uz
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

Kanalga Telegram’da o‘tish

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

Ko'proq ko'rsatish
557
Obunachilar
+524 soatlar
+247 kunlar
+13930 kunlar
Postlar arxiv
وروى الترمذي عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ؟ قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ: ” ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ “. (السلسلة الصحيحة) فكم بيتا ترتجين اليوم يا أم الشهداء التسعة! وهل من لقب يليق بك غير هذا اللقب!! لقد ورد في الصحيحين أجر خاص لمن توفي له أكثر من ابن فصبر واحتسب، فعن عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ امْرَأَةٌ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ” صحيح البخاري ومسلم. وفي رواية عند البخاري عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ”. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يَقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سَرّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيرًا له “. (صحيح مسلم) وأنت تقرئين هذه النصوص تذكري أنها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم! من لا ينطق عن الهوى، خاتم الأنبياء وسيد الخلق أجمعين وأحبهم لله جل وعلا! من يعلم ما سيكون في أمته ويحفظ لهم البشرى! قال ابن القيم رحمه الله:”فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزِّه وعافيته، ولهذا كان أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءَ، ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يُبتلى المرءُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدّد عليه البلاء، وإن كان في دينه رِقَّة خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن، حتى يمشي على وجه الأرض وما عليه خطيئة” ، ” إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ” (2/ 935). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ “. [صحيح رواه الترمذي وابن ماجه] إن هذه الآيات والأحاديث مواساة لك يا آلاء من ربك جل جلاله ومن نبيه صلى الله عليه وسلم، إن هذا الفضل والأجر جبر من الله تعالى وبشرى لك ولزوجك وأولادك، بل هو التهنئة! فهي مبلغ الأماني والمساعي، إنها الجنة، وشرف الخواتيم التي تُفدى ويبذل لها. أوليست كل حياتنا في نهاية المطاف لأجل هذه الجنة! أوليست للنجاة من النار ونيل مرضاة الله تعالى! وأليس هذا الشرف كل ما نتمنى ونرجو ولأجله نصبر ونتجلد ونحتسب! وكذلك علمنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، : «قعدت أنا وعبد الله بن جحش صبيحة يوم (أحد) نتمنى، فقلت: اللهم لقني من المشركين رجلاً عظيماً كُفْرُه، شديداً حَرْدُه، فيقاتلني، فأقتله، فأخذ سَلَبَه. فقال عبد الله بن جحش: اللهم لقني من المشركين رجلاً عظيماً كفره، شديداً حَرْده، فأقاتله، فيقتلني، فيسلبني، ثمّ يجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله بن جحش، فِيمَ جُدِعتَ؟ قلتُ: فيك يا ربي. فوالله لقد رأيته آخر ذلك النهار وقد قُتِل، وإنّ أنفه وأذنه لفي خيط واحد بيد رجل من المشركين، وكان سعد يقول: “كان عبد الله بن جحش خيراً مني. وكان سعد يقول: كانت دعوة عبد الله خيراً من دعوتي”. وقد كانت خاتمته رضي الله عنه كما تمنى وطلب، ولذلك كان يُعرف بالمُجَدَّع في الله! و”من كان في الله تلَفُه، كان على الله خلَفُه”. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكيف والفجيعة في حال آلاء قد رافقتها بارقة السيوف وعدوان المغضوب عليهم وخذلان مشين فتاك وحصار حاقد خسيس نذل، وفي أرض مباركة! فكم من الاحتساب يسعك اليوم لابتغاء الجبر الأوفى وأعلى الدرجات عند المولى!

آلاء الأبية .. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ مرتبة شرف ووعد حق! إلى د. آلاء النجار، خنساء زمانها، عظم الله أجرها وربط على قلبها ورضي عنها وأرضاها وأقر عينها بذريتها منعّمة في فردوسه الأعلى. وحفظها وحفظ زوجها وصغيرها وعوضهم العوض الأوفى، وجعلهم للمتقين أئمة. أعلم أن كل الكلمات لا يمكنها أن تحتضن وجعك، ولا فجيعتك، وكل العبارات مهما بلغت من بلاغة وصدق عزاء، لن تكون شيئا أمام مصابك في فلذات كبدك. فلغة الكلمات تتعطل، ومساحة الدمع أكبر من مساحة العين، وكل حديث عن مواساة يتصدع! ولكن لغة الإيمان شفاء، ولغة اليقين بشرى المؤمنين على امتداد الأزمنة والعصور والأماكن لا تمنعها مسافات ولا حروب ولا عقبات ما دام القلب نابضا بمحبة ربه جل جلاله وابتغاء مرضاته. ومواساة المؤمنين عبادة، وولاء، وكما نزف جرحك نزفت جروح المسلمات في كل مكان يسألن الله أن يربط على قلبك ويعلي درجتك ويشفي صدرك. إن الأم حين تفقد طفلا واحد، يحترق كبدها، وتبكيه إلى آخر رمق، كيف لا وهي ترى جزءا من روحها قد انتزع منها وفارقها في لحظة فجيعة، فلا تنساه وتعيش على ملامحه تذرف الدمع عند كل لحظة ذكرى وشجن. فينزل حارا كأنه توفي للتو في حضنها! ولكن مع كل ذلك ومهما بلغت الفجيعة مبلغها في النفس، فـ (إن مع العسر يسرا) (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وهذا النور يوجبه الإيمان واليقين. فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم. والله تعالى لا يترك عباده بدون ما يثبتهم ويربط على قلوبهم ويخفف من مصابهم، وبقدر الإيمان والاحتساب تنال أمة الله من الثبات والمواساة الربانية ما يجبرها ويهون مصابها، ولذلك فإن استحضار الآيات والأحاديث الجليلة في هذا المقام من تمام الفقه والاحتساب. ومن موجبات الثبات والهداية للنفس والخلق..! فثبات المؤمنات لحظات الخطوب والفواجع، له موجباته في النفس المبتلاة، كما له موجباته في من حولها، فبثباتها تنال من فضائل الإيمان التي لا تناجز والمعية التي لا تبارى! وبذلك أيضا تتحول لمدرسة يهتدي بها التائهون في مستنقعات الكفر والرذيلة والتيه والعبث. فالمواقف النابضة بالإيمان والاحتساب والتسليم لله الواحد الأحد، بمثابة منارات للهدى وحصانة للقلوب وحبل نجاة لكل من يبحث عن مخرج. ثم الموت قدر كل حي، لا مفر منه أبدا، وإن لم يكن اليوم فغدا، وإن لم يكن بقصف أو في حرب ففي مرض أو حادث أو بلا سبب! حين يشاء الله جل جلاله، ولكن العبرة تمام العبرة في الخواتيم وشرفها، العبرة في مصير فلذات الأكباد إلى جنة أو نار! لنهنئ أو نسترجع! وشتان بين المكسب والنجاة وبين الخسارة والهلاك! قال الله جل جلاله (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35). ودخول تسعة من فلذات الأكباد إلى الجنة، نصر من الله تعالى وشفاء للصدور، وهو خير وأرحم للأم من أن ترى أبناءها قد كبروا ولم يضمنوا الجنة أو تنكبوا عنها. وهذه أيتها الأم المجاهدة النبيلة، صفقة تمت والرضا بها من موجبات الفتوحات الربانية وفضائل المعية والتوفيق والقبول تستوجب الاستبشار. قال الله عز وجل ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ آل عمران: 171] جعلك الله يا آلاء، ممن قال الله تعالى فيهم (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:157) وهنا حقا مقام تهنئة ورجاء الفضل لك ولكل مسلمة ابتليت بفقد عزيز وفجيعة ينزف لها قلبها، وفي هذا النور السماوي شفاء ووعد حق! ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [ آل عمران: 140] عن أبي حسان قال: قلتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلَا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ . رواه مسلم

وقوله: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظاما للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد . (تفسير الطبري وابن كثير) “( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ) أي: عظيما وخيما. من عظيم أمره أنه (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ) على عظمتها وصلابتها ( يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) أي: من هذا القول ( وَتَنْشَقُّ الأرْضُ ) منه، أي: تتصدع وتنفطر ( وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) أي: تندك الجبال ” (تفسير السعدي). اللهم إنا نبرأ إليك من كل ضلالة وشرك.

وَلَا الضَّالِّينَ قال الله جل جلاله ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [ سورة الفاتحة: 7] لن تجد أدق من وصف الله جل جلاله للنصارى بـ”الضالين”، فحتى أعيادهم محرفة الأصل والفكرة والموعد والطقوس. إن الاحتفال بميلاد عيسى -عليه السلام- في هذا التاريخ ليس مجرد اختلاف تقويمي، بل هو نموذج صارخ لما وصلت إليه النصرانية من تلاعب بالنصوص، واستسلام للتأثيرات الوثنية، وانفصال عن أصل التوحيد الأول الذي جاء به نبي الله عيسى عليه السلام. إن الاتفاق على تاريخ 25 ديسمبر (ليلة 24) كيوم لميلاد المسيح هو اتفاق مستحيل تاريخياً ومناقض للواقع الجغرافي. فالأناجيل نفسها -وهي المصدر الأول لقصة الميلاد على الرغم من تحريفها – تذكر أن الرعاة كانوا في الحقول “يبيتون في العراء ويحرسون حراسات الليل” (لوقا 2: 8). ومن المعروف تاريخياً وجغرافياً أن فصل الشتاء في فلسطين يكون بارداً جداً وممطراً، وهو ما يمنع الرعاة من البقاء في العراء ليلاً، ويغلق الطرق الوعرة للسفر. وبالتالي، فإن الميلاد لا يمكن أن يكون في شتاء ديسمبر. الحقيقة المرة لمؤرخي الكنيسة هي أن هذا التاريخ لم يُختار بناءً على وقائع تاريخية، بل تم “استدانته” واختزاله من الوثنية الرومانية؛ حيث كان الوثنيون يحتفلون في هذا اليوم بعيد “ميلاد الشمس غير المقهورة” (Sol Invictus) بمناسبة الانقلاب الشتوي. ولما دخلت الوثنية إلى المسيحية، قرر الكهنة تبني نفس التاريخ ليجذبوا الوثنين إلى الدين الجديد، فتحول عيد ميلاد “الشمس” إلى عيد ميلاد “المسيح”، في عملية تزييف واضحة للمحتوى الديني. لا يقف التزيف عند التاريخ، بل يمتد ليشمل طقوس ورموز الاحتفال التي لا سند لها في النصرانية الأولى، بل هي محاكاة صريحة للطقوس الوثنية القديمة: فتزيين شجرة عيد الميلاد: عادة وثنية محضة انتقلت من أوروبا الشمالية، حيث كان الوثنيون يعبدون الأشجار ويزينونها في فصل الشتاء احتفالاً بإله الشمس. وما أشبه اليوم بأمس؛ فالنص التوراتي نفسه في سفر إرميا (10: 1-4) يوبخ بوضوح الذين “يقطعون شجرة من الغابة… ويزينونها بالفضة والذهب”، معتبراً ذلك عادة وثنية منكرة. فكيف يصبح هذا الفعل اليوم ركناً من أركان الاحتفال “المسيحي”؟ الزينة المستخدمة: مستمد من أساطير الوثنية الإسكندنافية، حيث كانت تُعتقد أنها تمتلك قوى سحرية للشفاء والخصوبة. ولعل “سانتا كلوز” (بابا نويل) يكون الوجه الأكثر سخافة ووضوحاً لتناقض النصرانية الحديثة. هذا الشخصية الأسطورية، التي تم صياغتها عبر القرون من دمج شخصية “القديس نقولا” مع أساطير إله الشمال “أودن” الذي كان يطير في السماء على حصانه، أصبحت هي المسيطر الأكبر على احتفال الميلاد. كيف يمكن لدين يدعي أنه “دين الحق”، أن يسمح بتدوين أكبر كذبة منظمة في تاريخه؟ فالآباء والأمهات يضللون أبناءهم سنوات طويلة، ويخبرونهم بوجود رجل سعيد يطير في زحافة يسحبها غزلان ويدخل من المداخن الضيقة لتوزيع الهدايا. هذه الكذبة المؤسسية تُدرّس للأطفال في الكنائس والمدارس تحت غطاء “البهجة”. إذا كان الدين يسمح بالكذب الصريح والخيال الجامح للاحتفال بالمسيح، فأين صدق الرسالة؟ إذا كان محور الاحتفال قد تحول من “المسيح المخلص” إلى “البابا نويل الموزع للهدايا”، فهذا دليل قاطع على أن هذا الدين قد لا بوصلة لديه، وغلبت عليه الأساطير، لينحني أمام الثقافة السائدة والرأسمالية الاستهلاكية. إن احتفال 25 ديسمبر ليس احتفالاً بالمسيح عيسى بن مريم، بل هو احتفال بالموروث الوثني والأساطير الشعبية. إنه دليل ساطع على أن النصرانية كديانة ليست متسقة مع نفسها؛ فهي تدعو للصدق بينما تمارس طقوساً مبنية على الكذب وتحيي أياماً لا علاقة لها بوحي السماء. هذا التشتت في العقيدة والطقوس يكشف بجلاء أن الدين الذي نراه اليوم هو نتاج بشري هجين، بعيد كل البعد عن الهداية الإلهية الخالصة التي جاء بها عيسى عليه السلام. وهذا جزء صغير جدا من ضلالات النصارى! فكيف لو سردنا جميع ضلالتهم، لخجل النصارى من درجة ضلالهم، لو صدقوا مع أنفسهم. ليست هنا القضية فحسب، بل القضية في السفهاء، الذين بيننا يسابقون للاحتفال بهذه الأعياد المنحرفة، ويحسبونه رمز تقدم وحضارة! ولأئمة على أبواب جهنم، يرون “عيد ميلاد” من يعتقده النصارى ابن الله والعياذ بالله، أمرا هيّنا، والله جل جلاله يقول: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الكافرون بالله (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) مريم 88- 89

إن أقبح ما يمكن أن تراه في قصص الزواج في زماننا، هو تلك البدايات التي تشهد الله جل جلاله، على حب الاستقامة والتقوى، على مطلب الالتزام ومرضاة الله تعالى .. ولكن في نهاياتها، تسقط الأقنعة ويظهر المعدن الحقيقي وحقيقة الادعاءات … تنتهي بالفجور والظلم والطغيان وجاهليات النفوس! نفوس لم تتأدب أمام عظمة الميثاق الغليظ، فأنّى لها أن تسعد أو تجد خيرا في طريق تعاملت فيه بسوء ظن بالله جل جلاله! كلمة أوجهها هنا لكل مبادرات الزواج الإسلامية على الشبكة: أنتم تحملون مسؤولية عظيمة أمام الله عز وجل. وأعراض المسلمين وحقوقهم وعقودهم، أمانة عظيمة! أيها القائمون على إدارة المبادرات، لقد وصلتنا قصص مفجعة، والكثير من الاستهانة بالأعراض والحقوق، والعبث واللامسؤولية وأكثر من ذلك ضعف الخشية والغرور وأمن مكر الله تعالى. إن الدخول للبيوت من أبوابها لا يعني إضمار الخداع لفرض الأمر الواقع، لا يعني إخفاء المعلومات التي تقوم عليها حياة كاملة، لزوجين يبنيان بيتا تحت عقد ميثاق غليظ. ومن غشنا فليس منا! إن المسلمين على شروطهم، وما بني على غش فهو هدم وما بدأ بنية استغفال وبيع غرر، فهو موجب للنهايات المأساوية! ولا يوجب النهايات المباركة إلا الصدق! بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ ومنظومة عقدية وخلقية مهيبة. ثم حين تنتهي القصة المفجعة بفراق، فالحل في القرآن العظيم واضح لا يجادل فيه إلا مرتاب، وليس بإلقاء التهم والتنصل والفجور، قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). لا مكان للجاهليات والعنتريات التي يظهرها بعض من لم يقدر ربه حق قدره، ليس بالابتزاز الوقح ومواقف يموت الرجل الحر ولا يضع نفسه فيها! فإما أن تمسك زوجك بتقوى الله أو تسرحها بتقوى الله تعالى، لا يوجد في شريعة الله تعالى أدوار المسلسلات الهابطة والانتصار للنفس الجاهلي. والابتزاز والمساومة والمراوغة وما حط من تعاملات تعافها المروءة. ومن أبى إلا هذه السبيل فليعلم أنه قد ظلم نفسه وأنه والله قد خاب من كسب ظلما ولا يطمع مثله في توفيق ولا أمان في حياته. سيدفع ثمن تعديه لحدود الله عاجلا أو آجلا. قصص الزواج لشهر وشهرين التي تنتهي نهاية مأساوية بين الذين من المفترض جمعتهم غاية الالتزام وشريعة رب العالمين يجب أن تنتهي، ويجب أن تتوقف هذه المهزلة. وبما أننا لا نستطيع أن نقطع الشر ونزعاته في النفوس، وبما أننا نتعامل مع نفوس لا ترى إلا ما لها وتنسى ما عليها، ولا تفكر إلا في أنانيتها وجشعها، ولا تحفظ لذي فضل فضلا، فلنسد أبواب الشر ولنرفع من أسباب الحماية والأمان. لذلك بقيت كلمة أوجهها لأولياء الأمور. إن الله جعل ولاية الزواج بأيديكم للقيام بواجب الاختيار الأتقى، والأسلم، فلا يعقل أن تسلم الابنة لأي طارق بحجة جاء بمبادرة إسلامية، لا يعقل أن تسلم ابنتك أيها الأب لرجل لا تعرف خلفيته! وتكتفي بحسن الظن لأنه يظهر التدين أمامك في ملبسه وكلماته! وإن كان من خدعنا في الله انخدعنا له، إلا أن حقيقة بعض الرجال لا يؤتمن على شاة يرعاها، فكيف بمسلمة! وهذا لا يعني أن كل رجل يتقدم يتحمل مسؤولية فشل زواجه إن حصل، فالعلاقات الزوجية أخذ وعطاء، تفاعلات تبني أو تهدم، وعلى الجميع تحمل مسؤولية اختياراتهم وتعلم فن العشرة بالمعروف وإيتاء كل ذي حق حقه والتقوى. لكن طريق المبادرات أصبحت تحمل الكثير من التجاوزات والاستهتار وتواترت القصص بالتفاصيل نفسها التي يندى لها الجبين، وآن الأوان لإنكار هذا المنكر علنا. ومن لم تزجره الموعظة والأمر بالمعروف، فليترقب عدل الله عز وجل فوالله إن الظلم ظلمات والله تعالى لا يخفى عليه شيء، إنما هي موجبات شقاء أو فضل! في زمن مضى حين كانت الرجولة والمروءة معلما بارزا في حياة المسلمين، اجتمع رجل وامرأة للطلاق عند القاضي، ثم أنكرت الزوجة أمرا على زوجها، فحين أراد القاضي أن تنزع النقاب لكي يتأكد أنها الزوجة ليوثق الشهادة، استنفر زوجها الذي طلقها، وقال لها ما ادعت ولا ترفع نقابها. فهزها موقفه وانزجرت! كانت حينها الرجولة والمروءة أغلى من النفوس!! فاللهم أصلح حال المسلمين ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

لمثل هذه الغاية يجب العمل والدعوة لله جل جلاله خرج المسلمون من مرحلة الاحتلال الأوروبي بذهنية تجيد التعلق بأستار الرموز والأوطان، فعاشوا أمدا -لا يزال-، يتعصبون لأوطانهم وقبائلهم وزعمائهم .. لحد جاهلي أفسد وخذل ركن الولاء للمؤمنين وعمّق الحدود وتقسيم العالم الإسلامي والتفرقة. ثم برزت حقبة الجماعات الإسلامية التي تنشد تحرير الأمة من أغلال الهيمنة والاحتلال وإعادة وحدة هذا العالم الإسلامي، فرافقتها ظاهرة النصرة العمياء، والتعصب المزمن، حيث صنعت لها أتباعا مخلصين لها حصرا وحكرا، دورهم التصفيق والمدح والثناء، والترقيع والتبرير، بدعم لا يقف ولا ينقطع، على طريقة أحزاب الديمقراطية الغربية. مهما خالفت شريعة ربها! مخلصون هم جدا لجماعاتهم ولديهم كامل الاستعداد لتبديل مواقفهم مع كل تغير لمواقف هذه الجماعات التي هي في نظرهم المرجعية ونقطة الارتكاز، فكان لهذا الإخلاص المطلق تداعيات، لقد أظهروا الجرأة على لي أعناق النصوص والتدليس، بل وحتى البغي والعدوان وغمط الحقوق والبخس في سبيل هذه النصرة التي في نظرهم هي دلالة الصدق والحل الوحيد للأمة لنصرة الجماعة التي ستحمل لواء النصر المبين كما يجزمون! وفي الواقع، قبل الحديث عن أي نصر مبين، والجزم بمن سيحمله ولا يعلم ذلك إلا الله جل جلاله، لن يصلح حال هذه الأمة لتكون أهلا لهذه المرتبة العظيمة من الفضل، حتى نعيد الهيبة التي لا مساومة عليها، لأصل إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونعيد الاجتماع والاحتكام لشريعة الله تعالى لا على الاصطفافات المناصرة. لن يكون المسلمون أهلا لنصر وتمكين، حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة. فيعم العدل والأمان، وتتقلص مساحات الاختلاف وتصحح الأخطاء وتؤثر عملية الإصلاح بكفاءة وفعالية. ولذلك لابد من تصحيح مفهوم النصرة التي امتهنتها ذهنيات نشأت على “ّذلة” الحكم الجبري، و”عاطفة الانجرار الأعمى”، ولا يكون ذلك حتى نرسخ مفهوم النصرة كما أوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم: “انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا”. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: “تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ”. صحيح البخاري. حتى نعيد العظمة للدين والاحتكام له والخشية من الله تعالى والاستقامة كما أمر بتقوى ووجل إلى قلوب الناس، فتكون راسخة لا تباع ولا تشترى. حتى نعيد الهيبة والصلاحيات الكاملة، لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونكف عن التعامل بجاهليات كلفتنا أثمانا مثخنة! من لم يتأدب بتجارب الماضي ورصيد الفشل والهزائم والفواجع المثخنة، ويتخلص من مخلفات الحكم الجبري في نفسه وطرق تفكيره، لن يمكنه أن ينصر دينه ولا أمته النصر المبين. من عجز عن تربية نفسه تربية إيمانية لا تقدم على خشية الله أحدا، فأخرج أقبح ما فيه انتصارا لفريقه، لا يزال بعيدا جدا عن موجبات الفضل! وتصفيقه لا يقدم ولا يؤخر في استجلاب الفضل والله ذو الفضل العظيم! هي أمة موعودة بالنصر والتمكين على منهاج النبوة، لا على منهاج الحكم الجبري وذهنيات الاستعباد والذلة لغير الله تعالى. فلمثل هذه الغاية يجب العمل والدعوة لله جل جلاله، غاية إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونبذ التعصب لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والتعامل بوازع الخشية والوجل، لا العدوان والبغي والجزم بالتزكيات المطلقة والمرء لا يعلم هل بات والله ساخط عليه أم راضٍ!! فلتكن النصرة على الحق الذي تحمله الجماعات لا على الجماعات بحد ذاتها، والبراءة والإنكار على قدر الانحراف والمخالفة، فلا حي معصوم ولا نزكي على الله أحدا وما أكثر التبديل! ليكن الولاء للمسلمين كافة، بدون خذلان لهذا الأصل العظيم الذي قطعت أوصاله العصبيات والجاهليات. وهذه مرحلة قادمة لا محالة، مرحلة الاجتماع تحت غاية إخلاص الدين لله تعالى، طوعا أو قسرا! لذلك فإن الدعوة لها، ليست إلا تمهيدا للاستعداد لما ستحدثه سنن الله في الأرض من تأديب للناس وإيقاظ لبصائرهم. اللهم اجمع المسلمين على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واجعل تعصبهم لربهم ورسولهم يرجون رحمة الله ورضوانه. واكفهم شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، والتعصبات الظاهرة والجاهليات التي تسترت بستار الإسلام وهو الهوى والاغترار.

﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (الحشر: 6) وإن المتفكر في خلق الخيل، وفي حكمة ذكر الخيول في القرآن العظيم، ليجدن سعادة تنير قلبه، وعزة تنسجم مع تفاصيل ما يشاهد ويؤثر فيه. ويدرك لماذا يهتز طربا لصوت الصهيل وتشرق معه روحه! وقد جعل الله العزة صفة مرتبطة بالخيول،لارتباطها بعبادة الجهاد في سبيل الله تعالى، لذلك كان أثرها في النفس المؤمنة العزيزة عجيبا. فمن منّ الله عليه بهذه العبادة بالتفكر في خلق الخيل، وفي تذوق صوت الصهيل المهيب، ليكثر الحمد وليهدي هذا الشعور لأحبته، فإنه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وحيث يكون العز .. تستوطن النفس. تقدم أيها المؤمن في كل شيء ولا تلتفت للخلف إلا في حب الخيل، وحب تفاصيل ما يحب النبي صلى الله عليه وسلم، ارجع للخلف، لعصر النبوة. ففيه أسرار التمكين لهذا الدين فيما هو آت، على منهاج النبوة!

تذاكر بحبر التفكر أخذ الكتاب بقوة .. مثل ادخلوا عليهم الباب! مفتاح القيادة الراشدة لنفسك .. ومفتاح الظفر والنصر والثبات والتمكين. ولو أدرك الناس موجباته وبركاته .. لما تخلف أحد! انتصارك في معركتك مع سلطة الثقافة الغالبة المحاربة .. موجب للفتوحات التي تنتظر وتتمنى! أكثر الناس سكينة وسعادة: من يعطي دون انتظار مقابل من يحسن التوكل والاحتساب من يردد عند كل كارثة (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) من سلم صدره على المؤمنين تحدوه (ويدرءون بالحسنة السيئة) من لم يدخر جهدا في المسابقة ووقود مسيرته (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) وبها يتمايز المؤمنون. كلما أبصر قلب المؤمن النور .. على امتداد أفق اليقين. حمل عتبا يحفه الدمع الحار في قلبه. عتب على خسارة كل دقيقة ولحظة لم تبذل في سبيل ربه جل جلاله، قد ذهبت هدرا! ثم عتب على كل ما أطال المسافة بينه وبين لحظة البصيرة وموجباتها وإن كانت مسافة قصيرة! ولكنه في الوقت نفسه، يستحضر فضل الله العظيم عليه، فيستذكر كيف انتشله الله تعالى من عبث العابثين ودنيا الغرور، وصنعه مؤمنا محسنا متوقدا عزيمة، قد أضحى أكثر إدراكا لقيمة النعمة التي هو فيها، قد أدرك الفارق مع دقائق الفقد! فيسجد قلبه يذرف شاكرا حامدا وأكثر محبة وشوقا ورجاء، لحكمة ربه التي لا تقدر كلمات أن توفيها حقها من التعظيم! يخشى الغفلة والتفريط كما يخشى على نفسه الموت متخلفا! فالحمد لله على تدبيره لنا، الحمد لله على حكمته وكل قدر كتبه لنا. فما دمت تسير إلى الله، فأنت في أمان وفضل! في قصة كل مؤمن ومؤمنة، حكمة مهيبة، تسقى بإخلاص لا ارتياب فيه، ودماء الجهاد والمجاهدة لآخر رمق. فالحمد لله حمدا مباركا لا ينقطع. ستخرج أيها المؤمن من فواجع الدنيا مختلفا هذا قدر أكيد. ستخرج مختلفا في نظرتك وتحليلك، في تقبلك وتسليمك، في تفاعلك ومواقفك، وفي تقديرك للأمور واختياراتك للأشياء! ستكون أكثر نضوجا وتأدبا، لن تستغفل ولن تبتذل أياديك! ولكن الأصل فيك يبقى أصيلا، ولا يبصره إلا متفرس خرج مثلك من فواجع الدنيا مختلفا! ولا يقدره إلا من عرف ثمن الثبات، وتكلفة الطيبة، وضريبة الصدق والمراغمة! ولذلك كلما تقدمت مسيرة المؤمن، عرفت من الصقل والتصفية والفراسة، ما ينتهي به مع خيرة الصحبة وأصدقها، وأكثر الاختيارات ذكاء وحكمة، وأبلغ المواقف وأحسن الأداء، وإن حفتها قسوة تبدو، وغيرة تُزدرى، وحرقة لا ترخص في نفس الأمين. فاحمد الله أيها المؤمن على كل فجيعة تجعلك لله أقرب، وتدفعك في ملاحم المراغمة أشرس، وفي مقامات النبل الأوفى! فرب فجيعة غيرتك، وحصّنت نقاط ضعفك، فصنعت فيك العزوف عن الدنيا والمسابقة لمنازل الخالدين، هي سر الارتقاء ومن موجبات الفضل! وسبحان من جعل فجائع المؤمنين مفاتيح خير وفتح! وعجائب فضائل الإيمان لا تنقضي !! وما النجاح إلا معرفتك بربك، توجب لك الخشية والمحبة والرجاء الأوفى. ومعرفتك بنفسك، توجب لك الصدق والاستقامة وعلو الهمة وسداد العزيمة. ومعرفتك بمن حولك، توجب لك اليقظة والإنصاف والعدل وقوة الحق! وغير ذلك تخاريف بشر! حين تكتب روح العالم المتمرس لفنون المراغمة، أنصت! فإن ما يخرج منها في لحظة التفكير بصوت مرتفع، أداء الولاء للمؤمنين وأمانة التواصي بالحق والصبر. ولا تكتب الروح التي استقت من معين العلم وأدبتها ملاحم المراغمة، إلا أمانة وحياة! وأما الموت ففي نفوس ارتمت على عتبات الدنيا، لم تزل تتزلف لفتات يفنى! ولو رفعت رأسها للسماء قليلا، لأذهلها وعد الله الحق! فطوبى لمن تصيد مجالس العلم المخضب بالمراغمة. والمراغمة ثمرة العلم ودلالة الصدق. سلام الله على أئمة العلم والجهاد. إن تدبر آيات القرآن العظيم ومعايشة معانيها، من موجبات القوة. قوة القلب والجوارح والعزائم والأعمال. وسبحان من جعل السر في دقائق التفاصيل! فجلسة تفكر في خلق الله تعالى تفعل في قلب المؤمن مفعولها المتفرد، ولكأنه على باب الجنة! ولعل مما يجدر التواصي به، عبادة التأمل والتفكر في الخيول والحكمة من ذكرها في كتاب الله العزيز. ففي القرآن آيات جليلة تذكر فيها الخيل، تستوجب التدبر والمعايشة. قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60) ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 8 – 9)

النسوية، الخنجر المسموم الذي يتوعد عملية الانبعاث معركة المناهج وميادين التربية والتعليم اندلعت بالفعل، ولا يصمد فيها إلا من أعد واستعد بصبر طويل ويقظة تليق، ورصد مبكر. وهي معركة مصيرية جدا، يقوم على النصر فيها النصر في كل المعارك الأخرى. خاصة وأنها اليوم تدخل مرحلة أكثر صفاقة ومجاهرة بالعداء والحرب على الإسلام. لصناعة جيل ضعيف هش منهزم، يٌساس كالأنعام فاقد للهوية وموجبات النبوغ والبطولة وعاجز عن القيام بمهمات الرجال والولايات الشديدة. وأكثر سلاح فتاك يستخدمه الأعداء لتحقيق خسائر مثخنة في ميدان التربية والتعليم، هو الدعوة النسوية، والتمكين للنسويات، وأكثر الأسلحة خبثا، هو سلاح النسويات المتأسلمات، فهذه هي رأس الحربة اليوم في معركة التربية والتعليم. تتسلل بهدوء لتنال من الرجولة وتوهنها بسم أكيد المفعول. ما نشاهده الآن من تضخيم دور المرأة في العمل ونحييد للرجل ومنازعة له، هو تحديدا ما تقوم عليه الدعوة النسوية، والهدف منه كأولوية كسر الرجولة وإضعافها وقتل معانيها في النفوس وتسليط النساء عليها، بكل وسيلة يدعمها القانون ويحميها بل ويصنع لها القبول في المجتمعات بحجج تبدو شرعية في ظاهرها وهي غير شرعية في شريعة الله تعالى. لذلك من أراد أن يحقق نصرا مهيبا في معركة التربية والتعليم عليه أن يتصدى لغزو النسوية ويفضح أساليبها وينسف شبهاتها ويحصّن الجيل من سمومها ويحفظ بنات المسلمين على الاستقامة والتقوى، قدوتهن أمهات المؤمنين ونساء السلف الصالح كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس وفق تأويلات النسوية المضللة. ثم العمل على حراسة ثغور التربية والتعليم بتحصينها بهدي الإسلام العظيم وصناعة جيل التمكين والنصر بمقاييس لا تقبل الركوع لغير الله جل جلاله. قدواتها الأنبياء والجيل المتفرد. هذا الميدان ميدان جهاد، وكل الانتصارات فيه والغنائم تلتحم مع نتائج الانتصارات والغنائم في الميادين الأخرى، فتكتمل أركان النصر وتقوم قبته مهيبة، بوعد حق. فيستمر مدد الإسلام عزيزا مهابا بذهنيات قادرة على تحمل أعباء الصراع وفصوله الشرسة. إن أكبر خنجر مسموم يتوعد عملية الانبعاث اليوم، تحمله النسويات، ليغرز في خاصرة الأمة ويتعطل نهوضها وتطول ذلتها وتخبطها في فتن النساء ومكائدهن. ولا يُذهب هذه الفتن والمكائد ويصدها إلا الصدع بالحق وعدم كتمان العلم، وتربية جيل يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا تأخذه في الله لومة لائم، يأخذ الكتاب بقوة، لا يعرف ميوعة ولا إرجاء ولا أي لوثة بدعية تضعف عزمه، قد أبصر منازل القبول، فلم يعد يرضى لنفسه بالقعود. وبإعادة معاني الرجولة لموقعها القيادي، ومنع المساس بها، بحصانة الشريعة وحس المسؤولية. وغير ذلك سنكون أمام جيل نسوي، تسوسه النساء لحتفه، وتخضع رقبته لأعدائه فيتقبل التطبيع والاستسلام بنفس ذليلة، قد فقد مقومات الرجال وعوامل القوة والقيادة والانبعاث! حصنوا ثغور التربية والتعليم من طاعون النسوية، وأبشروا بنساء يحملن أمانة الدين بلا وهن أو هوان، وبرجال مؤهلين لنصرة الدين بلا استكانة أو ضعف، وتلك سبيل تأمين جيل التمكين الواعد وفرسان الفتوحات والنصر المبين. اللهم إني بلغت فاشهد.

القبول قبل كل شيء! في زمن يحتدم فيه الصراع بين الحق والباطل وتشتد فيه ملحمة الإيمان، لا يكن همك النتائج، بل السعي بحد ذاته. لا تنشغل كثيرا بماذا ستنجزه وتحققه أو تشهد عليه مما يشفي صدور المؤمنين، بل اجعل كامل جهدك في الثبات على سبيل المؤمنين مخلصا منيبا، وتحقيق معاني “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، والمرابطة على ثغور المراغمة وإعلاء كلمة الله تعالى قدر استطاعتك، ولو كان في ذلك حتفك ولو لم يعرفك أحد أو يرى نتائج سعيك الناس أو تشهد شيئا مما تتوق له نفسك من مشاهد الظفر! الحقيقة أن البيعات مع الله تعالى لا تتعلق بالنتائج على الأرض بل بالاستقامة، فمن حققها فاز فوزا عظيما وإن لم ير بركات سعيه أمامه. فمن انشغل بانتظار النتائج يتعب قلبه وتثقل خطواته، ويقل صبره، ويعني له كل حدث وخبر وصولة للباطل، فيفت في عضده، وكثيرا ما تفتر همته! ولكن من انشغل بابتغاء مرضاة الله تعالى وقبوله ومحبته، هانت مسيرته، قد أسلم الأمر كله لله تعالى، فالبلاء والعطاء سيّان، والمنح والمحن مقامات تحقيق للعبودية! قد رضي كل قضاء وقدر من ربه، إن شاء أقر عينه بالنصر والتمكين وإن شاء رفعه في ملاحم الارتقاء شهيدا. جددوا النوايا واسألوا الله جل جلاله من فضله العظيم، واعلموا أن الله تعالى لا يعجزه كافر، لكنه يمتحن الناس، ليكرم الصادق ويفضح المرتاب! ولله الأمر كله! فاحفظوا إيمانكم وأعمالكم وأمانيكم لله وحده لا شريك له على خطى السابقين الأولين، فلا شيء في هذه الدنيا يستحق التنازل عن دين الله تعالى ولو كان مقابل ملك في الأرض وزخرفها! فلا شيء يستحق إلا لقاء الله تعالى في مقام رضوان وقبول ومحبة يسابق عليه المؤمنون على امتداد محور الزمن. ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [ يونس: 46]

لذلك يأتي الحل الثاني: ويتلخص في أن يتوفر تعليم موازٍ لمن لا يقدرون على هجر المدارس النظامية، بما يستدرك الضعف والنقص ويصحح المفاهيم ويصنع حصانة، بتأمين تعليم ينقذ الأجيال من التيه والعبث والاستهلاك والعجز. فيدرس الأبناء بشكل موازٍ واستدراكي، وفق مناهج مدروسة ومخصصة. منزلية أو مؤسساتية. وكل مشروع من هذه المشاريع، يحتاج لهمم مخلصة وطاقات عاملة بلا كلل ولا ملل، وبقدر ما تكثر هذه المؤسسات المستقلة ستتسع بقعة النور، لصياغة ذهنيات واعية وعزيزة بإيمانها وأهدافها .. وسنخفف من خسائرنا المثخنة في ميدان التربية والتعليم. وهذا ما يؤمن تأسيس الأسر السوية، التي تخرج لنا الأجيال السوية القادرة على تحمل أعباء التحرر والإصلاح والانبعاث وإقامة بنيان الإسلام في الأرض، بقوة وبصيرة. فالطاقة البشرية السليمة هي أول أركان صناعة التمكين والريادة. مع الحذر من استنساخ الأخطاء التي رافقت منظومة التربية والتعليم خلال مرحلة الحكم الجبري والهيمنة الغربية، وخاصة البرامج الإصلاحية التي تسعى لتغيير الوضع وتصحيح الأفكار والمناهج، فإن كل إهمال منها لأدوار الرجل والمرأة الوظيفية في الحياة، وكل تقديم لما ليس واجبا على الواجب موجب لفشل وتضييع الفرص والجهود في ما يفسد لا يصلح. فالله الله في التناصح والاستدراك والحذر من الاندفاع بمقاييس ونماذج مخالفة ومفلسة، ولنتفرد بهويتنا وديننا واستعلائنا بديننا. فلدينا كل المقومات والمنهجية الفاخرة! ثم إن العمل بدون الأخذ بعين الاعتبار هذه الفجوة الكبيرة ونقطة الضعف الخطيرة من إهمال خطورة استمرار إنتاج خامات الذهنيات الهشة، على سلامة بنيان الأسر والمجتمعات وغاياتهما، في استراتيجيات الانبعاث، فيعني أن المدة المرتقبة لرؤية نتائج التغيير ستطول جدا، والنتائج ستكون مهددة كثيرا، وسنجد مع ما يكيده أعداء الإسلام للأمة المسلمة، أجيالا تحارب دينها من داخل ديارها، وتعلن الحرب على الإسلام بمسميات أعدائها وقناعات ومعتقدات الكافرين! وكل مشروع تغيير وتحرر في هذه الأمة لإعادة شريعة الله تعالى حاكمة في الأرض، سيفشل بدون تحصين الخط الخلفي للمشاريع، بحفظ سلامة الأسر والأجيال التي تحمل أمانة الإسلام وتفي لمتطلبات المرحلة المقبلة. ومن لا يملك الذخيرة أنى له الاستمرار .. وما قيمة ما يبذل له إن لم يكن هناك من يخلفه! فلتتلاحم الجهود ولتتكامل، لتوفر التعليم الذي يُبلّغ الأمانة ويتحمل المسؤولية ويدرك عظمة الثغر، وعلى قدر الاستطاعة لا الاستهانة أو الاستعظام! فالله سبحانه ينظر لقلوبنا ويعلم درجات ضعفنا، لعلنا نعذر عنده سبحانه، ونستعد لأيام الله جل جلاله، فلا تدوسنا حوافر خيل اليهود الزاحفين ولا الصليبيين المعاندين كما يستحق ذلك المتخاذلون والخونة! وحسبنا الله ونعم الوكيل. ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ التوبة: 105]

وهذا يعني أن يتلقى الرجال تعليما يصنع فيهم القوة في القلب والعقل والجسد، تعليما ينطلق من ترسيخ العقيدة والإيمان والعلم بالإسلام والقرآن قبل أي علم، يرافقه العلوم الأساسية الواجبة للتطور العلمي واللازمة للنهضة والاستقلالية وكذلك العلوم العسكرية والأمنية والاستراتيجية، وكل ما يدخل في الإعداد وصناعة الفرسان العلماء أهل الاختصاص والخبرة الأتقياء. لا يركعون لغير الله جل جلاله. قادرين على الوفاء لولاياتهم ومهمات الرجال ومعاني الإحسان والرجولة. أما الفتيات فيجب أن يدرسن كل ما يقوي قلوبهن وتصفو معه رؤاهن وتستقر به حياتهن، من العقيدة والقرآن والفقه والسير والأخلاق وما يتعلق بذلك، ثم كل العلوم التي تخص وظيفتهن كزوجة وأم، قبل أي علم آخر، فيتعلمن بأولوية ما يصنع الاستقرار والسعادة النفسية والأسرية. ويمكن بعد ذلك للفتاة أن تتعلم العلوم الكفاية، لا أن تصبح هذه العلوم على حساب أولوياتها ووظائفها في الحياة. نعم فقبل أن تفكر أن تصبح طبيبة، لغاية تطبيب النساء، لابد أن تتعلم عقيدتها وسنة نبيها والفقه والتربية الإيمانية السوية. ثم علوم ربّة البيت التي تُزدرى وهي موسوعة معرفية كبيرة ومتكاملة وسر من أهم أسرار السعادة، يدخل فيها فقه العلاقات مع الزوج والأسرة، وتربية الأبناء وصناعة وعيهم وتقوية استقامتهم، والتزين والعناية بالنفس وحسن تدبير المال والبيت، وكل مهارة تصنع المودة والرحمة والسكينة والأمان في الممالك والمصانع المهملة. وتسمح للأسرة أن تؤدي وظيفتها باتزان ونجاح. فتخرج لنا الأجيال العالمة والمجاهدة الممكّنة والمنتصرة! ومن يتأمل في زمن الصحابيات رضي الله عنهن، يجد أن ما تهدر له الأعمار اليوم كان ثانويا! فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت زوجة صالحة تخدم زوجها وتصون بيتها، ثم فقيهة عالمة، متبحرة في العلم، ثم بعد ذلك طبيبة عارفة بأمراض الجسد وطرق تطبيبه، ولم يكن الأمر يحتاج لإذن من أحد كي تتعلم الطب، كان يكفيها شغفها وإقبالها على مصادر العلم في هذا الفن. والحقيقة أن كل امرأة يمكنها أن تتعلم نصاب الطب الذي يعينها على العناية بأسرتها والاكتفاء والتصرف بحكمة وقت الحاجة والمرض. وتعلم نصاب من الطب ممكن بدون ارتياد الجامعات، ويسد احتياج المرأة في مملكتها على الكفاية. ولكن لا يكون على حساب أولوياتها في الحياة. نعم لقد كانت عائشة رضي الله عنها طبيبة وكذلك أسماء بنت عميس، رضي الله عنهما وهن من أهل العلم ومن القامات السامقة من السابقين الأولين، وكان الشافعي الإمام العالم الفقيه رحمه الله طبيبا وصيدلانيا، ولم يتعارض ذلك مع الفقه والعلم بالإسلام الذي يحيي القلوب ويصنع الأجيال المؤمنة. وتعليم يحترم الأولويات جدير بتحقيق التمكين والسيادة! والقصد أن تعليم الرجال والنساء وتربيتهم يجب أن يرتكز على كل علم يصنع القوة في القلوب والجوارح كقاعدة صلبة أساسية يقوم عليها بعد ذلك طلب العلوم التي تنصر وتكفي المسلمين. وهذا علم كبير وإهماله كارثي! فيجب أن نبني النفوس المؤمنة ثم نبني بها! اليوم نرى شبانا تخرجوا من الجامعات ويعانون العجز، ويفشلون في الوفاء للقوامة، وفتيات يحملن شهادات علمية كبيرة ولكنهن فاشلات في إدارة شؤون البيت وتدبير أمر أسرة وتربية طفل! فكيف يمكن لمثل هذه الخامات الهشة أن تتابع وتصقل شخصيات ذخائر المستقبل على غاية حمل أمانة الإسلام، لا حمل مهانة العدى!! كيف يمكنها أن تحقق تغييرا وهي غير قادرة على الخروج من دائرة الذهنيات العاجزة المتصالحة والمتعايشة مع الاستضعاف والتخلف! ولا يعني ذلك الإصرار على تعلم كل شيء وفق القوالب المستهلكة اليوم، بل إن التعامل مع العلوم بكثير تكلف أضاع الكثير من الفرص، ولو أعدنا تقييم طول السنوات الدراسية التي يقضيها الأبناء في فصول الدراسة في كل مراحلها لوجدنا فيها الكثير من الهدر والحشو الذي لا فائدة ولامنفعة حقيقية منه. ولو بدلا من ذلك وُجّه التركيز على الأهم والأنفع، لاختزلنا الكثير من السنوات التي تهدر من عمر الإنسان، ولاستغلت في الممارسة والتجربة والتطوير ولكان أثر ذلك السبق والإتقان. لقد آن الأوان أن نعيد ترتيب أولوياتنا ونكسر أغلال الهيمنة التي صاغت ذهنيات عاجزة فاشلة تابعة منهزمة، ونتمرد على هذه الجاهلية المزمنة! كيف يكون ذلك؟ الأمر يعتمد على قاعدتين: التمرد الشامل، أو “ما لا يدرك كله لا يترك جله”. فأما الأولى، فيعني الاستقلالية التامة والكاملة بنظام تعليمي منفصل تماما عن النظام التعليمي الحكومي، نظام مدروس بعناية ومنظم بشكل يستوعب احتياجات الرجال والنساء لصناعة التغيير وحمل أمانة الإسلام بكفاءة. ولا شك أن حمل أمانة الإسلام توجب عمارة الأرض وتوجب الإتقان والتطوير لكل ما فيه عزة المسلمين واستقلاليتهم. وهذا يعني تشييد مؤسسات تعليمية مستقلة بهويتها وبرامجها وأهدافها. وهذا ممكن لشريحة من الناس وقد يستعصي على غيرهم لظروفهم غير المساعدة.

الحصون المهددة بمناهج التعليم المستوردة إن عقد مقارنة سريعة بين تعليم الرجل والمرأة في عصور قوة الإسلام مع عصر الاستضعاف الذي نعيشه اليوم، يكشف نقطة ارتكاز مصيرية في مناهج التربية والتعليم، كانت سبب تخلف الرجال والنساء عن ثغورهم ووظائفهم الأولى، وهو تخلف أدى إلى تداعيات لا تُجبر بسهولة بحق الأسرة والمجتمع، بل وظهر أثره في اللحظات الحرجة، بتعميق الوهن وأسباب التبعية والانهزامية. واستمر رغم كل المآسي والنوازل التي تزلزل القلوب وتفجعها، مسلسل صناعة الاضطراب مع كل أسرة جديدة تولد، قد أسستها ذهنيات تابعة لا رائدة، مستهلكة لا متفردة. فكيف لمثلها أن تتحرر أو تصنع تغييرا وسيادة؟! اليوم يجبر الشاب والفتاة على دراسة كل ما هو ليس واجبا عليهما ويُقدم على الواجب الذي يقوم عليه استقرارهما النفسي والأسري والمجتمعي، وأضحى كل طالب وطالبة يُسخِران أكثر أيامهما وجهودهما وقدراتهما فيما لا يضر لو تخلفا عنه! ومع ذلك لا يزال يُصور للرجل والمرأة على أنه منتهى النجاح ومبلغ المراتب الأرجى لتحقيق الأمن والاستقرار في حياتهما. ويقصدون بذلك الاستقرار المادي الذي تحول للأولوية القصوى على حساب أمانة الدين وصحة النفس. لنلقي نظرة على تعليم الرجال والنساء منذ طفولتهم في عصر الاستضعاف والهيمنة الغربية، نجدهم يتعلمون بتركيز مضاعف على العلوم الحياتية والدنيوية بجودة محدودة، يكون الهدف منها أن يتخرجوا عمالا مخلصين للمنظومة الرأسمالية، وكل ذلك بحجة تأمين مستقبلهم. ولو نظرنا لتداعيات هذا التركيز المجحف غير المتوازن ولا المدروس بحكمة، سنجد الرجل يكبر وهو يحمل هم العمل والرزق أكثر من أي هم آخر، بل لا يملك الوقت للتفكير في غير تحسين مستواه المعيشي وصورته في المجتمع، ويبذل لأجل ذلك عمره وكل ما يمكنه في حدود الخيارات الرائجة، ولو نظرنا لمكانة الإسلام في حياته، ولو كان طبيبا أو مهندسا أو في أي مهنة أخرى مبجلة! لن نجده يقدم للإسلام شيئا من البذل والعمل لسيادة دين الله تعالى، وفي أحسن الأحوال يهتم بعباداته الفردية، والتي لا تأخذ من حياته سوى 10 بالمئة، والأغلبية لا تزال مسخرة لحياة أكثر رفاهية وإرضاء لمتطلبات وإلزامات سلطة الثقافة الغالبة المحاربة! أما النظام التعليمي الرأسمالي فأخرج لنا نساء أقل استيعابا لأولويات واجباتهن في الحياة فيدخلن للحياة الزوجية ببضاعة مزجاة ونفسيات هشة مضطربة، قد استنزفت في سنوات طويلة من الكد على مقاعد الدراسة ولم تنل المرأة خلال كل ذلك من العلوم الواجبة إلا نسبة قليلة لا تكاد توجهها لكيف تعبد ربها كما أمر سبحانه ولا كيف تدير أسرتها وتربي أبناءها. إلا من رحم ربي فاجتهدت في الطلب لإنقاذ نفسها. وهكذا تتخرج المرأة تحمل هما مثلها مثل الرجل، وهو تحسين الوضع المعيشي وسداد فواتير الديون لوالديها اللذين ينتظران منها أن تفي لهم وتجلب لهم المدح والثناء. فإن تزوجت أضحت مثل زوجها، يدخلان لمبنى الأسرة بطموحات قاصرة وذهنيات متقاعسة! ولايقف الأمر على تقديم كل علم على العلم الواجب، بل تستثقل هذه المرأة مهماتها الأولى، وتزدري القرار في البيت وما يتعلق به من مهارات ومعارف، وتبحث أكثر وقتها عما يعجب الناس ويثنون عليه من شعارات “تحقيق الذات” على مقاسات النسويات المسترجلات. فاستمرت حلقة التيه والعبث، وتضييع البوصلة والهدف! وليتها بدون خسائر متعدية، فقد تعلق هذا الدوران بخسارة الأجيال وإطالة حقبة الاستعباد لسلطة الثقافة الغالبة المحاربة. إن النظام التربوي التعليمي في العالم الإسلامي يُخرج أجيالا مستهلكة، تؤطر طموحاتها تأطيرا على مقاسات الهيمنة وكأنها في سجن كبير، لا يمكنها تجاوز حدوده ولا الخروج عن قوانينه وإلزاماته. وإن تفكيك منظومة الهيمنة يوثّق بشكل دقيق، أدواتها وآلياتها واستراتيجياتها الممتدة التي تعمل في تناغم وانسجام لتحقيق هدف مهم جدا، يتلخص في إبقاء المسلمين في دائرة التابع، برضاه وإخلاصه وتفانيه! وهذا أقبح وأخبث احتلال واستعباد عرفته البشرية، لكونه يقتل الروح ويبقي الجسد معلقا! ولكون ضحاياه ومن في مرمى أهدافه يرتمون في أحضان شباكه بإرادتهم الغافلة. إن كسر أغلال الهيمنة يستوجب انتفاضة شاملة على مناهج التربية والتعليم المخصصة للذكور كما الإناث، لتصاغ بهدف صناعة رجال ونساء أتقياء أقوياء، يعرفون ما هو الأوجب ويؤدون وظائفهم في هذه الحياة بتكامل. لا يجعل غاية إعلاء كلمة الله تعالى آخر همومهم بل أولها وأهمها ولأجلها تسخر الطاقات والنفوس والأجيال. ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [ الأنعام]