ch
Feedback
Hussein.A.Salim

Hussein.A.Salim

前往频道在 Telegram

وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..

显示更多
未指定国家未指定类别
261
订阅者
无数据24 小时
无数据7
-630

数据加载中...

相似频道
无数据
有任何问题?请刷新页面或联系我们的客服
标签云
无数据
有任何问题?请刷新页面或联系我们的客服
进出提及
---
---
---
---
---
---
吸引订阅者
七月 '26
七月 '26
+6
在0个频道中
六月 '26
+73
在1个频道中
Get PRO
五月 '260
在4个频道中
Get PRO
四月 '26
+5
在1个频道中
Get PRO
三月 '260
在0个频道中
Get PRO
二月 '26
+29
在1个频道中
Get PRO
一月 '260
在1个频道中
Get PRO
十二月 '25
+12
在0个频道中
Get PRO
十一月 '25
+112
在1个频道中
Get PRO
十月 '250
在1个频道中
Get PRO
九月 '250
在2个频道中
Get PRO
八月 '25
+37
在1个频道中
日期
订阅者增长
提及
频道
30 七月+1
29 七月0
28 七月0
27 七月0
26 七月0
25 七月0
24 七月0
23 七月+1
22 七月0
21 七月+1
20 七月0
19 七月0
18 七月0
17 七月+1
16 七月0
15 七月0
14 七月0
13 七月0
12 七月0
11 七月+1
10 七月+1
09 七月0
08 七月0
07 七月0
06 七月0
05 七月0
04 七月0
03 七月0
02 七月0
01 七月0
频道帖子
تتقدم بعض الصور، وتتأخر أخرى، وتسقط تفاصيل كانت تبدو يومًا ذات شأن، بينما تبقى أشياء لم تحظَ انتباهًا خاصًا، فإذا بها أشد رسوخًا من سواها. فالنفسُ تألفها وتعيش وجودها، كما لو كانت تشهدُ علة الظواهر جميعًا. Series: Baghdad Central

2
حينئذٍ يمسي النظر في الوطن أقرب إلى الكشف عن حقيقة ظلت حاضرة في كلّ أطوارها، تنتظر من يسلك إليها الطريق الملائم، أكثر من انتظارها تعريفًا جديدًا يضاف إلى ما قيل فيها. وعندما يبلغ البحث هذه المرتبة، تصير التحولات المعنيّة أشبه بأغصانٍ نمت على جذع واحد، يمدها بأسباب البقاء ويمنحها قابلية الامتداد مهما اختلفت هيئاتها. فلو كان الوطن مجموع ما يطرأ عليه من أوصاف، لكان كلّ تبدل كفيلًا بولادة وطن آخر، ولكانت كلّ قطيعة سياسيّة بدايةً لكيان مستحدث. غير أن الوجدان البشريّ يأبى هذا التصور، كما ترفضه الخبرة العينيّة. ثمة استمرارية يشعر بها البشر قبل صياغتها في عبارة، ويأنسون بها بشكل يسبق البرهنة عنها. ولربّما أكبر ما يشي بالاضطراب في التصورات المعتادة عن الوطن؛ انشغالها بما يطرأ أكثر من انشغالها بما يستقر، فالدولة حادثة في التاريخ، والحضارة مرحلة من مراحله، كما أنّ الحدود السياسيّة لا تعبر عن حقيقة حدوده الأصيلة .لكلّ واحد منها أثره في التعاطي مع الوطن، غير أنّ أيًا منها لا يستوعب معناه استيعابًا كاملًا، لأنّ جميعها يدخل في سياق الحركة، بينما يظل السؤال معقودًا على ما يمنح تلك الحركة وحدتها.
111
3
وعند الحديث عن المكان وماهيته، لا مناص من استحضار معنى الوطن، فهو ثمرة علاقة قد تجذرت في جوهر الموجود، واستقرت داخل إدراكه، حيث تتشابك الذاكرة مع ألفة وجوده، وتتداخل الحركة اليوميّة مع الإحساس بالانتماء له، فيغدو جزءًا من طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا يُفهم انجذاب الإنسان إلى وطنه من جهة تختلف عن تلك التي اعتادت الميتافيزيقا أنْ تسلكها، فالتعلّق ليس وليدًا للتعريف، بل هو ما يمنح التعريف مشروعيته. وما يُصاغ في المؤلفات والكتب يأتي بعد أنْ يكون قد استقر في المعايشة، واكتسب في الأنا موضعًا يسمح للعقل بأنْ يتأمّله ويعيد ترتيبه. وفي ذلك تبرز مسألة تستحقُ الوقوق طويلًا، فإذا كانت المعايشة قد هيأت للإنسان سبيل التمسك بالمكان رغم ما يعتريه من تحول، فبأي معنى يمكن الحديث عن احتفاظ الوطن بذاته، مع تعاقب الدول وتبدل الألسنة وتغير أنماط العمران؟ أيّ عنصر استطاع أنْ يتجاوز هذه التحولات جميعًا عبر الأجيال المتعاقبة؟ تلك التساؤلات تفتح باب البحث في ماهية الوطن، مستطبنةً الأصل الذي تشكلت منه الصور المتعددة.
92
4
وعند الحديث عن المكان وماهيته، لا مناص من استحضار معنى الوطن، فهو ثمرة علاقة قد تجذرت في جوهر الموجود، واستقرت داخل إدراكه، حيث تتشابك الذاكرة مع ألفة وجوده، وتتداخل الحركة اليوميّة مع الإحساس بالانتماء له، فيغدو جزءًا من طريقة الإنسان في فهم العالم. ومن هنا يُفهم انجذاب الإنسان إلى وطنه من جهة تختلف عن تلك التي اعتادت الميتافيزيقا أنْ تسلكها، فالتعلّق ليس وليدًا للتعريف، بل هو ما يمنح التعريف مشروعيته. وما يُصاغ في المؤلفات والكتب يأتي بعد أنْ يكون قد استقر في المعايشة، واكتسب في الأنا موضعًا يسمح للعقل بأنْ يتأمّله ويعيد ترتيبه. وفي ذلك تبرز مسألة تستحقُ الوقوق طويلًا، فإذا كانت المعايشة قد هيأت للإنسان سبيل التمسك بالمكان رغم ما يعتريه من تحول، فبأي معنى يمكن الحديث عن احتفاظ الوطن بذاته، مع تعاقب الدول وتبدل الألسنة وتغير أنماط العمران؟ أيّ عنصر استطاع أنْ يتجاوز هذه التحولات جميعًا عبر الأجيال المتعاقبة؟ تلك التساؤلات تفتح باب البحث في ماهية الوطن، مستطبنةً الأصل الذي تشكلت منه الصور المتعددة.
1
5
ومن هذا المنطلق يبدو الالتفات إلى الفينومينولوجيا أمرًا طبيعيًا. فليس غريبًا، والحال هذه، أنْ يوجه إدموند هوسرل اهتمامه إلى الكيفية التي تمنح بها الظاهرة نفسها للإدراك، ففي تلك الحركة المتدرجة يتوارى مفتاح السؤال. فالماهية لا تُستحضر بقرار ذهنيّ، بل هي واقعة عبر امتحان الشيء في أحواله المختلفة، حتّى يصبح الثابت فيه ظاهرًا من خلال الخبرة الفينومينولوجيّة. هذا ما يفسر أنّ الإنسان قد يبقى عاجزًا عن وصف بعض الأمكنة التي يعرفها حد اليقين، فكثيرًا ما تتقدمه المعرفة إلى لسانه، فيدرك منها أكثر ممّا يستطيع الإفصاح عنه. حينذاك يسبق الشعور العبارة، ويصير الصمت أبلغ من كثرة التعريفات، لأنّ الحضور أوسع من أنْ تحيط به الكلمات دفعةً واحدة، وكلّ محاولة للإحاطة به تستدعي زمنًا جديدًا من المعايشة، كأنّ الإدراك ينمو مع موضوعه، ويتسع بقدر ما يكبر الأفق الذي يقف عليه. فالسؤال، قبل أنْ يستقصي جوابه، يحتاج إلى انتباه قصديّ، يشهد الظواهر ويكشف المستتر فيها، إذ تغدو التفاصيل التي كانت تبدو متناثرة قابلةً للانضواء في معنى يوحدها. ذلك أنّ وراء المظاهر المتعاقبة قوامًا يحتفظ بقدر من الثبات، يمنح المكان شخصيته، ويصون استمراره عبر الأزمنة. الأمر الذي يضفي على سؤال الماهية ثقلًا حقيقيًا، فالمقصود يتجاوز جمع الصفات أو تعداد الخصائص، إذ لا يستقيم أمرها إلّا إذا جمعتها وحدة أعمق. وكلّما ازدادت تنوعًا في أشكالها، تفاقمت الحاجة إلى الوقوف على ذلك الأصل الذي يفسر اجتماعها، ويمنحها قابلية البقاء رغم اختلاف صورها.
95
6
ومن هذا المنطلق يبدو الالتفات إلى الفينومينولوجيا أمرًا طبيعيًا، فليس غريبًا، والحال هذه، أنْ يوجه إدموند هوسرل اهتمامه إلى الكيفية التي تمنح بها الظاهرة نفسها للإدراك، ففي تلك الحركة المتدرجة يتوارى مفتاح السؤال. فالماهية لا تُستحضر بقرار ذهنيّ، بل هي واقعة عبر امتحان الشيء في أحواله المختلفة، حتّى يصبح الثابت فيه ظاهرًا من خلال الخبرة الفينومينولوجيّة. هذا ما يفسر أنّ الإنسان قد يبقى عاجزًا عن وصف بعض الأمكنة التي يعرفها حد اليقين، فكثيرًا ما تتقدمه المعرفة إلى لسانه، فيدرك منها أكثر ممّا يستطيع الإفصاح عنه. حينذاك يسبق الشعور العبارة، ويصير الصمت أبلغ من كثرة التعريفات، لأنّ الحضور أوسع من أنْ تحيط به الكلمات دفعةً واحدة، وكلّ محاولة للإحاطة به تستدعي زمنًا جديدًا من المعايشة، كأنّ الإدراك ينمو مع موضوعه، ويتسع بقدر ما يكبر الأفق الذي يقف عليه. فالسؤال، قبل أنْ يستقصي جوابه، يحتاج إلى انتباه قصديّ، يشهد الظواهر ويكشف المستتر فيها، إذ تغدو التفاصيل التي كانت تبدو متناثرة قابلةً للانضواء في معنى يوحدها. ذلك أنّ وراء المظاهر المتعاقبة قوامًا يحتفظ بقدر من الثبات، يمنح المكان شخصيته، ويصون استمراره عبر الأزمنة. الأمر الذي يضفي على سؤال الماهية ثقلًا حقيقيًا، فالمقصود يتجاوز جمع الصفات أو تعداد الخصائص، إذ لا يستقيم أمرها إلّا إذا جمعتها وحدة أعمق. وكلّما ازدادت تنوعًا في أشكالها، تفاقمت الحاجة إلى الوقوف على ذلك الأصل الذي يفسر اجتماعها، ويمنحها قابلية البقاء رغم اختلاف صورها.
29
7
قلّما ينجذب المرء في سؤال المكان إلى التقريرات النظريّة التي تجزم بماهية الشيء قبل الغوص بسبل انكشافه. فالإنسان وبوصفهِ كائنًا يقتات على الخبرة الواعية، لا يطمئن كثيرًا بالصياغات التي تعرف الماهية دون معايشتها. إنّ استدعاء الأمكنة عبر النطاق التأمُّلي، لا يفصح عن حقيقة المكان من الوهلة الأولى، فكثيرًا ما يُفاجأ المرء بأنّ أكثر الأشياء قربًا لحياته كانت أقلها تعرضًا للتفكير، إذ استغرقه حضورها عن مساءلتها، واستنفدت ألفتُها دواعي الالتفات إليها. ولعلّ في هذا ما يكشف منزلة المكان في التجربة الحيّة، فهو لا يقف بإزاء الإنسان وقوف الموضوع أمام ناظره، وإنّما يتخلل وجوه عيشه، ويصاحب إدراكه للأشياء من غير أنْ يستأذن ظهوره، حيث تنتظم القيم على ضوئه، وتتشكل داخله العادات المتأصلة بغير تشخيص. ومن هنا يكتسب البحث في الماهية وجهًا آخر، فالمقصود لم يعد محصورًا في طلب تعريف مسبق، يضع حدًا للشيء، لأنّ الأمر برمته أصبح متعلقًا بالرغبة بما يمنح الظواهر المتعددة انتظامها. وما أكثر انشغال الأذهان بالصور التي يتخذها الشيء، بينما يستقر ما يجمع بينها في مرتبة أبعد من التعيين النظريّ، كونها تُدرك بقدر انكشاف الظواهر عمّا يحجب حقيقتها. لهذا اكتسبت الخبرة منزلةً لا يستهان بها في النظر الفلسفيّ، فكلّ اقتراب من العالم يورث الإنسان إمكانًا جديدًا على التمييز؛ قدرةً تنمو مع الزمن، وتتخلص تدريجيًا ممّا هو عرضيّ.
110
8
قلّما ينجذب المرء في سؤال المكان إلى التقريرات النظريّة التي تجزم بماهية الشيء قبل الغوص بسبل انكشافه. فالإنسان وبوصفهِ كائنًا يقتات على الخبرة الواعية، لا يطمئن كثيرًا بالصياغات التي تعرف الماهية دون معايشتها. إنّ استدعاء الأمكنة عبر النطاق التأمُّلي، لا يفصح عن حقيقة المكان من الوهلة الأولى، فكثيرًا ما يُفاجأ المرء بأنّ أكثر الأشياء قربًا لحياته كانت أقلها تعرضًا للتفكير، إذ استغرقه حضورها عن مساءلتها، واستنفدت ألفتُها دواعي الالتفات إليها. ولعلّ في هذا ما يكشف منزلة المكان في التجربة الحيّة، فهو لا يقف بإزاء الإنسان وقوف الموضوع أمام ناظره، وإنّما يتخلل وجوه عيشه، ويصاحب إدراكه للأشياء من غير أنْ يستأذن ظهوره، حيث تنتظم القيم على ضوئه، وتتشكل داخله العادات المتأصلة بغير تشخيص. ومن هنا يكتسب البحث في الماهية وجهًا آخر، فالمقصود لم يعد محصورًا في طلب تعريف مسبق، يضع حدًا للشيء، لأنّ الأمر برمته أصبح متعلقًا بالرغبة بما يمنح الظواهر المتعددة انتظامها. وما أكثر انشغال الأذهان بالصور التي يتخذها الشيء، بينما يستقر ما يجمع بينها في مرتبة أبعد من التعيين النظريّ، كونها تُدرك بقدر انكشاف الظواهر عمّا يحجب حقيقتها. لهذا اكتسبت الخبرة منزلةً لا يستهان بها في النظر الفلسفيّ، فكلّ اقتراب من العالم يورث الإنسان إمكانًا جديدًا على التمييز؛ قدرةً تنمو مع الزمن، وتتخلص تدريجيًا ممّا هو عرضيّ. ومن هذا المنظور يغدو الالتفات إلى الفينومينولوجيا أمرًا طبيعيًا، فليس غريبًا، والحال هذه، أنْ يوجه إدموند هوسرل اهتمامه إلى الكيفية التي تمنح بها الظاهرة نفسها للإدراك، ففي تلك الحركة المتدرجة يتوارى مفتاح السؤال. فالماهية لا تُستحضر بقرار ذهنيّ، بل هي واقعة عبر امتحان الشيء في أحواله المختلفة، حتّى يصبح الثابت فيه ظاهرًا من خلال الخبرة الفينومينولوجيّة. هذا ما يفسر أنّ الإنسان قد يبقى عاجزًا عن وصف بعض الأمكنة التي يعرفها حد اليقين، فكثيرًا ما تتقدمه المعرفة إلى لسانه، فيدرك منها أكثر ممّا يستطيع الإفصاح عنه. حينذاك يسبق الشعور العبارة، ويصير الصمت أبلغ من كثرة التعريفات، لأنّ الحضور أوسع من أنْ تحيط به الكلمات دفعةً واحدة، وكلّ محاولة للإحاطة به تستدعي زمنًا جديدًا من المعايشة، كأنّ الإدراك ينمو مع موضوعه، ويتسع بقدر ما يكبر الأفق الذي يقف عليه. فالسؤال، قبل أنْ يستقصي جوابه، يحتاج إلى انتباه قصديّ، يشهد الظواهر ويكشف المستتر فيها، إذ تغدو التفاصيل التي كانت تبدو متناثرة قابلةً للانضواء في معنى يوحدها. ذلك أنّ وراء المظاهر المتعاقبة قوامًا يحتفظ بقدر من الثبات، يمنح المكان شخصيته، ويصون استمراره عبر الأزمنة. الأمر الذي يضفي على سؤال الماهية ثقلًا حقيقيًا، فالمقصود يتجاوز جمع الصفات أو تعداد الخصائص، إذ لا يستقيم أمرها إلّا إذا جمعتها وحدة أعمق. وكلّما ازدادت تنوعًا في أشكالها، تفاقمت الحاجة إلى الوقوف على ذلك الأصل الذي يفسر اجتماعها، ويمنحها قابلية البقاء رغم اختلاف صورها.
1
9
باتريك جين هو تجسيدٌ مرئيّ لروح بيسوا، باغترابه، وقلقه، واللاطمأنينة التي تكتنف وجوده. هو امتدادٌ لنفس العرق الرُّوحي الذي نن
باتريك جين هو تجسيدٌ مرئيّ لروح بيسوا، باغترابه، وقلقه، واللاطمأنينة التي تكتنف وجوده. هو امتدادٌ لنفس العرق الرُّوحي الذي ننتسب إليه! Series: The mentalists
151
10
«لطالما حسدتُ بعض الأشخاص الذين يتمتّعون بالقدرة على النسيان ويرون أنّ الماضي ما هو إلّا تبدّل الفصول، أو حذاءٌ قديم يكفي أن يُزجّ به في قعر الخزانة لجعله عاجزًا عن استئناف الخطوات الضائعة. أمّا أنا فقد ابتُليتُ بلعنة الذكرى: أتذكّر كلّ شيء، وكلّ شيءٍ يتذكّرني بدوره. أذكر طفولتي المبكرة التي استباحها البرد وضيّقتها العزلة، أذكر اللحظات الميتة التي أمضيتها في تأمُّل رمادية الأيّام الكئيبة». – كارلوس زافون| بلانكا والوداع
159
11
في فمي سيولٌ من الكلمات، حشدتها من فوراتِ التذكر التي تنتابني على حين غرة، لا لشيءٍ ملموس أحيانًا، إنما لفرط الغوص بتفاصيل الأشياء، وتخيلها مرارًا، واستحضار ملامحها المغمورة. هنالك داءٌ يُضافُ على عِلاتي الكثيرة، لا أجدُ له مُسمًى يشفي الدقة، ولعلني أحسبهُ غير مقطوع القرابة عن سائر مشاكلي، فهو أشبه بهوسٍ يؤججُ الشعور في طيات الحوادث من دون أدنى استباق. إنه اقتحامٌ أصم، لا يعرف الصخب الذي يتواتى عادةً بعد غليان المشاعر، ولم يكُ يومًا ظاهرًا للآخرين، يبدو كما لو أنّهُ مشرطٌ غير مرئيّ؛ يخترقُ ما يمتثلُ أمامهُ، دونما إحداث أي جلبة أو ضجة، ثم يندمل أثره بالكتمان. ولشد ما أرهقني منادمته إياي؛ أرقبُ تقلّباتي كما لو أنّها لا تخصني، ثم لا ألبثُ حتّى أعود إليها مُعترفًا بما أنا عليهِ. فما من خاطرٍ يعبرُ خاطفًا إلّا ويتركُ في نفسي غرسه الشائك، حتّى يغدو الذهن متورطًا بما ينهك صاحبه، محملًا المعانيّ ذروة بؤسها. ولستُ أزعمُ أنّني أقتفي الألم أو أهلل محتفيًا به، غير أنّهُ يعرفُ طريقي كما تعرفُ المياهُ مجاريها؛ يتسرّبُ إليّ من أضيق الشقوق، ويقيمُ في الزوايا التي أهملتها ظنًا منّي أنّها قد فرغت من ذاكرتها. حالما يستقرّ، حتى يبدأ بنبشِ ما وارته الأيّام، فينهضُ الماضي من رقاده، متعديًا صورته الأولى، وطامحًا لما نسجتهُ المخيلة حوله من ظنونٍ وتفاصيل، فأكادُ أعجزُ عن التمييز بين ما كان واقعًا، وما استولدتهُ نفسي من فرطِ ملازمتها له.
153
12
هذا كلّه يجري في نطاق الإخلاص وأصله النفسيّ، ومتعلقاته التي تبين طبيعة إرادته الفاعلة. أما ما عداه من مشروطيّة مشروعة؛ فهي لا تنفي جوهر الفعل ومعناه. إذ حتّى التخلي عن الشيء هنا لا يساوي زيف العطاء الموجه نحوه، وإنّما يرتبط الأمر بحيثيات أخرى، تختلف عمّا يمليه النوال، لكنّها لا تقوضه. ذلك أنٌ المشروطيّة تقترن بظروف علاقتنا مع الشيء وحدودها، بينما يتعلق الإخلاص بالأصل الذي انطلق منه الفعل. فقد يبلغ الإنسان حدًا يرى معه أنّ المضي لم يعد ينسجم مع ما يؤمن به، أو أنّ الاستمرار يؤدي إلى معنى مغاير لما قصده أول الأمر، فيختار الانصراف محافظةً على اتساق إرادته. وبناءً عليه لا يصحّ النظر إلى كلّ انقطاع بوصفه نفيًا لما سبقه، لأنّ الأفعال لا تفقد حقيقتها كلّما تبدلت الأحوال التي احتضنتها. فلكلّ فعل سياقه الذي يحوزه، ولكلّ إرادة مجالها الذي تتحرك فيه، فإذا انقضى ذلك المجال انقضى معه مقتضى الفعل، وبقيت الإرادة محتفظةً بمعناها الأول. ومن هنا تتحدد المشروطيّة باعتبارها حدًا للفعل، لا معيارًا لصدقه؛ فهي ترسم الموضع الذي يبدأ عنده العطاء، والموضع الذي ينتهي إليه، دون أنْ تتدخل في القيمة التي صدر عنها ابتداءً. ولهذا فإنّ الخلط بين الإخلاص والمشروطيّة ينشأ من الظن بأنّ الفعل الصادق يقتضي الدوام، مع أنّ الدوام وصف زمنيّ، والإخلاص وصف للإرادة. وما دامت الإرادة قد استوفت معناها في فعلها، فإنّ انتهاء الفعل لا ينتقص من صدقها، كما أنّ استمراره لا يزيدها رسوخًا. فالثبات لا يُقاس بطول البقاء، وإنّما بسلامة العلة التي حملت المرء على الإقدام، ثمّ حملته عند تبدل مقتضياتها على الانصراف بالقدر نفسه من الصدق.
187
13
حينما نصف شيئًا بكونه غير جدير لما بذلناه له، أو إنّه لا يستحق منّا العطاء الممنوح؛ فإنّنا ندين أنفسنا قبل أنْ ندينه. إذ ينطوي هذا الحكم على مفهوم مفاده أنّ قيمة الفعل كانت معلقةً على قيمة متلقيه، وأنّ العطاء لم يكن يحمل كفايته في ذاته، بل كان يُنتظر من موضوعه أنْ يسبغ عليه معناه، وما إنْ يتداعى ذلك الموضوع حتّى يتداعى معه الفعل كلّه. فوصفنا يفترض ضمنًا أنّ قيمة الفعل كامنة في مصيره، وأنّ معناه يتحدد بما يلقاه من مردود، حتّى يصبح الاستحقاق هو المعيار الذي يُضفي على البذل شرعيته أو ينتزعها منه. والحق أنّ الفعل الصادق يحمل مبرره بذاته قبل أنْ يحمله خلال نتائجه، فمن يمنح بدافع الإيمان بالعطاء، أو يخلص لوعد قطعه، يكون قد استوفى معنى فعله لحظة صدوره، إذ لم يكن ينتظر من العالم شهادةً على صحة اختياره. أما حين يتوقف الرضا عن الفعل على حجم ما يعود به من تثمين أو وفاء أو مقابلة، فإنّ الإخلاص يغدو ناقصًا بقدر ما يترضيه من عوائد يستحسنها. ولذلك يكشف الندم، إذا أمعنا النظر فيه، عن شكل من أشكال إيهام الذات، فهو لا يتمثل عبر القول الصادق، وإنما في إضفاء صفة الإخلاص على فعل غايته الحقيقيّة تكمن في أثره المرتقب. وحالما يتعذر الأثر المعنيّ؛ يتبدل معنى الفعل إجمالًا، فيشعر صاحبه أنّه قد خُذل، مع أنّ الخذلان قد انبثق منذ اللحظة التي ربط فيها قيمة ما يفعل بما سوف يجنيه. فالندم في هذه الحالة هو نوع من التعلق الخفيّ بالثمرة أكثر من تعلقه بالفعل ذاته. فهو يعلن أنّ ما مضى كان يستمد قيمته من شعورٍ ما، أو من نتيجة بعينها، إذا انهارت تلك الصورة انهار معها كلّ شيء. أما الصدق، فهو يمنح الفعل استقلاله، ويحرره من الارتهان بعواقبه.
163
14
هناك احتياجات طبيعيّة تشكل في عين صاحبها مطلبًا عظيمًا، يجري وراءها المرء ويضرب الأرض قاصدًا قبضها، حيث يغدو امتناعها عنه لزمن طويل افتقارًا شديد الأثر على النفس، للدرجة التي تشكل لديه هاجسًا قلّما يفارق خلده. ينادمه في رقدته ويقظته، وحركته وجلوسه، وبكلّ مراميه ومقاصده. ومن طبيعة هذه الهواجس وسنخها ألا تزاحمها هموم أخرى في تطويع الإنسان، كونها لا ترضى بغير امتطاء مُجمل حاله وأحواله، وكأنّها لا تستقر إلّا إذا انفردت به. وحالما تُقضى هذه الحاجات وتزول منغصاتها عن كنه المرء؛ يفضي أمره إلى أحد المظهرين: إما أنْ يغتر بما كسبه ويبجله حد الإجلال، وإما أنْ يقنع بهِ باعتبارهِ شيئًا بمنتهى الحتميّة. في المظهر الأول: يخلق الحرمان تشوهًا كبيرًا في نفوس أصحابه، إذ يدفعهم إلى محاولة تعويض العوز الذي أضنى مطالبهم، عبر تعظيم ما ظفروا به مهما كان ضئيلًا، بل والرفع من الذات التي نالت مرادها. ولذلك تبدو السعادات الصغيرة بالنسبة للمحروم شيئًا يتباهى بتملكه، ويجده مزيّة تعلي من قدره أمام كلّ من لا يأبه بأمره أو يفتقد إليه. أما في المظهر الثاني: فالحرمان ليس أكثر من فراغات سُد حيزها، وإنْ أنهكت قبل ذلك النفوس والألباب، لأنّها لا تعمي البصائر عن تقدير الأشياء كما هي، أي بما يوازي المكانة التي عليها، وإنّما تمثل افتقارًا عابرًا قد يسده المرء بتقادم الزمن.
160
15
فالحدث الأسطوريّ ليس حدثًا متخيّلًا بالضرورة، وإنّما حدث استطاع أنْ يكتسب دلالة تتجاوز ظروف نشأته. وهنا تنتقل الشخصية التاريخيّة من كونها فردًا عاش في لحظة معيّنة إلى كونها حاملًا لمعنى رمزيّ أوسع. البطل الملحميّ على سبيل الإيضاح، وفقًا لكامبل، يتجسد بصورة رمزيّة عبر عدة مراحل، تتلخص بوضعه أمام معترك يفرض عليه مغادرة عالمه المألوف ومجابهة مصيره، فهو في البداية يستجيب لنداء يخرجه من دائرة الاعتياد، ثمّ يعبر نحو فضاء آخر تترصد فيه الاختبارات والمحن، قبل أنْ يبلغ لحظة المواجهة الكبرى التي يخرج منها حاملًا معرفة أو خلاصًا يعود به إلى أمته. ولربّما تكمن جاذبية هذا النموذج في كونه يفضي إلى مسار وجوديّ يتكرر في صور شتى عبر الدهور. ومن هنا تتشابه حكايات الأبطال على اختلاف حواضنها الثقافيّة، لأنّ ما يجمعها أعمق شأنًا من سرديات التاريخ المعهودة، كونها تشترك بالبنية الرمزيّة التي تحرك جوهرها الميثولوجيّ. وإذا انتقلنا إلى ملحمة الطف، نرى أنّ البطل يتجلى في شخصية الحسين بوصفه رمزًا يتعدى كلّ المُلابسات التاريخيّة التي تُثار حوله. فالمخيال الجمعيّ لم يحتفظ به باعتباره قائدًا خسر معركة حسب الواقعة الطبيعيّة، بل كأسطورة ترجلت نحو حتفها فداءً للمعنى الذي تسعى إليه. حتّى غدا مثالًا يستعاد كلّما واجه الإنسان السؤال نفسه: ماذا يفعل المرء حين يتعارض بقاؤه الجسديّ مع الحقّ الذي يؤمن به؟
687
16
على وجه العموم، التاريخ البشريّ لا يخلو من الوقائع التي تفوق آثارها مجرى المألوف، ومع ذلك فإنّ معظمها يذوب مع الزمن حتّى لا يبقى منه سوى أثر ذكر في كتب المؤرخين. فهناك معارك أكثر دمويةً ممّا نعرفه عن عاشوراء، وأحداث سياسيّة كانت نتائجها أشد تأثيرًا في تأليب الثورات وإعادة تشكيل الأنظمة، وبنفس الوقت نراها بالكاد حاضرة في ذاكرة الشعوب. في المقابل، ثمّة أحداث تستمر في إنتاج المعنى بعد انتهاء شروطها التاريخيّة بقرون طويلة، حتّى تبدو وكأنّها تحدث من جديد كلّما استعيدت في الذاكرة. فثقلها الأكبر يتكأ على ما وراء التاريخ، حيث تتوقد الأساطير بكلّ مفاعيلها الخلاقة. بيد أنّ بعض الأحداث تملك قدرة استثنائيّة على تجاوز فرديتها الزمنيّة، فتتحول من وقائع مرتبطة بزمن معين إلى نماذج قابلة للتكرار الرمزيّ. لا يعود الإنسان في هذه الحالة يستحضر الحدث باعتباره ذكرى للماضي، وإنّما يعبر من خلاله عن معضلات جوهريّة تؤرق روحه، مشتركةً في مسرات أساطيره وآلامها. فكربلاء، لا تُستعاد فقط كواقعة ذات تأثير واضح داخل التاريخ، بل لأنّها تستحضر توترًا وجوديًا بين أضداد رمزيّة. كان جوزيف كامبل يرى أنّ الأساطير العظمى تمنح الإنسان صورًا رمزيّة يفهم بها تجربته الخاصة، فالأسطورة تقدم نموذجًا لما يمكن أنْ يحدث دائمًا، متجاوزةً ما هو كائن، ولهذا تتسم بعض الشخصيات والأحداث بالديمومة عبر الأزمنة المختلفة، لأنّها تغادر حدودها الذاتيّة لتصبح لغة رمزيّة متعاقبة. ومن هذا المنظور لا تكون الأسطورة نقيضًا للتاريخ، بقدر ما تكون إحدى الصيغ التي يتجاوز بها التاريخ ذاته.
1 043
17
لعلّ جميع الإسقاطات التي توافدت في قراءة واقعة الطف، وعلى ترميزها العقائديّ والسياسيّ؛ لا تتعلق بإرادة مريديها فحسب، أي الغايات التي تحملها الجماعات الأيديولوجيّة وحدها، وإنّما للحادثة التاريخيّة نفسها بعد أسطوريّ، يجعلها تتجاوز الأفق المألوف للوقائع الدينيّة. إلّا أنّ الجهود التعبويّة فيما بعد قد استثمرت البعد الرمزيّ للأسطورة بما يتوائم مع مآربها الخاصة، وذلك عن طريق تهميش رمزية الحادثة مقابل رمزية مصطنعة تُقدم كبديل عنها. المسألة التي ولدت بمرور الزمن خلطًا بين ثلاثة أصعدة لواقعة الطف: تاريخيّ، رمزيّ-أسطوريّ، رمزيّ-حديث. فالأوّل هو توثيق للحادثة من حيث ظروفها الماديّة، أما الثاني يمثل البنية الرمزيّة التي حملتها الواقعة، والثالث هو تطويع للجانب الأوّل والثاني بما يخدم الفعل المصطنع. لكن إذا نزعنا عن ملحمة كربلاء هذه الترسبات الأيديولوجيّة كلّها، فما الذي يبقى؟ ولمَ هي بالذات قد تقاذفت إزاءها الحكايات والروايات أكثر من سواها في التاريخ الإسلاميّ؟ ولماذا نشهد فيها قابلية مستمرة على احتواء شتى الانحيازات المتخارجة عن خصوصيتها التاريخيّة؟ هذه التساؤلات لا نستطيع الإحاطة بها دونما الإلمام بهالة الحدث وأثره الوجوديّ، والمرتبط من الأساس بالبنية الرمزيّة لملحمة الطف. إذ لا يمكن فهم هذا الاستمرار المعنويّ إلّا بالعودة إليها، تلك البنية التي سمحت للحدث بأنْ يتجاوز زمنه التاريخيّ، وأنْ يتحول من واقعة إلى رمز.
414
18
لعلّ جميع الإسقاطات التي توافدت في قراءة واقعة الطف، وعلى ترميزها العقائديّ والسياسيّ؛ لا تتعلق بإرادة مريديها فحسب، أي الغايات التي تحملها الجماعات الأيديولوجيّة وحدها، وإنّما للحادثة التاريخيّة نفسها بعد أسطوريّ، يجعلها تتجاوز الأفق المألوف للوقائع الدينيّة. إلّا أنّ الجهود التعبويّة فيما بعد قد استثمرت البعد الرمزيّ للأسطورة بما يتوائم مع مآربها الخاصة، وذلك عن طريق تهميش رمزية الحادثة مقابل رمزية مصطنعة تُقدم كبديل عنها. المسألة التي ولدت بمرور الزمن خلطًا بين ثلاثة أصعدة لواقعة الطف: تاريخيّ، رمزيّ-أسطوريّ، رمزيّ-حديث. فالأوّل هو توثيق للحادثة من حيث ظروفها الماديّة، أما الثاني يمثل البنية الرمزيّة التي حملتها الواقعة، والثالث هو تطويع للجانب الأوّل والثاني بما يخدم الفعل المصطنع. لكن إذا نزعنا عن ملحمة كربلاء هذه الترسبات الأيديولوجيّة كلّها، فما الذي يبقى؟ ولمَ هي بالذات قد تقاذفت إزاءها الحكايات والروايات أكثر من سواها في التاريخ الإسلاميّ؟ ولماذا نشهد فيها قابلية مستمرة على احتواء شتى الانحيازات المتخارجة عن خصوصيتها التاريخيّة؟ هذه التساؤلات لا نستطيع الإحاطة بها دونما الإلمام بهالة الحدث وأثره الوجوديّ، والمرتبط من الأساس بالبنية الرمزيّة لملحمة الطف. إذ لا يمكن فهم هذا الاستمرار المعنويّ إلّا بالعودة إليها، تلك البنية التي سمحت للحدث بأنْ يتجاوز زمنه التاريخيّ، وأنْ يتحول من واقعة إلى رمز.
1
19
ومن جهة أخرى: تلعب الفرق والمذاهب الدينيّة الإسلاميّة-الشيعيّة والسنيّة منها-دورًا بارزًا أيضًا في الوقت الراهن داخل هذا السياق التأويليّ، حيث أنّ الفرق الاثنا عشريّة مثلًا تقوم على تعميم البعد الميثولوجيّ العقائديّ وعرضه كحقيقة تاريخيّة لا يشوبها الريب والشك، كمثل ما نشهده عند الفرقة الأخبارية التي تعتقد بالأصحية اليقينيّة لكلّ ما يرد نقلاً عن آل البيت، وتعتبر كتاب بحار الأنوار للمجلسي بما يحمله عن حادثة الطف وعاشوراء مرجعًا تاريخيًا وفقهيًا وحيدًا، وتجسد معركة كربلاء كوقفة حربية مشرفة وانتصار قلّ نظيره في تاريخ البشريّة، رغم أنّ جميع المصادر المتواترة تؤكد على إخفاق جيش الحسين وانهزامه عسكريًا داخل الحرب، مما يعني أنّ هنالك تضارب ما بين المنظور العقائديّ والواقعة التاريخيّة، ونفس الأمر يتكرر أيضًا ولكن بشكل معاكس مذهبيًا في النظرة السنيّة-السلفيّة التي تحاول أنْ تمنح صوابية سياسيّة لخلافة يزيد بن معاوية عن طريق العقيدة ذاتها، وبناءً عليها تعد انتفاضة الحسين شكلاً من أشكال الردة على الخلافة الشرعيّة، وذلك يُجافي أيضًا الوقائع التي يتم صرف النظر عنها، مثل عدم الاتزان السياسيّ آنذاك، واضطراب السلطة في تعاطيها مع شؤون المسلمين، وغيرها الكثير من العوامل التي تؤكد تسلط العقيدة في التعامل مع التاريخ.
204
20
والجدير بالذكر أنّ هذه النماذج ترتكز في تصوراتها على تجزيء حقيقة الشخوص المتمحورة فيها الحادثة، فهي تستقطع جانبًا غائبًا من السمات والطبائع الذاتيّة للشخصيات، أو الأهداف الأساسية التي تحملها، لتضخم منها وتصطنع عليها الشيء الكثير، للوهلة التي تبعث على الإحساس بحداثية الشخصية والموضوعة التي تتبناها. فالأطروحات اليساريّة تقدم لنا الحسين ثوريًا يشبه تشيفارا أو فيدل كاسترو، وأما أخته السيدة زينب فتبدو بالنسبة لهم كأنّها ناشطة نسويّة مثل سيمون دي بوفوار، وكذلك هذه النظرة تشدد على زهد وبساطة الأئمة بالملبس والمأكل، وكأنما هي تقول: "اِنظروا للبروليتاريا المعصومة!" وطبعًا لا ننسى المنظور التنويريّ-الليبراليّ الذي يُفاقم بجزئية الإصلاح والتغيير، للدرجة التي تتغاضى عن أنّ الحسين قد خرج شاهزًا السيف باسم عقيدة جده نبي الإسلام، حاملاً لشريعته التي تشكل محط استهجان ورفض جوهري عند مُريدي قيم فولتير واوغست كونت! هكذا تُساهم الرؤى الحداثيّة بتحريف الفهم الحقيقيّ للحوادث الجسام في تاريخنا، وتجانب الاستقراء الفعليّ للماضي.
191