ar
Feedback
قناة ابن محمد الولوي (abu abdirehman)

قناة ابن محمد الولوي (abu abdirehman)

الذهاب إلى القناة على Telegram

ibnumohammed

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
549
المشتركون
+124 ساعات
+127 أيام
+2830 أيام
أرشيف المشاركات
وإنهم لم يزالوا مرتدّين منذ فارقتهم"، فعند ذاك تذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويُطفأ نورهم، فيبقَون في الظلمات، فيُقتطع بهم عن الورود، وعن جواز الصراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]، فيقال لهم: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد: 13] مكرًا وتنكيلًا؛ ليتحقّقوا مقدار ما فاتهم، فيَعْظُم أَسَفهم وحَسْرتهم - أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بالصالحين. وقال الداوديّ وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر، والبدع الذين لم يَخرُجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال القاضي عياض رحمهُ اللهُ: والأول أظهر. انتهى (1). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الباجيّ ومن معه هو الأرجح، وحاصله أن المراد بهم الذين كانوا يتظاهرون في زمنه - صلى الله عليه وسلم - أو بعده بالإسلام، وهم منافقون، يُجْعَل لهم سيما كسيما المؤمنين المخلصين، فيعرفهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بما ظهر من السيما، فيناديهم، فيقال له: "إنهم قد بدلوا بعدك"، فيقول: "سُحقًا سُحقًا"، وما ذكره بعض الشراح من أن هذا بعيد، وفيه تكلّف (1)، ليس كما قال، بل هو واضح، لا بُعْد فيه، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [591] - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، جَمِيعًا عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَة، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ"، بِمِثْلِ حَدِيثِ (2) إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي"). ✩✩✩✩✩✩✩ رجال هذا الإسناد: ثمانية: 1 - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ المدنيّ، صدوقٌ [8] (ت 186) (ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 135. 2 - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ)، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [10] (244) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 43/ 282. 3 - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [10] (ت 198) (خ م) تقدم في "الطهارة" 7/ 563. 4 - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة المذكور في الباب الماضي. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخة: "مثل حديث: إلخ"، يعني أن رواية مالك عن العلاء، مثلُ رواية إسماعيل بن جعفر، عنه. [تنبيه]: رواية مالك هذه التي أحالها المصنّف على رواية إسماعيل بن جعفر، ساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده"، ، فقال: (360) وحدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدثنيه مُطَرِّف بن عبد الله، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وَدِدتُ أني قد رأيت إخواننا"، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ" قالوا: كيف تَعْرِف مَن لم تَرَ من أمتك؟ قال: "أرأيت لو كانت لرجل خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلةٌ، في خيل دُهْم بُهْم، ألا يَعْرف خيله؟ " قالوا: بلى، قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة، غُرًّا مُحَجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، فَلَيُذادَنَّ الرجل (1) عن حوضي، كما يذاد البعير الضالّ، أناديهم ألا هَلُمّ، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بَدّلوا، فأقول: فسُحقًا فسُحْقًا فسُحْقًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. (13) - (بَابٌ "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ") ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [592] (250) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا خَلَفٌ - يَعْني ابْنَ خَلِيفَةَ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاة، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟

قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضًا غيره من المتكلمين على المعاني، قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن مَن صَحِب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ورآه مرّةً من عمره، وحَصَلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعدُ، فإن فضيلة الصحبة لا يَعْدِلها عمل، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه" متّفقٌ عليه، قال: وحجة الآخر عن هذا أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لبعضهم عن بعض، فدلّ أن ذلك للخصوص، لا للعموم. انتهى كلام القاضي رحمهُ اللهُ (1). وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ بعد ذكره أن ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ قال: إنه يكون فيمن بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صَحِب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ورآه ولو مرّةً من عمره أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعْدلها عملٌ، وهذا هو الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار إلى خلافه؛ لأمور: [أولها]: مزيّة الصحبة، ومشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام. [وثالثها]: خُصوصيّة الذبّ عن حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [ورابعها]: فضيلة الهجرة والنُّصرة. [وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم. [وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام. [وثامنها]: أن كلّ خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً كان له أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة"، رواه مسلم، ولا شكّ في أنهم الذين سَنُّوا جميع السنن، وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصِرت لملأت أسفارًا، ولكلّت الأعين بمطالعتها حَيَارى. وعلى هذه الجملة قال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - مرفوعًا: "إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعةً - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا - فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلّهم خير" (1). وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه"، متّفق عليه. وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى عليهم جملةً، وتفصيلًا، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إخواننا"، فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأن لهم الأخوّة اليقينيّة العامّة، وانفردت الصحابة بخصوصيّة الصحبة. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "للعامل منهم أجر خمسين منكم"، فلا حجة فيه؛ لأن ذلك إن صحّ إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - صلى الله عليه وسلم - في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون"، ولا بُعْد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمهُ اللهُ (2). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ رحمهُ اللهُ في هذا البحث، وأفاد، وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور أن مَن بعد الصحابة - رضي الله عنهم - لا يساويهم في الفضل، وإن عَمِل ما عَمِل؛ لأن رتبة الصحبة، لا يعادلها شيء من الفضائل، على اختلاف أنواعها، وأشكالها. والحاصل أن الصحابة - رضي الله عنهم - كلّهم، السابقون واللاحقون أفضل من جميع من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، وإن بلغ في العبادة ما يبلغ، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنهم قد بدّلوا بعدك": قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: اختلفوا في ذلك، فالذي صار إليه الباجيّ وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناسٌ نافقوا، وارتدّوا من الصحابة وغيرهم، فيُحشرون في أمّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما تقدّم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها"، وعليهم سيماء هذه الأمة، من الغرّة والتحجيل، فإذا رآهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: "ألا هلُمّ"، فإذا انطلقوا نحوه حِيلَ بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "يا ربّ أمتي أمتي"، وفي لفظ آخر: "أصحابي"، فيقال له إذ ذاك: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك،

10 - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر رحمهُ اللهُ: هذا الحديث فيه دلالة على أن كلَّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض الْمُبْعَدِين عنه، وأشدُّهم طردًا مَن خالف جماعةَ المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فِرَقِها، والروافض على تبايُن ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدِّلون، وكذلك الظّلَمَةُ المسرِفُون في الجور والظلم، وتطميس الحقّ، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستَخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهل الزيغ والأهواء والبِدَع، كلُّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر، ولا يُخَلَّد في النار إلا كافرٌ جاحدٌ، ليس في قلبه مثقالُ حبة خردل من إيمان، وقد قال ابن القاسم رحمهُ اللهُ: قد يكون من غير أهل الأهواء مَن هو شَرٌّ من أهل الأهواء، وكان يقال: تمامُ الإخلاص تَجَنُّب المعاصي. انتهى (1). 1 1 - (ومنها): ما قاله أبو عمر رحمهُ اللهُ أيضًا: وأما قوله: "فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من الوضوء"، ففيه دليلٌ على أن الأمم أتباعَ الأنبياء، لا يتوضؤون مثل وضوئنا على الوجه، فاليدين، فالرجلين؛ لأن الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين، هذا ما لا مَدْفَع فيه على هذا الحديث، إلا أن يَتَأَوَّل مُتَأَوِّلٌ هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يُكْسِبها غُرَّةً، ولا تحجيلًا، وأن هذه الأمة بُورك لها في وضوئها بما أُعطيت من ذلك شرفًا دائمًا، ولنبيها - صلى الله عليه وسلم -، كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيها - صلى الله عليه وسلم - بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء، والله أعلم. وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون، فيَكسِبون بذلك الغُرَّة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء، كما خُصَّ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بأشياء دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير صداق، والوصالُ، وغيرُ ذلك، فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة، أن تُشبِه كلُّها الأنبياءَ. انتهى كلام أبي عمر رحمهُ اللهُ. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن يقال: إن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خُصّت هي بالغرّة والتحجيل، كما هو صريح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكم سيما ليست لأحد من الأمم"، فإنه صريح في اختصاصها بهذه السيما، مع أنه أثبت الوضوء في الأمم السابقة، كما في قصّة سارة، وجُريج الراهب، كما تقدّم بيان ذلك. 1 1 - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يدري ما أحدثته أمته بعد موته. [فإن قيل]: إن هذا يعارضه ما روي من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حياتي خير لكم، تُحْدِثون، ويُحْدَث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرًا لكم، تُعْرَض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حَمِدت الله، وإن رأيت شرًّا استغفرت لكم" (1). [أجيب]: بأن هذا الحديث مرسلٌ، فلا يعارض ما في "الصحيحين"، وعلى تقدير صحّته، كما هو رأي بعضهم، يمكن أن يُجمع بأن الأعمال تُعرض عليه عرضًا مجملًا، دون تعيين فاعلي الخير والشر، والله تعالى أعلم. 12 - (ومنها): أنه - صلى الله عليه وسلم - يذود غير المسلمين، ويُبعدهم عن حوضه. [فإن قيل]: كيف يطرد الناس عنه، وهو - صلى الله عليه وسلم - أكرم الناس؟ . [أجيب]: بأن هذا الذود ليس بخلًا، وإنما القصد منه إرشاد كلّ أحد إلى حوض نبيّه، كما سبق أن لكلّ نبيّ حوضًا، وأنهم يتباهون بكثرة من يرده من أتباعهم، فيكون ذلك الذود منه - صلى الله عليه وسلم - من إنصافه، ورعاية جانب إخوانه النبيين عليهم السلام. ويَحْتمل أن يطرُد من لا يستحقّ الشرب من الحوض، والعلم عند الله تعالى (2). 13 - (ومنها): أن فيه بيان ما أطلع الله عزَّ وجلَّ نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمه من الأمور الغيبيّات المستقبلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال القاضي عياض رحمهُ اللهُ: ذهب أبو عُمَر بن عبد البر رحمهُ اللهُ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة مَن هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم قرني" على الخصوص، وإن كان مخرجه العموم، أو معناه: خير الناس في قرني، يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمة، وهم المرادون بالحديث، وأما مَن خَلّط في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وإن رآه، وصَحِبه، ولم يكن له سابقة، ولا أثرٌ في الدين، فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول مَن يَفْضلُهم، على ما دلت عليه الآثار.

[تنبيه]: اشتهر اختصاص نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من حديث سمرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل نبيّ حوضًا، وإنهم يَتَباهون أيُّهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً" (2). قال الحافظ رحمهُ اللهُ: فإن ثبت أن لكلّ نبيّ حوضًا فالمختصّ بنبيّنا - صلى الله عليه وسلم - الكوثر، أي النهر الذي يصبّ من مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر، والله تعالى أعلم (3). 3 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمهُ اللهُ في "المفهم" تبعًا للقاضي عياض: مما يجب على كلّ مكلّف أن يَعلمه، ويُصدّق به أن الله عزَّ وجلَّ قد خصّ نبيّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ؛ إذ رَوَى ذلك عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة - رضي الله عنهم - نيّف وثلاثون، منهم في "الصحيحين" ما يَنيف على العشرين، وفي غيرهما بقيّة ذلك مما صحّ نقله، واشتهر رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهَلُمّ جرًّا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنّة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة (1)، وأحالوه على ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير استحالة عقليّة، ولا عاديّة تَلْزِم من حمله على ظاهره، وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخَرَقَ من حرّفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. انتهى. 4 - (ومنها): استحباب الخروج إلى المقابر، وزيارة القبور، وهذا أمر مجمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء، وقد ثبت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا، فإنها تُذَكِّر الآخرة"، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح، والصحيح أنه جائز للنساء أيضًا على الوجه المشروع، وهو السلام على المقبور، والدعاء له، وتذكّر الآخرة، ولا يطلب منه قضاء حاجته، ولا يناديه لذلك، ولا يستغيث به، وهذا من الْهُجْر أي الْفُحش الذي نهى عنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المذكور، وسأستوفي البحث في هذا بذكر الأدلة الشاملة للرجال والنساء في موضعه من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى. 5 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمهُ اللهُ: في تسليمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل القبور بيان مشروعيّة ذلك، وفيه معنى الدعاء لهم، ويدلّ أيضًا على حُسن التعاهد، وكرَم العهد، وعلى دوام الحرمة، ويحتمل أن يردّ الله تعالى أرواحهم، فيسمعون، ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ رحمهُ اللهُ حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: "ما من مسلم يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيُسلّم عليه، إلا ردّ عليه السلام من قبره". انتهى (2). 6 - (ومنها): أن فيه بِشارةً عظيمةً لهذه الأمة - زادها الله تعالى شَرَفًا - حيث كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَطها على الحوض، فهنيئًا لَمن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَرَطَه، فما أكبر الفوز العظيم. 7 - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر رحمهُ اللهُ: قد احتج به مَن ذَهَب إلى أن أرواح الموتى على أفنية القبور، والله أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بسلامه عليهم، وقد نادى أهلَ القليب ببدر، وقال: "ما أنتم بأسمع منهم، إلا أنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا"، قيل: إن هذا خصوص، وقيل: إنهم لم يكونوا مقبورين؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، وما أدري ما هذا؟ وقد رَوَى قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - في الميت حين يُقْبَر أنه يسمع خَفْقَ نِعَالهم إذا وَلَّوا عنه مدبرين، وهذه أمور لا يُستطاع على تكييفها، وإنما فيها الاتباع والتسليم. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في موضعها من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى. 8 - (ومنها): أن فيه جواز تمنِّي الخير، ولقاءِ الفضلاء، وأهلِ الصلاح. 9 - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ رحمهُ اللهُ: دلّ بإثبات الأخوّة لهؤلاء على علوّ مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخريّة، كما حاز - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه فضيلة الأوليّة، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء"، وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله: "رَحِمَ الله خلفائي" (1)، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: "القابض على دينه كالقابض على الجمر" (2)، وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفَطِن استخراجه من الأحاديث.

رجلان، وهَلُمُّوا يا رجال، وللمرأة هلمّي، وللمرأتان هَلُمّتا، وللنسوة هَلْمُمْنَ، قال ابن السِّكِّيت وغيره: الأولى أفصح كما قدمناه، ذكره النوويّ (2). وقال الفيّوميّ رحمهُ اللهُ: "هَلُمّ" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل: أصله لُمَّ من الضمِّ والجمع، ومنه: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسَكَ إلينا، و"ها" للتنبيه، وحُذِفت الألف؛ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِدَ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمةً واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: {وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}، وفي لغة نجد تَلحَقها الضمائر، وتُطابِقُ، فيقال: هَلُمي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يَجعلونها فعلًا، فيُلحقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُومَا، وقوموا، وقُمْنَ، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجمع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ، وإلحاق الضمائر من لغة تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: {هَلُمَّ إِلَيْنَا}؛ أي أَقْبِلْ، ومُتعَدِّيةً، نحو: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ}: أي أحضِرُوهم. انتهى (3). (فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا) أي غيّروا دينهم (بَعْدَكَ) أي بعد مفارقتك لهم بالموت، وفي رواية: "وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ "، وفي رواية البخاريّ: "لا تدري ما أحدثوا بعدك"، وفي رواية له: "إنك لا عِلْمَ لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى". (فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا") أي بعدًا بعدًا، قال النوويّ رحمهُ اللهُ: هكذا هو في الروايات "سُحْقًا سُحْقًا"، مرتين، ومعناه: بُعْدًا بُعْدًا، وكرّره للتأكيد، والمكان السَّحِيق: البعيد، وفي "سُحْقًا" لغتان، قُرِئ بهما في السبع: إسكان الحاء، وضمها، قرأ الكسائيّ بالضمّ، والباقون بالإسكان، ونُصِب على تقدير: أَلْزَمَهُم الله سُحْقًا، أو سَحَقَهُم سُحْقًا. انتهى (1). وقال الحافظ أبو عمر رحمهُ اللهُ: معنى "سُحْقًا": بُعْدًا، والسُّحْقُ والْبُعْد، والإسحاق، والإبعاد سواء، بمعنى واحد، وكذلك النَّأْيُ، والبُعْدُ لفظتان بمعنى واحد، إلا أن سُحقًا وبُعْدًا هكذا إنما تجيء بمعنى الدعاء على الإنسان، كما يقال: أبعده الله، وقاتله الله، وسَحَقه الله، ومَحَقَه، وأسحقه أيضًا، ومن هذا قول الله عزَّ وجلَّ: {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} يعني: بعيد، وكلُّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، والله أعلم. انتهى (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا من أفراد المصنّف رحمهُ اللهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [12/ 590 و 591] (249)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (150)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (4306)، و (أحمد) في "مسنده" (2/ 300 و 408)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (6)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (1046)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (360 و 361)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (582 و 583)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (1/ 82 - 83)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (151)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: 1 - (منها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء. 2 - (ومنها): إثبات حوض النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف العلماء في وقت وروده ومكانه، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، واحتجّوا بما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن أنس - رضي الله عنه -، قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أوّلّ ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض" (1). وقد استُشكِلَ كون الحوض بعد الصراط بما جاء في أحاديث الباب من أن جماعةً يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدونه، ويُذهب بهم إلى النار، ووجه الاستشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُردّ إليها؟ . ويمكن أن يُجاب بأنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه، ويرون النار، ويراهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فيُناديهم، فيُدفَعُون إلى النار. وسيأتي تحقيق المسألة، واستيفاء مباحثها بذكر أدلّتها في موضعها المناسب لها إن شاء الله تعالى.

بلى، فمعناه التقرير والإثبات، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فلا تكن من الغافلين. (قَالَ) - صلى الله عليه وسلم - (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ) تقدّم البحث فيهما مستوفًى قريبًا (مِنَ الْوُضُوءِ) أي من أثر الوضوء، وهو بضمّ الواو، وفتحها، كما تقدّم بيانه قريبًا. (وَأَنَا فَرَطُهُمْ) - بفتحتين - أي أنا فَرَطُ أولئك الإخوان، أي متقدّمهم، قال الفيّوميّ رحمهُ اللهُ: "الْفَرَطُ" - بفتحتين -: المتقدّم في طلب الماء، يُهيّئ الدِّلاء والأَرْشَاءَ، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَدَ: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ومنه يقال للطفل الميتِ: "اللهم اجعله فَرَطًا": أي أجرًا متقدّمًا. انتهى (4). وقال ابن منظور رحمهُ اللهُ: "الْفَارطُ"، و"الْفَرَط" بالتحريك: المتقدّم إلى الماء، يتقدّم الواردة، فيُهَيِّيءُ لهم الأَرْسَانَ، والدِّلاء، ويملأُ الْحِيَاض، ويَستقي لهم، وهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، مثلُ تَبَعٍ بمعنى تابع، ورجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ورجلٌ فارطٌ، وقومٌ فُرّاط. انتهى باختصار (1). وقال الحافظ أبو عمر رحمهُ اللهُ: قوله: "وأنا فرطكم على الحوض" فالفَرَط والمتفارط: هو الماشي المتقدم أمامَ القوم إلى الماء، هذا قول أبي عبيدة وغيره، وقال ابن وهب: "أنا فَرَطكم" يقول: أنا أمامكم، وأنتم ورائي، تتبعوني، واستشهد أبو عبيدة وغيره على قوله: الفارط المتقدم إلى الماء بقول الشاعر [من الكامل]: فَأَثَارَ فَارِطُهُم غَطَاطًا جُثَّمًا أَصْوَاتُهُ كَتَرَاطُنِ الْفُرْسِ وقال القطاميّ [من البسيط]: فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وقال لبيد [من الرمل]: فَوَرَدْنَا قَبْلَ فُرَّاطِ الْقَطَا إِنَّ مِنْ وِرْدِيَ تَغْلِيسُ النَّهَلْ الفارط: السائر إلى الماء، أي أغلس، ومَشَى بليل، والنَّهَل: الشربة الأولى. وقال آخر [من الرجز]: وَمَنْهَلٍ وَرَدتُهُ الْتِقَاطَا لمَ أَلْقَ إِذْ وَرَدتُهُ فُرَّاطَا إِلَّا الْقَطَا أَوَابِدًا غِطَاطَا (2) وقال ابن هرمة [من الكامل]: ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ فَرَطًا وَبَقِيتُ كَالْمَغْمُورِ فِي خَلَفِ وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مات ابنه إبراهيم: "لولا أنه وَعْدٌ صادق، وأن الماضي فَرَطٌ للباقي"، وقال له أيضًا: "الْحَقْ بِفَرَطنا عثمان بن مظعون". [تنبيه]: رَوَى حديث: "أنا فرطكم على الحوض" عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جماعة من أصحابه، منهم ابن مسعود، وجابر بن سمرة، والصُّنابح بن الأعسر، وجندب، وسهل بن سعد، وغيرهم؛ قاله ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ (1). وقوله: (عَلَى الْحَوْضِ) أي إليه، فـ"على" بمعنى "إلى"، ويَحْتَمل أن يُقدَّر هنا فعل يدلّ عليه سياق الكلام، تقديره: فيجدوني على الحوض؛ قاله القرطبيّ (2). (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَيُذَادَنَّ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، والفعل مبنيّ للمفعول، مؤكّد بالنون المشدّدة، أي لَيُمنعنّ، ولَيُطْرَدَنّ (رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي) أي عن وروده. وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: قوله: "الا لَيُذادنّ" كذا روايته هنا من غير خلاف، واختُلف فيه في "الموطّأ": فرُوي "فَلَيُذادنّ" بلام القسم، ورُوي: "فلا يُذادنّ" بـ "لا" النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قَسَمٍ محذوف، تقديره: فوالله لَيُذادنّ، وبـ "لا" يكون من باب لا أرينّك ها هنا، أي لا يتعاطى أسباب الذَّوْد عن حَوْضي، ومعنى "لَيُذادنّ" لَيُدْفعنّ، والذَّودُ: الدفع. انتهى كلام القرطبيّ (3). وقال ابن الأثير رحمهُ اللهُ: معنى: "فلا يذادنّ رجلٌ"، على النهي، أي لا يفعل أحد فعلًا يُطْرَد به عن حوضي (4)، قال: والأول أشبه. انتهى (5). وقال ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ: قوله: "فليُذادنّ": أي فليُبعدنّ، ولَيُطردنّ، قال زهير [من الطويل]: وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضهِ بِسِلَاحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ وقال الراجز: يَا أَخَوَيَّ نَهْنِهَا (6) وذُودَا إِنِّي أَرَى حَوْضَكُمَا مَوْرُودَا (كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ) أي الغريب، فهو كقوله في الحديث الماضي: "إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه". وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: وجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضالّ والغريب، وكلُّ واحد من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه، ودافعوه، حتى لقد صار هذا مثلًا شائعًا. انتهى (1). (أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) معناه: تَعَالَوْا، قال أهل اللغة: في "هَلُمَّ" لغتان: أفصحهما: هَلُمّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين، بصيغة واحدة، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ}، {وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}، واللغة الثانية: هَلُمَّ يا رجل، وهلمّا يا

(غُرٌّ) بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء: جمع أَغَرّ، وهو الأبيض الوجه. وقال في "اللسان": "الغُرّة" - بالضم - بياض في الجبهة، وفي "الصحاح": في جبهة الفرس، فَرَسٌ أغَرُّ، وغَرّاء، وقيل: الأغرّ من الخيل: الذي غُرّته أكبر من الدرهم، قد وَسَطت جبهته، ولم تُصِب واحدةً من العينين، ولم تَمِل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلًا، وهي أفشى من الْقُرْحة، والقُرْحَة قدر الدرهم فما دونه، وقال بعضهم: بل يقال للأغَرّ: أغرُّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أغر، فلا بدّ من أن تصف الغُرّة بالطول والعرض، والصغر والعِظَم، والدِّقّة، وكلُّهُنّ غُرَرٌ، فالغُرّة جامعة لهنّ؛ لأنه يقال: أغرّ أقرح، وأغرّ مُشَمْرَخُ الغُرَّة، وأغرُّ شادخُ الغرّة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس جامع لأنواع، من قُرْحة، وشِمْراخ ونحوهما، وغُرّة الفرس: البياض الذي يكون في وجهه، فإن كانت مُدَوَّرةً فهي وَتِيرَةٌ، وإن كانت طويلةً فهي شادِخَةٌ، قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفسُ القدر الذي يَشْغَلُه البياض من الوجه، لا أنه البياض. انتهى ما في "اللسان" باختصار (1). (مُحَجَّلَةٌ) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضّت قوائمه، وجاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، ذلك موضع التحجيل فيه؛ قاله الفيّوميّ (2). وقال الجوهريّ رحمهُ اللهُ: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاثٍ منها، أو في رجليه، قَلَّ أو كَثُرَ بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين؛ لأنها مواضع الأَحْجال، وهي الخلاخيل والقيود، يقال: فَرَسٌ مُحَجَّلٌ، وقد حُجِّلت قوائمه تحجيلًا، وإنها لذاتُ أَحْجال، فإن كان في الرجلين فهو مُحَجَّل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه، وجاوز الأرساغ فهو محجل الرجل اليمنى، أو اليسرى، فإن كان مُحَجّل يَدٍ ورجلٍ من شِقّ، فهو مُمْسَكُ الأيامن، مُطْلَق الأياسر، أو مُمْسَك الأياسر، مطلق الأيامن، وإن كان من خلاف قَلّ أو كثر، فهو مشكول، قال الأزهريّ: وأَخْذُ تحجيل الخيل من الْحِجْل، وهي حَلْقَةُ الْقَيد، جُعِل ذلك البياض في قوائمها بمنزلة القيود. وقال أبو عبيدة: "الْمُحَجَّل": من الخيل أن تكون قوائمه الأربع بِيضًا، يبلغ البياض منها ثُلُث الوظيف، أو نصفه، أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يبلغ الركبتين والعُرْقوبين، فيقال: مُحَجَّل القوائم، فإذا بلغ البياض من التحجيل ركبة اليد، وعُرقوب الرجل، فهو فَرَسٌ مُجَبَّبٌ، فإن كان البياض برجليه دون اليد، فهو محجل إن جاوز الأرساغ، وإن كان البياض بيديه دون رجليه، فهو أعصم، فإن كان في ثلاث قوائم دون رجل، أو دون يد، فهو محجل الثلاث، مطلق اليد أو الرجل، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد ولا يدين، إلا أن يكون معها أو معهما رجل أو رجلان. انتهى (1). (بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) تثنية "ظهر"، أي بينهم، يقال: فلانٌ نازلٌ بين ظهريهم، وبين أَظْهُرِهم، وبين ظَهْرانيهم، بزيادة الألف والنون للتأكيد، كلّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله "ظهر" في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف (2). (دُهْمٍ) بالجرّ صفة لـ"خيل"، وهو بضمّ، فسكون: جمع أدهم، وهو الأسود، وَالدُّهْمة: السواد؛ قاله النوويّ (3). وقال في "المصباح": "الدُّهْمَةُ": السواد، يقال: فرَسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقةٌ دَهْماءُ: إذا اشتدّت وُرْقَتُهُ حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دَهْماءُ: خالصة الْحُمْرة. انتهى (4). وفي "اللسان" بعد ذكر نحو عبارة "المصباح": فإن زاد على ذلك حتى اشتدّ السواد، فهو جَوْنٌ، وقيل: الأدهم من الإبل: نحو الأصفر، إلا أنه أقلّ سوادًا. انتهى (5). (بُهْمٍ) بالجرّ أيضًا صفة لـ"خيلٍ" بعد صفة، وهو بضمّتين، أو بضمّ، فسكون، وهو الأشهر للازدواج، وهو جمع بَهِيم، وهو في الأصل الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه؛ قاله ابن الأثير (1). وقال النوويّ: "الْبُهم": قيل: السُّودُ، وقيل: البُهم الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصًا، وهذا قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم السجستانيّ، وغيرهما. انتهى (2). وقال في "اللسان": لونٌ بَهِيمٌ: لا يُخالطه غيره، وقيل: البهيم: الأسود، والبهيم من الخيل: الذي لا شِيَةَ فيه، الذكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ، والجمعُ: بُهُمٌ، مثل رَغِيف ورُغُف، ويقال: هذا فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ، وهذه فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ بغير هاء، وهو الذي لا يُخالط لونه شيءٌ سوى مُعظم لونه. انتهى (3). (أَلَا يَعْرِفُ) ذلك الرجل (خَيْلَهُ؟ ") الغُرّ المحجّلة، فالهمزة للتقرير، ولذا (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي يعرف خيله، فإن "بلى" حرف إيجاب، لا تقع إلا بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتوجب نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ: بلى، فمعناه إثبات القيام له، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت:

انتهى (1). (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه - صلى الله عليه وسلم - (أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - صلى الله عليه وسلم - ("أَنْتُمْ أَصْحَابِي) قال الباجيّ رحمهُ اللهُ: لم يَنفِ بذلك أُخوّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما مَنَع أن يُسمَّوا بذلك؛ لأن التسمية والوصف على سبيل الثناء والمدح للمسمَّى يجب أن يكون بأرفع حالاته، وأفضل صفاته، وللصحابة - رضي الله عنهم - بالصحبة درجة رفيعةٌ، لا يَلحَقهم فيها أحدٌ، فيجب أن يوصفوا بها. انتهى (2). وقال النوويّ رحمهُ اللهُ: قال الإمام الباجيّ رحمهُ اللهُ: ليس نفيًا لأُخُوَّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحابةٌ، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. (وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ") "إخواننا" مبتدأ خبره الموصول، قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ: ظاهر هذا الكلام أن إخوانه - صلى الله عليه وسلم - غير أصحابه، فأصحابه هم الذين رأوه، وصحبوه مؤمنين، وإخوانه هم الذين آمنُوا به، ولم يروه، وقد جاء منصوصًا عنه - صلى الله عليه وسلم -، والإخوان والإخوة هنا معناهما سواءٌ، وقد قُرِئت: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الآية [الحجرات: 10]، و"بين إخوتكم"، و"بين إخوانكم"، وقد رُوي عن الحسن البصريّ أنه قرأ بهذه الثلاث (1)، قرأ {بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، و"إخوتكم"، و"إخوانكم"، قال أبو حاتم: والمعنى واحد، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقوله: {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} الآية [النور: 61]، إلا أن العامة أُولعَت بأن تقول: إخوتي في النسب، وإخواني في الصداقة. وممن قرأ: "فأصلحوا بين إخوانكم" ثابت البنانيّ، وعاصم الجحدريّ، ورُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، ويعقوب: "إخوتكم"، وقراءة العامّة: {أَخَوَيْكُمْ} على اثنين في اللفظ. وأما الأصحاب: فمن صَحِبَك وصحبته، وجائز أن يُسَمَّى الشيخُ صاحبًا للتلميذ، والتلميذ صاحبًا للشيخ، والصاحب: القرين المماشي المصاحب، فهؤلاء كلهم أصحابٌ، وصحابة. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمهُ اللهُ (2). وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد هذا الوقت، يعني أنهم لم يوجدوا معه "الآن"، وكلمة "بَعْدُ" قد يراد بها الآن، كما في قول بعضهم [من الطويل]: كَمَا قَدْ دَعَانِي فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ أي الآن: قاله المرتضى في "شرح القاموس" (3). وَيَحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالًا، أي: حال كون وقتهم بعد وقتنا هذا. وأُورد: كيف يتمنّى رؤيتهم، وهو حيّ، وهم حينئذ في علم الله تعالى، لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يُرى، وأيضًا هو من تمنّي ما لا يكون؛ لأن عمره لا يمتدّ حتى يرى آخرهم؟ . وأُجيب: بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلّق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل، بمعنى أن يُمثّلوا له كما مُثّلت له الجنّة في عُرْض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون كما زُويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها؛ كرامةً من الله له. وأُورد أيضًا على أن المراد بعد الموت: أنه يلزم منه تمنّي الموت، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنّيَنّ أحدكم الموت". وأُجيب: بمنع الملزوميّة، وإن سُلّمت فالمنع لِمَا قال: "لِضُرّ نزل به". قال الأبيّ رحمهُ اللهُ: وهذا كلّه على أنه تَمَنٍّ حقيقيّ، وقد لا يكون حقيقةً، وإنما هو تشريفٌ لقدر أولئك الإخوان. انتهى (1). (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون المخاطبون بهذا الكلام (كَيْفَ تَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أي كيف تعرف يوم القيامة (مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ) "من" موصولة مفعول "تَعرِف"، و"بعدُ" مبنيّ على الضمّ كسابقه، أي من يولد بعد وفاتك، أو وُلد ولكن لم تره في الدنيا، قال السنديّ رحمهُ اللهُ: كأنهم فَهِموا من تمنّي الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوّة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإن ما يُتمنَّى عادةً لا يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابةً، وفَهِموا من قوله: "وأنا فَرَطهم" أنه يَعرِفهم في الآخرة، فسألوه عن كيفيّة ذلك. انتهى (2). (مِنْ أمّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا عن سؤالهم هذا ("أَرَأَيْتَ) أي أخبرني، والخطاب مع كلّ من يصلح له من الحاضرين، أو السائلين، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذه الكلمة (لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ) "الخيل" أُنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُول، وسُمّيت بذلك؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا؛ قاله الفيّومي (3).

وأما ما قاله بعضهم من لزوم تقديم المبتدأ على الخبر في السلام على الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهليّة من تقديم الخبر على المبتدأ في تحيّة الموتى، كما قال شاعرهم [الطويل]: عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا فبعيدٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يُقِرّ أحدًا على ما يُخالف الشريعة. فتبيّن بهذا أن السنّة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدأ على الخبر، وأنه يجوز في تحيّة الموتى تقديم الخبر (1)، والله تعالى أعلم. (دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) بنصب "دار" على الاختصاص، أو النداء المضاف، والأول أظهر، ويصحّ جرّه على البدل من الضمير المجرور في "عليكم"، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين: الجماعة، أو الأهل، وعلى الأول مثله، أو أهل المنزل، قال الأبيّ: يعني الاختصاص اللغويّ، لا الصناعيّ؛ لفقد شرطه، وهو تقديم ضمير المتكلّم، أو المخاطب. انتهى. وسُمّيت القبور دارًا؛ تشبيهًا لها بمساكن الأحياء؛ لأنهم يجتمعون في القبور (2). (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) قال الحافظ أبو عمر رحمهُ اللهُ: في معناه قولان: [أحدهما]: أن الاستثناء مردود على معنى قوله: "دار قوم مؤمنين": أي وإنا بكم لاحقون مؤمنين - إن شاء الله - يريد في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها مؤمنٌ، ألا ترى إلى قول إبراهيم؛ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، وقول يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]. [والوجه الثاني]: أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بُدّ من وقوعها، كالموت، والكونُ في القبر، ولا بُدّ منه ليس على سبيل الشكّ، ولكنها لغة العرب، ألا ترى إلى قول الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27]، والشكُّ لا سبيل إلى إضافته إلى الله عزَّ وجلَّ، تعالى عن ذلك علام الغيوب. انتهى (1). وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: هذا الاستثناء يحتمل أوجهًا: [أحدها]: أَنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24]، فكان يُكثر من ذلك حتى أدخله فيما لا بدّ منه، وهو الموت. [وثانيها]: أنه أراد إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بما آل أمره، كما قال: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]. [وثالثها]: أن يكون استثناءً في الواجب، كما قال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27]، وتكون فائدته التفويض المطلق. [ورابعها]: أن يكون أراد: لاحقون في هذه البقعة الخاصّة، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة، ويُدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم"، رواه مسلم، لكن لم تُعيّن له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذُكر، وكلّها أقوال لعلمائنا. انتهى كلام القرطبيّ رحمهُ اللهُ (2). وقال النوويّ رحمهُ اللهُ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقيل: معناه إذ شاء الله، وقيل أقوال أُخَرُ ضعيفةٌ جدًّا تركتها؛ لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها: قولُ من قال: الاستثناء منقطعٌ، راجع إلى استصحاب الإيمان، وقولُ مَن قال: كان معه - صلى الله عليه وسلم - مؤمنون حقيقة، وآخرون يُظَنُّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين فهما خطأٌ ظاهرٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ (3). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي ما رجحه القرطبيّ رحمهُ اللهُ، وهو أن الاستثناء للبقعة التي يُدفن فيها؛ لأنها ليست معيّنة، فيحتمل أن يدفن في البقيع الذي زار أهله، ويحتمل أن يكون في محلّ آخر، كما هو الواقع بعد ذلك، فالاستثناء راجع إلى هذا المبهم، والله تعالى أعلم. (وَدِدْتُ) بكسر الدال: أي تمنّيتُ وأحبيتُ، ووجه اتّصال وُدّه برؤية أصحاب القبور أنه جاء تصوّر اللاحقين بتصوّر السابقين، وقيل: كُشف له - صلى الله عليه وسلم - عالم الأرواح كلّها (أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا") معناه: تمنّيتُ رؤيتنا إخواننا في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض رحمهُ اللهُ: وقيل: المراد تمني لقائهم بعد الموت، وقال بعضهم: أراد - صلى الله عليه وسلم - أن ينقُل أصحابه من علم اليقين إلى عين اليقين، فيراهم هو ومن معه. وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ: هذا يدلّ على جواز تمنّي لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوّة هي أخوّة الإيمان اليقينيّ، والحبّ الصحيح للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة - رضي الله عنه - هذا من أفراد المصنّف رحمهُ اللهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [12/ 589] (248)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (4302)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (7241)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (581)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [590] (249) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا"، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ"، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَن رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ، مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوء، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي، كمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: ألَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"). ✩✩✩✩✩✩✩ رجال هذا الإسناد: ثمانية: 1 - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [10] (ت 234) عن (77) سنة (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" 2/ 110. 2 - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [10] (ت 235) (خ م س) تقدم في "الإيمان" 25/ 209. 3 - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [10] (ت 240) (ع) تقدم في "المقدمة" 6/ 50. 4 - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [9] (ت 244)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" 2/ 6. 5 - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [8] (ت 180) (ع) تقدم في "الإيمان" 2/ 110. 6 - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وهم [5] (ت بضع و 130) (ز م 4) تقدم في "الإيمان" 8/ 135. 7 - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، مولى الْحُرَقة المدنيّ، ثقةٌ [3] (ع) تقدم في الإيمان 8/ 135. 8 - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - رضي الله عنه - تقدم في "المقدّمة" 2/ 4. لطائف هذا الإسناد: 1 - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمهُ اللهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ، قَرَن بينهم. 2 - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما سبق آنفًا. 3 - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه. 4 - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا، والله تعالى أعلم. ✩✩✩✩✩✩✩ شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي الله عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء، والكسر أقلّها، وهي مواضع دفن الموتى (1)، والمراد بالمقبرة هنا مقبرة البقيع؛ لما أخرجه المصنّف من حديث عائشة - رضي الله عنها -، أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلّما كانت ليلتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرُج إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين " الحديث. (فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وفي رواية أحمد: "سلام عليكم"، وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يُقدَّم فيه المبتدأ على الخبر، كالسلام على الأحياء، ويُقدَّم الدعاء على المدعوّ له، فإن السلام متضمّنٌ للدعاء، ونظيره قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} الآية [هود: 73]، ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود في "باب كراهية أن يقول: عليك السلام" من "كتاب الأدب" عن أبي جُرَيّ الْهُجَيميّ - بالتصغير فيهما - قال: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى"؛ لأن معناه أن هذه الصيغة تختصّ بالموتى، وأما "السلام عليكم" فمُشترك.

والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ) اللام هي الموطّئة للقسم، و"يُصَدّنّ" بضمّ الياء، وفتح الصاد المهملة، مبنيًّا للمفعول، وهو مبنيّ على الفتح؛ لاتّصاله بنون التوكيد، و"طائفة" نائب فاعله: أي لَيُمنَعَنّ جماعة، ومعمول "يَصِلون" محذوف، أي فلا يصلون إليّ، بل يُحال بينهم وبين الوصول إلى الحوض. وفي رواية البخاريّ: "لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام، أعرِفهم، وَيَعْرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم"، وفي رواية له أيضًا: "ويرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُحَلَّئُون (1) عن الحوض"، وفي رواية: "فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ فقال. : إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ بيني وبينهم، فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل همل النعم" (2). وقوله: (هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي) أي فَلِمَ يُمعنون من ورود حوضي؟ . وقوله: (فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ) قال النوويّ رحمهُ اللهُ: هكذا هو في جميع الأصول، "فيُجيبني" بالباء الموحّدة، من الجواب، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة، إلا ابن أبي جعفر من رواتهم، فإنه عنده "فيجيئني"، بالهمز من المجيء، والأول أظهر، والثاني له وجه، والله تعالى أعلم. انتهى (1). (فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ ) وفي الرواية الآتية بعد حديث: "إنهم قد بدّلوا بعدك"، وسيأتي البحث فيه مستوفًى هناك - إن شاء الله تعالى - وتخريجه تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [589] (248) - (وَحَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ الْوُضُوء، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ"). ✩✩✩✩✩✩✩ رجال هذا الإسناد: خمسةٌ: 1 - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [10] (ت 239) وله (83) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" 6/ 72. 2 - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [8] (ت 189) (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 6. 3 - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) هو: أبو مالك الأشجعيّ المذكور في الحديث الماضي. 4 - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، آخره شين معجمة - أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [2] (ت 100) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2. 5 - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حِسْل، أو حُسَيل الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي الله عنه -، مات سنة (36) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ 2 ص 457. وقوله: ("إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) يعني أن بُعْد ما بين طرفي حوضه - صلى الله عليه وسلم - أزيد من بُعْد أيلة من عدن، وهما بلدان ساحليّان في بحر القلزم، أحدهما، وهو أيلةُ في شمال بلاد العرب، والآخر، وهو عَدَن في جنوبها، وهو آخر بلاد اليمن مما يلي الهند. وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف، ولا ضرورة، ودلائله كثيرة (1). وقوله: (لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ) أي لأمنعنّ عن الحوض. وقوله: (كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ") الإبل الغريبة هي التي لا يُعرف صاحبها، كما قال في الحديث الآخر: "كما يُذاد البعير الضالّ"، فهي تَرْعَى مع الإبل، وتُزاحم واردتها على حوضها، فصاحب الإبل يضربها جُهْده، ويَطرُدها حتى يَسقِيَ إبله، وهي تترامى بالعطش، وهو يَصُدّها، ولذلك ضرب المثل بضربها، وقال الحجّاج: لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل، قاله القاضي عياض رحمهُ اللهُ (2)، وتمام شرح الحديث يُعلم من شرح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الماضي، والآتي.

(لَهُوَ) اللام لام القسم المحذوف، و"هو" مبتدأ على حذف مضاف: أي لَمَاؤه، وخبره قوله: (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ) قال الأبيّ رحمهُ اللهُ: كونه أشدّ بياضًا من الثلج حقيقةٌ؛ لأن البياض مقولٌ بالتفاوت. انتهى (1). (وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ) أي حال كونه مخلوطًا، وممزوجًا باللبن، قال الأبيّ رحمهُ اللهُ: معنى "أحلى" هنا أزكى؛ لأن العسل وحده أحلى منه مع اللبن. انتهى (2). (وَلَآنِيَتُهُ) أي التي تُسْتَعْمَل لشربه (أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوم، وَإِنِّي لَأَصُدُّ) من باب نصر: أي أمنع (النَّاسَ عَنْهُ) أي الورود إليه للشرب (كمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ") أي مثل ما يمنع الإنسان إبل غيره من الناس التي ليس لها حقّ في الورود إلى حوضه (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ ) أي يوم القيامة (قَالَ: "نَعَمْ) أي أعرفكم (لَكُمْ سِيمَا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره هنا: بأي شيء تعرفنا؟ قال: لكم علامة تتميّزون بها عن غيركم، فقوله: "سيما" بكسر السين المهملة، والقصر، وفي بعض النسخ بالمدّ: العلامة، قال النوويّ رحمهُ اللهُ: "السيما": العلامة، وهي مقصورة، وممدودةٌ، لغتان، ويقال أيضًا: السِّيمِيَاءُ بياء بعد الميم، مع المدّ. انتهى (3). وقوله: (لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ) جملة في محلّ رفع صفة لـ"سيما"، ثم ذكر ما يُبيِّن به تلك السيما بقوله: (تَرِدُونَ) بفتح أوله، وكسر الراء، من الورود، يقال: وردَ البعيرُ وغيره الماءَ يَرِدُه وُرُودًا، من باب ضرب: بَلَغُه، ووافاه (4). (عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ) منصوبان على الحال كما تقدّم (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ") تقدّم أنه يَحْتَمِل أن يكون بضمّ الواو للفعل، أو بفتحها للماء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا من أفراد المصنّف رحمهُ اللهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [12/ 587 و 588] (247)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (4282)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (1048)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (358 و 359)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (579 و 580)، وفوائد الحديث تأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [588] - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، أَتَعْرِفُنَا (1)؟ قَالَ: "نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ الْوُضُوء، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُني مَلَكٌ (2)، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ "). رجال هذا الإسناد: ستة: 1 - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة المذكور أولَ هذا الباب. 2 - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الكوفيّ، ثقة [10]. رَوَى عن أبي بكر بن عيّاش، ووكيع، وأسباط بن محمد، وأبي أسامة، وابن فضيل، ويحيى بن آدم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه، ومُطَيَّن، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد بن شيرويه، والهيثم بن خلف الدُّوريّ، وأبو يعلى، ومحمد بن السراج، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مُطَيَّن، والسراج: مات سنة أربع وأربعين ومائتين. روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (11) حديثًا. 3 - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [9] (ت 195) (ع) تقدم في "الإيمان" 63/ 358.

✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [587] (247) - (حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ، سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَن، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوم، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا (1) لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ"). ✩✩✩✩✩✩✩ رجال هذا الإسناد: ستّة: 1 - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ المذكور في الباب الماضي. 2 - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ثقة [10] (ت 243) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" 5/ 31. 3 - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يُدلِّس أسماء الشيوخ [8] (ت 193) (ع) تقدم في "الإيمان" 8/ 138. 4 - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) الكوفيّ، ثقة [4] (ت في حدود 140) (خت م 4) تقدم في "الإيمان" 5/ 120. [تنبيه]: "الأشجعيّ" - بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم -: نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، قبيلة مشهورة (1). 5 - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [3] (ت 100) (ع) تقدم في "الإيمان" 9/ 142. 6 - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - رضي الله عنه - تقدم في "المقدمة" 2/ 4. لطائف هذا الإسناد: 1 - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمهُ اللهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما. 2 - (ومنها): أن فيه قوله: "قال ابن أبي عمر: حدّثنا مروان"، فيه بيان اختلاف شيخيه في صيغة الأداء، فصرّح ابن أبي عمر بالتحديث، فبيّنه، وقد تقدّم ذلك غير مرّة. 3 - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من مروان غير الصحابيّ، فمدنيّ. 4 - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. ✩✩✩✩✩✩✩ شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي الله عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي" قال ابن منظور رحمهُ اللهُ: "الْحَوْضُ": مُجْتَمَعُ الماء معروفٌ، والجمع أَحْوَاض، وحِيَاض. انتهى (1). وقال الفيّوميّ رحمهُ اللهُ: حَوْضُ الماء جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصلُ حِيَاض: الواو، لكن قُلِبت ياءً؛ لكسرة ما قبلها، مثلُ ثَوْبٍ وأَثْوَابٍ، وثِيَاب. انتهى (2). (أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) أي من بعد أَيْلَة من عدن، و"أَيْلة" - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة -: بلدٌ بساحل بحر الْقلزم مما يلي ديار مصر (3). وقال بعضهم: "أيلة" مدينة كانت عامرةً بطرف الشام، كان يمُرّ بها الحاجّ من مصر، فتكون شَمَالهم، ويمرّ بها الحاجّ من غَزَّة، فتكون أمامهم، أقرب ما تكون إلى ما يُسمّى اليوم بالعقبة. انتهى. و"عَدَن" - بفتحتين -: بلد باليمن مشتقٌّ من عدن من باب ضرب، وقعد: إذا أقام، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أَبْيَن، قاله في "المصباح" (4)، وذكر بعضهم: أنها مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر. انتهى. قال الأبيّ رحمهُ اللهُ: قوله: "أبعد من أيلة من عدن" أي بعد ما بين طرفيه، قال: ولم يُبيّن هل ذلك طولٌ أم عرضٌ؟ لكن جاء في حديث آخر: "أن زواياه سواء"، وقام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع، فهو مربّع؛ لتساوي الأضلاع. انتهى (5). [تنبيه]: هكذا جاء في هذه الرواية تحديد طرفي الحوض ببعد أيلة من عدن، وفي رواية البخاريّ: "إن قدر حوضي كما بين أيلة، وصنعاء من اليمن"، وفيه: "حوضه ما بين صنعاء والمدينة"، وعند أحمد: "كما بين أيلة إلى الجحفة"، وفي لفظ: "ما بين مكّة و، عمان"، وفي رواية: "كما بين مكّة إلى أيلة"، وعند ابن ماجه: "ما بين الكعبة إلى بيت المقدس"، وجاء غير ذلك. وقد جمع العلماء بين هذه الاختلافات، وأقرب الأقوال في ذلك أن المقصود به ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسَعَته، لا تحديد المسافة، وذِكرُه - صلى الله عليه وسلم - للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يَعرِف تلك الجهات، فيُخاطب كلّ قوم بالجهة التي يعرفونها، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى.

اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: 1 - (هَارُونُ بن سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضل [10] (ت 253) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" 29/ 225. 2 - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [9] (ت 197) (ع) تقدم في "المقدمة" 3/ 10. 3 - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [7] (ت قديمًا قبل 150) (ع) تقدم في "الإيمان" 16/ 169. 4 - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، أو نشأ بها، صدوقٌ [6] (ت بعد 130) (ع) تقدم في "الإيمان" 87/ 462. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ) "المنكب" - بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة -: مُجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط. وقوله: (حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ) مفعول "رَفَعَ" محذوف: أي حتى الغسلَ إلى الساقين، والغاية داخلة؛ لأنه كان يَشرَع في الساق. وقوله: (إِنَّ أُمَّتِي) "الأمة" في اللغة: الجماعة، وكلُّ جنس من الحيوان أمةٌ، ومن معانيها اللغويّة الحِينُ، ومنه قوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تُطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بُعِثَ إليهم، وأمة الإجابة، وهي من آمن به، وصدّقه، وهذه هي المرادة هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الآتية (1). وقال العلّامة ابن الملقّن رحمهُ اللهُ: جاءت "الأمة" على ثمانية أوجه"، ذكرها العزيزيّ رحمهُ اللهُ: 1 - "أمة": جماعة، كقوله تعالى: {أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص: 23]. 2 - و"أمة": أتباع الأنبياء عليهم السلام، كما نقول: نحن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. 3 - و"أمة": رجل جامعٌ للخير يُقتدى به، كقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]. 4 - و"أمة": دينٌ وملّةٌ، كقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22]. 5 - و"أمة": حينٌ وزمان، كقوله تعالى: {إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} [هود: 8]. 6 - و"أمة": قامةٌ، يقال: فلان حسنُ الأمة: أي القامة. 7 - و"أمة": رجل منفرد بدين لا يَشرَكه فيه أحدٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "يُبعث زيد بن عمرو بن نُفيل أمة وحده" (1). 8 - و"أمة": أمّ، يقال: أمةُ زيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المعاني الثمانية لـ"الأُمّة"، فقلت: وَمَعْنَى أُمَّةٍ أَتَى ثَمَانِيَهْ فَمَنْ يُرِدْ يَسْمَعْ بِأُذْنٍ وَاعِيَهْ جَمَاعَةٌ كَذَاكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلْ وَرَجُلٌ جَامِعُ خَيْرٍ قَدْ نَبُلْ وَمِلَّةٌ حِيْنٌ وَقَامَةٌ وَمَنْ بِدِنِهِ انْفَرَدَ بِالأُمِّ اخْتِمَنْ والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - المؤمنون خاصّةً، هذا هو الحقّ، وقد يُطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلًا إلى الناس أجمعين. انتهى كلام ابن الملقّن رحمهُ اللهُ (2). وقوله: (يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية البخاريّ: "يُدْعَون" بضم أوله: أي يُنَادَون، أو يُسَمَّوْن. وقوله: (غُرًّا) - بضم المعجمة، وتشديد الراء - جمع أَغَرّ، أي ذَوِي غُرّة، ونُصِب على الحال من الواو في "يأتون"، وأما على رواية البخاريّ: فيكون منصوبًا على أنه مفعول ثانٍ لـ"يُدْعَون" بمعنى يُسمّون، أو يكون حالًا من الضمير في "يُدعون"، يعني أنهم إذا دُعُوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة. وقوله: (مُحَجَّلِينَ) يحتمل الإعرابين السابقين، وهو بالحاء المهملة والجيم، اسم مفعول، من التحجيل، وقد سبق تفسير الغرّة والتحجيل في الحديث الماضي. وقوله: (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ) "من" تعليليّة، أي لأجل أثر الوضوء. وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) أي فليُطل الغرّة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}، واقتصر على ذكر الْغُرّة، وهي مؤنّثة، دون التحجيل، وهو مذكّر؛ لأن محلّ الْغُرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في الرواية السابقة من طريق عُمارة بن غزيّة ذكر الأمرين معًا، حيث قال: "فليُطِل غُرّته وتحجيله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق. وقيل: إلى فوق ذلك. وقال ابن بطال، وطائفة من المالكية: لا تُستحب الزيادة على الكعب والمرفق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من زاد على هذا، فقد أساء وظلم". قال الحافظ رحمهُ اللهُ: وكلامهم مُعْتَرَضٌ من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تُعارَض بالاحتمال. وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرَّح باستحبابه جماعة من السلف، وأكثر الشافعية والحنفية، وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء، فمعترَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما رَوَى، كيف وقد صَرَّح برفعه إلى الشارع - صلى الله عليه وسلم -. انتهى (1). وقال النوويّ رحمهُ اللهُ في "شرحه": (اعلم): أن هذه الأحاديث مُصرِّحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغُرَّة فقال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: هو غَسْل شيء من مُقَدَّم الرأس، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل، فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحبّ بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في قدر المستحبّ على أوجه: [أحدها]: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. [والثاني]: يستحب إلى نصف العضد والساق. [والثالث]: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله، وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكيّ، والقاضي عياض، اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصحّ دعواهما، وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي هريرة - رضي الله عنه -؟ وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالفٌ كان محجوجًا بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم"، فلا يصحّ؛ لأن المراد مَن زاد في عدد المرات، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ (2). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ استحباب إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محل الفرض، فيغسل شيئًا من مقدّم رأسه، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله، وفي التحجيل يغسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا هو الذي عليه ظاهر النصّ، وبيّنه الراوي أبو هريرة - رضي الله عنه - بفعله، فمن خالف هذا، وقال بعدم مشروعيّة مجاوزة محلّ الفرض، فقد أساء وظلم، أساء في فهم المراد، وظلم السنّة حيث أوّلها على خلاف ما تقتضيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استَدَلَّ الْحَلِيميّ رحمهُ اللهُ بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، جزم به في "منهاجه". وتعقّبه الحافظ رحمهُ اللهُ في "الفتح" بأنه ثبت في "صحيح البخاريّ" في قصة سارة - رضي الله عنه - مع الملك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لَمّا هَمّ الْمَلِك بالدنوّ منها قامت تتوضأ وتصلي (1)، وفي قصة جُريج الراهب عند البخاريّ أيضًا أنه قام، فتوضأ، وصلَّى، ثم كَلَّم الغلام (2)، فالظاهر أن الذي اختَصَّت به هذه الأمة هو الغُرّة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضًا مرفوعًا قال: "سِيمَا ليست لأحد غيرِكُم"، وله من حديث حُذيفة - رضي الله عنه - نحوه، و"سِيما" - بكسر المهملة، وإسكان الياء الأخيرة - أي علامة. وقد اعتَرَض بعضهم على الْحَلِيميّ بحديث: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي"، وهو حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء، دون أُممهم إلا هذه الأمة. انتهى (1). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يُبعده ما تقدّم من قصّة سارة، وجُريج، فالصواب الردّ بضعف الحديث. والحاصل أن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خصّها الله تعالى على سائر الأمم بالغرّة والتحجيل؛ زيادة في رفعة درجتها؛ لرفعة درجة نبيّها - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله تعالى خصّه بفضله العظيم، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [586] - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي (2) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهَ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْن، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْه، حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْن، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ

وتحجيله". وقال ابن بطال رحمهُ اللهُ: كَنَى أبو هريرة - رضي الله عنه - بالغُرّة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله. وتعقّبه الحافظ، فقال: فيما قال نظر، لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا، ونقل الرافعيّ عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل. [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن قوله: "فمن استطاع إلخ" بقية الحديث، وهو ظاهر مذهب الشيخين، حيث ساقاه مساقًا واحدًا، دون إشارة إلى الإدراج، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [12/ 585 و 586] (246)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (136)، و (أحمد) في "مسنده" (362 و 400 و 523)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (603)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (577 و 578)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (1049)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" ، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (218)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، كما بيّنّاه آنفًا، وهو ظاهر في أن قوله: "فمن استطاع منكم، فليُطل غرّته" مرفوع من جملة الحديث، ومن الغريب أن بعض العلماء (1) ادّعَى كونه مُدرجًا من كلام أبي هريرة، ولم يأتوا ببيّنة واضحة يُرَدّ بها صنيعُ الشيخين. ومن الغريب استدلالهم بما رواه أحمد من طريق فُلَيح، عن نعيم بن عبد الله، وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله: "من استطاع إلخ" من قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو من قول أبي هريرة - رضي الله عنه -. قال الحافظ رحمهُ اللهُ: ولم أَرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن رَوَى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة (2)، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله تعالى أعلم. انتهى (3). والغريب كيف يستدلّون برواية فُلَيح بن سليمان - وهو وإن أخرج له الشيخان، إلا أن الأكثرين على تضعيفه - على ردّ رواية عُمارة بن غزيّة، وسعيد بن أبي هلال، وهما أوثق منه بكثير، وكلاهما روياه من دون ترّدد وشكّ، فروايتهما مقدّمة من دون شكّ، كما هو صنيع الشيخين. وأغرب من ذلك أن بعضهم ذكر تقويةً لرواية فُليح هذه رواية ليث بن أبي سُليم، عن كعب، عن أبي هريرة (1)، وفيه هذه الجملة، ومعلوم أن ليثًا متروك الحديث، لا يصلح في المتابعة، ولا في الشواهد، فكيف يردّ رواية الثقات بمثله؟ ! هيهات هيهات. والحاصل أن اتّفاق صنيع الشيخين مقدّم على كلّ من أعلّ الحديث، فهو مرفوعٌ كلّه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الحافظ ابن منده رحمهُ اللهُ في "مستخرجه": حديث "أمتي الغرّ المحجّلون من آثار الوضوء" رواه مع أبي هريرة من الصحابة ابنُ مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن بُسْر المازنيّ، وحُذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم -. انتهى (2). قال الجامع عفا الله عنه: فجملتهم ثمانية، ويزاد فيهم أبو الدرداء - رضي الله عنه -، أو أبو ذرّ بالشكّ، كما أخرج الإمام أحمد حديثه في "مسنده" (3)، بإسناد فيه ابن لَهِيعة، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: 1 - (منها): بيان استحباب إطالة الْغُرّة والتحجيل في الوضوء، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. 2 - (ومنها): استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه. 3 - (ومنها): بيان فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل بالْغُرّة والتحجيل من آتار الزيادة على الواجب، فكيف الظنّ بالواجب، وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة، أخرجها المصنّف وغيره، وقد سبق بيانها. 4 - (ومنها): بيان ما أعدّ الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. 5 - (ومنها): بيان أن الواجب في الرجلين الغسل، لا المسح. 6 - (ومنها): بيان جواز الوضوء على ظهر المسجد؛ لقول نعيم في رواية البخاريّ: "رَقِيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ"، وهذا مشروط بما إذا لم يحصل منه أذى للمسجد، أو لمن فيه، وإلا لا يجوز؛ لحديث: "لا ضرر، ولا ضِرَار" (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تطويل الغرّة والتحجيل: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه - روايةً ورأيًا، وعن ابن عمر من فعله، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن.

والحقّ أن أبا هريرة - رضي الله عنه - نقل الإشراع المذكور عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، كما هو صريح هذا الحديث، وأن الإشراع في العضد والساق مما يُستحبّ في الوضوء، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا قريبًا - إن شاء الله تعالى. (ثُمَّ) غسل (يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي نسخة: "برأسه" (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ) هو: ما بين الركبة والقدم، وهي مؤنّثة، وتصغيرها: سُوَيقة (1). (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ: ) وفي نسخة: "ثمّ قال لي" (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ) هذا صريحٌ في كون أبي هريرة - رضي الله عنه - نقل هذه الكيفيّة في الوضوء من النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال الحافظ - رحمه الله -: وفيه ردٌّ على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة - رضي الله عنه -، بل من روايته ورأيه معًا. انتهى (2). (وَقَالَ) أبو هريرة - رضي الله عنه - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ) قال أهل اللغة: "الْغُرَّة" - بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء -: بياضٌ في جبهة الفرس، و"التحجيلُ": بياض في يديها ورجليها، قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غُرَّةً وتَحْجيلًا؛ تشبيهًا بغُرَّة الفرس (3)؛ قاله النوويّ. وقال القرطبيّ - رحمه الله -: أصل "الْغُرّة": لُمْعَةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس، على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغرّ، ثم استُعملت في الجمال والشهرة، وطيب الذكر، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ (4) والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال: والتحجيل: وهو بياض يكون في ثلاث قوائم، من قوائم الفرس، وأصله من الْحِجْل - بكسر المهملة - وهو الْخَلْخال، والقيد، ولا بدّ أن يُجاوز التحجيل الأرساغ، ولا يُجاوز الركبتين والْعُرْقُوبين، وهو في الحديث مستعارٌ عبارةٌ عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة. انتهى (1). وقال العينيّ: في الكلام تشبيه بليغٌ، حيث شبّه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرّة الفرس، وتحجيله، ويجوز أن يكون كنايةً، بأن يكون كنى بالغرّة عن نور الوجه. انتهى. وقال الأبيّ: إن الغرّة والتحجيل كناية عن إنارة كلّ الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء. انتهى. وفيه نظر لا يخفى؛ إذ الترغيب في إطالة الغرّة والتحجيل ليزداد النور، ولو كان كما قال الأبيّ لما كان للإطالة فائدة (2)، والله تعالى أعلم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف تنازعه كلّ من "الغرّ"، و"المحجّلون"، أو متعلّق بخبر متبدأ محذوف، أي ذلك كائن يوم القيامة. قال ابن الملقّن - رحمه الله -: "يوم" من الأسماء الشّاذّة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علّة، فهو من باب "ويل"، و"ويح"، و"القيامة": فِعَالة، مِن قام يقوم، أصله القِوَامة، فقُلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. انتهى (3). (مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) متعلّق بخبر مبتدأ محذوف أيضًا، أي ذلك كائن من أجل إسباغ الوضوء، وهو: بضمّ الواو؛ لأن المراد الفعل، ويجوز فتحه أيضًا، وفي الرواية الآتية: "من آثار الوضوء"، قال ابن دقيق العيد - رحمه الله -: "الوضوء" بالضمِّ، ويجوز أن يقال بالفتح: أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغُرّة والتحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَبَ إلى كلّ منهما. انتهى (4). وحاصل ما أشار إليه - رحمه الله - أن الضمّ والفتح صحيحان؛ لأن الغرّة والتحجيل نشآ من الفعل، ومن الماء أيضًا، فجاز نسبتهما إليهما، والله تعالى أعلم. (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) مفعول "استطاع" محذوف، أي من استطاع إطالة غرّته، وتحجيله، فليُطل، والمراد بإطالة التحجيل إطالة سبب التحجيل، وذلك بإطالة الغسل بالشروع في العضد والساق، وكذا إطالة الغرّة تتحقّق بالتوسّع في الغسل طولًا بالشروع في منابت الشعر، وصفحة العنق، وعرضًا بشحمة الأذنين، ولما كان الكلّ غالبًا يستطيع ذلك كان الغرض من التعبير الحثّ على الإطالة، أي فاطلبوا الغرّة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة، أفاده بعض المحققين (1). (فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ) هكذا صرّح في رواية المصنّف بذكر التحجيل مع الغرّة، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "فمن استطاع منكم أن يُطِيل غُرَّته فليفعل"، ولذا قال في "الفتح": أي فليُطِل الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}، واقتصر على ذكر الغُرّة، وهي مؤنثة، دون التحجيل، وهو مذكر، لأن مَحَلّ الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم من طريق عُمَارة بن غَزِيّة ذكر الأمرين، ولفظه: "فليطل غرته

3 - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة دون واسطة، كما مرّ قريبًا. 4 - (ومنها): أن نعيم بن عبد الله يقال له: "الْمُجْمِر" - بضم الميم الأولى، وإسكان الجيم، وكسر الميم الثانية - ويقال: "الْمُجَمِّر" - بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة - وقيل له ذلك؛ لأنه كان يُجَمَّر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي يُبَخِّره كأبيه، فهو صفة لهما معًا على الصحيح، وذكر النوويّ في "شرحه" (2) أن وصف عبد الله بذلك حقيقةٌ، ووصف ابنه نعيم به مجازٌ، فتعقّبه في "الفتح" بأنه قد جزم الحربيّ بأن نُعيمًا كان يُباشر ذلك (3)، والله أعلم. 5 - (ومنها): أن أبا هريرة - رضي الله عنه - رأس المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا، والله تعالى أعلم. ✩✩✩✩✩✩✩ شرح الحديث: (عَنْ نُعَيْمِ) بضم النون، مصغّرًا (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) تقدّم آنفًا أنه بصيغة اسم الفاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه يوصف به نعيم وأبوه على الحقيقة (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمِر قال: "رَقِيتُ (1) مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ" (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) هذا تفسير وتفصيل لـ"توضّأ" (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي أكمل غسل وجهه باستيعاب محلّ الفرض، ومجاوزته، وأنقاه بإبلاغ الماء (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ) أي أدخل الغسل فيه، وهو: ما بين المرفق والكتف، قال الفيّوميّ - رحمه الله -: فيه خمس لغات: بفتح، فضمّ، وِزانُ رَجُلٍ، وبضمّتين في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن، في قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51]، ومثالُ كَبِد، في لغة بني أسد، ومثالُ فَلْسٍ، في لغة بني تميم، وبَكْرٍ، والخامسةُ وزانُ قُفْلٍ، قال أبو زيد: أهل تِهَامة يؤنّثون الْعَضُدَ، وبنو تميم يُذكّرونه، والجمع أَعْضُد، وأَعضَاد، مثلُ أَفْلُس وأَقْفَال. انتهى (2). قال الإمام ابن دقيق العيد - رحمه الله -: قوله: أشرع" قال بعضهم: المعروف شَرَع، وقد حُكِي فيه: شَرَع، وأشرع. ووقع في "مستخرج أبي نعيم" بلفظ "أسبغ" في المواضع الثلاثة (3). وقال القرطبيّ - رحمه الله -: قوله: "حتى أشرع" رباعيّ: أي مدّ يده بالغسل إلى العضد، وكذلك قوله: "حتى أشرع في الساق": أي مدّ يده إليه، من قولهم: أشرعت الرُّمْحَ قِبَلَهُ: أي مددته إليه، وسدَّدته نحوَهُ، وأشرعَ بابًا إلى الطريق: أي فتحه مُسَدِّدًا إليه، وليس هذا مِن شَرَعتُ في هذا الأمر، ولا مِن شَرَعَتِ الدوابُّ في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثيّ، وذاك رباعيّ. قال: وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يبلُغ بالوضوء إِبطيه، وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يَحْكه عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فعلًا، وإنما استنبطه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم الْغُرُّ الْمُحَجَّلون"، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تبلُغُ حِلْية المؤمن حيثُ يبلغ منه الوضوء"، قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يُتَعدَّى بالوضوء حدوده؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن زاد، فقد تعدّى وظلم". قال: والإشراع المرويّ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين، والكعبين بالغسل، وعَبَّر عنه بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكلّ صلاة وإدامته، فتطول غرّته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه. انتهى (1). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه القرطبيّ من نفيه رفع الحديث إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنه من مذهب أبي هريرة، ولم يحكه عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عجيبٌ منه، فما الذي حمله على هذا، وقد ثبت في نفس الحديث هذا ما يُبطل زعمه، حيث قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ"، فقد نصّ وصرّح بكونه نقله عنه - صلى الله عليه وسلم -. وأما قول عياض: والناس مجمعون على خلافه، فدعوى عاطلة من الصحّة؛ إذ سيأتي ما يردّه عن ابن عمر، وبعض السلف. ومن غريب صنيع القرطبيّ بعد أن نفى نقل أبي هريرة له عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قوله: "والإشراع المرويّ عن أبي هريرة، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلخ"، أليس هذا من التناقض؟ ، ثم الأعجب بعد هذا التناقض تأويله الإشراع في العضد والساق بأن المراد استيعاب المرفق والكعب، يعني أنه ليس هناك إشراع حقيقي في العضد، والساق، وإنما هو من باب المبالغة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُجاوز المرفق والكعب، وهذا كلّه عجيب غريبٌ من مثل القرطبيّ.

﴿ باب استحباب اطالة الغرة والتحجيل في الوضوء ﴾ ۞۞۞۞۞۞۞ ✩✩✩✩✩✩✩ وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [585] (246) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ (1)، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرْعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا (2) رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ"). ✩✩✩✩✩✩✩ رجال هذا الإسناد: ثمانية: 1 - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور قبل بابين. 2 - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ) الْقُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [11] (ت في حدود 250) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" 4/ 118. 3 - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [11] (ت 249) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" 7/ 131. 4 - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [10] (ت 213) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" 65/ 367. 5 - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [8] (ت 177) (ع) تقدم في "الإيمان" 14/ 160. 6 - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) هو: عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانيّة ثقيلة - ابن الحارث بن عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن ثعلبة بن خَنْساء بن مَبْذُول بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [6]. رَوَى عن أنس بن مالك، وأبيه غَزِيّة بن الحارث، وعباس بن سهل بن سعد، وأبي الزبير، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وحبيب بن عبد الرحمن، وشُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ونُعيم المجمر، ويحيى بن عُمَارة بن أبي حسن، وغيرهم. وروى عنه سليمان بن بلال، وعمرو بن الحارث، ووُهيب بن خالد، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويونس بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وبكر بن مضر، وسعيد بن أبي هلال، وزهير بن معاوية، والدَّرَاوَرْديّ، وعبيدة بن حُمَيد، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفَضَّل، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يحيى بن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأسٌ، كان صدوقًا، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: لم يَلْحَق عُمارةُ بن غَزِيّة أنسًا، وهو ثقةٌ، وكذا قال الترمذيّ: لم يَلْقَ أنسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال العجليّ: أنصاريّ ثقةٌ، وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، فلم يورد شيئًا يدلّ على وَهْنه، وقال ابن حزم: ضعيفٌ، قال الحافظ: وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي فيما قرأتُ بخطّه: ما علمت أحدًا ضغفه غيره، ولهذا قال عبد الحق: ضعّفه المتأخرون، ولم يقل العقيليّ فيه شيئًا، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ عنه شيئًا، فهذا تَغَفُّلٌ من العقيليّ؛ إذ ظن أن هذه العبارة تَلْيِينٌ، لا والله. انتهى (1). وقال محمد بن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، توفي سنة أربعين ومائة. روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (12) حديثًا. 7 - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) المدنيّ، مولى آل عمر، ثقةٌ [3] (ع) تقدم في "الطهارة" 9/ 575. 8 - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - رضي الله عنه - تقدم في "المقدمة" 2/ 4. لطائف هذا الإسناد: 1 - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - رحمه الله -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَنَ بينهم. 2 - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، والباقون كوفيّون، سوى عبد بن حميد، فكسّيّ، نسبة إلى "كِسّ" بكسر الكاف، وتشدد السين المهملة، وينطق بها الناس: بالفتح، والشين المعجمة: مدينة بما وراء النهر (1).

مصطلح الحديث