مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة
Kanalga Telegram’da o‘tish
قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.
Ko'proq ko'rsatish555
Obunachilar
+224 soatlar
+227 kunlar
+13630 kunlar
Postlar arxiv
وهو يُفقد الإنسان توازنه الأخلاقي لأنه يطبع النفس مع تجاوز حدود الله الشرعية، فتتلاشى قيمة التقوى وتغيب الحدود، ويصبح الفرد فريسة للشهوات أو الخيبات.
ولذلك كانت حكمة الإسلام في الحماية جديرة بالتأمل:
نلاحظ ذلك من خلال الضوابط الشرعية التي وضعها الإسلام، فالزواج هو الإطار المشروع للحب، والصلاة والصوم وغض البصر ونهي النفس عن التبرج والخضوع بالقول، والتزكية النفسية، تعمل كلها كخط دفاع من الانجرار خلف العاطفة في المكان الخاطئ أو الانفلات العاطفي المتهور.
كما أن الحماية من الخيانة والتشتت العاطفي يحققها الإسلام بحصانة القلب، الذي إذا لم يُصان، يمكن أن يضيع في سراب الإعجاب والتعلق السرّي، وما أكثر حالات الانكسار النفسي بسبب ذلك!
ثم التوازن النفسي والاجتماعي يتحقق معالالتزام بالضوابط الشرعية ويمنح المرأة شعورًا بالأمان، ويجعل الحب وسيلة للسكن والاستقرار النفسي، وهذا ما يلبي الاحتياجات بطريقة صحية سوية، لا يجعل من الحب مصدرًا للضعف أو الاستنزاف والقلق والتوجس.وهو ما يغلب على العلاقات غير الشرعية.
لذلك يحمي الإسلام القيمة الحقيقية للحب، فلو كان هذا الحب حقيقيا، لجرى مباشرة في مسالكه الآمنة، بعقد زواج شرعي، أما غير ذلك فكلها مبررات وحجج ساقطة وتدل على حقيقة أنه مجرد تعلق خاطئ مستنزف وفاشل وخادع!
فالحب في إطار الإسلام يرفع النفس ويقوي القلب ويزيده صيانة له! بينما التعلّق خارج الشرع ينهك النفس ويشتت الروح ويفقدها قوتها وبهاء تقواها، وصفته العجز، العجز في تحمل المسؤوليات وصيانة الأمانات.
الإسلام لا يمنع العاطفة، ولا يحاسبك على مشاعر تختلج في قلبك بدون إرادتك، لكنه يحميها ويقودها نحو الصلاح والاستقرار ويعلمك كيف تصونين نفسك ولا تكسري عزة هذه النفس، ليكون القلب مزدهرًا بالحب الحقيقي، وليس مثقلاً بالخيانة أو الانكسار والخذلان وتداعيات الاختيارات الفاسدة. وليتحمل الطرفان مسؤولية صيانة حبهما بصدق لا بتفلت! فالنبتة التي توضع في تربة مناسبة وتسقى بإخلاص وتفانٍ تزهر وتثمر خيرا كثيرا بمعية الله تعالى ورضوانه وبركاته، والتي توضع في مستنقع فاسد ومريض، وتسقى بتفانٍ أيضا، لا تثمر إلا حنظلا مرّا وتعاسة وألما وهي في سخط الله محرومة من التوفيق والسكينة، قد أوكلها الله لحظ نفسها القاصرة، وعدالة الله هي الأشفى.
بين الوهم والحقيقة: ما عليك معرفته
عليك أن تعلمي يا أمة الله أن العلاقات بين الجنسين نسيج معقد، يتشابك فيه الوعي واللاوعي، والاحتياجات الفطرية والرغبات النفسية، لتشكل مسارات قد تقود إلى السكن والطمأنينة أو إلى الشقاء والاضطراب. كل ذلك يعتمد على بصيرة النفس وحقيقتها؛ هل ننظر للعلاقة بعين “الاحتياج المفتقر” أم بعين “العقل المستبصر”؟
أولاً: لماذا تتكرر القصص رغم اختلاف الأشخاص؟
النفوس تتشابه حين تُحرم من تزكية الوعي؛ فالجهل بالذات يورث تكرار العثرات. لذلك فإن تكرار أنماط العلاقات خارج الإطار الشرعي ليس محض صدفة، بل هو انعكاس لاحتياجات نفسية عميقة لم تُدار بمنهج الوحي والعقل. فالنفس البشرية مفطورة على طلب السكن والتقدير، وعندما يغيب التوجيه الإيماني لهذه الاحتياجات، تبحث عن إشباع زائف في مسارات مؤذية.
ويمكن تأصيل هذه الاحتياجات في:
نفس تفتقر للاحتواء: نابع من فراغ عاطفي قديم، يدفع الفرد للتعلق المرضي بأي مصدر اهتمام، وهو ما يسميه ابن القيم “عشق الصور” الناتج عن فراغ القلب من محبة الله تعالى.
نفس هاربة من الفراغ الروحي: تحاول ملء حياتها بعلاقات عابرة لتجنب مواجهة “وحشة الذات” أو ضعف الصلة بالخالق.
نفس جائعة للتقدير: تبحث عن قيمتها في عين الآخرين لا في طاعة الله وإنجازاتها الحقيقية، مما يجعلها تقبل بالهوان مقابل كلمة ثناء.
نفس غافلة عن الحدود (الحِمى): غياب الحدود الشخصية والشرعية يجعل النفس مستباحة. وهنا تظهر عظمة الشريعة في وضع “الحمى” كما في الحديث (ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
ثانياً: أنماط العلاقات المتكررة
ما هي أنماط العلاقات المتكررة في العلاقات غير الشرعية، ألخصها كالتالي:
علاقة “الإنقاذ الوهمي”: حيث يتبادل الطرفان أدوار الضحية والمنقذ. الطرف المتألم يطلب “الغوث” من بشر مثله، والمنقذ يغذي كبرياءه النفسي بدور البطولة، وكلاهما غافل عن أن الملجأ حقا هو الله تعالى ولا يكون إلا بطاعته سبحانه.
علاقة “التسويف والتعليق”: تُبنى على وعود واهية، وتعكس نمط “التعلق التجنبي” نفسياً، و”عدم الوضوح والصدق” شرعاً. النتيجة هي استنزاف العمر في “أماني” كاذبة.
علاقة “الخفاء والظل”: كل ما يُخفى عن العلن غالباً ما يفتقر للبركة والمسؤولية. والإسلام شرع الإشهار في النكاح ليحفظ الكرامة والحقوق، أما علاقات السر فهي غالبا وسيلة تفلت.
يبدأ الأمر إذا بـالتعلّق المرضي؛ حين لا يعود وجود الآخر إضافة للحياة، بل شرطًا لاحتمالها. ثم يظهر الخوف من الوحدة والبعد والفراق، فيُفضَّل البقاء على حالة القلق المألوف على الوقوع في حالة فراغٍ مُخيف مفزع، فيستمر المرء لا حبًّا في حالة الارتباك هذه، بل هربًا من العزلة.
ويتسلل وهم التميّز؛ وهو شعور خادع جدًا بأن هذه العلاقة “مختلفة” وأنها استثناء من القواعد، فيُعلَّق العقل على شماعة الخصوصية. ومع التكرار يتضاعف الإدمان العاطفي، حيث تصبح المشاعر المتقلّبة، حتى المؤلمة منها، مصدرًا للاحتياج، فتستمر العلاقة رغم القلق لا لأن القلب مطمئن، بل لأنه لم يعد يعرف طريق الخلاص.
ومع أن في كل قصة من قصص العلاقات غير الشرعية، إشارات الخطر المبكر، لو فُهِمَت بوعيٍ صادق، لانتهت القصة قبل أن تستفحل. إلا أننا أمام حالة السكرة، وكأنه سحر يعمي العيون والبصيرة فلا تستيقظ الفتاة إلا وهي في حالة ذهول، كيف وصلت إلى هنا..؟! والشيطان حاضر دوما في المشهد!
إشارات يجب الانتباه لها
وأول هذه الإشارات التي يجب الانتباه لها: أين أنا ذاهبة؟ علاقة بلا وضوح؛ لا تعريف لها ولا أفق واضح سوى وعود وهمية، تُبقي القلب معلّقًا والعقل في حيرة. من كان يريدك يا فتاة، ليتقدم إلى باب بيتك، لا حاجة لك به من النوافذ.. فهذا امتحان صدق حقيقي وقلّ من ينجح فيه ويصدق “حبه”!
ثم كلام بلا أفعال؛ مشاعر تُقال ببلاغة، لكن الواقع يخلو من أي خطوة جادّة. بارعون هم في الحديث لكن في اتخاذ خطوات الجد والمضي نحو عقد شرعي وميثاق غليظ، فهم الجبناء!
وهكذا تستمر وعود بلا زمن؛ وتأجيل مستمر يُغلف بوصف الصبر، وهو في الحقيقة استنزاف بطيء. بل ذنب يتكرر مع إصرار على التبرير؛ فتُقهر نداءات الضمير بحجج ناعمة، ويعتاد القلب الخطأ ويتعايش معه ويظنه قدرًا.
لذلك أقول: على كل فتاة تورطت في مثل هذه العلاقات غير الشرعية أن تنتبه جيدا إلى هذه الإشارات، والأسئلة الصادقة جدا، فهي إنذارات لك، لا تتجاهليها، لأن تجاهلها لن ينهي الألم ولن يحميك من الفجيعة، بل يؤجلها ويضاعف فتكها فحسب.
فيا من تنشدين الحب! لأجل هدف بنظرك نبيل، ليس كل حبٍّ دليلَ صحّة، ولا كلُّ تعلّقٍ علامةَ صدق.فقد يُشبه الحبَّ ما هو في الحقيقة خوفٌ من الفقد، أو فراغٌ يبحث عمّن يملؤه، أو جرحٌ يريد مسكّنًا لا شفاء. أو استدراج يمليه التعاطف بلا وعي، وقد يتزيّا التعلّق بلباس الإخلاص، وهو في جوهره فقدان اتّزان، وتنازلٌ صامت عن عفتك والحدود.
وهنا يبقى السؤال الضروري:هل العلاقات غير الشرعية في جوهرها حب يتحقق أو تعلق يستنزف؟
الجواب عن هذا السؤال، يجيب عنه الإسلام ببصيرة فذة.
فالإسلام يقدم إطارًا متينًا يحمي المرأة والرجل على حد سواء من الانجرار إلى علاقات غير شرعية، ويُمكّنها من التمييز بين الحب الصحي والتعلّق المضر.
فالحب الصحي الذي يستحق الاستجابة، مرتكز على التقوى، لأنالحب في الإسلام يقوم على رضى الله أولًا ويكون في الله لا مع الله! لننتبه جيدًا لهذا المعنى فهو خطير جدا، الحب في الإسلام يكون في الله، ويُبنى على قيم واضحة، كالتقوى والصدق، وحفظ النفس من ولوج مستنقعات الحرام.
وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فقال: “وهذا من أهم الفروق، وكلٌّ محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا؛ فالحب في الله هو من كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك”.
تأملي تعظيم الله جلّ جلاله ينصرك الله تعالى. وتعلمي كيف يكون الحبّ في الله تعالى وكيف يكون البغض فيه جل جلاله. واحذري بشدة الخسف!
قال ابن القيم رحمه الله:
“متى رأيت القلب قد ترحّل عنه حب الله والاستعداد للقائه، وحلَّ فيه حب المخلوق، والرضا بالحياة الدنيا، والطمأنينة بها؛ فاعلم أنه قد خُسِف به”.
والحب الصحي يُنمّي الروح لا الجسد فقط. فالحب في أمان الإسلام يشجع على تزكية النفس وتطوير الذات وعلو الهمة وسعادة القلب في كل أحوال النفس، ويشرق في إطار الزواج الشرعي الذي يُكمّل جوانب الحياة ويُوفّر الطمأنينة، ويتصف بالشجاعة في تحمل المسؤولية فهو جدير بها وبصيانة المروءات وبالنجاح.
والحب الصحي يقوي العلاقة الاجتماعية والأسريّة لا يفصلها بخوف وخشية مطاردة، لأنالعلاقة المحمية شرعًا تُعزز الثقة والكرامة، ولا تترك أثرًا سلبيًا على الفرد أو المجتمع.وتحميه من النظرة المستحقرة والدونية للمنكر.
بينما التعلّق الذي يستنزف النفوس،يدور دوما خارج حدود الشرع، فالعلاقات غير الشرعية تخالف أمر الله بالعفة والبعد عن الزنا والممهدات للانفتاح العاطفي المفضي للزنا.
وهو يُضعف النفس والعقل معا، لأن التعلّق المرضي يجعل المرأة أو الرجل أسرى المشاعر دون وعي، ويؤدي إلى اضطراب نفسي وخوف دائم من الفقد أو الوحدة.فيما يعتبره الطرفان إشارة لقوة “الحب” هو في الواقع إشارة “لشدة المرض”.
فالنظر وإدمان العشق وكسر حاجز الحياء، مرض يخسف بالقلب في الحرام.
وأسوق هنا روايتين، للتدبر:
الأولى قصّة مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ وَكَانَ رَجُلا يَحْمِلُ الأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ قَالَ: وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقٌ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ وَإِنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلا مِنْ أُسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ قَالَ فَجَاءَتْ عَنَاقٌ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْهُ فَقَالَتْ: مَرْثَدٌ فَقُلْتُ مَرْثَدٌ. فَقَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْتُ يَا عَنَاقُ حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا .. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا. فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَرْثَدُ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فَلا تَنْكِحْهَا . رواه الترمذي وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وكما لا يجوز للرجل الزواج من زانية، قد تجد المرأة تقبل الزواج من رجل زانٍ بحجة أنه يحبها ويصر عليها ويريدها. فهذا مما لا يستقيم ولا يصح. وهي تؤكد على أنها لم تخطئ معه لكنها تحترم مشاعره، وأقول لأمثالها، احترمي شرع ربك قبل كل شيء!
أما الثانية، فقد روى عبد الله بن مغفل أن امرأة كانت بغيّا في الجاهلية فمرّ بها رجل أو مرّت به فبسط يده إليها فقالت: مه، إن الله أذهب بالشرك وجاء بالإسلام. فتركها وولّى وجعل ينظر إليها حتى أصاب وجهه الحائط، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: أنت عبد أراد الله بك خيرا، إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا عجّل له عقوبة ذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة . رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي .
والحقيقة أن كل ما يصيبك أيتها الفتاة من ألم بعد العلاقات غير الشرعية أو مقدماتها، هو كفارة لك، فعليك أن تحمدي الله عليها، قبل أن تتورطي في كبيرة أو في دمار نفس أنت بحاجة لها أن تسعفك في ملاحم الارتقاء. ولا تعتقدي أن العلاقات غير الشرعية لا توصل للزنا، لدي استشارات من بعض النساء حوامل بالزنا يعصرهن الندم والهلع! ولدي استشارات من بعض الفتيات وقعن في الزنا بالفعل! وكله بدأ من استهانة بكسر أول حاجز للحياء، ثم بإقامة علاقة غير شرعية وتهاوت الحواجز حتى سقطت الفتاة، فصوني نفسك يا أمة الله، فالله لم يأمرك بشيء إلا لصيانتك ومصلحتك وكل الخير لك!
والقرآن والسنة، ينصان بنص صريح واضح، على تحريم إقامة علاقة أو صداقة بين الرجال والنساء الأجنبيات. صيانة للقلوب والأعراض والمجتمعات.
ولسنا هنا أمام تصنيف ولا محاكمة للنفوس، بل أمام تشخيص الواقع؛ حتى لا نُخدع بالألفاظ، ولا ندفع قلوبنا ثمن علاقات تبدأ بحسن نية وسذاجة وتنتهي بنزف روح! وكما يقول المثل “القانون لا يحمي المغفلين”.
كيف تبدأ العلاقات غير الشرعية؟
والعلاقات غير الشرعية، غالبًا لا تبدأ بخطأ صريح، بل ببداية ناعمة مطمئنة لا تنذر بالخطر. فهي تبدأ بـكلمة اهتمام في وقت ضعف، بنظرة اهتمام، في وقت احتياج، فتُشعر القلب بأنه مرئي ومُقدَّر. إلى هنا، الفتاة لم تدخل في علاقة غير شرعية، لكنها تنحدر نحوها، حين يأتي الإصغاء الزائد؛ ذاك الذي يتجاوز اللطف إلى التعلّق، فيمنح شعورًا زائفًا بالأمان والسعادة. ويصبح هناك “أخذ وعطاء”، و”تداول اهتمام ومشاعر”، و”اعتياد للانتماء والسكن”. تتطور بعدها الأمور إلى مشاركة الألم، حيث تُفتح الجراح أمام من لا يملك حق الاطلاع عليها، فينشأ ارتباط قائم على الوجع لا على الاتزان.
ومع الوقت يحدث كسر الحدود تدريجيًا؛ خطوة صغيرة بعد أخرى، حتى تختفي الخطوط الفاصلة دون أن يشعر الطرفان. فيتصرفان كزوج وزوجة! وكل ذلك يُبرَّر بجملة مطمئنة مخادعة: لم نفعل شيء” بينما تكون القصة قد بدأت بالفعل، بصمت التنازل الأول.
في لحظة ما، أغلب الفتيات والنساء يشعرن بالقلق! ومع ذلك يستمر الأمر الخاطئ.
لأن في لحظةٍ ما دوما، يتعلّق القلب ويتراجع العقل.نعم يدرك الإنسان في داخله أن الطريق مُقلق، لكن الارتباط يكون قد تجاوز حدود الاختيار إلى حالة من الأسر الخفيّ أو الإدمان الذي يصعب التخلص منه.
ويحث على الصبر والوعي والعفة والاحتشام، حتى يوضع القلب في وسط آمن من العلاقة، ويتمكن من التعرف على الحب الحقيقي عندما تنضج العقلية والقدرة على الالتزام.
فالفتاة التي تتعلقن بصور وقصص شباب وفتيان في هذه السن، اطويها بعقل، وتذكري، أنك ستبتسمين حين تكبرين وتتذكرين فصولها.. إن كنت تقية في تجاوزها بدون معصية وتعدٍ لحدود الله تعالى، فلا تجعليها فجيعة حياتك، تندمين عليها طيلة حياتك!
ولتنتبه الفتيات، فالمشاعر الطبيعية في هذه السن ليست حبًا بعد، بل دعوة للحفاظ على النفس والصبر حتى بلوغ مرتبة الوعي والاتزان والاستقرار النفسي والقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة.حفظكن الله.
ثم الحب الحقيقي يرفعك ولا يكسرك، يُقوّيك ولا يفرغك، يقربك من نفسك ومن ربك، لا يُبعدك عن طريق الله تعالى فتضعفين وتسقطين! وما كان ثمنه قلقك، وأمانك، وسلامك الداخلي، فذلك ليس حبًا، بل عذابا.
ما هي العلاقات غير الشرعية؟
هناك حقا فتيات لا يدركن معنى العلاقات غير الشرعية، لكونها علاقات تُغلَّف أحيانًا بلغة ناعمة تخفف وقع الحقيقة أو تجرّد من حقيقتها خلف تبريرات هشة، لكن الجوهر يبقى واحدا. فهي علاقات تبدأ خارج الإطار الذي شرعه الله تعالى، وتُدار في الظل، وتقوم غالبًا على إشباع عاطفي مؤقت لا يلبث أن ينقلب وجعًا.والإعجاب حين يُترك بلا ضابط يتحول إلى باب مفتوح للتعلق. والفضفضة حين تُمنح لمن لا يحلّ، تنقل القلب من الأمان إلى الانكشاف، ومن الراحة إلى التعلّق الخفي. وكل ذلك يبحث عن السرية، فتكون العلاقات السرية وصف العلاقات غير الشرعية، وكونها سرية فهي غالبًا اعتراف غير معلن بأن الطريق خطأ، لأن الحق لا يحتاج إلى ستار. أما المجاهرة فهي الصفاقة بعينها، ولا أعتقد أن هناك مؤمنة ملتزمة ترضى المجاهرة. لذلك ليس الحديث عن العاصية المجاهرة. بل عن المسلمة العاصية، التي تستر علاقتها غير الشرعية في خفاء. فكان وصفها كما وصفها القرآن: من المتخذات للأخدان.
قال الله تعالى:(فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) (النساء: 25)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:”وقوله تعالى “محصنات” أي عفائف عن الزنا لا يتعاطينه ولهذا قال “غير مسافحات” وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة – وقوله تعالى “ولا متخذات أخدان” قال ابن عباس: “المسافحات” هن الزواني المعلنات يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة: وقال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء وكذا روي عن أبى هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي قالوا: أخلاء وقال الحسن البصري يعني الصّديق، وقال الضحاك أيضا “ولا متخذات أخدان” ذات الخليل الواحد المقرة به نهى الله عن ذلك يعني تزويجها ما دامت كذلك..
وقال تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: 5)
قال ابن كثير رحمه الله:”وقوله” محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان” فكما شرط الإحصان في النساء وهي العفة عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل محصنا عفيفا ولهذا قال غير مسافحين وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ولا متخذي أخدان أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن كما تقدم في سورة النساء سواء ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية .. وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله ” الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين”.
ومن أرادت الاستزادة لترجع لتفسير الآيات في وصف “متخذي ومتخذات أخدان”.
ثم ما الذي يطيل العلاقات غير الشرعية لمن يعي أنها خطأ؟ الذي يطيلها عادة هو الوعد المؤجل الذي يعلّق القلب على أمل لا سند له، وعلى أمل أن نهايته ستكون العقد الشرعي والزواج، فيعيش صاحبه بين انتظار واستنزاف. سواء كان ذلك على أرض الواقع أو في حالة التعلّق الإلكتروني الذي قد يبدو آمنًا وبعيدًا، لكنه في حقيقته ارتباط بلا مسؤولية، ومشاعر بلا ميثاق.وهو ككل علاقة بين رجل وامرأة أجنبيان عن بعضهما البعض لا يجوز، ويحدث الخسائر المثخنة نفسها في الروح حتى بدون أن يحصل التماس المباشر للجسدين.
والذي لاحظته أن الكثير من هذا الانجرار ليس لحالة حب عميقة بل لحالة تساهل عميقة، لحالة فراغ عاطفي أو احتياج يرهق، أو حتى شفقة تبديها لا تريد أن تكسر ما تراه نبيلا، أو لحالة مرضية، تتغذى على تمثيل الدور، دور العاشقة بينما في العمق لا يعني لها شيئا لو وجدت بديله!
ومما أشدد عليه هنا بخط أحمر، ولم تعرفه الكثير من الفتيات، أن صفة “النسونجي” موجودة بين الملتزمين أنفسهم (ظاهرًا).
ولقد رأينا فيما وصلنا من قصص بعض طلاب العلم والدعوة إلا من رحم ربي، “النسونجي” الذي يتستر بالقيم والمبادئ، وما أقبحه من وصف بحق رجل يتجمل باسم الإسلام والفضيلة. وقائمة ضحاياه يندى لها الجبين!
فمسألة أن الرجل نظيف، هذه لا اعتبار لها في زماننا، ولو كان شيخ القرآن وشيخ الدعوة، الرجل يبقى رجلا، سواء بخلفية منحلة أو بخلفية نظيفة، فهو غير معصوم ويفتن، لذلك نكرر في كل مرة: صوني نفسك يا أمة الله فجميع من سقطن، إنما سقطن من فتح مساحة خلوة، واقعية أو إلكترونية، فتحطم جدار الحياء وتلاشت كل حصانة..!
وكم من طالب علم وداعية كشف الله ستره وهو لا يدري، وانفضح من حيث لا يحتسب، وسقط من الأعين وهو يتظاهر بالنقاء والتقوى. لعبثه في خاص تسجلت لقطاته، ولشهادة نساء عرفهن اشتكين بلاءه، وحصل أن تأتي الشكوى من الرجل الواحد من جهات مختلفة، وبالتفاصيل ذاتها! فنعوذ بالله من هتك الأستار، نعوذ بالله ممن أمن مكر الله تعالى، إذا خلا بمحارم الله انتهكها!
القصص كثيرة ولا يسعني في هذا المقام سردها كلها لكن يجب أن أنوه إلى أن هذه الطريق الفاسدة تنتهي دوما إلى الفشل، وقد يكون المذنب الأول أكثر إجراما، لكن هذا لا يعفي أن الجميع مشترك في الجريمة، فلا يصح أن نتظلم لامرأة قبلت لرجل أجنبي أن يضع يده على قلبها!
كما لا يصح أن نضع اللوم كله على رجل يُفتن بالنساء، حين تستشرفه النساء وتطرق بابه لا تمل، فيضعف، وسبحان الذي جعل كل هذا واضحا في شريعته فأرشدنا لسد الذرائع، فأبى قوم إلا أن يسدوا المسامع!
لماذا تبحث الفتاة عن الحب؟ ولماذا تكون الخيبة حاضرة بهذا الثقل المؤلم؟
لأن في داخل كل أنثى حاجة فطرية للمودة، للاحتواء، لأن تُرى بقلبها قبل مظهرها، وأن يُشعرها أحد بأنها تكتمل معه، ليست مهملة في هذا العالم. هذا الميل ليس خطأً في ذاته، بل هو جزء من التكوين الإنساني الذي جعله الله سكنًا ورحمة. لكن الخلل يبدأ حين تتحول هذه الحاجة إلى احتياجٍ مُلحّ، لا إلى اتزانٍ عاطفي.فالاحتياج يجعل الفتاة تطلب الحب لتُرمّم نقصًا في داخلها، بينما الاتزان يجعلها تُقبل على الحب وهي مكتفية، قادرة على العطاء دون أن تبيع كرامتها بمعصية ربها، ودون أن ترهن قلبها لأول طارق.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر: متى يتحول احتياج الحب إلى ضعف؟
يتحوّل إلى ضعف، حين يصبح الحب هو مصدر القيمة، وحين تُقاس الذات بمدى القبول عند الآخر حتى مع تجاوز حدود الله تعالى، وحين تُبرَّر الإهانات والمنكرات باسم المشاعر، وتُغتفر التجاوزات والمعاصي خوفًا من الفقد. عندها لا يكون حبًا سويًا، بل تعلّقًا خاطئًا، ولا يكون سكنًا منشودًا، بل استنزافًا مرضيًا.
ثم سؤال آخر يجب طرحه في هذا المقام: هل كل ما سُمّي حبًا هو حب؟
والجواب: لا. فليس كل انجذاب حبًا، ولا كل اهتمام صادقًا، ولا كل تعلقٍ مودة. وكم من محتال يجيد التقمص، وكم تلعب الهرمونات دورها في أغلب البدايات في سن صغيرة، فيا صاحبة الـ14 سنة، انتبهي ستشعرين بمشاعر، لكنها ليس حبا، بل إشارة إلى أنك قد بلغت وبت بحاجة للتفكير كفتاة بالغة، تصون قلبها وجسدها، ولا تسير إلا في طريق الحلال.
وهنا لنا وقفة واجبة مع الانجذاب البيولوجي والهرمونات
ففي سن ما يسمى “المراهقة”، تبدأ الغدة النخامية والمبايض/الخصيتين بإفراز هرمونات مثل الأستروجين، التستوستيرون، والأوكسيتوسين، وهي مسؤولة عن:إثارة المشاعر الجسدية تجاه الآخرين.وزيادة الانتباه والإعجاب بالأقران.وشعور المتعة عند القرب الجسدي أو التفاعل الاجتماعي.هذه التغيرات تجعل الفتاة أو الصبي يشعران بالانجذاب أو الفضول العاطفي، لكنه غالبًا يكون مؤقتًا وغير مستقر، لأنه مرتبط بالهرمونات وليس بالاختيار الواعي أو القيمي.
والانجذاب شعور سريع ومؤقت، يعتمد على المظاهر الجسدية أو الاهتمام المبكر، ويمكن أن يزول بتغير الحالة النفسية أو البيئة.أما الحب الحقيقي فيتطلب نضجًا عقليًا وعاطفيًا، يتطلب فهم الشخص الآخر، واحترام الحدود، والاستعداد للالتزام بالزواج.لذلك، ما يشعر به الفتيان والفتيات في سن 14 وما حولها، غالبًا ليس حبًا بالمعنى الكامل، بل إشارات طبيعية للنضج العاطفي والجسدي.
والإسلام يحمي القلب والجسد من الانغماس في العلاقات غير الشرعية.ويحفظ حق هذه التغيرات لأن تجري في وسط آمن، فيُعلم الفتاة أن الانجذاب الطبيعي لا يُترجم تلقائيًا إلى علاقة عاطفية إلا ضمن الإطار الشرعي.
تتنقل الشابة المرهفة ببريق عينين، بين القنوات والصفحات تبحث عن العلم والمعرفة، تبحث لتكون مميزة مختلفة عن التيار الجارف!
لا تزال صغيرة على تمييز الناس لكنها بكل تأكيد تحمل كثير إحساس.
لمحت قناته، لمحت كلماته أسلوبه، يا للهول! من هذا الشاب العالم، تنبهر بكل حرف يكتبه سواء نقله نسخا أو اقتبسه أو اجتهد فيه، كل ما يصدر عنه لديها مبجل ومبهر، لأنه “من بين يديه الطاهرتين!”.
وبعد طول مراقبة، كالأسيرة في قفص حركته وسكونه! وهو لا يراها ولا يشعر بوجودها، يجب أن تظهر له وتلفت انتباهه، فتبحث عن السبيل لذلك، فتجد الطريق مفتوحا، ممهدا! لكنها فتاة ملتزمة وحيية! هكذا يجب أن تكون ليحبها! فتجد حيلتها!
الشاب يمتلك رقم هاتف، بوت تواصل، حساب تواصل، نافذة وبابا مفتوحا لها، ولو كان من خلال “صارحني” سيمكنها أن تبثه شيئا وتلفت انتباهه!
تنغمس بكل مشاعرها، وتحدثه، ليس عن قلبها وإعجابها به! بل عن الدين والعلم، عن الخلق والقيم، عن استشارة دينية “بريئة”، عن الثبات وحب الله تعالى!
فيندفع هو منهمرًا ليخرج ذخائره العلمية ويبرز قدراته العقلية، ويجيبها في خاص من الخواص تمتلكه نشوة الإنجاز! إنه يدعو وينصح في الله!
ثم اليوم وغدا، تزيد كلمة تنقص كلمة، كترددات قلب ينبض.
تثني عليه بطلا، ويثني عليها حياء وأدبا.
ويشتبك الفراغان، ليصنعا ملحمة فارغة!
وهنا ينقسم الشباب إلى أنواع:
قسم يصد ويغلق الباب تماما، وقد يهديه الله لإغلاق باب محادثة النساء ويرفض الحديث في خاص مع امرأة أجنبية عنه، وهو الموفق. وقد سبق أن وصلتني استشارات من شباب يتساءلون عن كيف يتعاملون مع رسائل “اعتراف بالحب” تصلهم من نساء لا يعرفونهن، وفتيات يراسلنهم بكلمات تموت الحرة ولا تكتبها لغير زوجها! ولطالما نصحت بصد الباب تماما والابتعاد عن هذا الصنف، والفرار من هذه الفتنة. فمن تملك – وهي البكر – الجرأة على طرق أبواب الرجال، ستفعلها مرة وأخرى، وهذه قد سقط منها الحياء فلا تُستأمن.
وقسم يضعف ويفتن ويسقط، ويحصل معه التمادي إلى لحظة يقظة عاجلة، فيفر فرارا سريعا لينهدم كل شيء خلفه. ويدرك قيمة وصية نبيه صلى الله عليه وسلم: “ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء”، متفق عليه. وقوله فدته نفسي:” إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل، كانت في النساء”. رواه مسلم.وقوله صلى الله عليه وسلم:” ألا لا يخلونّ رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم.”رواه أحمد.
وقسم يكون قد اعتاد هذا الإعجاب الذي يغذي غروره فيجد في ذلك مادة دسمة ليحكيها لأصحابه، إنه الوسيم الجذاب المميّز الذي تركض خلفه النساء، وهو يتعالى ويتعفف! فلا يقطع الحبل ولا يمده مدًا، يبقيها معلقة كغيره، لتبقى مادة شهرته وتسلية قلبه!
ثم قسم يفكر جديًا في الفتاة، لغاية الزواج، فيطلب صورة، ويطلب صوتا، يطلب محادثة فيديو، ويطلب لقاء إن أمكن. عبره أو عبر إحدى محارمه، وأكثر الحالات التي رأيت، لا تعجبه الفتاة، فيتخلى عنها معتذرًا، لكونها ليست المناسبة لمقاسات قلبه واحتياجه.
وقسم يستغل هذا الإقبال عليه، لمآرب نفسه ويجدها فرصة سانحة، من فتاة ترتمي على عتبات بابه، فيتمادى في لعبة ما يسمى الحب ويغدق المشاعر، ثم فجأة يملّ وينسحب ويتركها كالنائحة الثكلى.
وهكذا تستمر أسطوانة مريضة القلب، في تحسس قلب رجل، فإن وقعت في مريض قلب مثلها، تحولت لعبثية، يتبادلان الأدوار كل مرة، توفرت الفرصة أمامهما أو بحثا عنها.
أما الزواج، فالحديث عنه ليس وقته فلا تتوفر إمكانياته!
فسبحان الله كيف يورط الإنسان نفسه ويبذل ويسعى لمهانة نفسه وحرمانها الخير!
ثم ماذا يكون مصيرها هذه الجريئة في طرق أبواب الرجال؟ بغض النظر عن قائمة المبررات الوقحة التي تقدم!
إنه يعتمد على درجة الفساد الذي أحدثه المرض في قلبها.
فبعضهن يصبح مصيرها، إدمان ملاحظة الرجال، فيمرض قلبها أكثر فأكثر بإطلاق بصرها المنفلت، أينما طل رجل يعجبها، تراسله وتعرض نفسها. بحجة العشق الذي لا يقاوم! أو تفتح بابها لكل طارق، تستقبل الجميع بقلب رحب لتعيش متعة زائلة تمزّق عفتها وحياءها بخسائر لا تجبر!
وأخرى تنكسر تماما وتفقد الثقة في نفسها وتنطوي وتنزوي بجراحاتها. تكره الزواج وتكره العلاقات وتعتبر الرجل نهاية مظلمة. وتتشكل فيها عقدة! يصعب تفكيكها بسهولة. إلا أن يشاء الله تعالى. وكم أخشى من هذا الصنف لأنه أكثر ضحايا النسويات الخبيثات، فتتحول لنسوية مسترجلة، أو نسوية مريضة الفطرة سقيمة الميول!
وأخرى، تنتقم! نعم ستنتقم من نفسها على اعتقاد أنها تنتقم منه، فتقيم علاقات غير شرعية مباشرة وقد تزني ويقسو قلبها وتخسر كل شيء! فتضل وتشقى..!
الواقع مرير جدًا والقصص مؤذية، لكن البداية واحدة: الاستهانة بحدود الله تعالى، والانجرار العاطفي الأحمق!
لكنه يرحل، وقد رسم في عينيها صورة “البطل”، الذي يخاف ربه فينسحب قبل أن يخسرها وتخسره، وتعيش هي، تفكر: “يا الله! كم هو تقي، لم يرد أن يستمر في علاقة غير شرعية لأنه يحب لي الخير ويريد أن يحفظني لصدق محبته لي، يستحق من هي خير مني! ولكنني لست قادرة على نسيانه!”.
بينما هو هناك في زاوية أخرى معتقدًا أنه قد نجح في التخلص من عبء يزعج حياته، ومتناسيًا أن الله يراه! يبدأ فصول قصته الجديدة، بشخصية “الغريب” الذي لم يجد ما ينشده والذي وجد ضالته في حبيبته الجديدة وزوجته المستقبلية التي ينشد! فيا لها من توبة!
ولا تستغربي أبدًا أن يكرر عليها العبارات نفسها التي كان بالأمس يتغزل بها معك! سيقول لها تماما كما كان يقول لك: أنت أذكى من عرفت! أنت أول من أحببت! أنت الوحيدة التي تفهمني!
أنت الفتاة التي أنشد منذ زمن بعيد، أنت وأنت وأنت!
وتبدأ قصة جديدة مغلفة! ويملي شروط قائمته التي امتلك قلبك بها!
في هذه الأثناء التي يشتبك قلب جديد بقصة مأساة في بداياتها، تكون الفتاة الأولى قد استنزفت، بقلب يترقب ويراقب، أي طلة أي حركة، لقد أنهكها الوفاء والحنين، والوعد الذي مهرته بصدقها!
ترفض الخُطاب، وتقول، كيف لي أن أحب غيره! وهل هناك مثله!
وفي لحظة سكرة، وهي تجلد ذاتها: كيف خسرته، يأتيها الخبر المفجع!
لقد خطب فلان “الفارس النبيل”، نعم خطب فتاة أخرى!
تصيبها صدمة وصفعة: ألم يكن غير مقتدر، ألم يكن يؤجل التفكير لأسباب خارج قدرته، كيف خطب؟ ولم خطب أخرى؟ ولم لم يخطبني أنا بعد كل ما جرى!
فتبحث وتتقصى عن هذه الأخرى لتصطدم بحقيقة أخرى مفجعة:
فهذه الأخرى مختلفة تماما عما كان يدعي أنه ينشد ويشترط، بل قد تكون تحمل من الصفات مما كان ينتقده ويذمه، بعد أن كان التقي المثابر الذي ينشد التقية المثابرة، ويلقي إملاءاته على امرأة ليست زوجته، أصبح لا يهمه سوى الفتاة التي تناسب مستواه الاجتماعي وتلاقي قبول أسرته وطموحاته التي كان يخفيها.. واختياراته التي يضمرها حقا، حين كان يظهر نفسه ورعا، أو مستخفيا، فلا قيمة للتبريرات بعد الآن، لم تعد هناك قيمة للقيم ولا للشعارات، لا معنى للعهود ولا للوعود المخادعة!
كثيرات وصلن عند هذه المرحلة، لمرحلة الانهيار، فتجهش بكاء، تسب وتلعن، تدعو عليه في كل لحظة استجابة، وتدعو بحرقة وألم،
“يا رب! انتقم منه!”.
لكن الدعاء لم يشفي غليلها، فهي تشعر أنه يستحق القتل! فقد قتل روحها … وما أصعب تجاوز شعور الغدر والاستغفال باسم القيم والمبادئ والإسلام العظيم!
وهكذا، يكون كما ترين، يا فتاة، كل ما وصفته المغفلة بـ”الحب” يوما مضى ويتحول إلى بغض وكراهية، ومقت هو أشد المقت.
ولحياة ضمير في قلبها، تسمعينها تردد: اللهم لا تسلطه على مؤمنة!
لا تريد لك يا غالية أن تحترقي بحرقتها، فقد أيقنت أنه خطر يجب التحذير منه.
ولعل أكثر ما أدهشني في حواري مع بعض الفتيات اللاتي أعلم منهن شدة الاحتياط والالتزام، لماذا قبلت الاستمرار مع رجل يضع يده على قلبك؟ فكان الجواب الصادم: “لأني لم أرض أن أهين رجولته في ضعفه، لقد حاولت أن أصون رجولته!”.
هذه العبارة أذهلتني جدًا، فهي تضع المفاهيم النبيلة في غير محلها، وتعطي من لا حق له، الحق الأنبل، وهذا من تلبيسات إبليس الأنكى.
الفتاة التي كانت تعرف بعفتها ومسابقتها، تخشى أن تكسر رجولة رجل بزي ملتزم، فتسلمه قلبها، كي لا يتألم! وتستمر معه بوخز الضمير كي لا يتأذى وتمسّ رجولته! فأي فقه هذا وأي بصيرة وإلى أي حد وصل إليه الوسواس الخناس، وإلى أي حد بلغت بها الغفلة أم السحر ؟ سحر سطوته على قلبها؟
وكيف تهدر مثل هذه القيم العزيزة على هيّن غير عزيز!
ستقول: لم أكن في عقلي، لا أدري ما جرى لي! فسبحان الله ما أعظم الإسلام! ما أعظم ديننا الذي يعرف خبايا النفوس ونقاط ضعفها فيصونها عن الأذى والخطأ.
هذه قصة واحدة تتكرر! ومثلها الكثير ببعض اختلاف تفصيل، مع التنبيه إلى أن الشاب قد لا يكون كما يقال:”نسونجي” يقيم علاقات غير شرعية باستمرار بستار النبيل، كما في العديد من الحالات، لكنه “مريض قلب” كما يصفه القرآن، فسرعان ما يضعف لأخرى، وما أكثر ما تشغله النساء. حتى وإن لم يقم علاقات غير شرعية، هو مفتون بالنساء، يحفظ تفاصيلهن، وتشغله هذه التفاصيل، فيتودد بطريقة “اللئيم” الملتزم، ويكذب على نفسه ولا يواجه الحقيقة أن ما يفعله خطأ. يجيز لنفسه التفلت بحجة أو بأخرى، ليلبي شغفه في حب الحديث في الخاص والخلوة مع النساء الأجنبيات والاستمتاع بحديثهن وإن لم يتجاوز الحدود، لحفظ صورة الشاب الملتزم! إلا أنه يرمي بإشارات تعلّق النساء، ويحب لعبة تعليق النساء به! وهذا عيب كبير جدًا في الرجل: فتنته بـالنساء، وفي الواقع يتطلب زجرًا، فأعراض المسلمين ليست للعبث، وهي محرمة كحرمة دمائهم وأموالهم في ديننا العظيم.
لكنها ليست الرواية الوحيدة، وليس دوما بدايتها: الشاب أول من يطرق الباب بإصرار!
فتعالي أقص عليك قصة أخرى، من أكثر ما يصلني اليوم ويذهل عقلي!
تتقدم الأيام ويشتد التعلق، تشعر غيرته، إنه يغار عليها بشدة، لا يتحمل!! لا يستطيع أن يكتم غيرته..! يزيدها هذا تبجيلا لرجولته! وهي تطرب لمعاني الرجولة!
يحدثها بكل ما يجعلها أكثر تعلقا به، ولا بأس من تبادل الصور بعد ذلك، فالرؤية الشرعية تجوز بنية الزواج، هكذا أفتى لنفسه ولنفسها.
من صورة لصور لألبوم صور! من كلمة جميلة، أنت ناعمة، رقيقة، ما أجملك! لقصيدة وأنشودة حب مقصودة! فتسقط في شباك مدحه وثنائه. وينطقها: “أحبك!” بملء فاه وبلمسات حياء مموّهة، فتفتك بالفتاة!
وتستحي فتحمرّ وجنتاها.ويقوم بقية ضمير حي فيها: فتهتف: “لنحذر من هذا الأمر، إني أخشى أن نتجاوز الحدود”، فيطمئنها! بطريقة ما، أن هذا أكبر منه ومنها، وأنه قدرهما الذي لا مفر منها، لقد خلقا ليعيشا معا وانفصالهما يعني الموت!
وتتكسر بقية الضمير وترجع للقلب معاذير! فتقول: “قدر الله وما شاء فعل، لم يكن بيدي حيلة، أعذره، فهو صادق ومخلص! إنه يعاني، لابد أن أكون له سندًا”.
ثم ترجع لوسادتها في قلبها مملكة حب! وقدرة هائلة على تقديم كل عطاء ممكن، تحدث ربها في صلواتها أن يارب، ارزقني فلان زوجا.. تدور دعواتها في فلك هذا الفلان.
ولو تأخر يوما، تقيم الليل تهجدًا أن يحفظه ربها!!
وكم من الصدقات ستخرجها عنه؟ ولم لا، فالعلاقة في سبيل الله نبيلة جدًا! وتصنع ما لا يصنع الإنسان في حالة أخرى. فكل تصوراتها ترتسم في حياء وخجل وهي غارقة في علاقة غير شرعية! فيا للمفارقات العجيبة!
وهكذا ترسم الخيالات في إغداق المشاعر على الفتى الشهم الذي لا مثيل له حولها، -كما تعتقد- فتصل لدرجة الفداء! إنها مستعدة لأن تسلمه كل شيء، المال، العمر الحياة! فقط ليأمر فهي شديدة الإخلاص والوفاء بالعهد ومستعدة لإثبات كل ذلك بدون تردد.
لكن الفارس الأنيق! الذي يتأنق في ظهوره كل مرة، يصطدم بأخطاء لم تكن بالحسبان، فلتة لسان، موقف يفضح زيف الادّعاء، حقيقة تكشّفت في زاوية لم تكن بالحسبان، خبر صادم مفجع، يفقده بريقه!!
خيانة، نعم قد تظهر للفتاة خيانته وأن الرجل “دنجوان” بزي ملتزم!
لكنها مع كل ذلك ومهما بلغتها من حقائق وأخبار مفزعة، ستطردها بعصا مكنسة لمجرد جلسة واحدة معه، فهو بارع في جذبها!
وإن امتلكت شجاعة وواجهته، ستقف أمام خبرته في المحاماة، فيقلب الأمور عليها ويتهمها بالخذلان والانخداع، والظلم والبغي، لكنه ولأنه – يحبها – كما يدعي ويزعم، سيسامحها!! ويلف جرحه وينزوي لحين!
وكم من فتاة شربت من هذا النوع من الخمر لحد الثمالة، ولو رأته بعينيها يخطئ ويغلط، ستكذب عينيها وتصدقه! تصدق كلماته الساحرة! إنها سكرة العلاقات غير الشرعية.
وتنتهي مرحلة العبث، ويبدأ الجد، فيغيب مرة ومرتين، يراها أكثر تعلقا ومنهكة!
تعجبه هذه اللعبة كثيرًا، فيتمادى أكثر وأكثر، وكيف لا، فقد نجح في أن يضع يده على قلبها. وحقق التحدي المبتكر!
ويحك! ألست التقي يا فتى!!
فيرد بصفاقة: لكنني لم أرتكب جرما، فقط أريد الحلال، وأنا صادق وقد أحببتها فعلا، ويسرد أدلة “حبّه”!
تقدم إذا يا رجل، واطرق البيوت من أبوابها!
فيتعذر بلا خجل: ظروفي لا تسمح! لا يمكنني الزواج الآن! عائلتي شروطها صعبة، هي بعيدة جدا عني، وأنا أحتاج لكثير من المال؟ وفي الواقع قصتنا مستحيلة!
وأين كانت هذه المعاذير حين طرقت الباب مرة ومرتين وثلاث مرات؟
أين كانت هذه المعاذير حين تجرأت على وضع يدك على قلب امرأة مسلمة لا تحل لك!! لتتنصل الآن بحجة أو بأخرى هي الأخس والأنذل؟؟ أين كانت وأنت تتقرب لفتاة تعلم أنها ليست فتاة منحلة، بل ترجو رحمة ربها فتخدعها بالله، ومن خدعنا بالله انخدعنا له!
ولا أقول في كل الحالات، لكن في كثير من الحالات، وبعد أن حدد قائمة شروطه في زوجة المستقبل، وقبلتها الفتاة بكل تقدير وانجراف، مستعدة هي للبس النقاب، للانعزال تماما عن كل من تعرف، لتبقى المخلصة له في الحياة والممات في السر والعلن! لتبديل كل تفاصيل حياتها فقط لأجل أن يرضى!
تقدم له حقوق الزوج وبدون عقد زواج، من حيث الطاعة والاستئذان بل ويصل الأمر إلى فتح كل حساباتها الخاصة ومعلوماتها الحصرية لوضعها تحت تصرفه وأمره بلا وجه حق! وحد مراضاته وتقبيل يده ولو إلكترونيا حين ينزعج أو يغضب!
ماذا يحدث بعد ذلك؟ بعد أن اقتحم حياة امرأة لا تحل له ويطلع على كل تفاصيل حياتها وأسرارها وهتك الستر؟! يتراجع قلبه وإقباله، ويصيبه البرود، نعم يبرد، لم يعد يريدها، لقد ملّ! أو عاد له عقله، فقرر التوبة!
بكل بساطة سيعلنها توبة، ويغلفها بغلاف مسكنة مبتذل: “لأنني أحبك”، “لابد أن أبتعد فهذا لا يجوز، لقد أخطأنا!” بكل بساطة يلقيها في وجهها باردة كبرود قلبه وضميره وحيائه!
فيذهب ليتنصل لا ليتوب!! لأن لديه وجهة أخرى، وفريسة تتراءى في الأفق أكثر دسامة وإغراء لمرض قلبه.
سنتحدث عن العلاقات بميزان الوعي، وعن الخيبات بوصفها دروس بدايات تليق لا نهايات تفتك، وعن ترميم القلب لا بكسر رقته ولا بإطلاق احتياجاته بلا ضوابط، بل بإعادته إلى موضعه الصحيح كما أمر ربنا جل في علاه.
يهمني جدًا الحديث لهذه الشريحة من النفوس التواقة المقبلة ببريق عينين! كي لا تصطدم بقبح النفوس وببشاعة ما في واقعنا. أريدها حقًا أن تنظر حولها بعين الخبير المتبصر، المستفيد من تجارب الآخرين وإن لم يخضها بنفسه، لا السفيه المتهور، يدفعه الغرور وجرأة تضره!
وتدرك أن صيحات: “إياك يا فتاة”، لمن تكن أبدًا من فراغ، بل من واقع خسائر مثخنة لا تزال متواصلة! وضمير عزيز أمين، لا يرضى المهانة والذلّة لمؤمنة.
هي إذا وقفة مع الذات… لنفهم مشاعرنا قبل أن نحاكمها، ولنخرج بعلاقاتٍ أصدق، وحدودٍ أوضح، وقلبٍ أقوى لا ينهزم.
ماذا يجري حقا؟
تصلني كثيرًا رسائل لا تبدأ بسؤال بل بوجع. رسائل قصيرة متواصلة، لكنها مثقلة بليالٍ طويلة لم يغمَض فيها جفن، ولا سكن فيها قلب.
“لماذا فعل هذا؟”.
“أسأل الله أن ينتقم منه، حسبي الله فيه، لقد دمّرني.”
“أنا مصدومة… لا أفهم شيئًا.”
“كنت أظنه مختلفًا، ماذا كنتُ أرى؟ وماذا كنتُ أعيش؟”.
“أنا تائهة، لا أعرف هل أنا المخطئة أم هو؟”.
“هل ظلمته..؟!”.
هذه ليست كلمات للفضفضة، بل شظايا خيبةٍ عميقة، خرجت من قلوب تعلّقت، ثم أُسقِطت فجأة في بحر عميق، بلا طوق نجاة.وفي هذا الموضع تحديدًا، لا يكون الألم فقط في الفقد، بل في غياب الفهم.في ذلك السؤال الذي يطارد الروح يبحث عن إجابة: “لماذا؟”، “كيف تغيّر؟ كيف تلاشى؟ كيف انتهى كل شيء بهذه القسوة؟”، “لماذا لم يقل من البداية؟ لماذا الآن فقط بعد أن صدقته، وسلمته قلبي بحماقة؟”، “لماذا كنت أراه بشكل مختلف!”. ويرافق الصدمة في النفس، آثارا في الجسد، فقد تعاني الفتاة والمرأة المتضررة من أعراض، تساقط الشعر، وفقدان الشهية، من الغثيان واضطرابات الجهاز الهضمي، من الكآبة والحزن الشديد. من خوار وضعف عام، فتخسر من عمرها أعمارًا وهي في عز شبابها. وما أسرع جريان الدمع الحار في عينيها!
نحن هنا لسنا قاضيا يريد أن يدين أحدًا أو يحكم على أحد بالتبرئة، إنما نحاول أن نفهم لماذا وصلنا لهذه الحالة! ولنُسمي الأشياء بأسمائها، لأن الحيرة إذا طال أمدها تحوّلت إلى كسرٍ داخلي عميق يعيق الهمة عن النهوض ويقتل روحًا قبل أن يقتل جسدًا.
ولأنها علاقات تبدأ بلا وعي أو تحت غفلة الوعي، مندفعة متهورة، متوهمة! وإن أظهرت صوتا ووقعا يهتز له القلب فينجر لها بصدق وتفانٍ. إلا أنها نفوس لم تدرك بعد نقاط ضعفها، فغامرت في شرف غير مصون! لتخرج جريحة نازفة. وليتها تقف عند حادثة عابرة، بل كثيرًا ما تتسبب في زلزال يربك الإيمان ويهز الثقة ويضلّ الإنسان.
ولتقريب الصورة، سأسرد قصة تحدث، وكثيرات عشنها، وأخريات قد يواجهنها، فتأملي معي يا أمة الله:
فتاة ملتزمة، تتوق لحياة النقاء والصفاء والجمال! تحمل حلما عزيزًا جدًا، تصاونه بكل ما تملك. فجأة بين فضاء يعجّ بالناس والازدحام، يطرق بابها شاب!
شاب يفرض عليها وصفَا واحدَا – أنا لست كالآخرين – يطرق الباب، مرة ومرتين، وقد يطرقه أكثر وأكثر وبإصرار، بحجة “علم” و”دعوة” و”أهداف سامقة”، بحجة استشارة علمية أو مادة فقهية. سيجد دوما مدخلا..! ويكثر من الأدب حتى يخال للفتاة أنها تحدث الإمام التقي الورع وتهتز ثقتها بنفسها، فتراه أفضل من نفسها.
قد لا يكون يعني لها شيئا في البدايات، ولا يجذبها من أول وهلة، لكن كثرة المساس تفقد إحساس الاختيار الواعي!
تنظر أمامها وهي – بقلب فارغ يضعف – فتجد رجلا شديد الاهتمام بها، ذكيا في انتقاء عباراته، يهتم بما تهتم به، يسارع لما تحب ويتحرك دوما في ظلها.
هناك ترتسم ملامح صفحة جديدة، لقد طل طيف رجل .. يُعجب بما تقول وتفعل، أو تنشر وتكتب، ويتفاعل مع ما تقول، بدون أن تشرح! تلفته طلتها، تجذبه تفاصيلها، يشعرها أنها الأهم، والأكثر تميزا، كحارسها الخفي، كحلم طال انتظاره! هل يعقل أنه تحقق!
قد تتبدل بعض التفاصيل من قصة لأخرى، لكنه بطريقة أو أخرى، يفرض وجوده في حياتها، بما يشبع احتياجها ويلبي أمانيها، بعيدًا عن حقيقة واقعه وحقيقته هو في هذا الواقع، ويبدأ قصته معها من بوابة النبل والصدق والمسابقة بالخيرات! تماما كما يحب قلبها! رجل مبادئ وقيم يموت لأجلها. رجل “بطل” تماما كما يهوى قلبها وينجذب له!
هذه الفتاة، التي تصارع نفسها كي لا تنحرف وتضعف، في خضم فتن الزمان، وربما في بيت يحارب الاستقامة ويزدري الاجتهاد، ترى بصيص أمل، ترى نورا، يتجسد في حلم يتحقق. فيبدأ الحديث، باقتضاب وخجل، وبضوابط شرعية لازمة – كما تردد وتحفظ – وبعد فترة، يتعلق القلب وينتظر دقة الطارق النبيل! ويترقب خطوات فارس الأحلام المفترض.
بهاتف، برسالة، بكلمة، بنظرة، بتعليق أو إعجاب! بأي تفصيل يجذب ويصنع الانجذاب، ويلبي حاجة الاشتياق والاهتمام.
العلاقات غير الشرعية: بين الوهم والحقيقة
الجزء الأول: تشخيص نفسي واجتماعي وميزان الشريعة
بسم الله الرحمن الرحيم، اللّطيفِ الخبير، العليمِ الحكيم، الذي خلق الإنسان فسَوّاه فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه، وقدَّر له رزقه وأجله، القائل في كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمد، من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه، واستنَّ بسنته، إلى يوم الدين.أمّا بعد:
حياكن الله، وبارك جمعكن وسعيكن.
تصلني يشكل مستمر، استشارات بشأن العلاقات، تكتبها أيادي ترتجف، وقلوب أضناها التعب والتوجّس .. نفوسٌ مُستنزفة، وظنون مُشتتة. لم يعد هناك ثقة، ولا أمان، ولم يوجد هناك إجابة تُسعف الحرقة وغصص الندم!
قصص كثيرة جدًا، وتتكرر بشكل عجيب، متشابه التفاصيل، في البدايات وكذا النهايات، وإن تبدّلت الأسماء وتغيرت الملامح، النفس البشرية هنا تتفاعل بكل مكوناتها وضعفها، وسذاجتها ولؤمها، بسجاياه وبطبيعتها الطيبة والخبيثة!
“أرجوكي يا دكتورة تكلمي عن هذا الأمر!”، “بالله يا دكتورة حذري الفتيات من هذا الأمر!”… هكذا تنبعث حرقة النصيحة لمن اكتوت بنار التجربة الأليمة، بين نداءات استغاثة، تقطر ندمًا وفجيعة.
لا أتحدث عن نساء وفتيات عهدنا الانفلات والانحلال، ولا عن طبقة متصالحة مع الحرام ومجاهِرةٍ بالمعاصي. ليس حديثنا اليوم عمن جعلت من نفسها لعبة، ونموذجا قليل الحياء، فترتع في العلاقات بإصرار، كلما خرجت من واحدة بدأت بالأخرى! فهذا الصنف إن لم يتب لله توبة نصوحا، ستؤدبه السنن أو يستيقظ في وقت متأخر جدًا وينادي “ولات حين مناص”.
إنما أتحدث عن الخامة المجاهدة التي تريد الخير والصلاح، وترجو لنفسها الأفضل وتبحث لها الأحسن، فهي لا تبحث عن مجرد شهوة بل عن حياة! حياة تمتد إلى الجنة، مع من يشاركها الغايات والأحلام لا تتكسر! أتحدث عن قلوب مرهفة، أضناها الإنتظار في كمد، قلوب تترقب الفجر وملامح النصر! تكابد لتثبت ولا تريد لنفسها الدنيّة أو ما يحرفها عن السبيل، هي ليست مغيّبة عن الغاية الجليلة ولا عن حقيقة وجودها في هذه الدنيا. لكنها فُجعت في تجربة بائسة، تجربة حطّمت طموحاتها ودمرت أحلامها وكسرت ثقتها بكل شيء حولها. لم تعد المشرقة، بل انطفأت في كمد وجلد للذات وحزن وعقاب لنفسها.
ولذلك الأمر مهم جدًا اليوم أن نكشف الغطاء عن جرح غائر، ونُزيح الستار عن نزف مستمر في خجل! وندرس كيف وصلت الفتاة المسلمة لهذه الحال، ولم؟!!
لعلنا نصنع علاجا ونسترجع همما ونوفر حصانة وننقذ أرواحًا معرضة للخطر.
لأنني حقا، وأقولها بكل حرقة، لا أريد أن أرى فتاة أخرى تسقط، ووردة جديدة تذبل، لا أريد أن أرى هذا الأمر يتكرر، لذلك يجب أن نصنع وعيًا مهيبًا يخفف من خسائر هذه النفوس، ونرسم الطريق بكل تفاصيله الحقيقية، المخيفة والمفزعة، لنتعلم ونتقدم بدرع العلم والاستدراك، لا ننهزم.
والأمر في كل يوم يزداد سوءًا، مع استمرار التفريط في أسباب الثبات والوقاية، وسعة انتشار مواقع التواصل ونوافذها المتفلتة، وحسن ظن كاد أن يقتل!
في زحمة العلاقات، تتجلى حالة فتاة هنا أو هناك، قد تعلقت آمالها بكلمات عُدّت عهدًا وميثاقًا ممهورًا بالصدق والإخلاص، فتصبّرت تترقب الفرج يشفي صدرها من رجل، تحسبه دون غيره الأمثل، ثم ما تلبث فصول الرواية أن تتجلى أكثر وأكثر، لتُفجعها حقيقة الوهم والتصورات الحالمة، فتصطدم الفتاة هذه أو تلك، بواقع مرير جدًا، وتدرك في لحظة صفاء، أن أكثر ما يُتعبها ليس الفقد ذاته الذي كانت تعاني من تداعياته في نفسها، بل توقّعاتها هي التي أضحت الأكثر إيلاما وفجيعة لنفسها. إنها تلك الثقة الثمينة التي وضعتها في غير موضعها.وفي أحسن الأحوال تخرج بنصف قلب ونصف روح! قد هدمت شيئا منها، في مكان لا يصح استئمانه على عزيز، بل يُفقد البصيرة ويدفع للدنية ثم تفتك بها عزة النفس!
ما يجري اليوم، هو أن الكثير من الفتيات والنساء يخضن العلاقات بقلوبٍ عارية من الحذر، يمنحن أكثر مما يملكن، ويصمتن طوعا أو كرها عن إشاراتٍ كان ينبغي أن ينصتن لها بعقولهن قبل مشاعرهن، ثم يتساءلن بعد زلزال الخيبة: كيف وصلنا إلى هنا؟
درسنا اليوم ليس لإدانة المشاعر، ولا لجلد الذات، فالإنسان يضعف، ويخطئ ويسقط ويقوم! قال الله عز وجل ﴿ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [ النساء: 28]
لكنها محاولة صادقة لفهم لماذا نُخذل؟ كيف نتعلّق؟ ومتى تتحول عاطفة الفتاة من نعمة إلى عبء إلى سبب هزيمة؟
الاقتداء بالهدي النبوي في خفض الجناح للمؤمنين
ومما تفشى في زماننا وتوجه أصابع الاتهام فيه للآخر، هو ذلك الجفاء الذي تسلل للأسر، وتلك الحواجز السميكة التي انتصبت بين القلوب في قلب الأسرة الواحدة، وإنه لأمر مؤلم جدًا أن يكون هناك مسافة كبيرة جدًا بين الأخ وأخته وكلاهما تحت سقف واحد، بينما تجد أقرب الناس له ربما يعيش في بلد آخر أو قارة أخرى يجمع بينما من المودة والمحبة ما يغبطهم عليه الناس!
فالقضية ليس في مسافة حسية بل في مسافة معنوية بين القلوب، لا بد أن يتعهد الأخ أخته ويرفق بها ويصادقها، ويتقرب منها ليكون لها ناصحًا أمينًا لا عدوًا متربصًا ومناكفًا!
فكم من أخت استقامت بفضل الله ثم بفضل رعاية أخيها لها، بالنصيحة برفق والإحسان بمودة. وهو فن يتعلمه الابن مبكرًا، كأن يكلف بإيصال أخته وعدم السماح لها بالخروج لوحدها تتعرض لأذى، أو تكليفه بمساعدتها في اختياراتها بمشاركة محببة، بتعليمه تقديم الهدية والحنان على أخته والعطف عليها، بالسعي لصيانتها والحرص على أن لا يصلها الأذى، ومن ذلك، الحذر من إدخال أصحابه للبيت والاختلاط بأخته، وصناعة هيبة في البيت لا تسمح لمريض قلب أن يقترب من أخته.
فبعض البنات لا يصلهن مريض القلب خشية من هيبة يحملها الأخ أو الأب، وهذا من فضل الله عليها وإن كانت ضعيفة.
وكذلك الحال مع محارمه، فقيامه بواجب النصح لهن، والاهتما بهن في حالات المرض والضعف والابتلاء، هي مواقف تحفر في الذهن لا تنسى، وأيضا حمايتهن من شر في أنفسهن أو في صحبتهن، كأن تكون أخته على علاقة بصديقات مفسدات فيتقرب منها لكي يسد الفراغ النفسي ويمنعها من الانجرار لهم، فبناء ثقة في هذا المقام فقه وبصيرة لكل أخ سيصبح رجلا قوامًا وزوجًا تكتمل به زوجته، وأبًا مربيًا تستقيم على يده ذريته.
ليتربى الأبناء على سدّ الفجوات العاطفية التي يتسلل منها لصوص الأعراض أو تبدأ منها التنازلات والانحرافات، لحماية أعراضهم، فالابنة يجب أن تحصل على الإشباع العاطفي في بيتها والذي أساسه الثقة في أهلها وحبهم لها وإن قسوا عليها في تربيتها وتأديبها في حال الخطأ، هي موقنة أن أهلها هم الأحن عليها من رجل أجنبي يدعوها لما فيه سخط الله تعالى، وواعية أن أخاها أكثر الناس حبًا وحفظًا لها لا عدوًا قاهرًا يتجبر ويتسلط عليها، فلن تجد حرجًا في مصارحته بخطر يتربص بها أو أذى يلاحقها، لن تتردد في استنصاحه وطلب مشورته محبة ومودة، وهذا من أفضل وسائل الحماية، صناعة حصانة داخلية في القلوب وقوة ردع ذاتية لكل انحراف، بثقة راسخة بين الأخوان.
وفي الختام،فإن خلاصة ما نتحدث عنه هو عوامل وأسباب في صياغة مبكرة للأبناء رجالا قادة وكلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لجزئيات الشريعة كان أكثر تعظيمًا للكليات الضمنية فيها، وكلما كان الإنسان مستهينًا بجزئيات الشريعة كان أكثر استهانة بالكلي المتضمن فيها، فلا طريق لتعظيم الكلي إلا بتعظیم جزئياته وتطبيقاته.[8]
وهي مهمة زادها وذخيرتها الأولى العلم والصبر والتوكل، لأن الخارج موحش جدًا وأمواج الفتن عالية وإعداد قلب الفتى الفارس يجب أن يعتني بكل أسباب ثباته وعلو همته، وهذا تمام البر به.
هذه كانت رؤوس أقلام لمشروع صناعة رجل قائد في أسرته وأمته، والعناية بهذه التفاصيل وإن كان يراه البعض ترفًا، فهو أساس في التربية القويمة وحل شامل للكثير من المشاكل المعقدة والمتراكبة.
لنبني هممًا، تدرك أن “أخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب”.(9)
والله الموفق.
[1] أخرجه أحمد في مسنده، وإسناده صحيح.
[2] تفسير البغوي 1/422.
[3] مآلات الخطاب المدني ص181
[4] جمهرة مقالاته (ص490)
[5] الذريعة إلى مكارم الشريعة ص347
[6] (أخرجه أحمد في الزهد 217)
[7] روضة المحبين (ص 297)
[8] مآلات الخطاب المدني ص224
(9) آثار الإبراهيمي (56/1)
وقال الحسن الندوي في ذلك:”قد شهد التاريخ بأن كل أمة أصيب رجالها في رجولتهم وغيرتهم، ونساؤها في أنوثتهن وأمومتهن، وطغى فيهن التبرج، ومزاحمة الرجال في كل شيء، والزهد في الحياة المنزلية، وحبب إليهن العقم، أفل نجمها وكسفت شمسها، فأصبحت أثراً بعد عين”.
ولكنها الغيرة المحمودة التي هي غيرة على حرمات الدين والعرض وليس المرضية التي نهى عنها الله تعالى، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود عليه السلام لابنه: “يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك”[6] ذلك أن الإفراط في الغيرة يجلب التهمة للمرأة ويؤذيها أكثر مما يحميها.
قال ابن القيم رحمه الله:”وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله. وغيرة مذمومة يكرهها الله.
فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الريبة.
والتي يكرهها: أن يغار من غير ريبة، بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغَيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه. وفي المسند وغيره عنه قال:”الغَيْرة غيرتان: فغيرة يحبها الله، وأخرى يكرهها الله، قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الغَيْرة التي يحب الله؟ قال: أن تؤتى معاصيه، أو تنتهك محارمه، قلنا: فما الغَيْرة التي يكره الله؟ قال: غيرة أحدكم في غير كنهه”.[7]
وقال صلى الله عليه وسلم:” إنَّ من الغَيْرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يكره الله؛ فالغَيْرة التي يحبُّها الله الغَيْرة في الريبة، والغَيْرة التي يكرهها الله الغَيْرة في غير ريبة “. (صحيح النسائي)
ولتحقيق ذلك في تربية الابناء، نحتاج لأن نربيهم على مرجعية راسخة، تُؤمّن فيهم مكارم الأخلاق منذ سن صغيرة، إنها التربية بالقرآن والسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة رضي الله عنهم، بقراءات نافعة وقصص هادفة، تحفظ غيرتهم سليمة وذوقهم جميلا، بدون إفراط ولا تفريط.
ويساعد في ذلك إبعادهم عن مواطن الفتن والمشاهدات المفتوحة للنساء بدون حجاب، وتحذيرهم من الاستهانة بالاختلاط منذ سن البلوغ، وتبيان أن هذا الفعل منكر، وتحذيرهم من مشاهدة الصور المحرمة والأفلام المحرمة التي يعتاد فيها الطفل النظر للعاريات ولا يتأثر ويحسبه أمرًا طبيعيًا في المجتمعات، لكنه في الواقع يبني رصيدًا هدامًا فيه. ولا بأس من تشجيعهم على إهداء أخواتهم الحجاب وما يعزز فيهن الحشمة والحياء،
ومداخل ثقافة على الأبناء يجب أن تكون تقية قويمة، حتى يشتد فيهم حس الإنكار لما يخالف شريعة الله تعالى، وكلما تعلم الصحيح من الخطأ استمر ذوقه سليمًا وحسه قويمًا. وكلما نشأ على تمييز الحق من الباطل، قوي قلبه واشتدت بصيرته، ذلك أن نور الله يهدى للتقي!
ومن ذلك أيضا إخراطه في مشاريع تعزز الغيرة فيه بتفريج الكربات والعمل الدعوي التطوعي وحملات الدعوة للحجاب وغيره من أعمال تحفظ فيه حس الغيرة وواجب القيام بدوره أمينًا قويًا.
قال ابن تيمية رحمه الله: “معاشرة الرجل الأجنبي للنسوة ومخالطتهن من أعظم المنكرات التي تأباها بعض البهائم فضلًا عن بني آدم، قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)”.
جامع المسائل | 219/5
ترسيخ أهمية دور الابن في الأسرة
بمجرد أن نربي الابن على أهمية الدعوة للتوحيد في أسرته، وأهمية الدراية بمسؤولية الإنفاق وإدارة المال، وإحاطته علمًا بتكاليف ومسؤوليات القوامة التي هي شرف يجب أن يصونه ويحفظه بحسن عمل وأداء، وبمجرد حفظ غيرته الطبيعية المحببة، نكون قد صنعنا وعيًا مهيبًا لزوج وأب المستقبل، ولكنه غير كافٍ مع ما يتوعد الأسرة اليوم من أخطار لذلك يجب أن يرافقه وعي مبكر يشمل أهمية الأسرة المسلمة، وطبيعة الأخطار التي تتوعدها وتتربص بها في زماننا بالذات وتقديم إيضاءات منهجية لطرق أعداء الإسلام في حرف هذه الأسرة عن مهامها ووظيفتها في المجتمع المسلم، وضبط نيته ومقاصده من الزواج، اختيارًا وتأسيسًا وأهدافًا، وتصحيح مفاهيم مغلوطة انتشرت أضحت لأجلها الأسرة في مهب رياح الأهواء لا حصنًا حصينًا وقلعة شامخة وعاملا من عوامل انبعاث الأمة وسببًا من أسباب إقامة بنيان الإسلام في الأرض.
فكلما تم توضيح القواعد والأسس مبكرًا، يمكننا أن نطمع برجلٍ قوامٍ واعٍ قادر على تحمل تكاليف بناء أسرته وإقامتها على الإسلام، فيكون أول شرط له في الزواج، إقامة أسرة تحتكم لشريعة الله لا قوانين وضعية ولا أهواء بشرية قاصرة متضاربة.
ويكون ذلك بتعظيم الفضائل في عينه وتحقير الرذائل، وتعويده على حب مكارم الأخلاق وبغض سافلها، وتربيته على التمييز بين الحق والباطل والنظر بهدي القرآن وفقه السنة. إنها عملية صياغة رجل بكل ما تعنيه الكلمة من معاني، على الإسلام الخالص!
وإذا نظرنا في هذه المعاني نجد أهمية ملحة لتربية الابن على قوة في جسده وهمته وعقله، وعلى مكارم الأخلاق والمروءة، فمرتبة القيادة تتطلب أخلاق الفارس القائد وليس مجرد سلطة تسلم ليد من لا يعرف قيمتها وتكاليفها. وهذا يعني تكليفه بالمهام التي تعزز فيه هذه الصفات وتبرزها وتقويها. تربية تعتني بازدهار خصاله الرجولية وتعزيز صفاته القيادية.
وتربية الأبناء على هذه المعاني تبدأ مبكرا في البيت برؤيتهم للأب يقوم بدور القوامة، فإن لم يوجد فبالبحث عنها في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح. وإقامة النفس عليها.
ولعل من أهم ما يجب تربية الأبناء عليه، هو فن العشرة بالمعروف، ويكون ذلك مبكرًا، لأن لدينا خللا كبيرًا في هذا الفن في الأسر، فينشأ الأبناء على قلة صبر وسرعة تذمر، والعشرة بالمعروف روح العلاقة الزوجية، وأساس في استمرارها على تقوى من الله تعالى حتى إن لم يتوفر فيها المودة والمحبة، لذلك جاءت بصيغة أمر في القرآن، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: من الآية19)، وهي تشمل جميع جوانب الحياة الأسرية، والتعاملات الزوجية التي تقع بين الزوجين، بما في ذلك أسلوب الحديث والرحمة بالزوجة وإسعادها والتغاضي عن نقاط ضعفها التي يمكن التغاضي عنها.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) “أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: من الآية228)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك، قالت رضي الله عنها: “سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني فقال: هذه بتلك”، فتأمل هذا الفقه وهذه البصيرة!
ويدخل في تربية الأبناء على مهمة القوامة، تلقينهم أهمية العدل والإنصاف في استخدام هذه الوظيفة فالإسلام ليس مقتصرًا على آية القوامة، بل يؤخذ الكتاب كاملا وبقوة، فهي قوامة مقرونة بالحذر من الظلم والحذر من البغي والاعتداء والجور ماديًا ومعنويًا.
وأفضل قدوة لتعليم الابن القوامة، الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعاملاته مع زوجاته، رضي الله عنهن. كما قال بعض أهل العلم:”من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق -كلها- واستحقاق الفضائل بأسرها؛ فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به، بمنه، آمين”.
ولا أزال أشدد على ضرورة أن يلقن الأبناء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسننه مبكرًا، ليتخلقوا بأخلاق خير الأنام ويستقيموا على هدي منهجه القويم- صلى الله عليه وسلم- فيسلموا من فتن الإفراط والتفريط.
تقدير وتفعيل الغيرة وضبطها دون إفراط وتفريط
ومما يحدث في زماننا، ذلك الاغتيال الصامت للغيرة! والتي هي أساس في تربية الابن الرجل القوام بل وفي صياغة جيل فاتح وجيل مقيم لشريعة الله متمكنا في الأرض، ويحدث ذلك بمطرقة وسندان، مطرقة منعه من إنكار ممارسات التبرج والاختلاط وقلة الحياء داخل أسرته وسندان شارع مليئ بالمنكرات يسير وفق سياسة ” كثرة المساس تفقد الإحساس!”.
قال إبراهيم السكران: ومما بنوا على أصل النسبية : “أنهم يطلقون ألقابا تنفيرية على حالة «الغيرة» و«الحمية» على الشريعة والفضيلة، فيطلقون على الداعية الذي يغضب لله ويتمقر وجهه إذا انتهكت الأصول الشرعية متوترا، أو يسمونه نزا، أو أهوجا، ونحو هذه الأوصاف والعيوب، ويسمون الخطاب الدعوي الذي يضج بالحرقة للدين : خطابا متوترا “![3]
إنه واقع أليم جدًا يخنق غيرة الرجل ويجعله يستسلم لواقع يتسامح مع المنكرات بل ويُنكر فيه على من ينكرها، قال تعالى (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
وهذا يعني أهمية العناية بمشاعر الغيرة في الابن وعدم كبتها وإخمادها في نفسه، فالغيرة من أهم عوامل الانبعاث والنهضة وهي من دلالات سلامة الفطرة السوية.
قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله :”إن اﻷمم التي تفقد الغيرة على دينها وأعراضها، ليس لها إلا الدمار”[4].
وقال الراغب الأصفهاني عن الغيرة: “جعل اللَّه سبحانه هذه القوة في الإنسان سببًا لصيانة الماء وحفظًا للإنسان، ولذلك قيل: كلُّ أمة وضعت الغَيْرة في رجالها وضعت العفة في نسائها، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته” [5]
صياغة الرجل القوام مبكرًا
من معضلات زماننا ذلك التدابر والتخاصم والعداء على بديهيات في شريعة الله تعالى، ومن ذلك حق القوامة للرجل، وإنه لمصاب عظيم أن ينازع الرجل في حق وواجب كفله الله تعالى له لمصلحته ولمصلحة أهل بيته ولمصلحة الأمة برمتها، وبدل أن يُعد ويهيأ لاستلام مهمة القوامة ومسؤولياتها بنضوج وفقه وبصيرة، يحارب ويناكف وتنتزع منه دفة القيادة، ثم تترك السفينة لتغرق!
قال البغوي – رحمه الله -: “القوام والقيم بمعنى واحد، والقوّام أبلغ، وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب”[2]
والقوامة علم وفن، ومسؤولية وأمانة، وواجب ومهمة، والتقصير فيها معول هدم في الأسرة وكل الأمة، ولذلك يجب أن يتربى الابن منذ صغره على أنه يتهيأ لتحمل مسؤولية الزواج والأبوة، وهذا يعني أن يقدم له الوعي اللازم لاستلام هذه الوظيفة المصيرية في حياته، وحياة من تحت مسؤوليته.
قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ (النساء: 34)
وقال تعالى ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (البقرة: 228 )
وقوامة الرجل تشريف وتكليف، فهي هبة من الله تعالى وتفضيل الله الرجال على النساء، وتكليف للرجل في الوقت نفسه، كي يسعى لجمع كسبه وإنفاقه على زوجته وتأمين مصالحها الدنيوية والأخروية.
قال تعالى ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
وهذا يعيدنا لأهمية تربية الأبناء على تحمل المسؤولية المالية مبكرًا كما أسلفنا، فهذا الإعداد ركن من أركان صياغة الرجل القوام أيضا.
وإعداد رجل قوام يعني إعداد رجل قائد يقوم بمسؤولياته قيام الولاة على الرعية .
وهو يتطلب تربية على مقاييس إسلامية قويمة من هدي القرآن والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ليدرك أهمية الولايات المناطة به في شريعة الله تعالى وتكاليفها.
وهكذا يجتمع الشرف مع التكليف ولا يتفرد الشرف بدون عمل! وهو ما يسيء فهمه البعض، فالقوامة صلاحيات توجب إعداد الرجل لتحمل مسؤولياتها، مع الخشية من المحاسبة والمساءلة عنها أمام الله تعالى.
والقيام بالقوامة يتطلب وعيًا مسؤولا عن أهمية أداء هذه الوظيفة بتمام الأمانة والتقوى. فوجود رجل يسيء لقوامته من عوامل الهدم والظلم الموجب للخسران!
والرجل يجب أن يكون قواما على أكمل وجه كلفته به الشريعة قدر المستطاع، وليس له التنصل من هذه المسؤولية!
وتربية الابن على هذه المعاني يسير مع فهمه لطبيعة الفوارق بينه وبين المرأة ليحسن التواصي بها.
فللرجل مقوّمات جسدية وخلقية تؤهله للقيام بتكاليف الولايات المناطة به في الإسلام، ومنها قوة الجسد وقوة العقل، واعتدال العاطفة، وهي أساس الرأي والعزم وتحمل الأعباء، ولا تستقيم بدون مقومات عقدية وخلقية، ليتمكن من تحمل وأداء مسؤوليات ولاية كبرى أو القيام بشعائر الإسلام التي خص بها الرجل كالجمعة والجهاد والقوامة.
وكل ولاية يتحملها الرجل في الإسلام، تتطلب صفات رجولية ووعيًا عقديًا وأخلاقيًا تستقيم به المسيرة، وهذا ما يستوجب تربية تستوعب هذه التفاصيل المصيرية، تربية تعد لنا رجالا يسدون ثغورهم ويقودون المسيرة بنور من الله تعالى. أما انتزاع هذا الدور منهم أو حرمانهم من أسباب القيام به بكفاءة فهو أكبر جريمة وخيانة للدين والأمة، وهو أبرز عامل من عوامل انهيار الأمة ونهضتها.
فلينشأ الابن على فهم معاني القوامة وليستعد نفسيًا وعلميًا وماديًا لأداء هذه الوظيفة. قد تعلم واجباته وأهمية ثغره، وأحاط علمًا بأوامر الله ونواهيه سبحانه، فأحسن الوفاء لمسؤولياته.
ولا يعني ذلك أن يستكبر الرجل على المرأة أو يعاملها معاملة الإجحاف والظلم، لكونه صاحب ولاية كما يفعل الحكام الطغاة برعيتهم، بل هو مأمور بحسن الوصاية عليها مدركا طبيعة ضعف في الأنثى، وإلا فحسابه عند الله عسير.
وقد نبه الإسلام على ضرورة قيام كل رجل وامرأة بوظائفهما المتكاملة، دون تمني لما فضل الله به بعضهم على بعض، قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
وإن رأى الرجل من محارمه ما تقر له عينه وتطرب له نفسه من حسن استقامة وإقبال على القرآن وتحقيق لمعاني التوحيد، فلا بد بالموازاة أن يظهر فرحته ومحبته وترحيبه وتشجيعه لذلك، مستخدما طرق متعددة في التعبير عن تأييده للمؤمنة المثابرة، من إهداء الهدايا والثناء في المجلس والدعم والمساندة النفسية والمادية. فالنفوس جبلت على حب من يحسن لها ويقدر بذلها.
وهذه خطوة أولى لإعادة الهيبة للابن الرجل في أسرته، ناصحًا أمينًا، ومرشدًا قريبًا.
تربية الأنباء على مسؤولية الإنفاق
إن إعداد الرجل للقيام بمسؤولياته في الإسلام، وهي مسؤوليات مهيبة جليلة، لا يكون مصادمة وفجأة، بل يجب أن يكون مبكرًا منذ سن صغيرة، فمن شبّ على شيء شاب عليه.
يَنْشا الصغيرُ على ما كانَ والدُهُ
إنّ العُرُوقَ عليها يَنْبُتُ الشجرُ
وما غفلت عنه الأسر في زماننا هو إعداد هذا الابن الرجل لوظيفة القائد لأسرة مقبلة ولتحمل مسؤوليات الرجال في شريعة الإسلام كفرد بنفسه وكفرد في أمته، فتجد الابن يصل لسن العشرين ولا يزال لم يعرف إدارة مالية ولا استقلالية ولا تحمل مسؤولية أداء النفقة أو إدارة المصروفات أو حتى صلة رحمه ولو باليسير من المال ليعيش معاني القوامة وقول الله تعالى ﴿وبما أنفقوا من أموالهم ﴾.
وهذا يعني واجب تربية الابن على تحمل المسؤوليات المالية مبكرا جدًا، من حيث تعويده على حسن التعامل بالمال والشراء والادخار الذي يحقق به أهدافه، وتعليمه الصدقة والإنفاق وبر والدته ومحارمه بمبلغ من المال في المناسبات والأعياد، ولتسهيل ذلك يجب تخصيص مصروف له، يوضح له الهدف منه، وما يجب أن يفعله به. بل ويستلم بعض المهام المالية في البيت كدفع الفواتير بنفسه ليستشعر المسؤولية.
وأرى من المهم جدا أن يحصل الابن منذ سن التمييز (7 سنوات) على مصروفه الشخصي (مبلغا صغيرًا) ويتابع فيه بحيث يساعده الوالدان على ترشيد مصارفه، وفي سن البلوغ يجب أن تزداد حصة المصروف، ويدخل فيها مهمات مثل: “اشتر لأختك، اشتر لأمك”، وهكذا.
وبعد سن البلوغ، من الجميل أن يشارك الابن إن أمكن، في مشاريع جمع الصدقات وتوزيعها على المحتاجين والفقراء فإن في ذلك أدبًا وتربية على حسن إدارة الأموال وترشيدها، وكل ذلك يوازيه صنع وعي عقدي وخلقي واقتصادي في ذهن هذه الهمة المؤمنة التي تتهيأ لاستلام زمام القيادة.
يجب ألا يتعلق الابن بالمال على أنه هدف بل وسيلة، ولذلك تأتي التربية الإيمانية مصيرية في مثل هذا المسار، حتى لا يتحول لجشع يسلب الناس حقوقهم أو يسيء فهم الغاية مما نفعله فيسرق لينفق ويتصدق!
ومما يساعد في ترسيخ حسن الإدارة المالية تربية الابن على كتم الأسرار واستلام مهام الكبار تدريجيًا، فإن ذلك يصنع في نفسه الثقة والعزيمة وعلو الهمة، فأن تولي ابنك مهمة سرية، لا يعلمها أحد في البيت إلا هو، فهذا يصنع فيه قوة في قلبه ويبصّره بطاقاته ومكانته في الأسرة والأمة. ويكون ذلك في مهمات خيرية، من باب الخبيئة مثلا، أو تفريج الكربات وكل ما يدخل في فلك الأعمال الصالحة والمقاصد الطيبة وصياغة رجل مسلم مؤمن محسن تقي.
ومما يؤذي الابن وقد يصل إلى نتائج عكسية ونقض الغزل، تعييبه في تعاملاته المالية، والإغلاظ عليه من حيث الذم والشتم والإهانة خاصة إن اجتهد في صرف المال في ما يراه حقا وأولوية، فإن تذكيره بأن هذا المال ليس له وأنه مجرد تابع ذليل لصاحبه، هدم وكسر لنفسه، بل يجب ترسيخ مفهوم المال مال الله والإسراف فيه جريمة، وأداء حقوقه فريضة، أخذا وعطاء.
وإن أقبح ما يفعله الآباء عند تسليم الابن نصيبًا من المال، إذلاله به والمنّ به عليه!
فلا يليق أن يأخذ الابن المال الذي سيتعامل به في خدمة أسرته بالمنّ والأذى، بل يجب أن يأخذه بفقه الثقة والأمانة و﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
ونحقق نتائج رائعة إن رافق ذلك زرع الخشية من الله تعالى وتعظيمه جل جلاله في نفس الابن مبكرًا ورافقه الإحاطة بفروض الدين المتصلة في منظومة واحدة متكاملة.
جاء في الحديث: “الصدقةُ على المسكينِ صدقةٌ وعلى ذي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صدقةٌ وصِلَةٌ”. (صحيح ابن ماجه) ولعل أكثر ما يفرط فيه الناس في زماننا – على كثرة صدقاتهم – هو صلة الرحم، ولعل أكثر ما يفرطون فيه، هو تربية الأبناء على الصدقات وصلة الرحم معا.
فإصلاح هذه الثغرة مهم جدًا لمستقبل الأسرة وإعداد جيل من الرجال قادر على تحمل المسؤوليات الأسرية والمالية وأداء فروضة في باب صلة الرحم والإنفاق والقوامة وكل أشكال القيادة.
وفي الواقع إن ما نراه من أخطاء وفشل أسري يتفشى اليوم في مجتمعاتنا، إنما الأصل فيه – بغض النظر عن الأسباب المتصلة – فشل أسري سابق وسوء إعداد للأجيال لوظيفة قيادة أسرة، فكيف بقيادة جهاد وقيادة أمة!
قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:”والاعتمادُ على النفسِ خيرُ ما حَمَلَ الآباءُ عليه أبناءَهم؛ فهو الرائدُ إلى السَّعادةِ، وهو أساسُ الحياةِ الاستقلاليةِ” (آثار الإبراهيمي (46/1).
واجب الإعداد المبكر لصياغة الأبناء رجالا قادة
في الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن ضرورة صناعة وعي سويّ للمرأة وحصانة تقيّة من الدعوات المحاربة والهدامة لأنوثتها ووظيفتها الحيوية في المجتمعات المسلمة، أجد الجهود في هذا الاتجاه قاصرة إن لم تكتمل بجهود موازية ومتلاحمة لإعادة الهيبة للرجل قائدًا في مشهد الأسرة والأمة.
فكل جهودنا في إعادة المرأة لموقعها الحقيقي ستكون ضعيفة إن لم نُعد الرجل لموقعه أيضا، ذلك أن دور المرأة لا يكتمل إلا بوجود الرجل القوام عليها، وأن سهام الدعوات المحاربة لم تستفرد بالمرأة دون الرجل، بل ما وصلت للمرأة إلى بعد تحييدها للرجل وتمكنها من تقزيم وظيفته ومسؤولياته بمنهجية خبيثة مدروسة، لا تزال تستهدف مقومات الأسرة المسلمة وتمنعها الانبعاث قوية مسابقة.
وعودة المرأة لدورها بدون وجود الرجل في موقعه سوء تخطيط وفشل استراتيجي! ذلك أن دور الرجل قيادي وتضييع القيادة تضييع للمرأة وإن صلحت!
دور الرجل ومسؤوليته في ضبط أسرته
ولأنه القائد في الأسرة، ولأنه المسؤول الأول عنها أمام الله تعالى، كما في الحديث، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” متفق عليه.
نجد من الضرورة الملحة إعادة الاعتبار لهذا الدور، والذي يدخل فيه، تربية الأبناء على تحقيق مراتب الرجولة والقيادة، ويبدأ ذلك من حملهم مسؤولية النصح والتوجيه للنساء من محارمهم لتحقيق معاني العبودية لله تعالى، أيًا كان موقع هذا الابن في الأسرة، فهو مسؤول عن دعوة محارمه من النساء، إلى تحقيق معاني العبودية لله وحده لا شريك له وإعانتهم على ذلك.
وأما كيف يفعل ذلك فهو يفعله بفقه وبصيرة، وبالنصيحة، وبكل وسيلة ممكنة يطرق بها قلوبهن، قبل أن يذهب لأي شيء آخر في علاقته معهن، عليه أن يرسخ هذا الأصل الأصيل بينه وبينهن، حتى تصبح مجرد رؤيته تذكير لهن بالله!
ولا يحتاج في ذلك لعبوس أو قسوة، ولا لغلظة في الكلام وشدة، فالأمر يكون بسلاسة وبعد نظر، بطرح الأسئلة التي تقرب المعاني الجليلة، بشرح آية، بتقديم موعظة خفيفة، وقليل دائم خير من كثير منقطع، مع إظهار الشفقة عليهن وحب الخير لهن.
وقد يكون بضرب المثال بقصص من التاريخ والواقع عن عاقبة التفريط في التوحيد والخوض في كل ما يفسده، وتبيان الأصول التي لا يصح العمل والعبادة بدونها: الإخلاص لله وحده لا شريك له، وحسن الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم.
فليحدثهن عن حديث النيات، عن واجب ضبط المقاصد والعزائم على نور من الله جل جلاله، فإن صلحت صلح كل ما يليها وإن فسدت فلا تلومن المرأة إلا نفسها.
وهذا دور يغفل عنه الكثير من الرجال في أسرهم ويعتقدون أن العلاقة مع محارمهن هي صلة رحم مجردة من واجب التذكرة بالله تعالى وحثّهن على الاستقامة.
وكم من مجلس عائلي لم يذكر فيه الله فتحول لما يغضب الله، وارتد على أصحابه بسخط الله تعالى والعياذ بالله!
فليعتن الرجل بهذا الأصل المهم في علاقته بمحارمه قبل أن يجتهد في ما هو أبعد، قال الله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) فقد بدأت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالأقرب! عن عائشة قالت: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ, يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا, سَلُوني مِنْ مالي ما شِئْتُمْ”.[1]
ويدخل في دعوة محارم الرجل من النساء، الحرص على استقامتهن ونصحهن، فخروجهن متبرجات لا يجب أن يلاقي ترحيبه وثناءه عليهن، بل يجب أن يقابله انزعاجه وإظهاره الإنكار لهذه المعصية، وإن لم تكن له سلطة تغيير في البيت فإنكاره هذا سيحدث شيئا في قلب المرأة ويشعرها بالنقص وبفداحة ما تفعله وكم من إنكار في محله انتهى بهداية الفتاة للستر والخشية من الله تعالى، وفي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من البركات والفضل ما لا يدركه إلا من أقام نفسه عليها ابتغاء مرضاة ربه جل في علاه.
ويدخل في ذلك التذكير بالفروض والصلاة والعبادات في مواسمها الفاضلة، وإن التذكرة الجميلة تهتز لها النفوس وإن غفلت.
كيف أحقق قول الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) وأنا امرأة؟
أنا كأمرأة مسلمة ..كيف أحقق قول الله تعالى ” واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” ؟؟
غير التحضير الإيماني…كيف استعد لما هو آت ؟!
الجواب
سؤال مهم جدا، لكل مسلمة تريد أن تعد ما استطاعت من قوة!
اعلمي أن ثباتك على فرائض الدين وسننه والالتزام بما أمرتك به الشريعة كأمة لله تعالى، نصف الإعداد، فهذا لوحده يجعلك في موقعك الذي أراده الله تعالى لك، ويدحر حملات الأعداء التي تسعى لزعزعة موقعك وجرفك للدنو والهامش وشغلك بما يجعلك معول هدم في أمتك لا لبنة بناء. وتقديم صورة المسلمة الأبية اليوم نصر عظيم في معركة الحق والباطل، ودعوة وحجة!
بعد ذلك يأتي فقه الأولويات، فهناك حقوق وواجبات في حياة كل مسلمة، فلتؤدي حقوق من هم في دائرة مسؤولياتها، من والدين وزوج وأبناء وصلة رحم. وأوفى أداء هو أن تبقى منارة تذكرهم بالله تعالى وتنير لهم الطريق، وتسندهم وتشد عضدهم وتجبر الضعف وتسد النقص. فبرها بوالديها وزوجها وأبنائها ومحيطها هو التواصي بالحق والصبر والتعاون على البر والتقوى.
وللأمهات أولوية قصوى لا تقبل التهميش أو التأخير، بل توجب كامل الإخلاص والتخطيط والسعي، وهي إنشاء جيل مسلم قادر على حمل أمانة الإسلام بأفضل ما يكون، بقوة في دينه وجسده وخلقه وأهدافه وتأثيره في الأرض. فهذا مشروع حياة كل أم اليوم ومن الفروض التي يعد التقصير فيها خيانة!
بعد ذلك تأتي المساهمة في مشاريع الجهاد التي تناسب مكان المرأة وموقعها، بدون أن تقصر في واجباتها الأولى، أو تتعرض لمزاحمة الرجال أو منازعة لهم أو فتنة أو ما ينقض الغزل، ولأنه زمن جهاد وفريضة، فموقعها في جهاد الكلمة إن أعدت نفسها لذلك وتمكنت في ثغر الدعوة والإصلاح والنصرة الإعلامية لقضايا الإسلام والمسلمين المستضعفين في الأرض، بترسيخ الأصول وحفظ هيبة منظومة الأخلاق والعفة والأدب، وتقديم القدوة للفتيات اللاتي يشاهدن ويبحثن عن موقع لهن في هذه الحياة، بينما تتربص بهن الدعوات الهدامة والمفسدة والمنحرفة.وبالإبتعاد عن كل ما يصنع التراجع ويضعف الهمة ويفسد العمل الصالح.
والدعاء والمجاهدة والصحبة الصالحة وسيلة المؤمنة. والمعية والتوفيق والفتح، بقدر الصدق!
