Hussein.A.Salim
前往频道在 Telegram
وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..
显示更多未指定国家未指定类别
261
订阅者
无数据24 小时
无数据7 天
-630 天
帖子存档
لم تسلم القضايا والمسائل الدينيّة طيلة العصور المتأخرة والحديثة من التطويع وإعادة التوظيف الأيديولوجيّ وفق مبتغيات معتنقيها، إلى حدٍ قد اجتاز التأويل والاستقراء الذهنيّ، ليتحول إلى تعويق تاريخيّ لا يُبرر عقباه، وخصوصًا بالفترات المعاصرة التي شهدت تسلطًا حداثيًا تجاه الموروث بشقيه الدينيّ والاجتماعيّ، سواء أكان هذا التسلط سياسيًا واقتصاديًا كما في حركات اليسار-ولا سيما الماركسيّة-التي حاكمت التاريخ وفق منظورها الماديّ-نجد ذلك متبلورًا في مفهوم الماديّة التاريخيّة (صياغة أنجلز)- أو تسلط عقائديّ يضفي على الحادثة التاريخيّة بعدًا أسطوريًا يتجاوز الإيمان الدينيّ، ويتداخل مع الرؤية الموضوعيّة للماضي، كما يبدو الأمر واضحًا بحادثة الطف (مقتل الحسين) التي أصبحت مؤخرًا غنيمة دسمة لمختلف التيارات الفكريّة والعقائديّة داخل الشرق الأوسط، فهي من جهة قد عُرضت بزاوية ثوريّة، لها مظاهرها في عدة أعمال أدبيّة وأيديولوجيّة، مثل: مسرحيات عبد الرحمن شرقاوي، وقصائد مظفر النواب، ومؤلفات علي شريعتي.. والتي تنطلق كلّها من خلفيات يساريّة مشبعة بمبادئ التثوير المتهالكة، ذلك لأنّها لا تمت بصلة لروح العصر التاريخيّ الذي انبثقت منه الحادثة نفسها، إنّما هي صنيعة حديثة للغاية، من حيث المبدأ والصياغة اللذين يشكلان السردية المُقدمة.
لم تسلم القضايا والمسائل الدينيّة طيلة العصور المتأخرة والحديثة من التطويع وإعادة التوظيف الأيديولوجيّ وفق مبتغيات معتنقيها، إلى حدٍ قد اجتاز التأويل والاستقراء الذهنيّ، ليتحول إلى تعويق تاريخيّ لا يُبرر عقباه، وخصوصًا بالفترات المعاصرة التي شهدت تسلطًا حداثيًا تجاه الموروث بشقيه الدينيّ والاجتماعيّ، سواء أكان هذا التسلط سياسيًا واقتصاديًا كما في حركات اليسار-ولا سيما الماركسيّة-التي حاكمت التاريخ وفق منظورها الماديّ-نجد ذلك متبلورًا في مفهوم الماديّة التاريخيّة (صياغة أنجلز)- أو تسلط عقائديّ يضفي على الحادثة التاريخيّة بعدًا أسطوريًا يتجاوز الإيمان الدينيّ، ويتداخل مع الرؤية الموضوعيّة للماضي، كما يبدو الأمر واضحًا بحادثة الطف (مقتل الحسين) التي أصبحت مؤخرًا غنيمة دسمة لمختلف التيارات الفكريّة والعقائديّة داخل الشرق الأوسط، فهي من جهة قد عُرضت بزاوية ثوريّة، لها مظاهرها في عدة أعمال أدبيّة وأيديولوجيّة، مثل: مسرحيات عبد الرحمن شرقاوي، وقصائد مظفر النواب، ومؤلفات علي شريعتي.. والتي تنطلق كلّها من خلفيات يساريّة مشبعة بمبادئ التثوير المتهالكة، ذلك لأنّها لا تمت بصلة لروح العصر التاريخيّ الذي انبثقت منه الحادثة نفسها، إنّما هي صنيعة حديثة للغاية، من حيث المبدأ والصياغة اللذين يشكلان السردية المُقدمة.
والجدير بالذكر أنّ هذه النماذج ترتكز في تصوراتها على تجزيء حقيقة الشخوص المتمحورة فيها الحادثة، فهي تستقطع جانبًا غائبًا من السمات والطبائع الذاتيّة للشخصيات، أو الأهداف الأساسية التي تحملها، لتضخم منها وتصطنع عليها الشيء الكثير، للوهلة التي تبعث على الإحساس بحداثية الشخصية والموضوعة التي تتبناها. فالأطروحات اليساريّة تقدم لنا الحسين ثوريًا يشبه تشيفارا أو فيدل كاسترو، وأما أخته السيدة زينب فتبدو بالنسبة لهم كأنّها ناشطة نسويّة مثل سيمون دي بوفوار، وكذلك هذه النظرة تشدد على زهد وبساطة الأئمة بالملبس والمأكل، وكأنما هي تقول: "اِنظروا للبروليتاريا المعصومة!" وطبعًا لا ننسى المنظور التنويريّ-الليبراليّ الذي يُفاقم بجزئية الإصلاح والتغيير، للدرجة التي تتغاضى عن أنّ الحسين قد خرج شاهزًا السيف باسم عقيدة جده نبي الإسلام، حاملاً لشريعته التي تشكل محط استهجان ورفض جوهري عند مُريدي قيم فولتير واوغست كونت! هكذا تُساهم الرؤى الحداثيّة بتحريف الفهم الحقيقيّ للحوادث الجسام في تاريخنا، وتجانب الاستقراء الفعلي للماضي. ومن جهة أخرى: تلعب الفرق والمذاهب الدينيّة الإسلاميّة-الشيعيّة والسنية منها-دورًا بارزًا أيضًا في الوقت الراهن داخل هذا السياق التأويليّ، حيث أنّ الفرق الاثنا عشريّة مثلاً تقوم على تعميم البعد الميثولوجيّ العقائديّ وعرضه كحقيقة تاريخيّة لا يشوبها الريب والشك، كمثل ما نشهده عند الفرقة الأخبارية التي تعتقد بالأصحية اليقينيّة لكلّ ما يرد نقلاً عن آل البيت، وتعتبر كتاب بحار الأنوار للمجلسي بما يحمله عن حادثة الطف وعاشوراء مرجعًا تاريخيًا وفقهيًا وحيدًا، وتجسد معركة كربلاء كوقفة حربية مشرفة وانتصار قلّ نظيره في تاريخ البشريّة، رغم أنّ جميع المصادر المتواترة تؤكد على إخفاق جيش الحسين وانهزامه عسكريًا داخل الحرب، مما يعني أنّ هنالك تضارب ما بين المنظور العقائديّ والواقعة التاريخيّة، ونفس الأمر يتكرر أيضًا ولكن بشكل معاكس مذهبيًا في النظرة السنيّة-السلفيّة التي تحاول أنْ تمنح صوابية سياسيّة لخلافة يزيد بن معاوية عن طريق العقيدة ذاتها، وبناءً عليها تعد انتفاضة الحسين شكلاً من أشكال الردة على الخلافة الشرعيّة، وذلك يُجافي أيضًا الوقائع التي يتم صرف النظر عنها، مثل عدم الاتزان السياسيّ آنذاك، واضطراب السلطة في تعاطيها مع شؤون المسلمين، وغيرها الكثير من العوامل التي تؤكد تسلط العقيدة في التعامل مع التاريخ.
كلّما أدرك المرء بأنّه يؤجل ما كان ينبغي وقوعه؛ صار أكثر انفتاحًا على حقيقة حزنه، وأكثر فهمًا لما تؤول إليه أحواله، فالمأساة الكبيرة هي في غفلة الإنسان عمّا ينهش قلبه، انسياقًا لما يعميه عنها. وما يقظة حواسه بشأن الوقائع التي يبصرها؛ سوى صون لذاته على المدى الطويل، فإنّ ما يُرى على طبيعته الحقّة يكف عن استنزاف الرُّوح من مواضعها المتوارية. لذلك كانت مواجهة الحزن على مرارتها أهون من تركه يتنامى في الظل، متغذيًا من الإنكار ومتسعًا مع كلّ محاولة لتأجيله.
للحزن المؤجل وقع غريب على النفس، لا يشبه جميع نوبات الألم التي تبزغ بلحظة وقوعها. وكأنّما ينتظر المرء في حلوله اختمار شيء ما داخل الرُّوح، يمنحه طعم الأسى التي عزفت نفسه عن تذوقه، بدواعي التجلد والاصطبار. إنّ في مجافاة الألم تأمُّل لما يوهبه الزمن القادم، علّه عبر الانتظار يطيب لمن أثقل بالخيبات، ممنيًا وجده بما يعاكس الظنون الأولى، والتي تُنبيهِ بنقيض توقعاته. لكنما الأمر في حقيقته ليس إلّا تسويفًا لما يتحتم انهياره، فكلّ امتناع عن التأسي هو تبطيء للحزن الموعود في النهاية. بين التمهل والقرار هناك صراع تدور رحاه حول اللحظة الخاتمة: موعدها، ومبرراتها الكافية، والكيفية التي تكون فيها، كلّها تتجمع بغية إكمال الحزن الأخير، حيث وحدة الرُّوح كما يليق بها أنْ تكون تحت وطأة الحزن، دونما أي تزويقٍ يسر الخاطر وتأنٍ لا طائل منه.
«الزمن ليس إذن مسارًا متتابعًا وتعاقبًا فعليًا قد اكتفيَ بتسجيله، فهو ينشأ من علاقتي بالأشياء. إنّ المستقبل والماضي في الأشياء بالذات يبدوان وكأنّهما في نوع من الوجود السابق والأحياء الأزليين: فالمياه التي ستمر غدًا هي في هذه اللحظة عند المنبع، والمياه التي مرت قبل قليل هي الآن في الوادي المنخفض، فما هو ماضٍ ومستقبل بالنسبة لي هو حاضر في العالم!».
– م. ميرلوبونتي| ظواهرية الإدراك-ص333«إنّ الإسقاط المستقبليّ قد يكون في الحقيقة استحضارًا للماضي، والمستقبل إسقاطًا للماضي. ولكن حتّى لو استطعت خرق المستحيل، وأنشأت وعي الماضي بواسطة حواضر باطلة، فإنّ هذه الحواجز بالتأكيد لا تستطيع أنْ تفتح لي المستقبل، وحتّى ولو تصورنا المستقبل بواسطة ما كنا قد رأيناه، فإنّه يبقى علينا، من أجل إسقاطه أمامنا، أنْ نملك أولًا الإحساس بالمستقبل. إذا كان الإسقاط المستقبليّ استحضارًا للماضي؛ فإنّه على كلّ حال استحضار مشتق، وكيف نستطيع الاستباق إذا لم يكن لنا حس المستقبل؟ إنّنا نؤمن كما يقال «بالمماثلة»، بأنّ هذا الحاضر غير القابل للمقارنة سوف يمر، شأن جميع الحواضر الأخرى، ولكن لكي يكون هناك تماثل بين الحواضر المكتملة والحاضر الفعليّ، يجب على هذا الأخير ألا يعطى فقط كحاضر، وعليه من أجل إقامته، وبكلمة موجزة: يجب ألا يكون مجرى الزمن من الزاوية الأصلية مجرد المرور من الحاضر إلى الماضي، وإنّما أيضًا المرور من المستقبل إلى الحاضر. إذا استطعنا القول بأنّ كلّ إسقاط مستقبليّ هو استحضار مشتق للماضي، فإنّنا نستطيع القول أيضًا بأنّ كلّ استحضار للماضي هو إسقاط مستقبليّ مقلوب».
– م. ميرلوبونتي| ظواهرية الإدراك-ص335
يتقاطع هذا مع طرح ميرلوبونتي حول استحالة الشفافيّة المطلقة بين الذوات؛ فالآخر لا يُعطى لنا مباشرةً، ولا يمكن امتلاكه معرفيًا أو وجدانيًا بصورة نهائيّة، ذلك أنّ العلاقة تتجسدُ أركانها خلال مخاض وجوديّ شديد، يجذب الآخر عبر حضوره الشاخص: جسده وروحه وإيقاع وجوده، بشكل لا يمنح جوابًا سحريًا عن كلّ شيء. ولربّما هذا ما يفسر البُعد الخفيّ من اللاطمأنينة داخل كلّ علاقة، بيد أنّه جزء أصيل من طبيعة العلاقة التي يقيمها الموجود مع قرينه، وليس نقصًا بالضرورة. ومن هنا تبدو العلاقة في المسلسل مهددة حتّى في لحظات سكينتها، ذلك أنّها تقوم على ما يمتنع إمكانه؛ على محاولة جمع زمنين غير قابلين للتطابق التام. ثمّة فارق أنطولوجيّ يفصل الطرفين: كأنّ أحدهما يعيش الحاضر بوصفه انفتاحًا على الممكن، بينما يعيش الآخر حاضرًا يعرف نهايته مسبقًا، وبذلك يصبح الحبّ جدلًا يتعالى عن الإنسان، ليغدو صراعًا مع الزمن نفسه، يحاول تثبيت لحظة معيّنة تشي بانهيارها المحتوم.
وفقًا لهذا التأسيس الزمنيّ: تنبثق العلاقة العاطفيّة في المسلسل بوصفها الامتحان الأشد قسوة لهذه الرؤية. فالحبّ-ومن منظور فينومينولوجيّ-لا يبدو اندماجًا بسيطًا بين ذاتين، بل تماسًا بين منظورين للعالم، بين جسدين يحمل كلّ منهما زمنه الخاص. لأنّ العلاقة العاطفيّة لم تنشأ بين وعيين مجرّدين، وإنّما بين تاريخين، بين طبقات من الذاكرة والتجربة والإدراك. ولهذا تحديدًا تكتسب علاقة البطل في المسلسل ذلك الطابع المؤلم فلسفيًا؛ لأنّه يعيش داخل زمن لا ينتمي إليه، ويحبّ امرأة تنتمي إلى نسيج تاريخي آخر، بينما يحمل داخله معرفة مستقبليّة لا يُمكن اقتسامها تمامًا.
يتقارب هذا الأمر مع العمل الذي مثل بطولته جيمس فرانكو: (11.22.63)، فالمسلسل في جوهره لا يتعاطى مع الزمن على أنّه لعبة سرديّة أو فانتازيا تقوم على الانتقال بين الماضي والحاضر فحسب، إنّما يظهر لنا بوصفه تجربة وجوديّة مفعمة بالإرباك، يتحول الزمن فيها إلى فضاء لإقامة الموجود، لا إلى مجرد مسار يمكن اجتيازه والعودة منه بيسر. فالبطل، مع كلّ عودة إلى الماضي لا يبقى على الصيرورة ذاتها، لأنّ التجربة نفسها تعيد تشكيل إدراكه وعلاقته بالعالم. الزمن هنا يُعاش بأعمق حيثياته وأكثرها إنهاكًا، مخلفًا أثره داخل الذات كما تتركه الأمكنة والخسارات العظمى. ولذلك يبدو الماضي في المسلسل أشبه بشيء منعقد مع الحاضر، ويكاد أنْ يكون قوة مستمرة في ديمومتها، قادرة على إعادة تشكيل الإدراك والروابط البشريّة. إنّ العودة إلى زمن سابق تعني التورط داخل عالم كامل من الحيوات والإمكانات والأحاسيس، وليس الرجوع لأرشيف موصد، وهنا تقترب رؤية العمل على نحو لافت مما يطرحه ميرلوبونتي، والذي يقدم الزمن بكونه بنية مأهولة بالتجربة الشاملة، يعسر خضوعها لمسار مستقيم.
ينظر ميرلوبونتي للزمن في أعماله الظاهراتيّة بوصفه وعاءً حاويًا للذوات، لا يملك الإنسان فيه ماضيه، بل يعيش عبره ومن خلاله. فالزمن وفقًا لهذا، ليس مستقيمًا واحدًا من الأحداث، يمر به الموجود بشكل عابر، إنّما هو مسكن لوجوده الخاص. كلّ تجربة فيه تنحت سمات الموجود وتُصير أفقه الكونيّ، بما لا يقبل التورية مع غيرها، كونها تترسب داخل الكائن وتعيد رسم طريقته في الإدراك والشعور والانتباه. لا يعود الماضي هنا نقطة منصرمة خلف الذات، تستقل عن الموجود وتنأى بعيدًا عنه. على العكس، يبدو-أي الماضي-كأنّه طبقة حيّة تسكن المرء وتتغلغل فيه! ولذلك يرفض ميرلوبونتي التصور المعهود للزمن بوصفه تعاقبًا أحاديًا، أي ماضٍ يختفي، وحاضر معاش، ومستقبل لم يحن قدومه. لأنّ الزمن لا يُختبر بمثل هذا المسار الرتيب، فثمّة ذكريات قديمة تبدو أكثر قربًا من وقائع اللحظة الراهنة، ولحظات قصيرة تمتد داخل الإدراك أكثر من حقب سابقة! إنّ الحاضر نفسه ليس فيصل قطعيّ، يعزل ما كان عمّا سيكون، هو كثافة شعوريّة تتجاوز طبقات الزمن جميعًا. إذ يحمل المرء ماضيه داخل جسده، ويعيش مستقبله بشكل متأصل بما ورثه من الماضي، فالذات لا تقف خارج الزمن لتراقبه، بقدر ما تقبع فيه متورطة فيه كجسد وروح وإدراك.
أما المسلك الثالث الذي ساهم في تعزيز هذا التجاوز عندي، فهو أعمال فريدريك نيتشه، ذلك أنّ التجاوز يظهر لدى الأخير كفعل ارتقاء، لأنّه يخلص إلى إعادة تشكيل الذات بصورة أكثر شدةً وتجاوزًا. إنّه انتقال من الكائن المستهلَك بالقيم المكررة إلى ذات تخلق معناها بنفسها، وتتخلص من الثقل الأخلاقيّ الذي كبل الإرادة طويلًا. ومع ذلك، فإنّ ما يستوقفني في هذا المسار ليس نزعة التعالي البطوليّ بحد ذاتها، وإنّما الطابع التطهيريّ الذي يمنحه، أي الرغبة في التخلص من الأشكال المنحطة للوجود البشريّ، والسعي نحو صورة أكثر صفاءً وانسجامًا مع الإرادة. غير أنّ هذا التجاوز، سواءً في صورته الصوفيّة أو النيتشويّة، يبقى بالنسبة إليّ حالة خاصة ومحدودة، لا يمكن تعميمها بوصفها أفقًا نهائيًا للكينونة. فبين التصوف والنيتشويّة اختلافات جوهريّة، الأول يتأسس على محو الذات داخل المطلق، بينما الثاني يقوم على تكثيفها إلى أقصى حدودها الممكنة. ويمكن التماس هذا الأمر حتّى بشكل نصي في نقد نيتشه للمثل الأعلى التنسكي، داخل عمله «جينالوجيا الأخلاق». كذلك فإنّ كليهما يظل منفصلًا بدرجات متفاوتة عن ذلك الشعور الجذريّ الذي يدفعني نحو الرُّوح الطبيعيّة الوثنيّة، باعتبارها الصيغة الأقرب إلى الكينونة الأصيلة. ففيها لا يتجاوز الإنسان نفسه عبر التعالي الماورائيّ أو الإراديّ بغير عودته إلى موضعه العضويّ داخل العالم، تابعًا للطبيعة، منتميًا إلى أرضه لا إلى مثال كونيّ مجرد، ومنخرطًا في نظام الوجود بوصفه جزءًا منه لا مركزًا له.
على الجانب الآخر، هناك مسالك أخرى، تختلف عن الكينونة الطبيعيّة التي ذكرتها، وظيفتها تنقية الرُّوح من شوائب تأليه الإنسان خلال تجاوزه. يمكننا أنْ نجدها بشكل واضح في حركات التصوف والعرفان، والتي تعمل على نفي مركزية الإنسان المزعومة، عن طريق تصويره ككائن ناقص. وفي هذا الإطار، يبدو التجاوز الصوفيّ أقرب إلى عملية تطهير موجهة ضد الإنسان نفسه، لا من حيث كونه كائنًا حيًا فحسب، بل بوصفه ذاتًا متورمة بادعاءاتها. فالمتصوف لا يبحث عن تعظيم فرديته، وإنّما عن إنهاكها، عن إضعاف ذلك الصوت الذي يجعل الإنسان سجينًا لذاته، ومقطوعًا عن كلّ ما هو أوسع منه. ولهذا ظل مفهوم التطهير يستهويني دائمًا، لأنّه لا ينطوي على خلاص أخلاقيّ بقدر ما يعبر عن رغبة في التخلص من الكتلة البشريّة المتراكمة داخل الذات. وحتّى حين يتجه التصوف نحو المطلق، فإنّه يفعل ذلك عبر تحقير الإنسان، عبر إظهاره ككائن عاجز عن بلوغ الحقيقة إلّا إذا تجرد من نفسه تدريجيًا.
انطلاقًا من مفهوم الأصل النفسيّ للتصورات، كما يورده ستيفن بنكر، لاحظتُ خلال تأمُّل رؤاي المختلفة؛ أنّ السأم من الإنسان هو الدافع الرئيسيّ وراء الكثير ممّا أعتقده، ولا سيما في السنوات الأخيرة، فجميع مراحل الرفض التي مارستها إزاء صيرورته الحالية، قد حركها أمر بالغ التجذر في داخلي. وبصرف النظر عن الحيز الذي تتجه نحوه المرامي النافية، ثمّة روح شاملة تؤلبها جميعًا. وليس في فكرة تجاوز الإنسان منأى عن ذلك، فهي تستحوذ على قسم كبير من انشغالي المعرفيّ، سواءً بشكلها المرتبط بالطبيعة أو المطلق الغيبيّ أو حتّى الميول الفرديّة للارتقاء بالنوع، كلّها تقريبًا تحاكي بواعث النفس المتخمة برغبات التجاوز، كونها لا تكتفي بالتأثير فحسب، بل تمتد إلى مسارات متشعبة، تُلقي ظلالها على الحياة البشريّة إجمالًا. ففي تقديم الطبيعة على الكائن البشريّ، يظهر لنا التجاوز بوصفهِ إقرارًا لخضوع الفرد لكيان خارج عنه، مسؤول عن تحديد وجوده وهُويته، وهذا بيّن في أصالة الجيوفيزيقا السابقة للإنسان، وما يُبنى عليها لاحقًا من تقديم الإقليم الطبيعيّ كجوهر متعالي بالضرورة. ولربّما هذا ما جعلني أفتتن شديدًا بروح الوثنيّة، إذ كلّ ما فيها يدين بالولاء للطبيعة، فهي تعتبر نفسها تابعًا عضويًا لها، حيث أنّ عقائدها لا تحيد عن عالمها الطبيعيّ، حتّى آلهتها لا تُعد كونيّة، بل خاصة بإقليمها الأم. في ذلك يبدو الإنسان صادقًا أكثر، معبرًا عن محدوديته المفروضة، يرعى أرضه وتجزيه بعطاياها، وينتمي لأفقها الأنثربولوجيّ دون انتماءات غريبة تجعل منه مهرجًا تبشيريًا!
هناك سأم ما، يصيبني في دوران التفاصيل حول نفسها، وسيرها المستمر على نفس الوتيرة، وكأنّما الأحداث التي أشهدها معدة ضمن شريط جُبِلَ على التكرار! في عالم البشر تحديدًا، كلّ شيء يبدو مألوفًا، ليس هنالك ما يبهرني قط، بما فيه أناي التي تحيا ضمن عالمها المعهود، وتصطلي بلهيب نوائبه. في الآونة الأخيرة بدأت أكثر ميلًا لتوقع النهايات من مقدماتها، وبكلّ مرة أعود وأتساءل: أليس هو ذات المشهد المألوف؟ لا أذكرُ آخر مرة عاتبتُ بها أحدهم أو مارستُ اللوم تجاهه، لأنّني فقدتُ التعلق بالآخر منذ زمن بعيد. فالمقابل هو نسخة أخرى من نفس النسخ المكررة، وتحوير مستحدث لنفس السقم الذي لطالما أنهك روحي. أزدري من يظن نفسه متفردًا، إذ أنّ ما يقوله ويفعله هو تكرار لمن سبقه في الوجود. نفس الدوافع والغايات تحركه، ونفس الانفعالات تنبعث منه، ونفس الأخطاء يُعاد اقترافها، فعلام الاغترار بالذات؟
ولعلّ هذا الأمر يجد صداه فيما أورده سورين كيركيغارد في عملهِ "التكرار" الذي يتضمن قصة عن شاب يفقد حبه، فيبدو المُحِبّ مأخوذًا لا بالمحبوب في ذاته، بل بإمكانه المتخيّل؛ حتّى ليغدو التراجع عن الحُبّ أحيانًا ضربًا من الوفاء لصورة يخشى عليها من التبدد حالما تلامس الواقع. فالشاب في القصة المذكورة: لا يُقدم على الانسحاب بوصفه عجزًا عن الاستمرار، بل كأنّه إدراك خفيّ بأنّ تحقق العلاقة سيقوض ذلك الصفاء الذي لا يقوم إلّا في حيز الإمكان. إنّه يُحِبّ ما يمكن أنْ يكون، لا ما هو كائن، ويجد في المسافة التي تفصله عن محبوبته شرطًا لبقاء هذا الحُبّ حيًا، إذ إنّ القرب بما يحمله من اعتياد وتفصيل كفيل بأنْ يُسقِط عن الصورة وهجها الأول. ومن ثمّ لا يعود الفراق لديه فقدًا خالصًا، بل يتحول إلى حيلة دقيقة لحفظ المعنى من التآكل، كأنّه يختار الخسارة الواقعيّة اتقاءً لخسارة أعمق، هي انكشاف الفجوة بين ما يتخيّله وما يمكن للعالم أنْ يمنحه. وعلى هذا النحو، يغدو الحُبّ تجربة داخليّة مكتفية بذاتها، لا تحتمل الاستكمال في الخارج دون أنْ تنقلب على أصلها. غير أنّ هذا "الإخلاص للمثال" لا يخلو من مفارقة قاسية: إذ ما يُصان هنا ليس علاقة قابلة للحياة، وإنّما صورة لا تعيش إلّا بقدر ما تُحرم من التحقق، فيبقى المُحبّ معلقًا بين رغبة في القرب وخشية منه، لا يملك من أمره غير استبدال الانكسار، إذ يعالج واقعه الناقص بمثال لا يُختبر.
إنّ المحبةَ في صورتها الجماليّة تبدو ثابتةً في نظر المُحِبّ، لا تزعزعها حوادث الزمن وتبدلاته، لأنّها تزدهي في ذهنه كشأنِ أي كمال متخيّل، يعصى على الانصياع للواقع. الأمر الذي يجعلها شيئًا بعيد الأغوار لمن كوته الحياة بلظى أيامها، وقذفتهُ في معتركها الطويل. فمن اختبر الأيّام يدرك جيدًا عجز المثال أمام وقائعها المفروضة، كونه يُقاسيها عبر منظار المعايشة لا الكمال الجماليّ، وبذلك يكون أكثر قربًا ممّا هو طبيعيّ، وأكثر غنى في سريرته وغرائزه. وعلى العكس من هذا: تداهم اللاطمأنينة المُحِبّ الشغوف بتخيله، وتستولي على كلّ أحاسيسه وسلوكه، فالمحبوب هو كائن يخضع للتقلبات خلال علاقته مع محبه، حاله كحال باقي الأشياء الطبيعيّة في العالم. غير أنّ المُحِبّ عاجز عن الإقرار بالشرخ الحاصل بين توهماته وحقيقة محبوبه، ولذلك يجد نفسه بمرور الوقت حيال خيبة أمل لم يتقِ عقباها. قد يسلي الهائمُ نفسه بالأوهام تارةً، وبالملذات تارةً أخرى، لكنّه فور ما ينفكُ من جماليات البدايات (والتي يخالها مطابقة لتصوراته) يبدأ في التشكيك بمن يُحِبّ ويدقق فيه أكثر من ذي قبل، داخلًا جراء ريبته في دوامة قلق نزقة، تلتهم المشاعر وتحيلها إلى توقعات نمطيّة وحسابات مستمرة. حتّى يخلص المُحِبّ أخيرًا إلى أنّ محبوبه ليس هو المرجو والمُراد، وأنّ الحُبّ أسمى من تجسده في المحبوب المعنيّ! ربّما يعيد الكرة في تجارب مختلفة، إلّا إنّه لن يفلح، فالمشكلة هي في المثال الجماليّ الذي يستحوذ عليه، مانعًا إياه من المضي إلى آفاق أكثر جدوى.
وجود العبد هو ملازم لوجود السيد، فلا يستطيع الأخير استشعار سيادته بغير رؤية من يتسيد عليه، والعلاقة التبادليّة نفسها تسري على العبد، فإمكاناته العمليّة قد صيرته عبدًا لسيده، باعتبار وعيه الذاتيّ قد تشكل في نطاق عبوديته. إلّا أنّ العلاقة بينهما والتي جرت عبر فعل الإخضاع ليست ثابتة، لأنّ الوعي الذاتيّ قابل للتحرر أكثر من المجال الذي فُطم منه. هناك قابلية دائمًا لتغير الأدوار وفقًا لآلية الاعتراف، والمُسَيرة طوعًا لقوى العمل ومداه. وهذا يعتمد بالدرجة الأساس على الكيفية التي يثمن عبرها العبد عمله، فكلّما كان إدراكه لقيمة عمله عاليًا ازدادت نزعته إلى الاستقلال عن هيمنة السيد، حيث يتضخم شعوره بانتماء العمل لذاته التي تبذل جهدها نحو الخارج. لنتأمّل تاريخيًا في الثورات التي قادها العبيد ضد أسيادهم، نجدها تنطلق بشكل رئيسيّ من سؤال العمل المتغرب عن ذواتهم: في مستعمرة سان دومينغ مثلًا (1791-1804) العبيد كانوا يعملون في مزارع السكر، وهم من ينتجون الثروة الفعليّة، لكنّهم حينما تمردوا بقيادة توسان لوفرتور، انطلقوا من إدراك أوسع لحقيقة عملهم، مفاده: «نحن ننتج كلّ شيء، لكنّنا لا نملك شيئًا!». نفس الأمر نلاحظه في ظل الرأسماليّة الحديثة، التي تطوع العمل المبذول من الإنسان إلى منتجات لا تتناسب أرباحها مع الجهد الذي يكابده الموظف أو العامل، فكثيرًا ما نرى العامل يتجه بعد إتقان العمل وفهم دقائقه إلى مشروع خاص به، يمثل ملكيته، وعائدية إنتاجه، إذ يرتقي وعيه الذاتيّ مرحلة تمكنه تجاوز الاغتراب في العمل وإيعاب قيمة إنتاجه بوصفهِ شيئًا منبثقًا من ذاته.
العمل هو الحيز الأكبر لتجسد الذات في العالم الخارجيّ، فالمرء العاطل عن الإنتاج يعاني أزمة في فهم حقيقة ذاته وطبيعة إمكاناتها، لأنّ حيز الاختبار لديه يتضائل تبعًا لانحسار القوى الفاعلة، وبالتالي تغدو أفعال الإنسان كنتيجة لذلك رهينة لغموض القيمة. لا شيء يُضاهي العمل في منح الذات وعيًا حقيقيًا بعد إسقاطها إلى الخارج، فالوعي الذاتيّ بالأشياء يكتمل بجدلية مستمرة تبنيها الأنا مع محيطها، تكتسب من خلالها إدراكًا واضحًا بحقيقة التجارب التي تختبر معناها. وهي كفيلة بتحديد المدى الإمكاني للعمل، ورتبة وجوده وطبقته داخل العالم. هذا يُحيلنا ضمنيًا إلى فلسفة هيغل ومفهومه حول السيد والعبد، حيث يتبلور وجود السيد ابتداءً من قدرته على إخضاع الآخر بديالكتيك الاعتراف، ومن ثم يتكون كيانه استنادًا لما أنجزه عمله في تطويع الأشياء وتملكها عبر الفعل، لكن هل الأمر يتوقف عند هذا الحد؟
«وقد علمتَ إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وإجماعهم أنْ لا فَضلَ مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ. وبَتُهُم الحُكمَ بأنّه الذي لا تمامَ دونه، ولا قوام إلّا به. وأنّه القُطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال. وما كان بهذا المحل من الشرف، وفي هذه المنزلة من الفضل، وموضوعًا هذا الموضع من المزية، وبالغًا هذا المبلغ من الفضيلة، كان حريٌّ بأنْ توقظ له الهمم، وتُوكَّل به النفوس، وتُحرك له الأفكار، وتُستخدم فيه الخواطر».
– عبد القاهر الجرجاني| دلائل الإعجاز-ص٨٠«المعاني كلّها معرّضة للشاعر، وله أنْ يتكلم منها، فيما أحب وآثر، من غير أنْ يُحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة, كما يوجد في كلّ صناعة من أنّه لا بدّ فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة. وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والضعة، والنزاهة، والبذخ والقناعة، وغير ذلك من المعاني الحميدة والذميمة: أنْ يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة».
– قدامة بن جعفر| نقد الشعر-ص١٩
