إلا أن الأعلام استندوا إلى حديث الرفع، وسمّوا ذلك بالبراءة الشرعية. أما نحن فنعتقد أن حديث الرفع وغيره من الأدلة قاصر، إما من جهة السند، أو الدلالة، أو من الجهتين معاً. ولذلك لم نقبل إلا البراءة العقلية، وقد أوضحنا مراراً أن البراءة العقلية ليست أصلاً عملياً، بل إنها ـ في الحقيقة ـ ليست عقلية بالمعنى الدقيق، وإنما هي عقلائية، ولا ترتبط بحكم العقل بما هو عقل. وقد ذكر #الشيخ_النائيني (قده) في أوائل كتاب «فوائد الأصول»، وفي مستهل بحث الأصول، أن الفرق بين البراءة العقلية والشرعية هو أن مفاد حديث الرفع هو البراءة الشرعية؛ أي: رفع الحرمة ظاهراً، ولازم ذلك ثبوت البراءة العقلية. وبعبارة أخرى: إن المفاد الأصلي للبراءة الشرعية هو الحلية الظاهرية، ولازمها نفي العقوبة. أما البراءة العقلية، فالأمر فيها على العكس؛ إذ إن مفادها الأصلي هو نفي العقوبة، ولازمها الحلية الظاهرية؛ فبما أنه لا عقوبة، يكون الفعل محكوماً بالحلية الظاهرية. غير أننا نناقش هذا المبنى، ونرى أن أدلة البراءة لا تدل أصلاً على الحلية الظاهرية، وإنما المستفاد من دليل حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو أن العقل يقول: إن الحكم أو التكليف ما لم يصل إليك لا يكون منجَّزاً، وإذا لم يكن منجزاً فلا يكون موضوعاً للأحكام الجزائية. وكذلك فسّرنا حديث الرفع: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون»، أي: إن الحكم الذي لا يعلمه المكلف ليس منجَّزاً؛ أي: لا تترتب عليه عقوبة ولا جزاء. فمخالفة القانون إذا كانت ناشئة عن إحدى هذه الجهات الست: السهو، أو النسيان، أو الخطأ، أو الإكراه، أو الاضطرار، لا تُعدّ عصياناً، مع أن الأحكام الجزائية إنما تترتب على العصيان. وخلاصة الكلام في الأصول الجارية في الأحكام الكلية: 1. نحن لا نؤمن بوجود أصول تنزيلية في الشبهات الحكمية، ومع عدم وجودها ينتفي تلقائياً البحث عن قيامها مقام القطع. 2. البراءة ـ بحسب رأينا ـ ليست أصلاً عملياً. 3. أما التخيير والاحتياط فهما من الأصول العملية؛ لأن الضابط العام عندنا هو: كلما كان التعامل مع الواقع نفسه كان من باب الأمارات، وكلما كان التعامل مع حدود العلم كان من باب الأصول. فمثلاً: إذا علمت بسقوط قطرة دم في أحد إناءين، فالواقع واحد، لكنك تقول: بما أن احتمال الإصابة في كل واحد منهما متساوٍ، والعلم طريق إلى الواقع، فإني أحتاط وأجتنب عن الإناءين معاً. ونشير أيضاً إلى أن كلما لم يكن المطلوب منسجماً مع حدود العلم، كان من قبيل الأصل المثبت. فلو كان حدود علمك هو حياة زيد، أمكن إثبات أن هذه المرأة لا تزال زوجته، وبالتالي لا يجوز لها الزواج بغيره. أما إثبات أن له أولاداً أو أنه تزوج امرأة أخرى، فلا يمكن؛ إذ لا توجد ملازمة بين ذلك وبين القدر المعلوم، فقد يكون حياً من دون أن يكون له ولد.) (سماحة آية الله الأستاذ #السيد_أحمد_المددي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). الحاشية 1. المراد بالأصول غير التنزيلية: الأصول التي لا تتكفّل بإحراز الواقع، وإنما تبيّن الوظيفة العملية للمكلّف، كالاحتياط والتخيير. #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #البراءة_الشرعية #البراءة_العقلية #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي (القسم الثامن)

🔴 الأصول المُحرِزة في الشبهات الحكمية وإشكالية قيامها مقام القطع / القسم السابع (غير أنّ النكتة الفنية في هذا البحث لا تقتصر على ما تقدّم، بل هي أنّنا لا نقبل أصلًا وجود أصلٍ مُحرِز في الشبهات الحكمية الكلية. وعليه، فإنّ البحث في أنّ الأصول المُحرِزة هل تقوم مقام القطع أم لا إنّما يتصوّر في الشبهات الموضوعية؛ إذ إنّ جميع ما يُذكر من الأصول المُحرِزة ـ على فرض التسليم بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ـ لا يجري في الشبهات الحكمية سوى الاستصحاب. وبيان ذلك: 1. أصالة الصحة في فعل الغير: كما تقدّم، لا دليل على كونها من الأصول المُحرِزة؛ فإنّ مفاد قوله: «ضع فعل أخيك على أحسنه» ليس إحراز الواقع، وإنّما هو مجرّد السيرة العملية والجري العملي. وعليه، فإنّ ما يمكن أن يُتصوّر كأصلٍ مُحرِز في الشبهات الحكمية ينحصر ـ بحسب الظاهر ـ في ثلاثة أمور: أولًا: أصالة الطهارة؛ أي فيما إذا كان الشك في الحكم، لا في الموضوع الخارجي، كأن يُشك في طهارة شيء من حيث الحكم الشرعي. إلّا أنّ هذا يواجه عدّة إشكالات: أوّلًا: إنّ دليل أصالة الطهارة منحصر في رواية عمار الساباطي: «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر...»، وهي رواية اشتهرت بكثرة شواذّها وأخطائها. ثانيًا: إنّ الرواية عبّرت بـ «نظيف» لا بـ «طاهر». ثالثًا: إنّ قوله: «حتى تعلم أنّه قذر...» ـ حتى لو سلّمنا باعتباره ـ يُحتمل انصرافه إلى الشبهات الموضوعية، لا الحكمية. رابعًا: وعلى فرض تمامية دلالته، فإنّه يختصّ بالطهارة، بينما الأصول العملية التي يبحث عنها في علم الأصول ينبغي أن تكون جارية في جميع أبواب الفقه. 2. الاستصحاب: وقد وقع الخلاف فيه منذ عصر الصحابة؛ فمنهم من أنكر حجّيته، ومنهم من قبلها، وكذلك الحال بين كبار علماء أهل السنّة. وأمّا فقهاؤنا وأصوليونا، فقد قبله بعضهم منذ البداية، بينما تردّد فيه آخرون، إلى أن جاء الأخباريون فجعلوا مسألة الاستصحاب من أبرز معالم الخلاف بينهم وبين الأصوليين، وأكّدوا عدم جريانه في الشبهات الحكمية. ثم جاء #الوحيد_البهبهاني، وتبعه الأصوليون من بعده، كـ #الشيخ_الأنصاري، وصاحب #الآخوند_الخراساني، و#المحقق_النائيني، و#آقا_ضياء_العراقي، فأثبتوا جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية. وقد أثار المرحوم #المحقق_النراقي إشكال التعارض بين استصحاب الحكم واستصحاب عدم الجعل، وقد قوّى أستاذنا هذا الإشكال، وانتهى ـ كما انتهى إليه الأخباريون ـ إلى إنكار جريان الاستصحاب. ونحن أيضًا وافقنا الأخباريين في ذلك، وبنحوٍ يقارب منهجهم مع بعض الإضافات، فلم نقبل بجريان الاستصحاب.¹ 3. القياس: ونرى أنّه هو الثالث، مع أنّ الأعلام ـ ومنهم المرحوم #الشيخ_الأنصاري في بحث الانسداد ـ عدّوه من الأمارات غير المعتبرة. وقد أوضحنا في محلّه أنّ القياس في حقيقته نوعٌ من الاستصحاب، ومن الأصول العملية، بل من الأصول التنزيلية. وعلى هذا، فإذا لم يكن عندنا أصل تنزيلي جارٍ في الشبهات الحكمية، فإنّ البحث عن قيام الأصول التنزيلية مقام القطع يصبح لغوًا من هذه الجهة، وينحصر مورده في الشبهات الموضوعية.) (سماحة الأستاذ السيد أحمد المددي الموسوي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). الحاشية: ¹ مرادنا إنكار جريان الاستصحاب في نفسه. وخلاصة مبنانا أنّ الأصول العملية لما كانت من إبداعات الذهن، فهي لا تمتلك جهة الكاشفية، ومن غير المعقول عقلائيًا أن يُستكشف بها الحكم القانوني. نعم، يمكن من خلال هذه الإبداعات الذهنية إنشاء نوع من الارتباط بالواقع الخارجي؛ كأن يقال: هذا الكتاب كان ملكًا لفلان فهو باقٍ على ملكه، أو كان باب الحرم مفتوحًا فهو الآن كذلك. أمّا أن نستكشف بواسطة الأصول التنزيلية ـ وهي من إبداعات الذهن ـ أنّ الشارع قد جعل حكمًا معينًا، فهذا غير صحيح. وهذا لا يختص بالشريعة، بل لا يُستكشف أي قانون بواسطة الإبداعات الذهنية. #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #الأصول_الجارية_في_الشبهات_الحكمية #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي #(القسم_السابع)

🔴 الأصول الجارية في الشبهات الحكمية والموضوعية ومحلّ البحث عنها / القسم السادس (إنّ ما ذكره الأعلام من أنّ الأصول التنزيلية والأمارات تقوم مقام القطع، بخلاف الأصول غير التنزيلية، كلامٌ متين ويمكن قبوله. غير أنّ هناك نكتة أخرى، وهي أنّ هذا البحث إنّما يختصّ بما إذا كان ناظرًا إلى الحكم الفرعي الكلّي، إذ إنّ البحث في الأحكام الفرعية الكلية هو موضوع علم الأصول، أمّا الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية فلم يتعرّضوا لها في هذا العلم. فقد أدرجوا في علم الأصول الأصول الأربعة: الاستصحاب، والبراءة، والاشتغال، والتخيير؛ لأنّها تجري في الشبهات الحكمية، وهي من مباحث الأحكام الكلية. أمّا أصالة الطهارة، وقاعدة الملك، وقاعدة اليد، وقاعدة التجاوز، فقد قرّروا أنّها لا ترتبط بعلم الأصول. وعليه، فإنّ إدراج تلك الأصول الأربعة في علم الأصول إنّما هو لكونها جارية في الأحكام الفرعية الكلية، وإلّا فإنّ الأصول الجارية في الموضوعات الخارجية أكثر من ذلك بكثير، إلا أنّهم قالوا: إنّ علم الأصول لا يتعرّض للموضوعات الخارجية. ومن هنا، فإنّ عدّ قاعدة التجاوز من الأصول المحرزة يقتضي ـ بحسب هذا المبنى ـ الالتزام بنفس الضابطة؛ لأنّ قاعدة التجاوز، كما إذا شكّ المصلّي وهو في السجود هل أتى بالركوع أم لا، فيقال له: «بلى، قد ركعت»، إنّما تجري في الشبهات الموضوعية، ولا مورد لها في الشبهات الحكمية. وكذلك قاعدة الفراغ، وقاعدة التجاوز، وقاعدة سوق المسلمين، وقاعدة عدم الاعتناء بكثير الشك، وقاعدة عدم اعتناء الإمام مع حفظ المأموم، فجميعها تجري في الشبهات الموضوعية، ولذلك فهي من المباحث الفقهية، وقد طُرحت في الفقه، ولا صلة لها بالشبهات الحكمية. ومن جهة أخرى، فإنّ أصل هذا البحث كان مفروضًا في الشبهات الحكمية الكلية، أي في المباحث الأصولية؛ فعندما نبحث عن القطع، فإنّ المقصود هو القطع المتعلّق بالحكم الكلّي، لا القطع بكون هذا الشيء ملكًا، أو طاهرًا، أو نجسًا، أو مغصوبًا. وعليه، فإذا قيل هنا: «إنّ الأصول التنزيلية من قبيل قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز»، فلا بدّ من الالتزام بأنّ مراد الأعلام في هذا البحث أعمّ من الشبهات الحكمية والموضوعية. ونحن لا نجد في ذلك إشكالًا؛ لأنّنا نعدّ هذه التقسيمات اعتبارية.) (سماحة الأستاذ السيد أحمد المددي الموسوي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #الأصول_الجارية_في_الشبهات_الحكمية_ومحل_البحث_عنها #الأصول_الجارية_في_الشبهات_الموضوعية_ومحل_البحث_عنها #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي #(القسم_السادس)

🔴 جريان الحدّ وأقسام الحكومة وعلاقة الاستصحاب بالقطع الطريقي/ #القسم_الخامس) (وبناءً على ذلك، إذا حصل للمكلّف القطع بأنّ هذا المائع خمر فشربه، أُقيم عليه الحدّ. وكذلك إذا قامت البيّنة على أنّه خمر فشربه، أُقيم عليه الحدّ أيضًا. بل حتى إذا ثبتت خمريّة المائع بالاستصحاب ثم شربه، فإنّ الحدّ يُقام عليه؛ لأنّ الاستصحاب أصلٌ تنزيلي، ومفاده: «إنّ هذا خمر». فقوله (ع): «فَإِنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِكَ» معناه: إنّي أرى الوضوء وكأنّك لا تزال متوضئًا، لا أنّه يقول: إنّ هناك كاشفًا عنه. ومن هنا كان منشأ البحث في أنّ الاستصحاب هل هو من الأمارات أو من الأصول العملية؛ إذ لاحظوا أنّ الانكشاف قد ثبت فيه، بينما الكاشف لم يثبت، مع أنّه لا معنى لانكشافٍ بلا كاشف. وعلى ضوء تحليل المرحوم #المحقق_النائيني يكون الاستصحاب من الأصول العملية، ولكن بهذا المعنى الخاص. أمّا المرحوم #السيد_الخوئي فيعدّ الاستصحاب من الأمارات، وإن كان قد فصّل في الأمارات من حيث اشتمالها على جهة الكاشفية وعدمه. أمّا أستاذنا، فقد اعتبر الانكشاف في الأمارات انكشافًا حقيقيًّا، ولذلك عدّها من الأمارات حقيقةً. وأمّا نحن فنرى أنّ الانكشاف في القطع حقيقي، بينما هو في الاستصحاب انكشافٌ إبداعي بجعل الشارع. وأمّا بالنسبة إلى قاعدة الاحتياط، فأوّل ما ينبغي الالتفات إليه هو الفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية. فبحسب رأي المرحوم #المحقق_النائيني، تكون الحكومة الواقعية فيما إذا تصرّف الشارع بنفسه في الموضوع، كما في قوله: «الطواف بالبيت صلاة»؛ أي إنّ الطواف في المسجد الحرام يأخذ أحكام الصلاة، فكما أنّ تحية سائر المساجد ركعتان، فإنّ تحية المسجد الحرام هي الطواف، وكما تُشترط الطهارة وقصد القربة في الصلاة، فكذلك في الطواف. وأمّا الحكومة الظاهرية، فهي فيما إذا جعل الشارع الحجّية لشيء؛ كأن يجعل خبر الثقة حجّة. فلو أخبر الثقة بأنّ أمرًا ما واجب، فإنّ معنى الحجّية هو الحكم بأنّ هذا هو حكم الله، فيجب العمل بمؤدّى الأمارة. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في البحث القادم أنّ مبنى المرحوم #المحقق_النائيني هو تتميم الكشف تعبّدًا؛ أي إنّ الشارع جعل مؤدّى الأمارة بمنزلة الواقع تعبّدًا، وهذا من الحكومة الظاهرية بنحو التوسعة.) (سماحة الأستاذ السيد أحمد المددي الموسوي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). الحاشية: 1. تكون الحكومة تارة بنحو التضييق، وأخرى بنحو التوسعة، وكلٌّ منهما قد يكون واقعيًّا أو ظاهريًّا. أمّا الحكومة الواقعية فمثالها واضح، كقوله: «الطواف بالبيت صلاة». وأمّا الحكومة الظاهرية، فمناطها الالتزام بالحجّية؛ فكلّ مورد ثبتت فيه الحجّية كان من باب الحكومة الظاهرية التوسعية. أمّا على مبنانا، حيث لا نقول بالحجّية التعبدية في باب القطع، فلا مجال لهذا النوع من التوسعة. وأمّا المرحوم #المحقق_النائيني، فلمّا كان يقول بالحجّية التعبدية، فقد التزم بهذه الحكومة الظاهرية. #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #أقسام_الحكومة #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي #(القسم_الخامس)

🔴 مراتب القطع والفروق بينه وبين الأمارات والأصول التنزيلية وغير التنزيلية / القسم الرابع (كنّا نحضر درس المرحوم #السيد_البجنوردي (قده)، وقد نقل مطلبًا عن المرحوم #المحقق_النائيني يختلف عمّا ورد في تقريرات درسه. ولعلّه سمعه منه مشافهة، أو أنّ المحقق النائيني ذكره في دوراته الأخيرة، وحاصله: إنّه بناءً على التحليل، إذا حصل للإنسان العلم عند العقلاء، ترتّبت عليه أربع جهات: 1. صفة نفسانية خاصة قائمة بالنفس، وهي غير الظن، فإنّ الظن شيء آخر، والتردّد شيء آخر. 2. الكاشفية؛ أي إنّ هذه الصفة ترتبط بالواقع وتكشفه للإنسان. 3. انكشاف الواقع؛ أي إنّ الواقع نفسه يصبح منكشفًا للشخص ومشهودًا لديه، وهذا غير الكاشفية. فقوله (ع): «فَإِنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِكَ» معناه: إنّ الوضوء منكشف لك وكأنّك لا تزال تراه، ولم يقل: إنّ هناك كاشفًا عنه. وكذلك إذا اشترينا لحمًا من قصّاب في سوق المسلمين فإنّا نراه مذكى ونتعامل معه معاملة المذكّى، مع أنّه لا يوجد كاشف مستقلّ عنه سوى سوق المسلمين، وهذا ليس كاشفًا قطعيًّا؛ إذ يحتمل أن يكون اللحم غير مذكى. 4. الجري العملي على وفق الواقع المنكشف؛ فإنّ الإنسان إذا حصل له العلم، وأدرك أنّ الحبل شيء وأنّ الحيّة شيء آخر، فرّ من الحيّة ولم يفرّ من الحبل. وكذلك إذا علم بنجاسة شيء اجتنب عنه، وإذا علم بطهارته أخذه وصلّى به. فمثلًا في قاعدة الاشتغال نقول: «يجب الاجتناب عن الإناءين»، ولا نقول: لأنّ كلًّا منهما نجس؛ إذ إنّ الجري العملي لا يثبت الموضوع، وإنّما يقتصر على بيان الوظيفة العملية، فيقال: إذا كان أحد الإناءين خمرًا فاجتنب عنهما، لا أنّ كلّ واحد منهما خمر. وأمّا الأمارات، ففيها ثلاث جهات: الكاشفية، وانكشاف الواقع بها، والجري العملي. وأمّا الأصول التنزيلية، ففيها انكشاف الواقع، لكن لا كاشفية فيها. فقوله (ع): «فَإِنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِكَ» يدلّ على انكشاف الوضوء وكأنّه لا يزال موجودًا، ولكن لا يدلّ على وجود كاشف. وكذلك في رواية قاعدة التجاوز، إذا شكّ المكلّف في الركوع وهو في السجود، فقال الإمام (ع): «امضِ في صلاتك»، أو قال: «بلى، قد ركعت»؛ ففي التعبير الثاني يظهر أنّ الركوع لا يزال منكشفًا، مع أنّه لا توجد كاشفية. وقد أضفنا إلى كلام المرحوم #المحقق_النائيني أنّ هذا الظهور في انكشاف الواقع وثبوت المنكشف هو من إبداع الشارع وجعله؛ وإلّا فلو اقتصر التعبير على قوله: «امضِ في صلاتك» لكان من الأصول غير التنزيلية. وعليه، فإذا كان هناك منكشف بلا كاشف كان ذلك أصلًا تنزيليًّا؛ ولذلك فإنّ قوله: «بلى، قد ركعت» يدلّ على أنّ الركوع ـ وهو المنكشف ـ موجود، ولو قال: «امضِ في صلاتك» فقط، لقلنا: إنّه أصل غير تنزيلي. أمّا مع قوله: «قد ركعت» فنحكم بأنّه أصل تنزيلي. وكذلك في قاعدة اليد، فإنّك ترى تصرّف الشخص في الشيء وتحكم بملكيّته له، فتكون من الأصول التنزيلية. وأمّا الأصول غير التنزيلية، فلا يثبت فيها إلّا الجري العملي. وعليه، فإنّ القطع، والأمارات، والأصول التنزيلية تشترك في حكم واحد، بخلاف الأصول غير التنزيلية، فإنّها لا تقوم مقام القطع الطريقي.) (سماحة الأستاذ السيد أحمد المددي الموسوي (دام ظله)، بحث خارج أصول الفقه، 10/7/2011م). #أصول_الفقه #القطع #القطع_الطريقي #أوجه_الشبه_والاختلاف_بين_القطع_والأمارات_والأصول_التنزيلية_وغير_التنزيلية #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي #(القسم_الرابع)

🔴 قيام الأمارات وبعض الأصول العملية مقام القطع الطريقي (القسم الثالث) (قالوا: في المورد الذي يكون فيه القطع طريقيًّا، إذا حصل القطع، أو قامت البيّنة (الأمارة)، أو جرى أحد الأصول التنزيلية1️⃣، فلا فرق بينها، ويكون التكليف منجَّزًا؛ أمّا إذا كان الأصل غير تنزيلي، فإنّ الأصل غير المُحرِز لا يقوم مقام العلم ولا مقام الأمارة. والنكتة الفنية في الطرح الأولي للبحث هي: إنّ مفاد الأصول العملية ليس مفاد الكشف. وتوضيح ذلك: إنّ طريقية القطع ـ على قول الأصوليين ـ ذاتية، بل هي عين ذاته. وأمّا الأمارات فهي تشتمل على جهة الكشف عن الواقع، وكأنّ الشارع جعل هذا الكشف فيها تامًّا. فأنتم تارةً ترون الواقع مباشرةً (كما لو قطعتم بأنّ هذا خمر)، وتارةً تقوم البيّنة على أنّه خمر. لكن الأصول العملية ـ سواء كانت تنزيلية أم غير تنزيلية ـ هي جريان عملي (وظيفة عملية)، ولا يوجد فيها كشف عن الواقع. فبعضهم يقول: بما أنّ الاستصحاب والاحتياط من مقولة واحدة، وكلاهما جريان عملي، إذن لا كشف لهما، فلا يقومان مقام العلم. وبعضهم يقول: بما أنّهما جريان عملي، والجريان العملي موجود في العلم أيضًا (فعندما يحصل لنا العلم نعمل على طبق علمنا)، فهما يقومان مقام العلم. والتوضيح المختصر: إنّهم يرون للقطع ثلاثة آثار: ١. له صفة خاصة به، وهي صفة نفسية خاصة. ٢. له جهة الكاشفية، ومن هذه الجهة يشترك مع الأمارات. ٣. له جريان عملي علمي، ومن هذه الجهة يشترك مع الأصول؛ ونتيجة ذلك أنّ الأصول تقوم مقام القطع. ( #آية_الله_الأستاذ_حاج_سيد_أحمد_مددي_الموسوي حفظه الله، بحث الخارج في أصول الفقه، ١٣٩٠/٧/١٠ هـ ش) الهامش: 1️⃣ إجمالًا: هي الأصول التي تنظر إلى إحراز الموضوع؛ كالاستصحاب، فإنّه عندما يقول: «لا تنقض اليقين بالشك»، فكأنّه ينظر إلى أنّ هذا الشيء كان سابقًا خمرًا، وهو الآن أيضًا خمر. وقد ذكر #الشيخ_النائيني من الصفحة ١٥ من الجزء الثالث وما بعدها أنّ الأصول التنزيلية هي: «الأصول المتكفّلة لتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، بحيث يكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر». ومثّل للأصول التنزيلية بالاستصحاب، وأصالة الصحة، وقاعدة التجاوز. ويبدو أنّ مراده من أصالة الصحة هو أصالة الصحة في فعل الغير؛ وذلك لأنّ: أولًا: المشهور من مصطلح «أصالة الصحة» هو حمل فعل أخيك على الصحة. وثانيًا: لدينا أيضًا أصالة الصحة في فعل النفس، وهي التي يُعبَّر عنها بـ قاعدة التجاوز. ومن خلال ذكره قاعدة التجاوز يتضح أنّ مراده من أصالة الصحة هو أصالة الصحة في فعل الغير. وقد اشتهر في أصالة الصحة في فعل النفس ما يلي: إذا كان الشك بعد العمل في صحة العمل، سُمّيت قاعدة الفراغ؛ مثل أن يشك الإنسان بعد الصلاة: هل كانت صلاته صحيحة أم لا؟ وأمّا إذا كان الشك أثناء العمل، مع تجاوز المحل، وكان الشك في أصل وجود الجزء، سُمّيت قاعدة التجاوز؛ مثل أن يشك أثناء السجود في أنّه هل ركع أم لا. وأحيانًا يُطلق على القاعدتين معًا ـ الفراغ والتجاوز ـ عنوان أصالة الصحة في فعل النفس. والنكتة الأخرى: أنّ أصالة الصحة في فعل الغير لا يوجد لها دليل واضح سوى عبارة: «ضع فعل أخيك على أحسنه»، وإن شاء الله سنوضح في محلّه أنّه حتى لو ثبتت هذه العبارة، فهي من الأصول غير المُحرِزة؛ لأنّه في قاعدة التجاوز، عندما يشك المكلّف في حال السجود، يقول له الشارع: «بلى، قد ركعت»؛ أي: لقد أتيت بالركوع. أما في أصالة الصحة فيقول: «ضع فعل أخيك على أحسنه»؛ أي: قل: إنّه لم يرتكب فعلًا محرّمًا، لكنه لا يحكم بأنّ العمل قد أُنجز صحيحًا وعلى الوجه المطلوب. وعليه فإنّ عبارة «ضع فعل أخيك على أحسنه» بمعنى الأصل غير المُحرِز.) #أصول #قطع #قطع_طريقي #أصول_تنزيلية #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي (القسم الثالث)

🔴 قيام الأمارات وبعض الأصول العملية مقام القطع الطريقي (القسم الثاني) (مثال آخر: إذا ورد في عبارة أو رواية: «مُلاقِي النجس نجس»، فعندما ننظر إلى الواقع الخارجي يمكننا أن نتصوّر أربع حالات: الأولى: أن نعلم يقينًا أنّه نجس، وهذا ما يُسمّى اصطلاحًا القطع. وقد ذكرنا أنّه في مجموع الأدلة الشرعية والقوانين العرفية، كلّما تعلّق الحكم بالواقع، كان القطع في ذلك الموضع طريقيًّا، ولا إشكال في أنّ ملاقِيَه ـ كالثوب أو اليد إذا لامسته ـ يكون نجسًا أيضًا. الثانية: إذا قامت البيّنة على أنّ هذا الشيء نجس، ثم لاقاه شيء آخر، فإنّه يحكم بنجاسته أيضًا؛ وهذا ما يُعبَّر عنه اصطلاحًا بأنّ الأمارات والحجج تقوم مقام القطع.1️⃣ الثالثة: أن يكون المائع الموجود في هذا الإناء كان سابقًا نجسًا، ونحتمل أنّ شخصًا قد طهّره. فنُجري استصحاب بقاء النجاسة، ونقول: كان سابقًا نجسًا، وهو الآن أيضًا نجس (الأصل المُحرِز2️⃣). فإذا لامسته يدنا نحكم بنجاستها. الرابعة: إذا دار الأمر بين أن يكون هذا الإناء نجسًا أو ذاك الإناء، فهذا يسمّى الاحتياط (الأصل غير المُحرِز). وهنا يقال: «يجب الاجتناب عنهما، فاجتنب كلاهما»، لكن لو لامست يدك أحدهما، يقول الأصحاب: لا يمكن الحكم بنجاسته؛ لأنّ معنى وجوب الاحتياط هو أنّ كلّ واحد من هذين الإناءين يجب الاجتناب عنه، لكن ليس معنى ذلك أنّ ملاقِيَه أيضًا يكون نجسًا.3️⃣ في الصورتين الأوليين يكون الأمر قطعيًّا، وقد حكموا بأنّ مُلاقِي النجس نجس، أمّا الصورتان الأخيرتان ـ أي الاستصحاب والاحتياط ـ فهما محلّ بحث، ويمكن أن نرى في كلمات الأصوليين ثلاثة آراء: الأول: لا نحكم في الاستصحاب بأنّ ملاقِيَه نجس، ولا نحكم بذلك في أصالة الاحتياط. الثاني: نحكم في الاستصحاب بأنّ ملاقِيَه نجس، ولكن لا نحكم بذلك في أصالة الاحتياط. الثالث: نحكم في كليهما بأنّ ملاقِيَه نجس. ( #آية_الله_الأستاذ_السيد_أحمد_المددي_الموسوي حفظه الله، بحث الخارج في أصول الفقه، ١٣٩٠/٧/١٠ هـ ش) الهوامش: 1️⃣ لكن حجّية البيّنة ليست عقلائية تمامًا، بل هي تعبّدية؛ أي إذا شهد عادلان بموضوع خارجي، فإنّ ذلك الموضوع يثبت تعبّدًا؛ لأنّ مبنى العقلاء هو حجّية الوثوق والاطمئنان، وقد لا يحصل الوثوق والاطمئنان من خبر وشهادة العادلين، ومع ذلك نقول: إنّ البيّنة حجّة. فهنا لدينا حجّة تعبّدية. 2️⃣ أي إنّه ناظر إلى مقام الموضوع ويُحرز الموضوع؛ فنقول: كان هذا الشيء نجسًا سابقًا، وهو الآن أيضًا نجس، ولذلك يسمّى الأصل المُحرِز أو التنزيلي. 3️⃣ الكلام هنا في مُلاقِي أحد الطرفين، لا في مُلاقِي كليهما؛ فإنّ مُلاقِي كليهما نجس. وفي بحث الاحتياط نتكلّم بناءً على مبنى المشهور، وإلا فإذا علمنا أنّ أحد هذين الإناءين نجس، فهناك في الحقيقة ثلاثة أقوال: الأول: يجب الاجتناب عن كليهما، وهو المشهور حاليًا، ويُعبّر عنه اصطلاحًا بـ منجّزية العلم الإجمالي. الثاني: إنّ بعض الأصوليين المتقدمين وبعض الأخباريين يرون أنّه بما أنّ الرواية تقول: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه»، ونحن لا نعلم أنّ هذا الإناء بعينه حرام أو ذاك بعينه، فإنّنا نجري في كليهما أصالة الحل أو أصالة الطهارة. الثالث: يقول: يجب الاجتناب عن أحدهما، ولا إشكال في ارتكاب الآخر؛ وهو شيء يشبه الانحلال التعبّدي أو الحكمي. وأمّا تعيين ذلك الآخر، فإمّا أن تختاره أنت بنفسك ـ كما قيل ـ، أو يكون بالقرعة. لكن لدينا عدد قليل جدًا من الفقهاء ـ بل نادر جدًا ـ ممّن عمل بعموم قاعدة: «القرعة لكلّ أمر مشكل» أو «القرعة لكلّ أمر مجهول»؛ أي إنّهم لأنّ هناك رواية في مسألة قطيع الغنم (قطيع من الغنم يعلم أنّ واحدة منها محرّمة...) عمّموا ذلك إلى جميع أطراف العلم الإجمالي.) #أصول #قطع #قطع_طريقي #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي (القسم الثاني)

🔴 قيام الأمارات وبعض الأصول العملية مقام القطع الطريقي (القسم الأول) (1. إنّ ما نملكه اليوم في لسان الآيات والروايات من عنوان العلم (= اليقين = القطع = وما شابه هذه العناوين) هو في أكثر من ستة وتسعين بالمائة منه ناظر إلى القطع الطريقي، وأمّا القطع الموضوعي فهو قليل جداً في لسان الأدلة. 2. كلّما كان الحكم متعلّقاً بالواقع نفسه ـ كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة، الآية 3] ـ فإنّ القطع في ذلك المورد يكون طريقياً. 3. وبناءً على المشهور بين علمائنا، فإنّ الأمارات تقوم مقام القطع الطريقي، كما أنّ بعض الأصوليين يرى أنّ الأصول التنزيلية أيضاً تقوم مقام القطع الطريقي، بخلاف الأصول غير التنزيلية.¹ وتوضيح ذلك: لو ورد في الروايات مثلاً أنّ من شرب الخمر يُجلد ثمانين جلدة، فهناك عدّة حالات متصوّرة: الأولى: أن يكون المائع خمراً قطعاً. فإذا شربه الإنسان مع وجود القطع لديه، ثبت عليه حدّ شرب الخمر. الثانية: أن تقوم البيّنة على أنّ هذا المائع خمر. فإذا شربه بعد قيام البيّنة ـ أي بعد قيام الحجج والأمارات ـ ثبت عليه الحدّ أيضاً. الثالثة: أن يكون هذا المائع خمراً سابقاً، ثم مضت مدة من الزمن، فقال بعضهم: «إنّه صار خلاً»، وقال آخرون: «ما زال خمراً». فإذا شربه الإنسان بعد استصحاب بقاء الخمرية، جرى عليه الحدّ أيضاً. الرابعة: أن نعلم أنّ أحد هذين المائعين خمر، وقد أُفتي بوجوب الاجتناب عنهما معاً، ولكن لو شرب الإنسان أحدهما فلا يُقام عليه الحد؛ لأنّ الحدّ إنما يثبت على شارب الخمر، ولم يُحرز أنّ هذا الشخص شارب للخمر.) (حضرة آية الله الأستاذ الحاج السيد أحمد المددي الموسوي حفظه الله، بحث الخارج في أصول الفقه، 1390/7/10هـ.ش) الحاشية: ¹ كان الشيخ الأنصاري (قده) في البداية يرى ـ من خلال عبارته: «ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية والأصول العملية مقامه في العمل» أنّ جميع الأصول العملية تقوم مقام القطع، ثم عدّل عبارته لاحقاً بإضافة كلمة «بعض»، فأصبحت: «ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية وبعض الأصول العملية مقامه في العمل» [فرائد الأصول، ج 1، ص 33]، وبذلك فرّق بين الأصول التنزيلية والأصول غير التنزيلية. #الأصول #القطع #القطع_الطريقي #قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي #القسم_الأول

🔴 سرُّ نسبة حديث «تحف العقول» إلى رسالة «المحكم والمتشابه» (ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) بعد رواية «تحف العقول»: «ورواه غير واحد من رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى». والمعتاد أن نتعرض بعد ذلك لكتاب «المحكم والمتشابه»، إلا أننا قد بينّا سابقًا أن مثل هذا النص، ولو بمقدار يسير من التشابه، لا وجود له في كتاب «المحكم والمتشابه»؛ إذ إن هذا الكتاب يباين متن رواية «تحف العقول» مباينةً تامة. ولذلك تعرّض غير واحد من الأعلام ـ ومنهم أستاذنا الراحل (قدس سره) في كتاب «مصباح الفقاهة»، وغيرهم ممن شرح «المكاسب» للشيخ الأنصاري وطبعه ـ لهذا الموضع، وأبدوا تعجّبهم من الشيخ الأنصاري: كيف نسب الرواية إلى رسالة «المحكم والمتشابه»؟¹ وقد أجبتُ عن هذه الشبهة، وأتعجّب كيف لم يلتفت إليها الأستاذ. فإن نظر الشيخ الأنصاري إنما كان إلى عبارة «وسائل الشيعة»، حيث جاء فيها: «ورواه السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه ـ كما مرّ في الخمس ـ». وقد فهم الشيخ الأنصاري من هذه العبارة أن رواية «تحف العقول» موجودة في كتاب «المحكم والمتشابه»، وأن صاحب «الوسائل» قد نقلها أيضًا في كتاب الخمس. ومن هنا قال: «ورواه غير واحد»، أي: رواه صاحب «الوسائل»، وصاحب «الحدائق» أيضًا. غير أن صاحب «الوسائل» أديبٌ، والمقصود من كلمة «كما» هنا هو: كما تقدّم في كتاب الخمس، أي بالنص الذي سبق هناك؛ لأن صاحب «الوسائل» نفسه يعلم أن متن «المحكم والمتشابه» لا علاقة له بهذا النص أصلًا. ومع ذلك، فإن عبارة «الوسائل» نفسها ليست واضحة تمامًا، وكان الأولى أن يقول مثلًا: «بالمتن الذي تقدّم»، أو: «تقدّم ما يشبه هذا التقسيم». ومن المصادفة أن التقسيم الوارد في رسالة «المحكم والمتشابه» تقسيم خماسي، ومن جملته وجه الإمارة (أو: العمارة؟). #الشيخ_الأنصاري #السيد_المرتضى #السيد_أحمد_المددي #السيد_الخوئي #صاحب_وسائل_الشيعة #صاحب_الحدائق

🔴 دلالة حرفي «في» و«اللام» في حديث تحف العقول وأثرهما في تحديد نطاق الإجارة المحرّمة (أمّا في قوله: «إجارة نفسه فيه»، فقد اعتُبر العمل بمنزلة الظرف، والإنسان بمنزلة المظروف، ولذلك يصدق هذا التعبير على المباشرة أيضًا. وقد ذكر المرحوم السيد اليزدي ثلاثة احتمالات في تفسير العبارة، بينما رفض السيد الخوئي تلك الاحتمالات جميعًا، وذكر احتمالًا رابعًا، إلا أنّ الإنصاف أنّ الحديث يصدق على كلا الوجهين. فعلى تفسير السيد الخوئي يكون المراد من «له» التسبيب، ومن «فيه» نفس العمل، بينما يمكن أيضًا عكس ذلك؛ إذ يمكن أن يُنظر إلى عملية صنع الخمر باعتبارها عملًا متدرّجًا يبدأ من حمل العنب، ونقله، وإفراغه، ثم عصره وسائر مراحله، فيُقال لمن يشارك في هذه المراحل: إنّ عملك «فيه»، أي: داخل في هذا العمل، وهذا الاستعمال صحيح أيضًا. وقد فسّر المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي «فيه» بمقدمات العمل، و«له» بنفس العمل، وهذا الوجه أيضًا لا إشكال فيه. وعليه، فنحن نرى أنّ الحديث يحتمل كلا المعنيين: سواء أُريد بـ «فيه» نفس العمل و«له» مقدماته، أو بالعكس. والوجه في ذلك أنّ المقام اعتباري لا حقيقي، فلا بدّ من ملاحظة ما اعتبره المتكلّم. وعلى هذا، فإنّ قوله: «إجارة نفسه فيه، أو في شيءٍ منه» يعني: إمّا في تمام العمل، أو في جزء منه، أو لأجل جزء منه. وبعبارة أخرى: كما تحرم الإجارة على مجموع العمل المحرّم، كذلك تحرم على بعض أجزائه. فسواء كان صنع الخمر يحتاج إلى شخص واحد، أو إلى عدّة أشخاص وكان هذا الفرد أحدهم، فإنّ الإجارة محرّمة في كلتا الصورتين. بل يمكن أن يُفهم من الحديث أيضًا أنّه إذا كان العمل المباح يشتمل على جزء محرّم، فإنّ الإجارة تكون محرّمة كذلك. فلو كانت وظيفة شخص تقديم الطعام للزبائن، إلا أنّه يضطر إلى تقديم الخمر أو لحم الخنزير أيضًا، فإنّ إجارته ـ على هذا التفسير لحديث تحف العقول ـ تكون باطلة؛ لأنّها تشمل جزءًا محرّمًا من العمل. أمّا إذا كان عقد الإجارة من البداية منصبًّا على عمل محلّل فقط، كأن تكون وظيفته تقديم الطعام الحلال، ثم غاب أحد العاملين في يوم من الأيام فكُلّف استثناءً بتقديم الطعام المحرّم، فإنّ أصل عقد الإجارة لا يفسد؛ لأنّه وقع في مقابل عمل محلّل. وكذلك من كانت وظيفته في البنك كتابة المعاملات المصرفية، فإنّ كتابة المعاملات الجائزة لا إشكال فيها، أمّا كتابة المعاملات الربوية فهي محرّمة. ففي كلا المثالين، يستفاد من هذا الحديث أنّه ما دام الجزء المحرّم داخلًا في مورد العقد، فإنّ الإجارة تكون محرّمة، ولا يشترط أن يكون جميع العمل محرّمًا. نعم، يُستثنى من ذلك ما إذا كان العقد واقعًا على عمل محلّل، ثم طرأ فعل محرّم خارج إطار العقد؛ كما لو كان العامل المسلم متعاقدًا على تقديم الطعام الحلال، ثم كُلّف استثنائيًا بتقديم طعام محرّم لغياب العامل الآخر ـ وكان مثلًا غير مسلم ـ فإنّ هذا لا يقدح في صحّة العقد. وينبغي الالتفات إلى أنّ المعيار في العقود هو ما تضمّنه العقد وما أُبرز فيه ـ أو بتعبير العصر: البروتوكول أو الاتفاق التعاقدي ـ، لا ما يضمره الإنسان في نفسه. فلو نوى في قرارة نفسه أن يعقد على عمل محلّل ثم يقوم أحيانًا بعمل محرّم، فإنّ هذه النيّة لا تؤثّر في صحّة العقد. وإنّما المؤثّر هو أن يُدرج العمل المحرّم ضمن مضمون العقد نفسه.) (حضرة آية الله الأستاذ الحاج السيد أحمد المددي الموسوي (حفظه الله)، بحث الخارج في الفقه، بتاريخ 21/09/1384هـ.ش). #حديث_تحف_العقول #متابعة_شرح_الحديث_وبيان_فوائده

🔴 بحث في المعنى الحرفي: تطوّر النظرية وآراء المحقق الرضي والميرزا النائيني (القسم الثاني) (سبق أن ذكرنا ـ في شرحٍ مفصّل حول الحروف، حتى من الناحية التاريخية والحضارية والثقافية ـ أنّ اللغات المتطوّرة تمتاز بكثرة الحروف، بخلاف اللغات البدائية؛ فمثلاً كثير من لغات القبائل البدائية في أفريقيا تقلّ فيها الحروف، وتغلب عليها المعاني الاسمية. أمّا البحث التحليلي والتاريخي في ذلك، فموكول إلى محلّه. وهذه النِّسَب التي لا يكون لها وجود مستقل في نفسها، وإنما تتحقّق بطرفيها، قد عبّر عنها الإنسان بطريقتين: التعبير الاسمي، والتعبير الحرفي. وأوّل من ذهب إلى أنّ المعنى الحرفي هو معنى إيجادي هو المحقق الرضي (قدّس سرّه). ثم تبنّى الميرزا النائيني هذا الاتجاه بصورةٍ مفادها أنّ المعنى الحرفي ليس له وجود مستقل في نفسه، بل هو عين وجود الطرفين، وبهذا فصله عن وجود الجوهر والعرض. إلّا أنّ عبارة المحقق الرضي ـ باعتباره مؤسّس هذه النظرية ـ لا تخلو من شيءٍ من الغموض؛ إذ إنّ كلمات المؤسسين غالباً ما تكون كذلك. فهو يقول: إنّ الابتداء ليس شيئاً مستقلاً، بل هو عين الشخص والسير والبصرة، ولذلك عبّر عن المعنى الحرفي بأنّه إيجاد المعنى في غيره. ومع ذلك، فإنّ في بعض عباراته ما يشعر بأنّه لا يرى للمعنى الحرفي معنىً مستقلاً، بل نُسب إليه أيضاً أنّه يقول: إنّ الحروف لا معنى لها. وقد ذكرنا هناك أنّه إذا قورِن بين «الابتداء» و«من»، أو بين «الاستعلاء» و«على»، أو بين «الظرفية» و«في»، فلا يوجد فرق بينهما، والأمر كما ذكره نجم الأئمة الرضي؛ فمعنى «الابتداء» و«من» واحد. وهذا هو حاصل كلامه، وهو نفس ما ذكره صاحب الكفاية، بل إنّ عبارته في الكفاية هي بعينها ما أورده الرضي في شرح الكافية. ومقصوده أنّ هذين اللفظين، أحدهما اسم والآخر حرف، متحدان في المعنى ولا فرق بينهما. ثم بيّنا هناك أنّ الفارق الأساسي هو أنّ المعنى النسبي في مثل «الابتداء» يُلاحظ بنحوٍ تفصيلي، أمّا عند استعمال «من» فإنّه يُلاحظ بنحو الاندكاك. وكذلك الحال في «الظرفية» و«في»؛ فعندما نقول: «الظرفية»، فإنّ نسبة احتواء شيءٍ لشيءٍ آخر تُلحظ على نحو التفصيل، أو ـ بتعبير أهل المنطق ـ بما هو «ما فيه يُنظر». أمّا إذا استُعمل حرف الجر «في»، كما في قولنا: «الماء في الكوز»، فإنّ المعنى نفسه، من دون أي اختلاف، يُلاحظ بنحو الاندكاك والذوبان في الطرفين.) المصدر: حضرة آية الله الأستاذ الحاج السيد أحمد المددي الموسوي (حفظه الله)، بحث الخارج في الفقه، بتاريخ 21/09/1384هـ.ش. #حديث_تحف_العقول #استكمال_شرح_الحديث_وبيان_فوائده #بحث_في_المعنى_الحرفي_الجزء_الثاني

🔴 بحث في المعنى الحرفي لحرف الجر «في» وعلاقته بالظرفية والاختصاص (إنّ كلمة «في» في اللغة العربية وُضعت للدلالة على نوعٍ من النسبة يُعبَّر عنها بالظرفية. والمقصود بالنسبة الظرفية أن يوجد شيئان: ظرف ومظروف، بحيث يكون الظرف محيطاً بالمظروف، ومشتملًا عليه، ومهيمناً عليه، إلى درجة أنّه إذا لم يكن المظروف فيه لم تصدق الظرفية. وفي اللغة العربية يلاحظ في هذه النسبة الظرفية نوعٌ من الاحتواء، كما يلاحظ في معنى الاستعلاء نوعٌ من الإشراف، وكذلك في كل مورد تكون فيه نسبة منشئية بين شيئين. وهذا لا يختص بالحروف، بل يجري أيضاً في الأسماء؛ كلفظ «الابتداء». بل يتجاوز ذلك إلى ألفاظٍ مثل «الأب»، فإنّ الأب هو الموجود الذي يكون منشأً لتولّد موجود آخر، فلا يُطلق عليه «أب» ما لم يتزوج ويُرزق بولد. وكذلك لفظ «الابن»، فهو موجود يُلاحظ بالقياس إلى موجود آخر وُلد منه. وخلاصة الأمر أنّ هذه الإضافات والروابط والنِّسَب هي أمور نسبية، ويُلاحظ كلّ واحد منها من زاوية معينة، ومن تلك الجهة تُنتزع هذه العناوين. فالظرفية ـ مثلاً ـ تُطلق في كل مورد يتحقق فيه احتواء شيء لشيء آخر. غير أنّ هذا الاحتواء في باب الاعتبارات قد لا يُراد به معناه الحقيقي، بل يكتفى بما يُعبَّر عنه في كلماتهم بـ «أدنى ملابسة»؛ أي أقلّ مناسبة. فلو صلّى شخص وهو لابس خاتماً من ذهب، عبّروا عن ذلك بقولهم: «صلّى في الذهب»، مع أنّ الواقع أنّ إصبع الإنسان هو الواقع في الخاتم، لا العكس. إلا أنّهم ـ بنوعٍ من الاعتبار ـ جعلوا الذهب بمنزلة الظرف للصلاة، فكأنّ الصلاة، وهي المظروف، وقعت في هذا الظرف. وأمّا حرف «اللام»، فإنّ المعنى الملحوظ فيه ـ كالملك وغيره ـ يرجع في حقيقته إلى نوعٍ من الارتباط القائم على الاختصاص؛ كقولهم: «الجُلّ للفرس»، أو «الباب للبيت». وتشير الشواهد إلى أنّ اللام في اللغة العربية تدلّ غالباً على نوعٍ من العلاقة الخاصة بين شيئين؛ فحين يقال: «الجُلّ للفرس»، فلأنّ الجُلّ يرتبط بالفرس أو بالحمار ارتباطاً خاصّاً، إذ لا يوضع على الأسد أو الذئب، ولا يقال: «الجُلّ للذئب». فالمقصود من اللام هو هذه النسبة الخاصة بين الشيئين، ويُعبَّر عنها بهذا الحرف. والملكية ليست إلا أحد أنواع الاختصاص؛ فإذا وقع هذا الاختصاص ضمن إطار العلاقات الاعتبارية والقانونية سُمّي ملكاً. فعندما نقول: «الكتاب لزيد»، فإنّ اللام تدلّ على الاختصاص، لكن لا على اختصاص تكويني، بل على اختصاص ناشئ من الاعتبار. وكذلك في مثل قولنا: «النفقة على الرجل للمرأة»، فإنّ العبارة تعبّر عن علاقة بين النفقة والزوجين؛ فالمال أو النفقة أو مصاريف المعيشة لها علاقة بالمرأة من جهة الاختصاص، ولها علاقة بالرجل من جهة الاستعلاء؛ أي إنّها تُؤخذ من الرجل وتُعطى للمرأة. وعليه، فإنّ المعاني الحرفية قد تُلاحظ أحياناً بالقياس إلى معانٍ اسمية، كما قد تُقارن بالألفاظ الموضوعة نفسها للمعاني النسبية؛ كالمقارنة بين «الابتداء» و«من»، أو بين «الاستعلاء» و«على»، أو بين «الظرفية» و«في». والجهة التي ينبغي البحث فيها في المعاني الحرفية هي هذه الجهة الثانية؛ فإنّ معنى الظرفية ومعنى «في» واحد، فكلاهما من المعاني النسبية، وكلاهما معنى مندكّ في غيره، بمعنى أنّ الظرفية لا تُلحظ استقلالاً، إذ ليست شيئاً قائماً بنفسه. ومثال ذلك العلاقة بين النظارة وهذا الكتاب؛ فالذي له وجود خارجي هو النظارة والكتاب فقط، فإذا وُضعت النظارة فوق الكتاب نشأت نسبة تُسمّى الاستعلاء، وهذه النسبة ليس لها وجود مستقل في الخارج.) المصدر: حضرة آية الله الأستاذ الحاج السيد أحمد المددي الموسوي (حفظه الله)، بحث الخارج في الفقه، بتاريخ 21/09/1384هـ.ش. #الفقه #حديث_تحف_العقول #استكمال_شرح_الحديث_وبيان_فوائده #بحث_في_المعنى_الحرفي_للحروف_الجزء_الأول