يوميات من غزة
الذهاب إلى القناة على Telegram
3 518
المشتركون
+124 ساعات
-177 أيام
-5230 أيام
جاري تحميل البيانات...
القنوات المماثلة
سحابة العلامات
الإشارات الواردة والصادرة
---
---
---
---
---
---
جذب المشتركين
يوليو '26
يوليو '26
+27
في 0 قنوات
يونيو '26
+29
في 1 قنوات
Get PRO
مايو '26
+21
في 1 قنوات
Get PRO
أبريل '26
+22
في 3 قنوات
Get PRO
مارس '26
+40
في 6 قنوات
Get PRO
فبراير '26
+41
في 6 قنوات
Get PRO
يناير '26
+90
في 9 قنوات
Get PRO
ديسمبر '25
+44
في 10 قنوات
Get PRO
نوفمبر '25
+201
في 18 قنوات
Get PRO
أكتوبر '25
+241
في 18 قنوات
Get PRO
سبتمبر '25
+59
في 6 قنوات
Get PRO
أغسطس '25
+86
في 9 قنوات
Get PRO
يوليو '25
+208
في 18 قنوات
Get PRO
يونيو '25
+1 250
في 28 قنوات
Get PRO
مايو '25
+651
في 24 قنوات
Get PRO
أبريل '25
+508
في 8 قنوات
Get PRO
مارس '25
+151
في 12 قنوات
Get PRO
فبراير '25
+8
في 0 قنوات
Get PRO
يناير '25
+58
في 5 قنوات
Get PRO
ديسمبر '24
+50
في 8 قنوات
Get PRO
نوفمبر '24
+56
في 6 قنوات
Get PRO
أكتوبر '24
+38
في 3 قنوات
Get PRO
سبتمبر '24
+113
في 9 قنوات
Get PRO
أغسطس '24
+128
في 8 قنوات
Get PRO
يوليو '24
+194
في 7 قنوات
Get PRO
يونيو '24
+56
في 3 قنوات
Get PRO
مايو '24
+177
في 7 قنوات
Get PRO
أبريل '24
+57
في 5 قنوات
Get PRO
مارس '24
+128
في 7 قنوات
Get PRO
فبراير '24
+743
في 6 قنوات
| التاريخ | نمو المشتركين | الإشارات | القنوات | |
| 15 يوليو | 0 | |||
| 14 يوليو | +1 | |||
| 13 يوليو | +3 | |||
| 12 يوليو | 0 | |||
| 11 يوليو | +2 | |||
| 10 يوليو | +1 | |||
| 09 يوليو | +1 | |||
| 08 يوليو | +1 | |||
| 07 يوليو | +3 | |||
| 06 يوليو | +1 | |||
| 05 يوليو | +3 | |||
| 04 يوليو | +3 | |||
| 03 يوليو | +1 | |||
| 02 يوليو | +3 | |||
| 01 يوليو | +4 |
منشورات القناة
كانت الليلة غريبة فعلًا. حلمت أحلامًا كثيرة، وكلها كانت مزعجة. استيقظت أكثر من مرة، وكنت أشعر بالقهر كلما فتحت عيني. منذ البداية أدركت أن هذه الليلة لن تكون من الليالي المريحة.
في أثناء الليل، قال لي ابني الكبير: "تعال نام عندي." ذهبت ونمت في فراشه. كانت لفتة جميلة منه، وأدخلت إلى قلبي شعورًا لطيفًا، لكن النوم بقي متعبًا. كانت الوسادة التي وضعت رأسي عليها قاسية، فلم أشعر بالراحة. ومع ذلك، توقفت لحظة لأحمد الله. مجرد وجود فراش ننام عليه، ووسادة نضع عليها رؤوسنا، نعمة عظيمة تستحق الحمد في كل وقت.
بعد ذلك انتقلت إلى الفراش الآخر، وقلت في نفسي إن النوم ربما يصبح أهدأ، لكن الأحلام والكوابيس رافقتني من جديد. كنت أستيقظ بين الحين والآخر، حتى صحوت في النهاية وقلبي منقبض، وبقي هذا الشعور يرافقني لبعض الوقت.
ومنذ ما بعد الفجر تقريبًا، بدأ ابني الصغير يومه مبكرًا. كان يزن قليلًا، ثم يلعب مع نفسه، ثم يعود ويزن من جديد. استمر الحال على هذا الشكل إلى أن استيقظت تمامًا. بعدها أخذته من أمي قليلًا، لأنها كانت قد تعبت وهي تعتني به طوال ذلك الوقت.
كان من المفترض أن يكون هذا اليوم مختلفًا. اتفقت مع أحد أصدقائي، ومعه ابن عمه، أن نذهب إلى النادي، وكان هذا أول يوم لنا هناك. لكن اليوم حمل برنامجًا مختلفًا تمامًا.
منذ الصباح ونحن نجري وراء الماء، ونحاول أن نغسل وننجز كل ما يتعلق بالبيت. هذه الأمور تحتاج إلى تعاون الجميع، وكل واحد منا يحمل جزءًا من المسؤولية حتى تنتهي الأعمال. لذلك أجلت فكرة النادي، وجلست مع الأولاد حتى تتفرغ زوجتي للغسيل.
كنت أفكر أن نتبادل الأدوار، فأجلس مع الأولاد قليلًا، ثم أحصل على بعض الراحة، لكن ابني الصغير كان له رأي آخر. بقي مستيقظًا، ويزن بين الحين والآخر، وكلما حاولت أن أغفو قليلًا عاد فأيقظني من جديد. وأنا أعرف هذه المرحلة جيدًا؛ مرحلة يكثر فيها الضجر، ويبدأ معها التسنين أيضًا، فيزداد التذمر، ويحتاج الطفل إلى اهتمام وصبر أكثر من المعتاد.
و يبقى الحمد لله حاضرًا في القلب قبل اللسان. الحمد لله على كل نعمة نعيشها، سواء انتبهنا إليها أم مرت علينا مرورًا عاديًا.
وبصراحة، عندما بدأت أتكلم لم يكن في ذهني موضوع معين. وجدت نفسي أحكي كل ما كان يخطر في بالي، كأنني أجلس مع صديق وأروي له تفاصيل يومي كما هي، بكل ما فيها من تعب، ومواقف بسيطة، ولحظات تستحق أن تُحكى.
| 2 | كلما فكرت في التدريس، أشعر أنه واحد من أكثر الأشياء التي أحبها في حياتي. أكثر لحظة تمنحني السعادة ليست انتهاء الحصة، ولا إنهاء الدرس، وإنما تلك اللحظة التي أجد فيها الطلاب يتفاعلون مع الشرح. يبدأ أحدهم بطرح سؤال، ثم يبني زميله على السؤال، وتتحول الحصة إلى حوار جميل يسير بهدوء وبساطة. عندها أشعر أن الفكرة وصلت إلى عقولهم، وأنهم يفكرون فعلًا، وليسوا مجرد مستمعين.
دائمًا أردد فكرة أؤمن بها، وهي أن دوري داخل الحصة واضح جدًا. أقدم المعلومة، وأشرحها، ثم أحاور الطلاب حتى تتكون الفكرة في أذهانهم بصورة مرتبة. أحب أن يفهم الطالب المعنى أولًا، ثم يرى تسلسل الأفكار، ثم يربط كل فكرة بما قبلها وما بعدها، حتى تصبح الصورة كاملة ونظيفة في ذهنه. هذا النوع من الفهم يبقى مع الإنسان فترة طويلة، لأن العقل بطبيعته يحب النظام، ويحتفظ بالمعلومات المرتبة أكثر من المعلومات المتناثرة.
وفي الجهة الأخرى، أرى أن الطالب يحمل مسؤولية كبيرة أيضًا. فدائمًا أقول لهم إن مسؤولية المعلم تبدأ بالشرح، ومسؤولية الطالب تنتهي بالفهم. لذلك أحب أن يخرج كل طالب من الحصة وهو مطمئن تمامًا إلى أنه فهم كل ما دار فيها.
ولهذا السبب أسأل الطلاب كثيرًا: «هل الفكرة واضحة؟ هل فهمتم؟». عندما يجيبني الطالب بأنه فهم، أبني على هذه الإجابة وأنتقل إلى الفكرة التالية، لأنني أتعامل مع إجابته على أنها تعبير صادق عما يشعر به. أما إذا أخبرني بأنه ما زال يحتاج إلى توضيح، فأعتبر أن الوقت ما زال وقت شرحه، وأن الحصة ما زالت حصته، ومن حقه أن يأخذ من الشرح ما يحتاج إليه حتى تستقر الفكرة في ذهنه.
لهذا أشجع الطلاب دائمًا على السؤال. السؤال يعبر عن اهتمام، ويكشف رغبة حقيقية في التعلم، ويمنح المعلم فرصة ليرى الفكرة من زاوية جديدة قد تساعد بقية الطلاب أيضًا. وفي الحقيقة، خلال سنوات الدراسة لم أجد معلمًا ينزعج من طالب يريد أن يفهم بصدق. على العكس تمامًا، أغلب المعلمين يشعرون بالارتياح عندما يجدون طالبًا يسأل، ويطلب إعادة الشرح، ويحاول الوصول إلى الفهم الكامل. فالمعلم بطبيعته يحب أن يرى أثر شرحه، وأجمل أثر يمكن أن يراه هو طالب يغادر الحصة وهو يشعر أن الأمور أصبحت واضحة في ذهنه. | 478 |
| 3 | تعالوا معي نسمع ما يتناهى إلى أسماعنا ونحن نمضي في الطريق، دون حوارات، دون ترتيب، دون شرح، فقط ما نسمعه من ثرثرات الناس في الطريق.
ها أنا أمشي معكم، الشارع قصير، على جانبيه ركام، ينتهي بشوارع فرعية، تنتهي بشوارع أخرى وحطام...وهكذا..
ماذا يقول الناس؟
- صح ياىمحمود قعطتلك خبزة؟
- مين هادا؟ بعرفوش.
- قلتلك أعطينياه.
- يا فرح! تعالي لمي الغسيل!
- مين قطع الشجر؟
- قلتلها روحي اقعدي عند أبوكي في الشمس.
- العصر روح؟
- اسمع! حول محنا قاعدين بالشارع مناش نشوف ولا صغير!
- عمتو نضال..
- مش طبيعي هالاند...
- ولي! تعالي..
- ياشيخ! يدوب ألحق أخش الحمام..
- والله كانت لعبة حلوة بس خلص خسر كريستيانو...
- قلتلك حط تلاتة عجنب.
- نادولي إياه.
- اه والله حطيناه بالمستشفى امبارح!
- سمير؟
- جوالك إنتا؟
- بلاقي عندكو...
- مش أناةاللي قلتلهم يا زلمة!
- شفتك امبارح!
- لما أقلك هاتها هان هاتها هان!
- اسمع الكلام!
- وين الشاكوش؟
- منا بعدل بالحديد عشان أعمل غرفة.
- اف، الله يقر..
- ناصر؟ لسا امبارح شفته..
- دب الدنيا رمل!
- تعالي انقليهن جوا.
- تعبانة.
- بعين الله يا بو....
- تاني؟ تااني؟
- محمووود!
- بدي أرحل.
- تيجي معي؟
- لا لا بديش.
- محمااد؟ زبط السلك.
- مش قلتلك انتبهي للنار، انحرقت البطاطا!
- رنا، ليش مكبوبة الكي عالأرض.
- مش طبيعي!
نمشي كمان ولا ندخل؟ وصلنا. | 521 |
| 4 | أشياء كثيرة تدور في بالي هذه الأيام، وأشعر أنني أريد أن أتكلم عنها كلها مرة واحدة، لكن بعض المشاعر تستحق أن تُقال وحدها، حتى لا يزاحمها شيء. واليوم أريد فقط أن أقول: شكرًا.
شكرًا لكل إنسان اشترى كتابًا من كتبي، ولكل من أوصل ثمن كتاب، أو ساعد في ذلك، أو دلّ عليه، أو أخبر غيره عنه، أو كان سببًا، ولو بكلمة، في أن يصل هذا الخير إلينا.
قد يظن بعض الناس أن المسألة مجرد مبلغ من المال يصل بين فترة وأخرى، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. في كل مرة يصلني فيها شيء من ثمن الكتب، أنادي زوجتي، أو أخبرها بالرسالة، فأرى الفرح في وجهها قبل أن أنظر إلى الرقم نفسه. تبتسم ابتسامة أعرفها جيدًا، ويخرج منها ذلك "الحمد لله" الذي يريح القلب، ثم تبدأ تحسب معنا ما الذي نستطيع أن نشتريه، وما الذي صار ممكنًا بعد أن كان مؤجلًا. وأظل أنظر إليها، وأشعر أن هذا الفرح وحده يستحق أن أكتب عنه.
ليس لأن المبلغ كبير، بل لأن معناه كبير.
هناك فرق عجيب بين أن يصل إلى الإنسان مال يشعر أنه جاء بعد تعب، وبعد ساعات طويلة من التفكير، والكتابة، والمراجعة، والتعديل، وبعد سنوات من المحاولة، وبين مال يأتي بلا قصة.
هذا المال له قصة. كل صفحة كتبتها، وكل كلمة حذفتها، وكل مرة أعدت فيها كتابة فصل كامل لأنني لم أقتنع به، وكل ليلة سهرت فيها مع كتاب، وكل لحظة شك قلت فيها لنفسي: هل سيقرأ أحد هذا أصلًا؟...
كانت تمشي بهدوء حتى وصلت إلى هذه اللحظة.
ولهذا أشعر أن هذا الرزق له طعم مختلف. طعم الكرامة، وطعم التقدير، وطعم أن هناك إنسانًا، في مكان ما، لا أعرفه، قرأ شيئًا كتبته، ثم قال في نفسه: أريد أن أدعم هذا الكاتب. والله إن هذا الشعور وحده يخفف عن الإنسان أشياء كثيرة.
أحيانًا لا أتوقف عند المال نفسه، بل أقف عند الفكرة. كتاب خرج من بين يدي، وسافر إلى مكان لا أعرفه، ثم عاد إليّ أثره رزقًا، ودعاءً، ومحبة. سبحان الله... الكلمات تمشي أكثر مما يمشي أصحابها.
وأجمل ما في الأمر أن هذا الرزق يجعلني أشعر أن الكتابة لم تكن مجرد هواية أقضي بها الوقت، بل كانت سببًا من أسباب الخير الذي يسوقه الله إلينا. وهذا يحمّلني مسؤولية أكبر: أن أكتب بصدق، وأن أتعب أكثر، وأن أراجع أكثر، وأن أستحق هذه الثقة التي منحتموني إياها. فالكاتب لا يفرح لأن كتابًا بيع فقط، بل يفرح لأن أحدًا وجد في كلماته ما يستحق أن يبقى معه.
قد لا تعرفون مقدار الأثر الذي تتركونه. أنتم ترون عملية شراء كتاب، ونحن نرى بيتًا امتلأ بالامتنان. أنتم ترون مبلغًا بسيطًا، ونحن نرى تقديرًا لتعب سنوات. أنتم ترون كتابًا، ونحن نرى رسالة ما زالت تجد من يحملها، ويؤمن بها، ويقول لصاحبها، ولو بصمت: أكمل... فما زال لك مكان.
ومن أعماق قلبي، جزاكم الله عني وعن أسرتي كل خير. أسأل الله أن يبارك لكم في أرزاقكم، وأن يوسع عليكم كما وسعتم علينا، وأن يجعل كل كلمة ساهمتم في وصولها، وكل خير أعنتم عليه، في موازين حسناتكم. وأرجو أن تعلموا شيئًا واحدًا: فرحتكم بدعمكم لم تكن يومًا أقل من فرحتنا بوصوله، بل ربما كانت سببًا في أن نستعيد الأمل، ونجلس مرة أخرى أمام الورقة، ونقول: بسم الله... لنكتب من جديد. | 585 |
| 5 | لا تنغر بالأرقام.
أرقام المتابعين، والمشاهدات، والإعجابات، والاشتراكات... كلها تتغير. يوم تصعد، ويوم تنزل، ويوم تتفاجأ بمنشور بسيط انتشر أكثر من كل شيء كتبته، ويوم تكتب شيئًا تعبت فيه ساعات، ثم يمر وكأنه لم يكن.
هذه طبيعة الأرقام.
لو جعلتها هي التي تقودك، ستتغير معها كل يوم.
ستكتب اليوم شيئًا لأن الناس أحبوه، وغدًا شيئًا آخر لأنه يجلب مشاهدات أكثر، وبعده ستترك ما تؤمن به أصلًا، فقط لأن الخوارزمية لم تعجبه.
وهنا تبدأ المشكلة.
أنا لا أرى أن النجاح يقاس بعدد من يتابعك، بل بما تكتبه عندما لا يراك أحد.
لو كان عندك عشرة متابعين فقط، هل ستكتب الشيء نفسه؟
ولو كان عندك مليون، هل ستكتب الشيء نفسه أيضًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأنت تعرف ماذا تريد.
أما إذا كانت رسالتك تتغير مع كل ارتفاع وانخفاض، فراجع نفسك، لأن المشكلة ليست في الأرقام.
الأرقام رزق.
قد تزيد، وقد تنقص، وقد تأتي من حيث لا تحتسب.
أما رسالتك، فهي مسؤوليتك.
فلا تبدلها من أجل رقم، ولا تجعلها تدور مع كل موجة، لأن الأرقام تأتي وتذهب، أما الكلمة التي تخرج بصدق، فقد تبقى سنوات، وتصل إلى قلب واحد، وتغيّر فيه شيئًا، وهذا عندي أعظم من آلاف المشاهدات. | 512 |
| 6 | أمر بوعكة صحية أحبتي، إنه دوري بعد ولديّ.
أكرمونا بدعائكم. | 505 |
| 7 | ألا تشعرون أحيانًا أننا لا نحاول أن نطوّر أنفسنا كما ينبغي؟ أو أن نصبح أكثر ثقافة؟ هذا السؤال يشغلني كثيرًا.
في أحيان كثيرة أجد نفسي أقرأ أو أسمع أشياء لا أفهمها، فأبقى أسأل نفسي: لماذا لا أعرف هذا؟ ولماذا لم أفهمه؟ كيف ما زلت أشعر أن عندي نقصًا كبيرًا في جوانب ثقافية كثيرة، رغم أنني أظن أحيانًا أنني شخص مثقف؟
لا أملك جوابًا واضحًا، لكن الذي يحيرني أكثر هو: لماذا نرضى أن نبقى كما نحن؟ لماذا لا ندرّب عقولنا أكثر؟ سواء بالتفكير، أو بالقراءة، أو بتوسيع ثقافتنا في العربية، والإسلامية، والإنجليزية، وغيرها من المجالات.
لماذا لا نحاول أن نصبح أفضل كل يوم؟ | 562 |
| 8 | أشعر أحيانًا أننا نعقد الحياة أكثر مما تستحق.
ليست كل الأمور طبعًا، فهناك أشياء كبيرة فعلًا، وفيها ابتلاءات ومسؤوليات لا يملك الإنسان أن يخففها. لكنني أتحدث عن الأشياء العادية التي تمر بنا كل يوم.
كم مرة خطرت في بالك فكرة جميلة، ثم قلت: سأفعلها لاحقًا؟
وكم مرة احتاج الأمر عشر دقائق فقط، لكنك ظللت تؤجله أيامًا، وربما أسابيع؟
أصبحت أحب أن أتعامل مع هذه الأشياء ببساطة.
إذا خطرت في بالك فكرة نافعة، وكان تنفيذها لا يحتاج إلا دقائق، فلا تدخل في دوامة التفكير الطويل. لا تفتح عشرين مقطعًا، ولا تبحث عن أفضل طريقة، ولا تنتظر المزاج المناسب.
قم وافعلها.
إذا أردت أن تتصل بوالدك، فاتصل.
إذا أردت أن تقرأ صفحات من كتاب، فاقرأها.
إذا أردت أن تتمشى قليلًا، فاخرج.
إذا أردت أن ترتب مكتبك، فرتبه.
إذا أردت أن تحفظ آية، فاحفظها.
أشعر أن جزءًا كبيرًا من راحتنا يضيع في التفكير، لا في العمل.
العجيب أن العمل نفسه غالبًا يكون أسهل بكثير مما رسمناه في أذهاننا.
لذلك صرت أقول لنفسي كلما كثرت الأفكار: لا تفكر كثيرًا... ابدأ.
الحياة تصبح أخف حين نعاملها ببساطة، وحين نعطي كل خطوة حقها، ثم ننتقل إلى التي بعدها.
فليس كل شيء يحتاج إلى خطة معقدة.
بعض الأشياء تحتاج فقط أن تنهض... وتبدأ. | 642 |
| 9 | ما فضولكم أحبتي الكرام؟ لكم الحرية الكاملة في السؤال، وسأجيب على البساطة والعفوية ما أمكن. | 576 |
| 10 | من باب تشجيع نفسي وإياكم، أتممت اليوم الجزء الرابع عشر، ودخلت فب الجزء الخامس عشر في مشوار إجازة القرآن بالسند المتصل.
إلى أين وصلتم في مشواركم؟ | 636 |
| 11 | "لم يكن من شروط السير إلى الله أن تكون في حالة طهر ملائكية، سر إليه بأثقال طينك البشرية" | 658 |
| 12 | لَسْتُ كِسْرَى فِي قُصُورِي
لَا وَلَا عِنْدِي كُنُوزٌ
أَوْ حَرِيرٌ كَيْ يُهَدَّلْ
مَا أَنَا إِلَّا أَبٌ قَدْ
أَنْهَكَ الشَّيْبُ خُطَاهُ
وَأَسَى الأَيَّامِ أَثْقَلْ
بِيَدِي طِفْلَايَ، رُوحِي
كُلَّمَا نَامَا بِصَدْرِي
كُلُّ هَمِّ العُمْرِ يَرْحَلْ
أَنْتُمَا ضِحْكَةُ صُبْحِي
أَنْتُمَا نُورُ العُيُونِ
حِينَ كُلُّ الكَرْبِ أَقْبَلْ
رَغْمَ خَوْفٍ قَدْ بَرَانَا
فِي بِلَادٍ سَلَبُوهَا
كُلَّ غَالٍ، لَمْ يُبَجَّلْ
يَا صَغِيرَيَّ، سَنَحْيَا
رَغْمَ أَنْفِ اللَّيْلِ فَجْراً
يَطْرُدُ الوَغْدَ المُغَفَّلْ
يَا لَحَنَّانِ السَّمَاءِ
احْفَظِ الزَّهْرَيْنِ دَوْمًا
فَالْـمَدَى بِالحُبِّ أَجْمَلْ | 818 |
| 13 | في الأيام الأولى من المأساة، بعد السابع من أكتوبر، كنت أكتب بشغف لا أعرف من أين جاء. كنت أشعر أن كل شيء يستحق أن يُكتب. كل خطوة، وكل نفس، وكل طريق أمشيه، وكل حديث عابر، وكل خوف يمر في القلب. أحيانًا كنت أكتب الحدث وهو يحدث، وأحيانًا أعود إليه بعد ساعات فأستحضره بتفاصيله كلها، كأنني أخشى أن يضيع مني شيء من هذا الزمن الثقيل.
كنت أؤمن أن التفاصيل هي التي تحفظ الذاكرة. أن شكل الغيمة، ورائحة الدخان، وصوت الملعقة وهي تضرب قاع القدر، وكلمة قالها طفل، ونظرة عابرة من رجل مرهق... كلها تستحق أن تبقى. كنت أخاف أن يبتلع النسيان هذه الأشياء، فأسبق النسيان إليها بالكتابة.
ثم مرت الأيام.
لا أستطيع أن أقول إنني فقدت حبي للكتابة، فما زلت أحبها كما أحب فنجان القهوة، أو جلسة هادئة في آخر النهار، لكنني فقدت شيئًا من طاقتي. صارت الكتابة تحتاج إلى قوة، والقوة نفسها أصبحت تُستهلك في أشياء أخرى.
الحياة هنا لا تترك للإنسان فراغًا طويلًا. يومك يبدأ قبل أن تبدأ أنت. تركض خلف الماء، ثم خلف رغيف الخبز، ثم تبحث عن عمل، ثم تعود لتجمع الحطب أو تشعل النار، ثم تنتظر الطعام حتى ينضج، ثم تغسل، ثم ترتب، ثم تحاول أن تلحق ما تأجل من الأمس، فإذا انتهى النهار اكتشفت أن النهار كله ذهب في أساسيات الحياة فقط.
وأقول في نفسي أحيانًا: أين ذهبت الساعات؟
أبحث عنها فلا أجد إلا آثارها في جسدي.
ثم يأتي أولادي.
وهنا تبدأ مسؤولية من نوع آخر. ليست مسؤولية أن أطعمهم أو ألبسهم فقط، بل أن أحاول بناءهم وهم يكبرون وسط كل هذا. أن أعلمهم الأدب، وأغرس فيهم الإيمان، وأدربهم على الصدق، وأحتوي غضبهم، وأسمع أسئلتهم، وأصبر على شقاوتهم، وأتذكر في كل موقف أن التربية ليست كلمة تقال، بل عمر كامل يمشي مع الإنسان.
وأعترف أنني، في السنوات الأخيرة، تعلمت في التربية أكثر مما تعلمت في سنوات طويلة قبلها. عالم الإنترنت مليء بالمواد النافعة، والدورات، والمحاضرات، وتجارب الآباء والأمهات. وكلما قرأت أكثر، شعرت أن أمامي أبوابًا جديدة للفهم.
لكنني اكتشفت شيئًا آخر.
المعرفة سهلة نسبيًا، أما التطبيق فهو الميدان الحقيقي.
أن تقرأ عن الصبر شيء، وأن تطبق الصبر مع طفل متعب، يبكي، ويرفض الطعام، ويسأل السؤال نفسه عشر مرات، شيء آخر تمامًا.
أن تسمع محاضرة عن احتواء الغضب سهل، أما أن تتذكرها وأنت مرهق، قليل النوم، مشغول الفكر، فهذا يحتاج إلى مجاهدة حقيقية.
لهذا صرت أرفق بنفسي أكثر قليلًا. أجتهد، وأتعلم، وأحاول، ثم أرفع يدي إلى الله.
يا رب، وفقني.
يا رب، علمني ما ينفعني.
يا رب، ارزقني الفهم قبل أن ترزقني الجواب.
يا رب، وسّع صدري إذا ضاق، وألهمني الصواب إذا احتَرْت، وارزقني طول البال حين تكثر الضغوط.
يا رب، اجعلني خير أب لأولادي، وخير زوج لزوجتي، وخير ابن لوالديّ، وخير أخ لإخوتي، وخير صديق لمن أحب.
أعرف أن الجهد مطلوب، وأن السعي واجب، وأن الوعي نعمة عظيمة، لكنني أعرف أيضًا أن النتائج ليست بيدي. وهذه الفكرة تمنحني شيئًا من الطمأنينة. أقوم بما أستطيع، وأتعلم ما أستطيع، وأخطئ وأعتذر، وأعود فأحاول مرة أخرى.
وفي النهاية، يبقى في القلب يقين جميل.
أن كل خطوة صادقة يخطوها الإنسان إلى الخير، وكل محاولة يبذلها ليكون أفضل مما كان، لا تضيع عند الله.
وهذا وحده يجعلني أواصل السير، حتى في الأيام التي أشعر فيها أن الطريق أطول من قدرتي. | 839 |
| 14 | اليوم كان من الأيام الثقيلة على قلبي، لكنه انتهى بنعمة كبيرة جعلتني أحمد الله عليها مرات لا أستطيع عدها.
كنت أعطي درسًا لمجموعة من الأطفال الصغار. انتهى الدرس، وشعرت بشيء من الارتياح، فحملت صغيري بين ذراعي، وبدأت أهيئه للنوم. كان هادئًا، يضع رأسه على صدري كعادته، وأنا أظن أن اليوم سيمضي كما تمضي بقية الأيام.
وفجأة...
سمعت صوت زوجتي تصرخ باسمي: إلحق... إلحق!
لا أذكر كيف وضعت الصغير من بين يدي. كل ما أذكره أنني ركضت. وفي الطريق بدأ يصلني صوت بكاء ابني الكبير، ذلك البكاء الذي يعرفه الأب من أول لحظة، ويعرف معه أن الأمر ليس عاديًا.
وصلت إليه، فإذا بالكأس الزجاجية قد تحطمت، ويده غارقة بالدم.
توقفت الدنيا لحظة.
رأيت الجرح، وعرفت مباشرة أنه عميق. لم يكن خدشًا صغيرًا، ولا جرحًا يمكن أن تضع عليه لاصقًا طبيًا وينتهي الأمر. كان جرحًا مفتوحًا، والدم يخرج منه، وابني يصرخ بكل ما يملك من ألم.
في تلك اللحظة، لم يقهرني منظر الدم بقدر ما قهرني شيء آخر.
قهرني أنني رأيت الكأس في يده قبل ذلك.
لا أعرف لماذا، لكن إحساسًا مر في قلبي قبل الحادثة بلحظات، وقلت في نفسي: ليتني آخذها منه. ثم انشغلت، وتركتها.
وبعد دقائق فقط... وقع ما وقع.
ظل هذا الخاطر يلاحقني طوال اليوم. أعرف أن ما كتبه الله سيكون، لكن القلب يبقى يردد: يا ليتني فعلت... يا ليتني انتبهت أكثر.
حملته وركضت إلى المستشفى، وهو يبكي، وأنا أشعر أن كل صرخة تخرج منه تمر أولًا في قلبي. الطريق بدا أطول من المعتاد، رغم أنني كنت أستعجل في كل خطوة، وأدعو الله بيني وبين نفسي ألا يكون الأمر أخطر مما أراه.
دخلنا قسم الطوارئ.
قالوا لي: ما به؟
قلت: جرح عميق في اليد... وأظنه يحتاج إلى غرز.
قالوا بسرعة: اذهب مباشرة إلى غرفة الغرز.
دخلنا الغرفة، وأجلسوه على السرير. بدأوا يغسلون الجرح وينظفونه. كنت أراقب وجوههم أكثر مما أراقب الجرح نفسه، أحاول أن أقرأ منها ما سيقولونه بعد قليل.
ثم جاء اليود.
ما إن لامس الجرح حتى خرجت من ابني صرخة شعرت أنها شقت صدري نصفين. كنت أعرف أن اليود يحرق، لكنني لم أتخيل أن يكون الألم بهذا الشكل. ظل يصرخ، وأنا أضم رأسه، وأقول له: يا حبيبي... يا بابا... خلاص... خلاص يا روحي... اصبر قليلًا... والله ستنتهي.
لكن الأطفال لا يفهمون هذه الجمل وقت الألم.
كل ما يفهمونه أن الألم حاضر.
وبينما كانوا يجهزون للخياطة، بدأت فكرة أخرى تخيفني أكثر من الجرح نفسه.
ماذا لو وصل الزجاج إلى العصب؟
وماذا لو بقيت قطعة زجاج داخل اليد؟
هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي بلا توقف، حتى طلب الطبيب من ابني أن يحرك أصابعه، وأن يقبض يده ويفتحها. كنت أراقب كل حركة وكأنها امتحان لقلبي.
ولما تحركت أصابعه كما ينبغي، شعرت أن جبلًا كاملًا أزيح عن صدري.
الحمد لله... الحمد لله أن العصب سليم.
ثم بدأوا يبحثون داخل الجرح، وينظفونه بعناية، خوفًا من أن تكون بقيت شظية زجاج صغيرة في الداخل.
وبعدها جاءت المرحلة الأصعب.
الخياطة.
ثبت أحد الأطباء يد ابني بكل قوته، بينما بدأ الطبيب الآخر يغرز الإبرة الأولى.
صرخة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وكنت مع كل غرزة أشعر أن الإبرة تدخل في قلبي أنا.
ظللت أردد دون أن أشعر: يا حبيبي... يا بابا... والله حقك علي... اصبر يا روحي... انتهينا... بقي القليل...
حتى إنني سمعت الطبيب الذي يثبت يده يقول لزميله وهو يبتسم ابتسامة متعبة: أنا متوتر أكثر منك.
فرد الآخر وهو يواصل الخياطة: أنا متعود أغرز للمرضى وهم تحت التخدير وما بيتحركوش... أما الأطفال فكل مرة إلها رهبتها ليتحركوا كتير.
احتاج الجرح إلى ست غرز.
وإحدى الغرز لم تعجب الطبيب، فأزالها وأعادها من جديد.
وعادت معها صرخة جديدة.
حين انتهى كل شيء، حملته بين ذراعي. كان قد هدأ قليلًا، لكن آثار البكاء كانت ما تزال على وجهه.
قبلت رأسه، وقلت له: حقك على راسي يا بابا... إيش نفسك تاكل؟
نظر إلي بعينين مليئتين بالدموع، وقال بصوت متقطع: بابا... بدي شورما.
ضحكت رغم كل شيء.
قلت له: حاضر يا حبيبي... إلنا شورما اليوم.
خرجنا من المستشفى، وأوصانا الطبيب بالمسكن، والعناية بالجرح، ومراجعة الغرز بعد أيام.
وفي طريق العودة، لم أكن أفكر في الغرز.
كنت أفكر في النعمة.
الحمد لله أنها في اليد اليسرى.
الحمد لله أنها لم تكن في وجهه.
الحمد لله أنها لم تصل إلى عينه.
الحمد لله أنها لم تصب عصبًا.
الحمد لله أنها لم تكن أعمق مما كانت.
الحمد لله أنه عاد يمشي بجانبي، ويتكلم، ويطلب الشورما، ويبتسم بين حين وآخر.
أحيانًا لا ندرك حجم النعمة إلا حين نقترب من فقدها.
واليوم، عرفت مرة أخرى أن كلمة الحمد لله ليست كلمة تقال بعد انتهاء المصيبة، بل هي شعور يملأ القلب كله حين يرى الإنسان لطف الله في التفاصيل التي كادت تكون أشد مما كانت.
الحمد لله على كل حال.
والحمد لله على كل لطف خفي، لم نره إلا بعد أن مر بنا. | 780 |
| 15 | أعترف بيني وبين نفسي أنني أحب التدريس أكثر مما كنت أظن. كلما مر الوقت، ازددت يقينًا أن هذا العمل يشبهني، أو لعلني أشبهه. لا أشعر أنه مجرد شرح درس، أو حل أسئلة، أو إنهاء منهج، بل أشعر أن فيه شيئًا أعمق من ذلك كله.
أحب اللحظة التي ألمح فيها الفكرة وهي تصل إلى الطالب. أشرح أمرًا بدا له معقدًا، ثم أرى ملامحه تتغير فجأة، ويقول بعفوية: "آه... فهمت." هذه الكلمة الصغيرة تمنحني شعورًا يصعب وصفه. أشعر كأن بابًا كان مغلقًا، ثم انفتح أمامه بهدوء.
وأحب أكثر الطلاب الشغوفين. الطالب الذي لا يكتفي بالإجابة، بل يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن تكون هناك طريقة أخرى؟ هذا النوع من الأسئلة يوقظ المعلم قبل أن يوقظ الطالب. يجعل الحصة حوارًا حيًا، لا مجرد كلام ينتقل من طرف إلى آخر.
أحيانًا أرجع إلى خيمتي بعد يوم طويل، وأكون متعبًا من كثرة الشرح، لكنني أتذكر سؤالًا سألتنيه إحدى الطالبات، أو جوابًا ذكيًا قاله أحد الطلاب، فأبتسم وحدي. أشعر أن التعب لم يذهب هباءً، وأن شيئًا صغيرًا بقي بعد انتهاء الدرس.
ولعل أجمل ما في التدريس أن الإنسان لا يعطي معلومة فقط، بل يعطي جزءًا من عمره. سنوات القراءة، والأخطاء التي وقع فيها، والتجارب التي تعلم منها، والطرق التي اكتشف أنها أقرب إلى الفهم. كل هذا يختصره أحيانًا في دقائق قليلة، ثم يقدمه لطالب يقبله بشغف، فيشعر أن تلك السنوات لم تضِع.
أحيانًا أشرح فكرة فأجد الطالب ينظر إليّ باهتمام شديد، وكأنه يخشى أن تضيع منه كلمة واحدة. هذا الشعور وحده يجعلني أحب الشرح أكثر، وأبحث عن مثال أو قصة أو تشبيه يقرب المعنى أكثر. وأفاجأ أنني أنا أيضًا أتعلم أثناء الشرح. كثير من الأفكار لا تكتمل في رأسي إلا عندما أحاول أن أوصلها إلى غيري.
لهذا أقول دائمًا إن الطلاب رزق. ليس كل معلم يرزق طالبًا يحب العلم، وليس كل طالب يرزق معلمًا يحب أن يعطيه من قلبه قبل كتابه. فإذا اجتمع الطرفان، صار الدرس أجمل بكثير من مجرد حصة، وصارت المعرفة تمشي بينهما بمحبة.
أسأل الله أن يرزق كل من أحب التدريس طلابًا شغوفين، يسألون كثيرًا، ويحبون الفهم، ويجعلون المعلم ينتظر موعد الحصة كما ينتظرون هم بداية الشرح. فما أجمل أن يشعر الإنسان، في نهاية يومه، أنه ترك في عقل أحدهم فكرة جديدة، وفي قلبه حبًا للعلم، ولو كان ذلك من خلال سؤال واحد فقط. | 620 |
| 16 | ما أسرع الموت حولنا!
أحيانًا أتحدث مع رجل في النهار، نتبادل حديثًا عاديًا جدًا؛ عن الحر، أو الأسعار، أو الأطفال، أو موعد نؤجله إلى الغد. نفترق، وكل واحد يمضي في طريقه، وأنا مطمئن أن اللقاء القادم قريب.
ثم يأتي الخبر.
استشهد!
أعيد الحديث في رأسي، وأتذكر آخر كلمة قالها، وآخر ابتسامة، وآخر مرة صافحني فيها. أفكر: لو كنت أعلم أنها الأخيرة، هل كنت سأطيل الوقوف معه قليلًا؟ هل كنت سأقول له شيئًا آخر؟ هل كنت سأدعوه إلى فنجان قهوة؟ لكن الإنسان لا يعرف أبدًا أن بعض اللحظات لا تتكرر.
وأحيانًا أقول عن شخص: غدًا إن شاء الله أذهب لزيارته، أو أطمئن عليه، أو أكمل معه حديثًا بدأناه. ثم يأتي الغد، ولا يبقى من الموعد إلا الحسرة.
استشهد!
هذه الكلمة أصبحت تمر على الألسنة كثيرًا، لكنها لا تصبح خفيفة أبدًا. في كل مرة أسمعها أشعر أنها تنتزع شيئًا من القلب، حتى لو لم أكن أعرف صاحبها معرفة وثيقة. يكفي أن أفكر أن وراء هذا الاسم أمًا تنتظر، أو زوجة، أو طفلًا سيجلس الليلة يسأل عنه.
صار الإنسان يودع الناس دون أن يشعر أنه يودعهم. يصافحهم على عجل، ويقول: نلتقي قريبًا، وهو لا يعلم أن هذه الجملة قد تكون آخر ما يقوله لهم.
لهذا صرت أحب أن أطيل السلام قليلًا، وأن أبتسم أكثر، وأن أؤجل الخصام ما استطعت. ليس لأنني صرت أفضل من قبل، بل لأن الحياة حولنا علمتني أن بعض الأبواب تغلق فجأة، وبعض الوجوه تغيب دون موعد، وبعض الأحاديث تبقى ناقصة إلى الأبد.
ما أسرع الموت حين يمر بين الناس!
وما أثقل الحياة على القلب، حين يصبح الغد وعدًا لا يملكه أحد! | 708 |
| 17 | اليوم كان من الأيام التي تمضي في الأعمال الصغيرة. تلك الأعمال التي تستهلك نصف النهار، ثم إذا سأل الإنسان نفسه مساءً: ماذا أنجزت؟ احتار في الجواب. كنت أنشر الغسيل، وهي من الأعمال التي لا أفكر فيها كثيرًا، لكنها بطريقة ما أصبحت من الأماكن التي يسرح فيها عقلي أكثر من غيرها.
كانت الشمس حارة، لكنها لم تكن قاسية تمامًا. إلى جواري نخلة كبيرة، ينساب ظلها على الأرض ببطء، وكلما تحركت قليلًا دخلت في الظل ثم خرجت منه. لبست طاقية في البداية، ظننت أنها ستخفف عني حرارة الشمس، لكنني بعد دقائق شعرت أنها هي نفسها أصبحت مصدرًا للحر، فضحكت من نفسي، وخلعتها، وتركت الهواء يلامس رأسي.
أحب رائحة الملابس بعد غسلها، خصوصًا إذا كان فيها شيء من معطر الملابس. لا أعرف لماذا تريحني هذه الرائحة تحديدًا. ربما لأنها تشبه البيوت الهادئة، أو لأنها تذكرني بأيام كانت فيها هذه التفاصيل عادية لا تستحق التفكير. هذه الأيام لا نستطيع أن نستخدم المعطر كل مرة، فكل شيء صار يحسب حسابه، لكن حين تكون الرائحة موجودة أشعر بها من أول قطعة أرفعها، وأظل أتنفسها دون أن أشعر.
كان الهواء يهب بين حين وآخر، هبات خفيفة لا تكفي لتبريد الجو، لكنها كانت تحرك الملابس المعلقة على الحبال، فتتمايل كأنها تتبادل الحديث فيما بينها. أما ابني، فكان قد وجد لنفسه مهمة أعظم من مهمتي كلها. أمسك قطعة حديد، وجلس يحفر في الرمل بكل جدية، وكأنه على وشك اكتشاف مدينة أثرية مدفونة تحت الأرض. بين لحظة وأخرى كان يناديني ليريني حفرة جديدة، فأهز رأسي بإعجاب، وأقول له إنها حفرة ممتازة، فيعود إلى عمله راضيًا، وأنا أعود إلى الغسيل.
أما أنا، فكنت أسرح. لا تسألني في ماذا، لأنني لا أعرف. هناك سرحان لا يحمل عنوانًا، يترك الإنسان واقفًا في مكانه، بينما يأخذ عقله في جولة طويلة لا يتذكر منها شيئًا عند عودته. أحيانًا أظن أن نشر الغسيل هو المكان الرسمي الذي يقرر فيه عقلي أن يأخذ استراحة من الواقع.
وبينما أنا معلق بين قطعة ملابس وفكرة لا أعرفها، سمعت فجأة صوتًا قويًا خلفي. صوت ارتطام، ثم حركة سريعة. التفت مباشرة، وأول ما خطر في بالي: ابني! قلت في نفسي: أكيد وقع.
لكنني حين التفت، وجدت مشهدًا لو لم أره بعيني لما صدقته.
بسة كانت تجري بكل سرعتها، حتى خيل إلي أنها نسيت أن لها أربع قوائم من شدة الخوف، وخلفها كلبة كبيرة تطاردها بكل حماس. وفي اللحظة الأخيرة، وقبل أن تمسك بها، قفزت البسة قفزة واحدة مستقيمة إلى أعلى النخلة، كأن أحدًا ضغط زرًا في فيلم كرتون. وقفت فوق جذع النخلة تنظر إلى الكلبة من أعلى، والكلبة تدور أسفلها وهي ترفع رأسها باستغراب، كأنها تقول: وكيف وصلتِ إلى هناك؟
لم أتمالك نفسي من الضحك.
وقفت أضحك وحدي، والملابس في يدي، وابني لا يزال يحفر في مشروعه العظيم، والبسة فوق النخلة، والكلبة أسفلها، والشمس فوق الجميع.
قلت في نفسي: سبحان الله... حتى في أكثر الأيام عادية، يخبئ الله للإنسان مشهدًا صغيرًا يضحكه دون موعد.
وأكملت نشر الغسيل، وأنا مبتسم أكثر مما كنت قبل دقائق. | 605 |
| 18 | هذا النوع من التفاصيل هو بالضبط ما يجعل اليوميات حيّة. ليس لأن الحدث كبير، بل لأن التفصيلة نفسها لا يراها إلا الأب الذي يعيشها. حاولت أن أكتبها مع التوسع الذي تحبه، والاستطراد، والحوار الداخلي، والتفاصيل الحسية.
أحب صغيري حبًا يصعب عليّ وصفه، وأحب أكثر تلك العادات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. قد يراها غيري حركة عابرة، أما أنا فأشعر أنها جزء من شخصيته، وجزء من علاقتنا التي تتغير يومًا بعد يوم.
من أكثر الأشياء التي يفعلها، ويكاد لا يتركها، أنه حين أحمله يقترب بوجهه مني حتى يلتصق بي. يفرك خده في صدري، ثم يرفع رأسه قليلًا ويفرك أنفه في خدي، ثم يعود من جديد. أحيانًا يظل يفعل ذلك مرات كثيرة متتالية، وكأنه يعرف هذا المكان، ويشعر أنه مكانه الطبيعي. كلما فعلها أبتسم، وأتركه يفعل ما يشاء، وأظل أراقبه وكأنني أراه يفعلها لأول مرة.
لهذا السبب صرت أنتبه لما ألبسه أكثر مما كنت أفعل في السابق. إذا كان في القميص سحاب، أو زر معدني، أو شيء خشن، أبدله مباشرة. أحب أن يضع وجهه أينما شاء دون أن يؤذيه شيء. حتى إنني، في كثير من الأيام، أختار ملابسي على أساسه هو، لا على أساس ما يعجبني أنا. قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه بالنسبة لي ليس بسيطًا أبدًا.
اليوم كانت كل ملابسي تقريبًا في الغسيل، ولم أجد إلا بلوزة فيها سحاب من الأمام. لبستها على عجل، وقلت في نفسي: لن يحدث شيء، دقائق فقط.
لكن الأطفال، بطريقة ما، يفعلون دائمًا الشيء الذي لا تتوقعه.
حملته بين ذراعي، وبعد لحظات بدأ عادته المحببة. اقترب بوجهه مني، وأخذ يفرك خده وأنفه في صدري، ثم ارتفع قليلًا حتى لامس السحاب. فجأة توقف، ثم بكى بكاءً حادًا. نظرت بسرعة، فإذا السحاب قد خدش أنفه وخده خدشًا صغيرًا.
في تلك اللحظة شعرت أن الألم وصل إليّ قبله. ضممته بسرعة، وصرت أقبّل وجهه وأهدئه وأقول له: حبيبي... حبيبي... خلاص... خلاص. كان يبكي، ويحاول أن يدفن وجهه في صدري مرة أخرى، وأنا كل ما أفكر فيه أن أخلع هذه البلوزة بأسرع ما يمكن.
دخلت أغيّرها على الفور، ولبست أول قطعة ملابس وجدتها، المهم ألا يكون فيها سحاب، ولا زر، ولا أي شيء قد يلامس وجهه الصغير.
بعد أن هدأ، عاد يفعل الحركة نفسها، كأن شيئًا لم يحدث. أما أنا، فبقيت أفكر فيها بقية اليوم. ربما لو رآها أحد لقال: مجرد خدش بسيط. لكنني أعرف أن الأمر بالنسبة لي لم يكن خدشًا فقط. كان تذكيرًا جديدًا بأن هذا الوجه الصغير أصبح جزءًا من قلبي، وأنني صرت أنتبه لتفاصيل لم أكن أتخيل يومًا أنني سأفكر فيها.
أحيانًا أبتسم وأنا أراقب نفسي. من كان يصدق أن رجلًا بالغًا يمكن أن يقف أمام خزانته، لا ليسأل: ماذا سألبس اليوم؟ بل ليسأل: هل هذه القطعة ناعمة بما يكفي حتى يفرك صغيري وجهه فيها دون أن تؤذيه؟
الحياة تتغير فعلًا بعد الأطفال. لا تتغير في الأشياء الكبيرة فقط، بل في هذه التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها أحد، لكنها، بالنسبة للأب، تساوي الدنيا كلها. | 744 |
| 19 | أعاني منذ فترة طويلة في محاولة السيطرة على حياتي. لا أعرف إن كانت كلمة "السيطرة" هي الأدق، لكنني أبحث عن كلمة أفضل فلا أجد. أشعر أن الأيام تمضي أسرع مما أستطيع الإمساك بها، خصوصًا في ظل كل ما نعيشه من نزوح وتعب وانشغال دائم بأمور لا تنتهي.
أكمل ابني الصغير شهره السادس. ستة أشهر كاملة. حين حسبتها شعرت بشيء غريب. نظرت إليه، ثم نظرت إلى نفسي، وسألت سؤالًا بقي يدور في رأسي طوال الطريق: ماذا فعلت أنا في هذه الأشهر الستة؟
أعرف أنني كنت مشغولًا طوال الوقت. أعرف أن الأيام لم تكن سهلة. أعرف أنني حاولت أن أكون أبًا حاضرًا مع أولادي، وزوجًا جيدًا، وأخًا لطيفًا، وابنًا بارًا ما استطعت. أعرف أنني كنت أستيقظ على حرارة الأطفال أحيانًا، وأتابع الأدوية، وأقلق، وأرتب أمور البيت، وأحاول أن أجعل الحياة تمضي رغم كل شيء. لكن شيئًا في داخلي ظل يسألني السؤال نفسه.
ستة أشهر.
ستة أشهر من عمر ابني لن تعود مرة أخرى.
حين أراه يتعلم حركة جديدة، أو يضحك بطريقة مختلفة، أو يمسك شيئًا لأول مرة، أشعر أن العمر يجري أمام عيني. الأمر لا يتعلق به وحده. أشعر أحيانًا أن جزءًا من عمري يمضي معه أيضًا. يكبر هو، وأكبر أنا، وتتحول الأيام إلى ذكريات أسرع مما أتوقع.
ما يقهرني قليلًا أن في داخلي أشياء كثيرة أريد فعلها منذ سنوات. نفسي أن أنتهي من تعديل روايتي الأولى كاملة. أحيانًا أتخيل شكلها بعد الطباعة، وأتخيل أنني أمسكها بيدي وأقلب صفحاتها، ثم أعود إلى الواقع فأجد الملفات ما زالت تنتظرني. ونفسي أن أدرس الماجستير بجد. هذه الفكرة تسكن رأسي منذ سنوات طويلة. كلما اقتربت منها ابتعدت، وكلما ظننت أن الطريق أصبح أوضح ظهرت عقبة جديدة.
وأشتاق إلى التركيز. هذه من أكثر الأشياء التي أفتقدها. أشتاق إلى أن أجلس على عمل واحد حتى أنتهي منه. أشتاق إلى يوم لا يتشعب إلى عشرين اتجاهًا. أحيانًا أجلس لأقرأ، فتأتي مهمة أخرى. أبدأ بالكتابة، فيظهر أمر جديد. أفكر في مشروع، فتسبقني الحياة إلى شيء آخر.
ومع كل هذا، حين أجلس مع نفسي بهدوء، أعرف شيئًا واحدًا على الأقل.
أنني أحاول.
قد أكون مقصرًا في أشياء كثيرة. وقد لا أكون في المكان الذي تمنيت الوصول إليه حتى الآن. لكنني أعرف من داخلي أنني أحاول فعلًا. أحاول أن أحافظ على أسرتي، وأحاول أن أكون حاضرًا مع أولادي، وأحاول أن أبقى إنسانًا جيدًا وسط كل هذا التعب، وأحاول أن أقترب خطوة صغيرة من أحلامي كلما سمحت الأيام بذلك.
ربما لهذا لا أستطيع أن أقسو على نفسي كثيرًا. فالحياة ليست سهلة، والطريق ليس مستقيمًا، والأيام التي نعيشها ليست أيامًا عادية أصلًا. لذلك أتمسك بما أستطيع، وأواصل المحاولة، وأرجو من الله أن يأتي يوم أنظر فيه إلى كل هذا التعب فأجده قد تحول إلى شيء جميل يستحق الانتظار. | 785 |
| 20 | في هدوء الليل، أتأمل ملامحك الصغيرة وهي تستسلم للنوم، فأشعر أن العالم كله ينكمش حتى يصبح في حجم هذا القلب الصغير. تمسك إصبعي كأنك تتشبث بكل الأمان الذي تعرفه، وكأن وجودي بقربك وعدٌ لا تريد له أن يغيب.
كلما ارتخت يدي قليلاً، عدت تبحث عنها بعفوية بريئة، فتضمها بين كفيك الصغيرتين وتغفو من جديد. عندها أدرك أن بعض الطمأنينة لا تحتاج إلى كلمات، بل إلى حضور صادق يشعر به القلب قبل العين.
وأنا أراك نائماً، أتمنى لو أستطيع أن أحجب عنك كل ما في الدنيا من تعب، وأن أترك لك من العمر أجمله، ومن الأيام أصفاها. فخارج هذا الركن الهادئ ضجيج كثير وهموم لا تنتهي، أما هنا فثمة سلام يشبه الدعاء المستجاب.
تفتح عينيك بين حين وآخر، تنظر نحوي سريعاً لتتأكد أنني ما زلت بقربك، ثم تعود إلى نومك مطمئناً. وفي تلك اللحظة أشعر أن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان هو أن يكون موضع أمان لقلب صغير.
يا صغيري، لست تعلم كم من التعب يذوب حين أراك هادئاً، وكم من القلق يتلاشى حين ترتسم السكينة على وجهك. فأنت البهجة التي تتسلل إلى الروح دون استئذان، والنور الذي يجعل الأيام أخف وطأة وأقرب إلى القلب.
وحين تنام، أبقى أتأملك بصمت، ممتناً لهذه النعمة التي تملأ حياتي معنى، وأدعو الله أن يحفظك دائماً، وأن تبقى مطمئناً كما أنت الآن، بين دفء الحب وسكينة الأمان. | 797 |
