مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة
Kanalga Telegram’da o‘tish
قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.
Ko'proq ko'rsatish551
Obunachilar
+224 soatlar
+237 kunlar
+13630 kunlar
Postlar arxiv
يفاضل الله بين الأعمال بحسب نيات أصحابها وصدق مقاصدهم؛ فالبناء الذي أُسِّس على تقوى من الله وابتغاء رضوانه، قائمٌ على الإخلاص والمتابعة، ثابتُ الأساس مباركُ العاقبة.
أما البناء الذي أُقيم على غير هدى، كمن بناه على حافة جرفٍ متداعٍ، فهو آيلٌ للسقوط، لا ثبات له ولا أمان؛ ينتهي بصاحبه إلى الهلاك.
والعبرة ليست بصورة العمل، بل بأساسه: أتقوى ورضوان، أم هوى وعدوان؟ والله لا يوفق الظالمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
هذه الآية تُكمل المشهد السابق، لكنها تنتقل من النهي إلى المقارنة الحاسمة. إنها ليست مقارنة بين مسجدين فحسب، بل بين منهجين في الحياة، بين قلبين، بين نيتين، بين مصيرين.
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ ﴾
السؤال هنا استنكاري، لا ينتظر جوابًا؛ فالجواب معلوم بالفطرة. لكن الله يطرحه ليوقظ في القلب بداهته التي قد تطمسها الشهوات.
والتأسيس على “تقوى” يعني مراقبة الله. والتأسيس على “رضوان” يعني طلب رضاه، لا رضا الناس.
وبين هذه وتلك معاني جليلة وأمارات لا تخفى، تدور في فلك التقوى وموجباتها!
وهنا خلاصة عظيمة:
التقوى تتعلق بالقلب والنية،
والرضوان يتعلق بموافقة الأمر والاتباع.
فمن جمع بين الإخلاص والمتابعة، فقد أتمّ البناء.
وكل عملٍ فقد أحد هذين الركنين، فهو معرض للسقوط.
﴿ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾
تخيّل بناءً قائمًا على حافة هاوية، الأرض تحته متشققة، متآكلة، قابلة للانهيار في أي لحظة.
هذا هو العمل الذي بُني على: الرياء، أو العصبية، أو الهوى، أو مخالفة أمر الله تعالى أو كلها جميعا معا.
وحتى إن كان يبدو صلبًا أمام الناس، إلا أنه في الحقيقة هشّ. والأنكى، أن صاحبه قد لا يشعر بالخطر، لأنه منشغل بزخرفة الجدران، وتلميع الواجهات، وتركيب الدعايات الجذابة، لا بتثبيت الأساس الهشّ!
﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾
لم يقل: “فانهار فقط”، بل حدّد المصير “في نار جهنّم” والعياذ بالله! لأن السقوط هنا ليس مجرد فشل دنيوي، بل هلاك أبدي.
وهنا يظهر معنى عميق: فالعمل الفاسد لا يسقط وحده… بل يسقط بصاحبه.
وكم من إنسان ظنّ أنه يبني مجدًا، فإذا به يحفر لنفسه حفرة تكون نهايته فيها! وكم تكرر هذا المعنى عبر التاريخ، ولكن قلّ من يعتبر!
فما الذي أدى إلى هذا الانهيار؟!
إنه الظلم! لذلك قال الله عز وجل بعد ذلك:
﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
والظلم هنا ليس فقط ظلم الآخرين، بل أعظم الظلم: ظلم النفس، بوضعها في غير موضع العبودية الخالصة. وتلك هي حالة الشرك والكفر وإخلاص الدين لغير الله عز وجل، نهايتها مظلمة!
والذي يبني على غير تقوى، قد ظلم: نفسه والآخرين!
ومن حُرم الهداية، بقي يتخبط على حافة الجرف، حتى يأتي الانهيار.
كلنا نبني. نبني بالصلاة، بالصدقة، بالدعوة، بجهاد الكلمة، بمشاريع العلم والخير، بالعلاقات في سبيل الله، بالأسرة، بالجيرة وغير ذلك من الأعمال الصالحة …
لكن الأهم ليس: كم بنيت؟ بل: على ماذا بنيت؟
هل بنيت كل هذا على: الإخلاص لله عز وجل، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم؟
هل بنيته على مراقبة الله وطلب رضاه؟ أم على تقليد أعمى وأجوف، أو حظ نفس أضّل وأفسد؟!
أم بنيت على إعجاب الناس، أو حمية، أو خصومة، أو مجاراة للواقع؟ كل هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق، وليس حجم البناء وجماله الظاهر!
هذه الآية تعلّمنا أن: الأساس أهم من ارتفاع البناء. والثبات أهم من اتساعه، والصدق أهم من شهرته!
فالبناء الذي يبدأ بالله… ينتهي برضوانه. والبناء الذي يبدأ بالهوى… ينتهي بالهوّة.
فلنُراجع أساساتنا قبل أن تعلو جدراننا، ولنثبت أقدامنا قبل أن نفاخر بأبنيتنا… لأن الامتحان المعتبر يوم نلقى الله تعالى لن يكون: ماذا شيدت؟ بل: على أي أرضٍ وضعت أول حجر؟
وإن كان هذا الحال في الآخرة .. فإن في الدنيا ثمن يدفعه المتهاون ولا بد! لذلك قال الله عز وجل بعد ذلك:
﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ التوبة: 110]
رغم كل ما بذلوه! يبقى بنيانهم الذي شيدوه سببًا للريبة الراسخة في قلوبهم، لا يزول أثره إلا بتوبة صادقة تُمزِّق القلب ندماً وخشية؛ وإلا ازدادوا شكًّا على شكٍّ ونفاقًا على نفاق. والله عليمٌ بالسرائر كما هو عليمٌ بالظواهر، حكيمٌ في حكمه وتقديره.
هكذا تكشف الآيات حقائق مصيرية: فليس كل عمل صالحًا بصورته، بل بنيّته ومقصده؛ فقد يحوِّل فساد القصد عبادةً إلى معصية. وكل ما يفرّق صف المؤمنين أو يضرّهم أو يعين على باطل فهو محرّم، كما أن كل ما يجمعهم على مقتضيات “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ويقوّيهم ويحفظ لهم دينهم وآخرتهم، مأمورٌ به.
على أساس التقوى المتين .. بشّر المؤمنين
يقول الله عز وجل في سورة التوبة، سورة براءة العظيمة:
﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [ التوبة: 108]
{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. إنما عليك بالمسجد الذي أسس على التقوى.
والمسجد الذي أُسِّس على التقوى منذ أول يوم هو مسجد قباء؛ قام على إخلاص العبادة لله، وإقامة ذكره وشعائره، فكان عريقًا في الطاعة، راسخًا في الإيمان. لذلك كان أحقَّ أن تُقام فيه الصلاة ويُتقرَّب فيه إلى الله عز وجل.
وقد مدح الله أهله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾؛ يحرصون على طهارة الظاهر من الأنجاس، وطهارة الباطن من الذنوب. ومن أحبَّ الطهارة سعى إليها، فكانوا من السابقين إلى الإسلام، المحافظين على الصلاة، المجاهدين مع رسول الله ﷺ، الحريصين على امتثال أمره واجتناب نهيه.
ولذلك لما سألهم النبي ﷺ عن طهارتهم أخبروه أنهم يُتبعون الحجارة بالماء، فحمد فعلهم، لأن الله يحب المطَّهِّرين: بطهارةَ القلب من الشرك والرذائل، وطهارةَ الجسد من الأحداث والأنجاس.
وهدي هذه الآية ليس مجرد توجيه مكانيّ: “لا تقم هنا، وقم هناك”، بل هي ميزانٌ ربانيّ يفرّق بين بناءٍ يقوم على الهوى وبناءٍ يقوم على التقوى، بين صورةٍ دينيةٍ خادعة، وحقيقةٍ إيمانيةٍ صادقة.
﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ نهيٌ قاطع، لا تردد فيه، ولا مجاملة، ولا تساهل.
فالمسجد الذي بني ضرارًا كان في ظاهره مسجدًا، لكن باطنه كان مؤامرة.
وهنا تتجلى قاعدة عظيمة: ليس كل ما لبس ثوب الدين هو من الدين. وليس كل اجتماع على العبادة – مهما أعجب الناظرين – دليلَ إخلاص.
والوقوف – ولو لحظة – في مكان بُني على غير أساس صحيح، يمنح الباطل شرعيةً لا يستحقها. لذلك وجب على المسلم أن يتحرّى أي يضع نفسه. فهي حياة واحدة لا يضعها في غير أساس التقوى المتين.
﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾
والتقوى هنا أصل يُغرس منذ البداية. والعمل الذي يقوم على أساس الإخلاص يستمر ثابتا مؤيدًا على عكس الذي خالطه الهوى والدخن والظلم وفساد المنطلق.
“من أول يوم”… وكأن الآية تشير إلى أن الانحراف لا يبدأ فجأة، بل يبدأ حين تُهمل متانة الأساس. فإن فسد الأصل، كان كل ما يُبنى عليه وإن بدا عظيمًا، هشًّا في ميزان الله عز وجل.
وكم من مشروعٍ إسلامي، أو عملٍ دعوي، أو نشاطٍ خيري، ظاهرُه خدمة الدين، لكن دافعه رياء، أو صراع رياسة وشهرة وحب تفرد بالصيت، أو طلب جاه أو إخلاص الدين لغير الله عز وجل! والآية تعيدنا إلى السؤال الجذري: على ماذا أُسِّس؟ ما كانت دوافعه الأساسية!
﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ﴾
لم يمدح الله البناء، بل مدح الرجال الذين في هذا البناء. فالمكان يكتسب شرفه من أهله، لا العكس. وهنا لفتة دقيقة: “يحبون أن يتطهروا”. لم يقل “يتطهرون” فقط. فالطهر يبدأ من المحبة، من شوق القلب للنقاء، من حساسية الضمير تجاه الذنب.
إنه تطهّر شامل: تطهّر من الشرك بالتوحيد. ومن الرياء بالإخلاص. ومن الكِبر بالخضوع. ومن النجاسة الحسية بالطهارة الكاملة.
فالطهارة هوية ومنهج وغاية.
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
لم يقل: “ويثيبهم” فقط، بل قال: “يحبهم”. وأي منزلة أعلى من أن تكون محلّ محبة الله؟
والمطهرون لا يكتفون بترك القذر، بل يجاهدون أنفسهم ليبقوا في صفاء دائم. والمحبة هنا ثمرة مجاهدة خفية، لا يعلمها إلا الله جل وعلا.
فمن أراد أن يحظى بحب الله تعالى، فليُصلح أساسه، وليُزكِّ باطنه، وليجعل التقوى جذره الأول.
وهكذا تضع أمامنا هذه الآية معادلة واضحة: لا قيمة لصورة باهرة بلا أساس متين. ولا وزن لبناء – مهما علا- بلا تقوى. ولا شرف لمكان بلا رجال صادقين. ولا كرامة لعبدٍ لا يسعى للطهارة.
فانظر لنفسك دوما – أيها المسلم- أين تقف؟ وفي أي مسجدٍ تقيم؟
هل تقف حيث يُبنى المجد على الإخلاص؟ أم حيث تختلط الشعارات بالأغراض؟
هل أنت حقًا على منهج النبوة المهيب، أم على طريق شهوات الأنفس الدنيئة؟
إنها دعوة إلى مراجعة الأساسات قبل زخرفة الواجهات… لتفقد النوايا وقواعد البناء ومقاصده .. قبل لمعة الشعارات وجاذبية الدعايات، فالله لا ينظر إلى الأبنية، بل إلى القلوب التي أُسِّست على التقوى من أول يوم.
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [ التوبة: 109]
هذه الآيات من سورة فاطر تفتح أمام القلب مشهدًا متكاملاً: طريق واضح المعالم، وتجارة رابحة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ…﴾
بدأت الآيات بالفعل المضارع: يتلون؛ وكأنها ترسم حياةً مستمرة لا موسمية، صلةً دائمة بالوحي لا انفعالًا عابرًا. والتلاوة هنا ليست حركة لسان فحسب، بل صحبةٌ وتدبرٌ وانقياد.
(وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً )
ثم جاءت الصلاة والإنفاق؛ وكأن القرآن لا يُراد له أن يُحبس في الصدور، بل أن يتحول إلى قيامٍ بين يدي الله، وإحسانٍ إلى عباد الله. صلةٌ بالخالق، ونفعٌ للخلق، هذا هو الميزان.
ثم وصفت هذا الطريق بأنه تجارة، لكنها ليست كسائر التجارات: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾
في الدنيا، كل تجارة معرضة للخسارة، إلا هذه. رأس مالها الإيمان، وبضاعتها العمل الصالح، وربحها مضمون؛ لأن الطرف الآخر هو الله جل جلاله. لذلك قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾
ليس عدلًا فحسب، بل فضلٌ فوق العدل. يعطيهم حقهم كاملًا، ثم يفيض عليهم من كرمه. وختمها باسميه: غفور شكور؛ يغفر التقصير، ويشكر القليل، فيحوّله كثيرًا. فسبحان ربي الأعلى!
ثم يقرر حقيقة كبرى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾
الحق الذي لا يتبدل بتبدل الأزمنة، ولا يتأثر بضجيج الباطل. وهذا الحق أورثه الله أمةً اصطفاها، فجعلها حاملة للرسالة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾
لكن الاصطفاء لا يلغي التفاوت، وهنا محطة مرهبة!
فبين ظالمٌ لنفسه: حمل الكتاب اسمًا لا أثرًا، فقصّر وظلم نفسه بالمعصية والغفلة.
وبين مقتصد: أدى الواجبات وترك المحرمات، لكنه لم يبلغ ذروة السبق.
وبين سابقٌ بالخيرات بإذن الله: جعل القرآن قائدًا لحياته، فسابق إلى الطاعات، وتخفف من العوائق، وارتقى.
ومع هذا التفاوت، يجمعهم وعد الجنة، لأن أصل الاصطفاء باقٍ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾
ثم ينطق أهلها بكلمة تختصر رحلة الدنيا كلها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾
الحزن الذي لازمهم خوفًا من التقصير، وألمًا من الفتن، وصراعًا مع النفس والشيطان. ذهب كله، وبقي الفضل. ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾
لا تعب بعد اليوم، ولا إرهاق. دار إقامةٍ لا انتقال بعدها، وطمأنينةٍ لا يعقبها قلق.
وإذا تأملت هذه المعاني، وجدتها الجواب العملي لما تقرر قبلها في السورة: التحذير من الاغترار بالدنيا، والتنبيه إلى عداوة الشيطان، وبيان أن من الناس من يُزيَّن له سوء عمله فيراه حسنًا.
هناك ذُكر خطر الخداع، وهنا ذُكر طريق النجاة.
هناك حديث عن الغرور، وهنا عن تجارةٍ لا تبور.
هناك عدوٌّ يدعو إلى السعير، وهنا كتابٌ يقود إلى جنات عدن.
فالسورة ترسم خطين متقابلين:
خطًّا يزيّنه الشيطان حتى يُرى الباطل حقًا،
وخطًّا يثبّته القرآن حتى يُرى الحق حقًا.
والفاصل بين الطريقين ليس كثرة العلم المجرد، بل صدق التلاوة، وإقامة الصلاة، وبذل الإنفاق، ورجاء التجارة مع الله جل جلاله.
فمن أراد ألا يُخدع بزينة السوء، فليدخل في زمرة التجار مع الله. ومن خاف أن يكون ممن زُيِّن له عمله، فليجعل القرآن ميزانه اليوم، حتى يكون غدًا ممن يقول في دار المقامة:
الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
يتفطر القلب لآيات فاطر!
وفي زمن تختلط فيه المعايير، تأتي هذه الآية لتعيد الميزان إلى وضوحه: ولترسخ حقيقة أن القيمة ليست في كثرة الضجيج، بل في صلاح العمل وسلامته وقبوله، وليس في الانتصار للنفس، بل في الانتصار للحق. وما أعز من ينتصر للحق!
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾
وتحذرنا الآية من أخطر مرحلة، فهي ليست في أن يعصي الإنسان ربه وهو يعلم فحسب، بل هي في كونه يرى هذه المعصية أمرا حسنا..!
فتزيين الباطل أخطر من الذنب. لأن صاحب الذنب قد يتوب، أما صاحب الباطل المزيَّن فيدافع عنه بإخلاص!
وفي واقعنا: نرى الكثير من هذه الأمثلة، ممن يبرر الظلم باسم المصلحة. ومن يسوغ الفجور باسم الحرية. ومن يقذف ويشتم باسم الغيرة على الدين. ومن يحرّف الحقائق باسم النصرة.
كل هذا من آثار التزيين. ثم يأتي التوجيه للنبي ﷺ، وهو توجيه للمؤمنين:
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾
فما أعظمها من كلمات، وما أشفاها لصدر المؤمنين!
فالهداية بيد الله تعالى والله خبير بصير بعباده. وليس عليك أن تحترق، لأن غيرك اختار العمى. بل عليك البلاغ، وعليك الثبات، وعليك الإصلاح ما استطعت.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء، من ظلم، أو نفاق، أو إخلاص.
وهكذا تبدأ الآيات بنداء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وتنتهي بتذكير: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
وبين النداء والعلم الإلهي مسافة الاختبار. لتتلخص معالم الحق في:
الوعد حق.
الشيطان عدو.
الطريقان الواضحان: سوء العمل وصلاح العمل.
والعلم الإلهي محيط بكل ما يجري.
فمن اغتر بالدنيا، تبع العدو (الشيطان)، وانخدع بالتزيين، وانتهى إلى الحسرة.
ومن صدّق الوعد، واتخذ الشيطان عدواً، وجاهد نفسه على العمل الصالح، نال المغفرة والأجر الكبير.
الآيات تعيد ترتيب الوعي: فليست المعركة مع الناس أولاً، بل مع الغرور. وليست المشكلة في كثرة الباطل، بل في تزيينه. وليست النجاة بكثرة الجدل، بل بثبات القلب على الحق.
فأيها المسلم، إن الوعد حق… فلا تنخدع. والشيطان عدو… فلا تصادقه. والجزاء حق… فاختر طريقك مخلصا دينك لله وحده لا شريك له. والله عليم… فلا تغفل ولا تنحرف!
هذه الآيات دعوة إلى بصيرة؛ ليكون القلب ثابتاً لا تغريه الزخارف والزينة، ليكون واعياً أمام العداوة، مطمئناً إلى الوعد، مستحضراً علم الله في كل حركة وسكون.
إذا تأملنا سياق هذه الآيات نجدها تبني سلّمًا تربويًا متدرجًا يُخرج الإنسان من الظلمات إلى النور:
فالآيات تبدأ بإعلان الحقيقة الكبرى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ثم تكشف أول معوق: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ثم تكشف المصدر الخفي لهذا الغرور: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ثم تضع أمامك نتيجة الطريقين: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أو ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ثم تحذرك من أخطر المراحل كلها: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾.
وهذه هي المأساة الحقيقية في واقعنا: فلم يعد الصراع بين حق واضح وباطل مكشوف،
بل بين حقٍّ يُحارَب، وباطلٍ يُسوَّق على أنه فضيلة، وبين انحراف يُقدَّم باعتباره تقدّمًا، وقسوة تُسمى دهاءً، وتنازل عن الدين يُسمى واقعية.
ومن هنا نفهم لماذا ختمت الآيات بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
لأن من وصل إلى مرحلة “رؤية السوء حسناً” لم يعد الخلل في وعيه، بل في بصيرته. ولم تعد المشكلة في الدليل، بل في القلب الذي قسى ولم يعد يستجب.
وهنا يعود النداء من جديد كأنه يطرق القلب مرة أخرى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لا تجعلوا الغرور يصمّ آذانكم. لا تجعلوا التزيين يسرق بصيرتكم. لا تجعلوا طول الطريق يُنسيكم نهاية الطريق.
ثم نتقدم قليلا مع آيات سورة فاطر، لنقف بأدب وخشوع عند قوله عز وجل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾: سبيل الغرور أم تجارة لا تبور!
تشهد من حولك تدافعًا يختلط فيه الحق بالباطل، ويُستهان فيه بمخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. تتسع الانحرافاتٌ، وتشتد أمراضٌ القلوب المزمنة، ثم فتنٌ يتبع بعضها بعضًا كأنها موجٌ لا يهدأ. بل تماما كما وصفها نبينا صلى الله عليه وسلم “كقطع الليل المظلم”..!
يرهقك هذا المشهد، ويثقل صدرك ما ترى من تدليسٍ مستمر، واستخفافٍ بالكذب والبهتان والإفك، واستهانة بالمعصية والبدعة والانحراف، حتى صار الباطل يُروَّج بثقة، ويُدافَع عنه بجرأة.
يؤلمك أكثر أن ترى إخلاصَ الدين يُصرَف لغير الله عز وجل، فيُناصَر الهوى باسم الحق، ويُتقرَّب إلى الخلق بما لا يكون إلا للخالق.
ثم تفتح مصحفك، فتقع عيناك على آياتٍ من سورة فاطر، فإذا بها وكأنها تحتضن همومك، وتنتشل قلبك من ثقل الضجيج، وتضع بين يديك ميزانًا يردّ الأشياء إلى حقائقها، فتهدأ نفسك وتطيب! لقد وجدت الإجابات كلهاـ لقد وجدت المواساة في عمقها!
يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) ﴾ سورة فاطر.
هذه الآيات من سورة فاطر، خطاب صريح كاشف لحقيقة الصراع في حياة الإنسان: صراع بين وعدٍ حقٍّ وزينةٍ خادعة، بين عداوةٍ معلنة وطمأنينةٍ مغشوشة، بين بصيرةٍ هي السلوى، وقلبٍ يُزيَّن له السوء فيراه حسناً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
النداء هنا عام: يا أيها الناس. لأنه نداء يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويخاطب إنسان اليوم كما خاطب إنسان الأمس.
وعد الله حق: وعده بالبعث حق، بالجزاء حق، بالنصر حق، بالتمكين حق، بالعدل حق. ولكن ما يحدث مع وضوح هذا الوعد، أن هناك زخارف وزينة وتشويش كثير يصرف عنه.
ولهذا جاء التحذير مباشرة: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
الدنيا اليوم لم تعد فقط متاعاً، بل أصبحت منظومة إغراء متكاملة: إعلام يزيّن، منصات تضخم، أضواء تخدع، مقاييس تقلب الحقائق، نجاح يُقاس بالانتشار لا بالاستقامة.
ثم يأتي التحذير الأشد: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
أي ولا يخدعنكم عن طاعة ربكم، ومالك أمركم الْغَرُورُ!
لا يخدعنكم المخادع باسم الله، لا يخدعكم بالأماني الكاذبة فيفصل العمل عن الإيمان ويسوّف التوبة لصالح المزيد من المعصية!
لا يخدعكم بتأجيل التوبة فيوهمكم أن”ما زال في العمر بقية”.
لا يخدعكم بتزيين المخالفة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، تحت شعار الحرية أو الواقعية.
لا يخدعكم بسوء الظن بالله تعالى والظلم لصالح الحظوظ والأهواء، باسم الله تعالى!
إن كل غرور خطير ويبقى أخطر الغرور أن يُستعمل اسم الله لتبرير مخالفة أمره. فهي الفتنة وهي الظلام!
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾
تحمل الآيات تحذيرًا مصيريا في حياة الإنسان، وليس هو تحذيراً من عدو خفي فقط، بل أمر باتخاذ موقف حقيقي منه.
فالشيطان عدو، لكن كثيرين لا يتعاملون معه كذلك. فيتساهلون مع خواطره، ويفتحون له أبواب النظر، ويستمعون إلى وساوسه ويسترسلون خلف خطواته.
ثم يكشف القرآن غاية هذا العدو الحقيقي النهائية: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
فالقضية مع الشيطان صراع مستمر، هدفه فيه أن يحرف مسار وانتماء الإنسان لكل ما يفسد عليه عبوديته لله تعالى، وقد يبدأ بخطوة صغيرة، لكن الاتجاه والانتماء إن لم يُصحح يقود إلى النهاية التي يريدها هذا العدو اللدود.
وفي واقعنا: كم من باطل انتشر من مجرد فكرة “ترفيه”؟ وكم من انحراف بدأ لمجرد “تجربة”؟ وكم من فجور فتك لمجرد “رد فعل”؟
والنهاية: قسوة في القلب، وطمس للبصيرة، واعتياد على المعصية.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ…﴾
ثم بعد هذا التشخيص، تأتي هذه الآية (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
لترسم المفاصلة بوضوح: فليس الجميع سواء. بل هما طريقان: طريق ينتهي بعذاب شديد. وطريق ينتهي بمغفرة وأجر كبير.
والفرق بينهما ليس بالشعارات، بل بحقيقة الوصف: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
فلا بد من إيمان صحيح وعمل صالح! إيمانٌ يثمر عملاً. وعمل يحفظ الإيمان.
والمحسنون هم الذين جمعوا بين صدق القصد وإتقان العمل، وبين الإخلاص والمتابعة، فجاءهم الوعد بمعيّة الله عز وجل مهيبًا.
وما أعظمها من خاتمة!
فمن جاهد بإخلاص وإحسان كان الله معه!
ومن كان الله معه، فمَن عليه؟
ومن أحاطته معيّة الله، فأيُّ وهنٍ يقدر عليه؟
هناك يسقط بيت العنكبوت، وهنا تقوم دولة القلب بالله.
هناك وهم الأمان، وهنا حقيقة المعية.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .. عبارة تختصر طريق القوة كلّه، وتعلن أن سرّ الثبات ليس في الخيوط الواهنة، بل في الصلة بربّ العالمين الأبقى.
وبقدر صدق الإخلاص والجهاد والإحسان، تكون الفضائل والفتوحات!
فاللهم اجعلنا من عبادك المخلصين المجاهدين المحسنين إلى آخر رمق.
وأرنا عجائب قدرتك في بيوت العنكبوت.
بين بيتٍ واهنٍ ومعيّةٍ إلهية، وبين شبكةٍ متداعيةٍ وهدايةٍ ربانية
في الوقت الذي يتعلّق فيه الناس بقوةٍ بشريةٍ هنا، أو بدولةٍ عظمى هناك، تأتي آيات سورة العنكبوت لتعيد ترتيب المفاهيم بنور الوحي المهيب، فتضبط الموازين، وتكشف حقيقة الأمان الزائف.
قال الله جلّ جلاله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]
ليس المثل عن خيطٍ ضعيفٍ فحسب، بل عن وهم الأمان. فالعنكبوت تنسج بيتًا بإتقانٍ هندسيٍّ مدهش، شبكةً دقيقةً متناسقة، حتى إن العلماء يتحدثون عن قوة خيطها نسبةً إلى وزنه، وعن دقة بنيته المجهرية التي تفوق كثيرًا من المواد الصناعية من حيث نسبة القوة إلى الكتلة.
غير أن الإعجاز هنا أعمق من مجرد متانة الخيط؛ فالآية لم تقل: “أوهن الخيوط”، بل قالت: ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾.
ويأتي مثل بيت العنكبوت بصيغة الأنثى في قوله تعالى “اتخذت”. لأنها الوحيدة التي تبني بيت العنكبوت وتنسج شبكته المعقدة، بينما لا يملك الذكر القدرة على ذلك. ودقة الوصف القرآني تأسرك!
ثم بيت العنكبوت – من حيث حقيقته – ليس بيتًا يقي من حرٍّ ولا برد، ولا يحمي من مطر، ولا يصمد أمام أقلّ حركةٍ عابرة. بل إن البنية الداخلية لبعض أنواعه مضطربة؛ فقد تقتل الأنثى الذكر بعد التلقيح، أو يفترس بعضهم بعضًا.
إنه بناءٌ هشٌّ في مادته، وهشٌّ في روابطه.
وهكذا الذين اتخذوا من دون الله أولياء: ينسجون لأنفسهم شبكاتٍ من التحالفات، ويشيّدون أنظمةً فكريةً أو سياسيةً أو اقتصاديةً، ويتوهّمون أن هذه الشبكات تمنحهم الحماية والثبات.
لكنها حمايةٌ خادعة؛ لأنها قائمةٌ على غير أساس الحق. شبكةٌ قد تبدو معقّدة، لكنها أمام سنن الله في الكون كخيطٍ يتلاشى.
نحن أمام وصفٍ قرآنيٍّ بالغ الدقة لمن اتخذ أولياء من دون الله تعالى: ضعفٌ في الأصل، وهشاشةٌ في البناء، وخسارةٌ في المآل.
هكذا يضرب لنا المثل القرآني مثلا حقيقيا وواقعيا جدًا، فالمشركون في غرورهم بأوليائهم كالعنكبوت في اغترارها ببيتِها، وأولياؤهم كبيت العنكبوت في عجزه عند الحاجة.
وهكذا كل اعتمادٍ على غير الله: يبدو متماسكًا في الظاهر، لكنه ينهار عند الشدة.
أما الاعتصام بالله وحده فهو القوة الحقّة التي لا وهن فيها ولا زوال.
وسورة العنكبوت تدور في مجملها حول محور الإيمان والابتلاء، وتؤكد أن طريق الدعوة إلى الله محفوف بالفتن التي تميز الصادق من المدّعي.
فهي تثبّت المؤمنين أمام أذى المشركين وطول تسلطهم، وتبين أن النصر وعدٌ إلهي لأهل الإيمان، وأن العاقبة لهم مهما طال البلاء.
وتعرض قصص الأنبياء لتقرر أن سنة الصراع بين الحق والباطل ماضية، وأن الحق الذي جاءت به الرسل هو نفسه الحق القائم عليه خلق السماوات والأرض.
كما تدعو إلى مفاصلة الشرك، والصبر، ومجادلة أهل الكتاب بالحسنى، وتؤكد فردية المسؤولية والجزاء يوم القيامة.
ويأتي مثل بيت العنكبوت ليجسد ضعف الاعتماد على غير الله، فيكون توحيد الله والثبات على دعوته أعظم مقاصد السورة وروحها الجامعة.
ثم تأتي خاتمة السورة لتفتح بابًا آخر، وتكشف سرّ القوة الحقيقية، بعد أن عرضت صورة الوهن:
قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
ينتقل الخطاب من بيتٍ واهنٍ إلى معيّةٍ إلهية، ومن شبكةٍ متداعيةٍ إلى هدايةٍ ربانية.
فالفرق بين الفريقين ليس في ظاهر الأدوات، بل في الوجهة والمرجعية.
أولئك جاهدوا لأنفسهم، أو لأوليائهم من دون الله، فكانت شبكاتهم كبيت العنكبوت.
وهؤلاء جاهدوا فينا؛ أي جعلوا جهادهم خالصًا لله، قصدًا لمرضاته، لا لعصبيةٍ ولا لمطمعٍ دنيوي، فجاء الجزاء عظيمًا: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
لم يقل: سبيلًا واحدًا، بل سُبُلًا؛ أبوابًا من الهداية والفتح والتيسير لم تكن تخطر لهم على بال.
إن سرّ الفتوحات الربانية في التاريخ لم يكن في وفرة العُدّة، ولا في كثرة العدد، بل في صدق “فينا”.
حين تكون المجاهدة لله، تتحوّل القلّة إلى قوّة، والضيق إلى سعة، والحصار إلى فتح.
وكأن السورة تقول:
إما أن تنسج لنفسك بيتًا من وهمٍ فتنهار، وإما أن ترتبط بالله فتُهدى سُبُلَه.
بيت العنكبوت يقوم على خيطٍ متصلٍ بالمخلوق، أما طريق المجاهدين فيقوم على صلةٍ بالخالق.
والوهن ليس في قلة الإمكانات، بل في انقطاع الصلة بالله. والقوة ليست في كثرة الشبكات، بل في صدق المجاهدة “فينا”.
ولن ينال فضل هذه المجاهدة التي يصفها الله عز وجل بسعة المعاني الجليلة، إلا من أخلص دينه لله عز وجل.
ثم تتجلّى عظمة الآية في ختمها بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فهي معيّةُ نصرةٍ وتأييدٍ وتوفيق للمحسنين.
ثم تختم السورة بهذا الإعلان الكوني الجليل:
﴿ ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ﴾
كأن الرسالة الأخيرة تقول: لا تظنوا أن المسألة محصورة في مجلسٍ حضرتموه أو أمرٍ خالفتموه أو جمع خدعتموه!
أنتم في ملك الله، وتحت علم الله، وسائرون إلى الله.
هو يعلم حالكم الآن: ﴿ ما أنتم عليه ﴾
ويعلم مصيركم غدًا: ﴿ يوم يرجعون إليه ﴾
وسيظهر كل ما كان خفيًا: ﴿ فينبئهم بما عملوا ﴾
سورة النور بدأت بالنور الذي يبدد ظلمات الإفك والبهتان والظلم والطغيان، وختمت بالتحذير من فتنة مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والتفلت عن أمر الله عز وجل.
بدأت بتنقية المجتمع من الفوضى الأخلاقية، بضبط السلوك والحقوق والتحذير الشديد من التهاون في ذلك، وختمت بتنقية القلوب من الفوضى الخفية المتسترة بالنبل!
كأنها تقول: لا يكفي أن يُحفظ العرض، ولا أن تُصان البيوت، ولا أن تُضبط المجالس، حتى يُحفظ مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في القلوب. فحيث يُعظَّم أمره، يُحفظ المجتمع. وحيث يُتهاون بأمره، تبدأ الفتنة… ولو في الخفاء. لكن عواقبها وخيمة!
إنها آية تعيد ترتيب المقامات:
مقام العدل فوق الظلم،
مقام الرسالة فوق المجاملة،
ومقام الطاعة فوق الأعذار،
ومقام العلم الإلهي فوق كل محاولة التفلت.
فليحذر المرء المتفلت! فإن ابتلاء الفتنة أشد وأفتك وأثخن في النفس من كل عقاب!
ولن يدرك ذلك! حتى لو صاحت به صيحات النذير! إلا أن يشاء رب العالمين.
ومن لم يحسب حساب الفتنة! ولم يتحصن منها باستقامة واستجابة مخلصة لله وحده لا شريك له، فلا يلومن إلا نفسه!
وللصدق أماراته .. فإيمان بلا تقوى ولا خشية ولا “سمعنا وأطعنا” بلا تطفيف أو تفلتٍ … موجب للفتنة والضلال المبين!
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا ممن أخلص دينه لله وحده لا شريك له، وجنبنا غضبة الهوى وتطفيف الهوى وظلم الهوى!
ثم يربط هذا الوصف الرباني المهيب الفوز بثلاثة أركان: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
– طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي أساس الصدق،
– وخشية هي مقياس الصدق،
– وتقوى توثق الصدق.
فالإيمان التزام شامل، لا انتقاء جزئي. وهذا الدين يؤخذ كاملا بلا تطفيف! والجميع محاسب على ما يكنّه ويظهره!
فلا يعقل أن نستنفر النفوس لنصرة التوحيد في باب، ونخذله في باب آخر، ونقيم الأحكام الحاسمة في باب ونتهاون في الآخر!
لا يمكن أن نأخذ من الدين ما يسهل علينا ونترك ما يستعصي على أهوائنا!
إن أخطر ما يهدد الصفوف ليس الخصومة الظاهرة مع الدين، بل التديّن الانتقائي؛ أن يتحول الوحي إلى أداة تبرير لا إلى مرجعية تحكيم.
أن يُستدعى النص ليزكّي المواقف، لا ليهذّبها ويقومها.
وأن تستخدم الشريعة لظلم الشريعة!
والإسلام لا يقبل التطفيف. ولا يقبل أن يؤخذ بعضه ويُترك بعضه كما فعلت بنو إسرائيل.
ولا يقبل أن يُحكّم حين يوافق الهوى ويُعطَّل حين يخالفه.
فالميزان واحد، والمرجعية واحدة، والنجاة في كلمة واحدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
ومن لم يرض بحكم الله تعالى إذا خالف هواه، فليخف أن يكون من الذين قال فيهم: ﴿وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمرء بين حالين: مخلص دينه لله وحده لا شريك له، فيقول سمعنا وأطعنا بلا تفلت ولا احتيال ولا استياء!
أو مخلص دينه لهواه! فيلتف على شريعة الله تعالى ويوظّفها لنصرة هواه!
وشتان بين إخلاص وإخلاص، والله لا يظلم عنده أحدا!
ثم لا تقف آيات سورة النور عند هذا التشخيص!
بل تقدم لنا تشخيصا يخشع له القلب!
لنتأمل كيف تختتم سورة عظيمة جاءت لتربية المؤمنين على الاستقامة كما أمر الله تعالى بلا فجور ولا طغيان، بلا إفك ولا بهتان! بلا استخدام التطفيف في التعامل مع الشريعة، كوسيلة للنكاية والفتنة والظلم والطغيان!
قال الله عز وجل: (لا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ (64))
تأتي هذه الآيات في خواتيم سورة النور، بعد أن بُيِّنَت آداب الاستئذان، وأحكام البيوت، وضوابط الاجتماع والطاعة، تأتي هذه الآية كالتتويج لكل ما سبق؛ لتضع القاعدة الجامعة: أن العلاقة مع الرسول ﷺ ليست علاقة بشر ببشر، بل علاقة أمةٍ بوحيٍ، وطاعةٍ برسالة، وتعظيمٍ بأمرٍ إلهي.
﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴾
فالرسول ﷺ في المجتمع المؤمن ليس مجرد قائد يُنادى كما يُنادى غيره، ولا شخصية عامة يُتعامل معها كما يُتعامل مع سائر الناس، بل هو مبلغٌ عن الله عز وجل، وصوته في الأمة صوتُ الوحي، وأمره امتدادٌ للأمر الإلهي.
وكأن السورة – بعد أن نظمت البيوت من الداخل – تنظّم القلوب من الداخل أيضًا:
إذا لم يُعظَّم الرسول صلى الله عليه وسلم في القلب، لم تُحفظ الحدود في الواقع.
وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب تعظيم أمره ونهيه، ووصاياه وهديه! ومخالفة ذلك مخالفة عظيمة ولو كانت مخالفة مستترة متفلتة!
لذلك تكشف الآية بعد ذلك عن مرضٍ خفيّ:
﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا ﴾
فليس كل من حضر مطيعًا، وليس كل من جلس منصتًا منقادًا. بعضهم يتسلل في الظل، يتوارى خلف الأعذار، ينسحب دون مواجهة، يخالف بتفلت.
إنه نفاق السلوك. والتفلّت من الطاعة بأسلوبٍ مهذّب،
إنه الهرب من التكليف بطريقةٍ لا تُحرج صاحبها أمام الناس… لكنها لا تخفى على الله عز وجل.
ولذلك جاء التحذير صريحًا:
﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾
وأكثر ما يتصدع له القلب خشية!! أن العاقبة لمثل هذا التفلت، هي الفتنة!
وما أدراك ما الفتنة، كان الصحابة يرتجفون من ذكرها خشية من ربهم عز وجل!
فهي أخطر من العذاب؛ لأن العذاب قد يكون عقوبةً تنتهي دون المساس برأس مال المرء للنجاة، فالفتنة تفسد رأس المال هذا! بانحرافٌ داخلي: واضطراب في البصيرة، وقسوة في القلب!
فأي عقاب أشد من هذا!! وأي نور ينير طريقا انطفأ فيه نور البصيرة وحُرم المعية الربانية!
وهذه الدقائق تتراكم في سيرة المرء – كلما استمرت الاستهانة – حتى يستحيل الاعتراض منهجًا.
ومخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم – أيًا كانت المبررات- هي بداية تصدع في البناء الإيماني كله. لأن الطاعة هنا طاعة لله عز وجل. (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).
في ظلال النور: ميزان الطاعة والحصانة
كلما أمعنتُ النظر في آيات القرآن العظيم، شدَّني ذلك التشخيص الرباني الدقيق لأمراض القلوب، وكشفه العميق لمسالك الانحراف عن الصراط المستقيم؛ ولذلك يبقى القرآن أولَ مرجعٍ في التشخيص، وأدقَّه في وصف الداء، وأكملَه في بيان الدواء.
وأخطرُ ما يكون من الانحراف ما يتخفّى بثوب الإيمان، ويتزيّا بشعارات الطاعة، وهو في حقيقته مخالفةٌ لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ انحرافٌ لا يُعلَن، بل يُمارَس تحت لافتة “آمنا وأطعنا”، بينما الواقع يكذّبه.
هذا التشخيص البليغ نجده جليًّا في آياتٍ جليلة من سورة النور، حيث يقول الله عز وجل:
(لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (46) وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ (52)).
في هذه الآيات من سورة النور ينكشف ميزان دقيق، يفرّق بين دعوى الإيمان وحقيقته، وبين من يأخذ الدين كلّه تسليمًا وانقيادًا، ومن يتعامل معه بانتقائية مريبة، يختار منه ما يوافق هواه ويترك ما يخالف مصلحته.
يقول تعالى: ﴿لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾
فالآيات بيّنات، واضحة لا التباس فيها، والصراط مستقيم لا اعوجاج فيه، لكن الهداية توفيقٌ من الله لمن صدق في طلبها.
ثم يفضح القرآن نموذجًا خطيرًا:
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾
هنا الانفصام بين القول والعمل أمر خطير جدًا:
إيمانٌ باللسان، وطاعةٌ في الشعار، لكن عند أول اختبار عملي يتولى فريق منهم.
لذلك جاء الحكم القاطع: ﴿وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
فالإيمان ليس مجرد ادعاء! بل فعال ومواقف توثّق صدقه..!
وتتجلى خطورة التفلت الذي يشخصه القرآن، حين يقول تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾
فالدعوة هنا إلى تحكيم الوحي، إلى مرجعية عليا. لكن الإعراض يقع لأن الحكم لا يكون في صالحهم.
ويأتي التشخيص الأبلغ: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾
أي إن وافق الحكم أهواءهم، أسرعوا إليه خاضعين!
فهم ليسوا خاضعين للحق لذاته، بل لمصلحتهم فيه.
وهذا هو جوهر التطفيف: أن يتعامل الإنسان مع الدين كأنه سوق، ينتقي منه ما يخدم مشروعه، ويترك ما يقيّده أو يطالبه بالتزكية والمراجعة.
القرآن لا يترك هذا السلوك دون كشف جذوره، فتأتي الآية تصفهم في قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾
فإما وراء ذلك: مرض في القلب، أو شك في عدل الشريعة، أو سوء ظن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وتختم الآية وصف من كان هذا حالهم: ﴿بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
والظلم تحكيم الهوى بدل ميزان الشريعة العدل.
وهنا تتضح خطورة “المطفف”: فهو الذي يرفع شعارات الشريعة حين تخدم خطابه، ويستشهد بالنصوص التي تؤيد موقفه، لكنه إذا استدعته آية إلى كفّ ظلمه وعدوانه، إو إلى إيتاء كل ذي حق حقه، أو إلى ما لا يتفق وهواه! أعرض!
فهو يحب من الدين ما يحقق أمانيه، ويتفلت مما يضبط غروره.
يستحضر النصوص في ميدان الهوى، ويغيّبها في ميدان التقوى والانضباط بهدي السماء.
وفي المقابل يرسم القرآن صورة المؤمن الحق: فيقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴾
لا يسأل المؤمن: هل الحكم لي أم عليّ؟
لا يفتش: هل يخدم سمعتي أم يجرّدني منها؟
بل يقول: سمعنا وأطعنا. بكل خضوع وإخلاص لله عز وجل.
ونحن هنا أمام إخلاص الدين لله وحده لا شريك له! أكثر ما خّذل في زماننا لغلبة الأهواء واشتداد الفتن!
فأموالهم التي ينفقونها اليوم… ستكون حسرة لهم غدًا. وصخبهم الإعلامي… لن يغيّر سنن الله ولن يقلب موازين الحق. ومحاولات الصد … لا توقف النور، بل تفضح أصحابها.
وأول من يجب أن يتأدب بذلك المسلمون! فلا يمكن الاحتيال على الله عز وجل، ولا اختلاس فضله سبحانه، ولا يمكن امتهان الغش، لحيازة الألقاب والتزكيات، ولا ينفع صخب إعلامي حين تتلوث النفوس بالخبث والظلم والبغي، ولا ينفع الالتفاف على شريعة الله تعالى لنيل فضل الله تعالى .. فالنهايات دوما محسومة لصالح الطيب الصادق!
لذلك أرجى ما يجب أن يشغل المسلم نفسه به اليوم، هو تحقيق القبول من الله عز وجل! لا من الجماهير والناس المصفقة..!
هذا ما يجب أن يشغل المسلم اليوم!
ليس الخوف من الكافرين! بل الخوف مما يرافق هزيمة الكافرين المحتومة!
وهذا يوجب إقامة القلب على الاستجابة لأمر الله عز وجل، بالتصدي لمكرهم وطغيانهم على قدر الاستطاعة، بالاستعلاء بالإيمان وبجهادهم، وبيقين لا ينهزم تحدوه عبادة الوجل.
وعبادة الوجل حكمة عظيمة، تحفظ القلب من الغرور، وتمنعه من الاتكاء على الاسم أو الانتساب والارتهان للتزكيات البشرية القاصرة.
كما تحفظه من الاطمئنان لسنة الله في أن حسرة الكافرين مؤكدة فيتكّل ولا يعمل.
ثم تلجمه عن الظلم والتفلت! فينشغل وجلًا بالعمل خشية أن يكون من الخبيث المركوم.
الوجل يجعل المؤمن يسأل نفسه عند كل منعطف: هل يقبل الله عملي؟ هل أخلصت ديني لله وحده لا شريك له! هل تزودت لما هو آت! ما الذي يؤخرني أو يهدد إيماني وخاتمتي؟
لأنه مدرك أن المسير لله تعالى يتطلب وجلا وحياء وتعظيما لله تعالى .. وأن الغربال مستمر، وامتحانات الصدق لا تقبل الغش أو الاحتيال ولا حتى الوساطات! بل ما يقبله الله عز وجل.
وهكذا يعيش المؤمن، مدرك أن الصراع محسوم، لكن الامتحان قائم.
فلا يركن إلى تزكية، ولا يغترّ بعنوان، ولا يطمئنّ لثناء. ولكن يثبت على إخلاص الدين لله وحده، ويجدد تقواه في كل موقف، فإن نهاية الصراع محسومة، لكن موقعه فيه هو الذي يُختبر.
وحقيقة الإيمان الوجل! يقول الله عز وجل ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ … ﴾
فلا يجتمع الإيمان والغرور في قلب واحد، ولا تُنال النجاة بلا وجل.
وكلما ازداد اليقين بحسم النهاية، ازداد الخوف من التقصير في الطريق، وازداد التحصّن من موجبات الاغترار والخسارة! وتلك حقائق يعرفها جيّدا أهل الجهاد والمراغمة!
فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم لا تجعلنا من القوم الخاسرين!
بين اليقين والوجل: معالم الطريق إلى الله عز وجل
تشتدُّ ظلمةُ المشاهد، وتضيقُ المواقف حتى تكاد القلوب تختنق كمدًا، ويتسرّب إليها اليأس خفيًّا وإن تظاهرت باللامبالاة!
ثم ما تلبث أن تُتلى آياتُ الله عزّ وجلّ، فإذا بالنور يشقُّ العتمة شقًّا، وإذا بالوحي بلسمًا ينساب في العروق، يغسل مرارة الاستياء، ويعيد ترتيب المشهد من جديد؛ فيتحوّل الاضطراب سكينةً، ويتبدّل القلق يقينًا، وينقلب كلُّ تفصيلٍ مُقلقٍ باعثًا على الاستبشار والثقة بوعد الله الحق، جل جلاله.
فلا يخرج المؤمن من القرآن إلا عزيزًا بالبصيرة، ثابتًا باليقين، مطمئنًا إلى سنن الله تعالى التي لا تتخلّف ولا تتبدل أبدًا.
قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]
آيةٌ واحدة، لكنها ترسم خريطة الصراع كلّه: بدايته، ومساره، ونهايته.
إنه صراعٌ ممتدٌّ بسنةٍ ماضية، لكنه منتهٍ بحسمٍ مهيب.
﴿ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
ليس حديث الآية الجليلة عن إنفاقٍ عابر، بل عن مشروعٍ متكامل؛ أموالٌ تُضخّ، وإعلامٌ يُسخَّر، وتحالفاتٌ تُعقد، ونفوذٌ يُستخدم، وخططٌ تُحاك… كلّها تُسخَّر لصدّ الناس عن سبيل الله تعالى وإطفاء نور الحق.
لكن انظر إلى الترتيب الإلهي الدقيق:
فسينفقونها… أي أنهم مستمرون في البذل والجمع والتعلق بأستار القدرات المادية!
ثم تكون عليهم حسرة… أي أن النتائج لن تكون مجدية كما ينتظرون، ولن تثمر جهودهم ولا تمويلهم المستمر نتائج مرضية لهم. بل ستكون على العكس تماما، حسرة، مؤلمة ومفجعة لهم!
ثم يُغلبون… أي أن النهاية حاسمة في المآلات، بهزيمة مؤكدة.
ثم إلى جهنم يُحشرون… ليس فحسب الخسارة في الدنيا، بل وخسارة الآخرة أشدّ وأبقى.
أي أنها خسارةٌ مركّبة: حسرة مفجعة في الدنيا، وغلبة مثخنة في الميدان، وعذاب شديد في الآخرة.
وكلّ ذلك يُختصر في آية واحدة!
قد يذهل الناس من ضخامة الأرقام، وضجيج الإعلام، واستعراض الترسانات، فيحسبون الكثرة قوّة، والانتشار تمكينًا، والسيطرة انتصارًا.
لكن الوحي يضع الأمور في ميزانها الصحيح: كلّ ذلك وقود حسرةٍ قادمة، ومقدّمةُ غلبةٍ محتومة. لا شك في ذلك أبدًا.
ولكن مما يجب الوقوف أمامه أيضا، بأدبٍ مع الله عز وجل وحياء! أن سنة الغلبة للمؤمنين على قوة أعدائهم لا تسير لوحدها!
فمع أن النهاية محسومة، إلا أن طريقها ليس مفروشًا بلا ابتلاء.
وهنا تتجلّى السنة الأخرى، المرافقة لسنة الغلبة:
قال الله جل جلاله ﴿ مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179]
فالابتلاء سنة ثابتة في مسار النصر، وجزءٌ من هندسته الربانية.
هذه الآية تكشف وجهًا آخر من الصراع: والصراع لا يُسقط الباطل فحسب، بل يكشف الصفوف. فلا يترك الدعوى بلا امتحان، ولا الشعار بلا اختبار. بل يخرج الصفوة، وينقيها من كل دخن وكدر!.
والتمييز ليس بمفهومه السطحي! باغترار الظنون، إنما بعمق الكشف، لما تسّره الصدور..!
والله عز وجل لا يترك المؤمنين في حالة اختلاط وغموض، ولا يسمح بأن يستمر الالتباس بين صادق ومدّعٍ.
لذلك التمييز لا يكون بالألقاب المتضخمة، ولا بالشعارات المتوهجة، ولا بالتزكيات المتملقة، ولا بالجماهير المصفقة.
إنما يكون بصدق المعادن وإخلاص القلوب الذي لا يشوبه ارتياب ولا خبث! وإن كان في معزل عن الأضواء ومرامي الاهتمام والتبجيل. وهو الذي لا يعلم صدقه إلا الخالق عز وجل.
وهكذا تتهاوى في مواسم الفرز التي لا مناص منها، أوهامٌ كثيرة:
فلا تنفع كثرة الأتباع إن تلوّث الإخلاص.
ولا تغني الشعارات إن خالفت السيرة.
ولا تُجدي تزكية الناس إن لم يرضَ ربّ الناس.
الله عز وجل لا يترك القلوب مختلطةً ولا الصفوف متداخلةً بل يُرسل الابتلاء غربالًا، ويجعل الأحداث كاشفة، والفتن ممحّصة، والمحن مطهّرة. ومع توالي الأيام تنكشف الحقائق وتمتحن الدعاوى، فتخشع النفوس لحكمة ربنا!
إذن نحن أمام حقيقتين متوازيتين:
الباطل مغلوبٌ حتمًا.
والصفُّ المؤمن ممحَّصٌ قبل التمكين دومًا.
فلا يغترّن أحد بقوة الأعداء، ولا ينهزم أمام مشهدهم، وأيضا لا يستعجل الحسم قبل اكتمال الفرز. ولا يغترن بكونه في صفوف النصرة!
فالمعركة ليست لإثبات أن الحق سينتصر – فهذا قد قُضي – وإنما لإثبات من يصدق في نصرته كما يحبّ الله ويرضى.
ليست القضية: هل سيُغلب الباطل؟ بل: أين موقعك أنت حين يقع التمييز؟
ومن هنا ينبعث الوجل…
ليس خوفًا من غلبة الباطل، بل خشيةً من سنة التمييز.
وليس رهبةً من أموالهم، بل رهبةً من خذلان النفس القاتل.
فالآية الأولى تحسم المصير: ﴿ثم يُغلبون﴾.
والثانية تُبقي القلب يقظًا: ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.
وفي معاني الآيتين، لفتة عظيمة تستوجب الوجل!
ومن تأمل في دعوة شعيب عليه السلام وجد شمولية “لا إله إلا الله” وعظمتها؛ إذ جاءت في سياق توجيهات اجتماعية واقتصادية تعالج الانحراف العقدي في هذا الميدان كما في سائر الميادين، لتبني واقع الإنسان كله، وترفعه إلى المكانة التي فضله الله بها على كثير ممن خلق.
ولا شك أن لذلك فضائل جليلة! فبعد النهي عن البخس قال شعيب عليه السلام لقومه:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فما يبقى لك من مال بعد العدل خيرٌ مما تأخذه بالظلم.
وما يبقى لك من مروءة بعد إنصاف الناس خيرٌ مما تكسبه بتشويههم بالبغي.
وما يبقى لك من أمانة ومصداقية في القلوب خيرٌ مما تجمعه من انتصارات وهمية.
إن ترسيخ قاعدة الإنصاف في النفوس، وفي الجماعات، والحركات، والأفكار، والدعوات، ركيزة أساسية لصناعة العدل ونصرته، ولمنع الفساد في الأرض.
وما أعظم أثر الإنصاف في النفوس: مع القريب والبعيد، مع المؤيد والمخالف؛ فإنه يصنع هيبةً… هيبةَ الحق، وما يستتبعه من فضائل وإخلاص لله وحده لا شريك له.
بالحق والعدل والإنصاف والصدق معًا ننتصر، لا بالحق الممزوج بالظلم والبخس والكذب.
ومن بخس الناس أشياءهم، فقد خطا أولى خطوات المفسدين في الأرض، ولا يلومنَّ إلا نفسه.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
اللهم اكفنا شر البخس والمبخسين..!
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
قال الله جل جلاله:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
آية جليلة تأخذ بمجامع القلب، وتستوقف المتدبر بخشوعٍ وشجن!
تكررت ثلاث مرات في القرآن الكريم على لسان نبي الله شعيب عليه السلام:
في سورة هود (الآية 85)، وفي سورة الشعراء (الآية 183)، وفي سورة الأعراف (الآية 85) بلفظٍ قريب:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
إن بخس الأشياء ليس أمرًا محصورًا في ميزان السوق فحسب، بل هو خللٌ قد يتسلل إلى ميزان الحياة بأسرها. وليست هذه الوصية خطابًا للتجار وحدهم، بل هي موجهة إلى العلماء، والدعاة، والخصوم، والأزواج، والأصدقاء، وإلى كل إنسان يمشي على هذه الأرض ويتعامل مع الناس حقًّا وواجبًا.
ولعلَّ من أعظم ما تُوقِظ له هذه الآية، أن الله تعالى قرن فيها بين بخس الحقوق والإفساد في الأرض.
فقد يبدو البخس في أعين الناس أمرًا يسيرًا: تطفيفًا في ميزان يُهمل، أو كلمةً ذُكرت لم تُنصف، أو حقًّا للغمط لم يُذكر، أو جهدًا قُلِّل من شأنه، أو نصيحة أمين، تُزدرى وتُطمر. لكنه عند الله ليس صغيرًا أبدًا، لأنه يمسُّ جوهر العدل ويخرم ميزانه. وإذا اختلّ الميزان، بدأ الفساد يتسلل خفيًّا من حيث لا نشعر، وكلما طال الإهمال، تعاظمت التداعيات، حتى يستحكم الفساد في الأرض.
ومن اعتاد التطفيف في التقدير، هان عليه التطفيف في الضمير.
ومن استهان بحقوق الناس وأشيائهم، كان ظالمًا لنفسه ولهم، وما أفلح الظالم!
ومن عظمة هذا الدين أنه جعل العدل ميزانًا شاملًا لا يُبخس فيه حق، ولا يُغفل فيه فضل. فهو لا يقتصر على الأموال والممتلكات، بل يتجاوزها إلى الأفكار، والأخلاق، والأزمنة، والجهود، والتضحيات، وكل صور الحقوق، لا مع من توافقه فحسب، بل – والأهم – مع من تخالفه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وتأمل كيف يُحدد الله – عز وجل- العدل في مقام الخلاف والخصومة!
لأن أخطر أنواع البخس هو ما نُلبسه ثوب الغيرة على الحق، بينما هو في حقيقته انحيازٌ للنفس. وما أخفى حظوظ النفس حين تتستر بشعار الحق!
إنه خيطٌ دقيق من الانحراف، إن لم يُنتبه له ويُعالج، أفسد في الأرض أعظم إفساد، بإفساد جوهر الرسالة، والإخلاص، وسلامة القلوب.
ومن أعجب ما يشدّ المتدبر في آيات القرآن تلك المعالجة الدقيقة لجذور الفساد وبذور الانحراف قبل أن تستفحل؛ معالجةٌ محكمة، يكفي تأملها وتأمل الحكمة منها، ليخضع القلب تسبيحًا وتعظيمًا: فسبحان ربي الأعلى!
والمجتمعات لا تنهار فجأة… بل يبدأ انهيارها حين يفقد الناس ثقتهم في العدالة. وتبدأ الشرارة من بخس الناس أشياءهم؛ فتنكسر الثقة، وتضيع الأمانة، ويضعف العطاء، ويشتد الحقد، وتتسع دوائر المخالفة.
وهل يصنع ميزان الهوى إلا مزيدًا من القطيعة والتنازع وذهاب الريح؟
وذلك هو الفساد بعينه.
وتأتي قصة شعيب عليه السلام لتلقننا درسًا عظيمًا، كما كل قصص الأنبياء التي تحمل خصوصية تربوية فريدة. ففي قصة شعيب نتعلم كيف يصون التوحيدُ العدلَ في كل شيء؛ فلا يستقيم توحيدٌ يظلم الناس، ولا تُقبل عبادة تقوم على غصب الحقوق وغمطها.
ولا يجتمع بخس وخشية في قلب! فالخشية تمنع البخس، فإن طغى البخس فهذه أمارة انحراف خطير!
وفي سيرة النبي ﷺ نرى عجبًا من الإنصاف، مع المسلم كما مع الكافر، وعلى هذه المعاني ربّى أصحابه رضي الله عنهم.
وبخس الفضل يقتل المروءة، وجحد الإحسان يفسد القلوب، والاستمرار في بخس الناس أشياءهم هدمٌ للدين من داخله.
وقد وثّق لنا التاريخ – في كثير من المرات- كيف تسفك الدماء المعصومة، من حقد أعمى تشكل من الاستهانة بالبخس والغمط! فكان مشهدًا موثّقا للإفساد في الأرض..!
ومن أخطر صور البخس في زماننا النظر إلى الناس بعينين مجحفتين: أبيض مطلق… أو أسود مطلق. فإما أن يُرفع المحبوب إلى مرتبة التفرد والكمال، أو يُسقط المكروه إلى درك: “ما رأينا منه خيرًا قط”.
وهذا ليس من الإسلام في شيء؛ ففي كل إنسان خير وشر، حسنات وسيئات. والمنصف لا يغمط حقًا، ويحذر من حالٍ وصفها الشاعر بفراسة صادقة:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا
وكم وقع من ظلمٍ بسبب غمط حق، أو بخس فضل! وتراكم إغفال هذه الدقائق يصنع فسادًا عريضًا في الأرض.
