Multifarious Writings
Kanalga Telegram’da o‘tish
I jot down stuff when possible
Ko'proq ko'rsatishMamlakat belgilanmaganToif belgilanmagan
1 036
Obunachilar
-124 soatlar
+107 kun
+3130 kun
Postlar arxiv
أعتبر هذا العمل عن السلطان سليم الأول في سياق التاريخ العالمي إبان حقبة مطلع الحداثة من أفضل ما قرأت مؤخرا. إلى جانب أنه مليء بالتفاصيل الهامة عن حياة السلطان والتحولات الجوهرية التي شهدتها المنطقة إبان عهده، يعرض الكتاب أثر التوسعات العثمانية على أوروبا من النواحي الثقافية والدينية، حيث لعب نموذج العدو المسلم في سياق النزاع البروتستانتي الكاثوليكي دورا جوهريا في تشكيل النموذج الذي يجب أن يكون عليه المسيحي البروتستانتي: بالنسبة لمارتن لوثر، كان السلطان المسلم هو العدو الجسدي للمسيحية بينما البابا هو العدو الروحي، وقد لعبت هذه الثنائية دورا تأسيسيا في تشكيل البروتستانتية الأولى. كذلك يتعرض الكتاب إلى أثر نزاعات تلك الحقبة على التوسعات الأوروبية في العالم الجديد، ويبين كيف أن الشغل الشاغل للعقلية الأوروبية إبان هذه الحقبة كان النزاع الإسلامي المسيحي، وليس بعث التراث الإغريقي أو النزعة الإنسانوية الأولى أو العالم الجديد وثقافاته المختلفة، فقد كتبت أعمال في هذه الحقبة عن الحرب ضد الإسلام أكثر مما كتب عن الإغريق والرومان والعالم الجديد، وهذا يطرح إشكالية تحقيب التاريخ وتأريخ أحداث هذه الحقبة تحديدا.
لما تشوف نقاشات العروبيين والفراعنة والأمازيغ عن موضوع الهوية وهم بيستشهدوا بدلائل تاريخية وأبحاث ودراسات افهم مباشرة أن مسمياتهم القومية بعيدة تماما عن الواقع التاريخي المتغير لمعنى هذه الهويات. ناس تصورها أنه القدماء كانوا بيستمدوا هوياتهم من بحوث تاريخية صارمة ودلائل موضوعية. في الواقع، الموضوعية التاريخية بمعناها الرائج بتفكك كل الهويات وبتبين أنها كلها مُجمّعة ومركبّة من خليط من التاريخ والميثولوجيا والتاريخ الملحمي والجغرافيا. على ذكر الجغرافيا، مجرد نزع الهوية من سياق جغرافي معين ووضعها في حيّز الفضاء المعلوماتي بيحوّلها إلى شيء مختلف تماما. على أي حال، الشوفينية والهوياتية المعاصرة شيء لا يختلف كثيرا عن التعصب لفرق كرة القدم. لأنه بمجرد أن تتحول الهوية إلى شيء غير واضح ذاتيا فهذا خير دليل على تفسخها وفسادها. هؤلاء تصوراتهم عن الهوية قائمة على القراءة عن أزمنة صلتهم بها شبه مقطوعة في معظم جوانب الحياة، وارتباطهم بها يقوم إلى حد كبير على تصورات فكرية، وكأن الهوية مسألة فكرية بالدرجة الأولى. في النهاية، يرجع الفرعوني والعربي والأمازيغي إلى أسلوب الحياة الحديث ويتلقى التصورات والآراء من مؤسسات مرجعها حداثي وبرامجها كلها تقوم على تعزيز العولمة ودعم الإنتاج، ثم يترك لها أولاده ليذهب إلى عمله الذي يستنزفه تماما، ثم يعود إلى بيته ليشاهد نيتفليكس أو يفتح مواقع التواصل ليخوض نقاشات جديدة عن مسألة الهوية، الهوية التي ينتهي وجودها بمجرد تسجيل الخروج من مواقع التواصل. بدون مداورة، الإنسان المعاصر هو إما عولمي ثقافيا ومطبع مع الموضوع أو بيحاول يهرب من العولمة لكنه أضعف من فعل أي شيء، أو هو مجرد جاهل بهذه الأمور وبالتالي يتلقى ثقافة العولمة دون أن يدري.
الديكتاتورية من الكلمات الطنّانة في القاموس السياسي، وترتبط في المخيل المعاصر بالحاكم الذي يتصرف كما يحلو له بمعزل عن الدستور والقانون والأعراف السائدة، ولأن السياق المعاصر مؤطر بالأفق الليبرالي، غدت الكلمة مع الوقت مرادفة لأعداء الليبرالية، الذين يعتبرون بالضرورة أعداء الإنسانية. بيّد أنه في واقع الأمر، للكلمة دلالات كثيرة تختلف حسب السياق، وعلى الضد من سمعتها السيئة في العالم المعاصر، في سياقات مختلفة، أشارت الكلمة إلى النقيض التام للدلالة المعاصرة، فبدلا من أن تعني الحاكم الذي يتجاوز كافة القيود، قصد بها الحاكم الذي يحيّد القيود بغرض حفظها. هكذا كانت دلالة الديكتاتورية في عهد الجمهورية الرومانية. ممن يشتهرون بمعالجتهم لمسألة الديكتاتورية في الفلسفة السياسية الحديثة الألماني كارل شميت، الذي يشهد له الجميع بالعبقرية الفذة بغض النظر عن الاختلافات السياسية. وقف شميت على الضد من الرؤية القائلة بأن الديكتاتورية هي نقيض للديمقراطية والحرية، وفرق بين نوعين من الديكتاتورية، الأول هو الديكتاتورية المفوّضة، وأهم سماتها ارتباطها جوهريا بغاية محددة. عرف العالم الروماني هذا النوع، كما أشرت، وكان غرضه استخدام كافة الوسائل الممكنة بغرض حفظ النظام القائم. أما النوع الآخر فهو الديكتاتورية السيادية، وهي تلك التي لا تتقيد بأحكام النظام القائم، بل تهدف إلى تجاوزه كليا. "في كلا النوعين من الديكتاتورية، فكرة الوضع الذي يجب خلقه بواسطة فعل الديكتاتور متضمنة في المفهوم. وطبيعته القانونية تكمن في حقيقة أنه، في ضوء الغاية التي يتعين تحقيقها، يتم استثناء القيود القانونية والعوائق التي، في حالة معينة، قد تعتبر عائقا أمام تحقيق الهدف". (بتصرف). على الرغم من أن الديكتاتورية المفوضة تتجاوز القيود القانونية إلّا أنها تبقى مقيدة بها من ناحية أنها تهدف في النهاية إلى حفظها، ولهذا تعد ديكتاتورية محافظة، لأن الغرض منها هو الحفاظ على النظام السياسي القائم وإعادة توازنه، بدلا من إنشاء أي نظام جديد. أي يمكن أن نعتبر هذه الديكتاتورية نوعا من أنواع الصيانة المؤسسية، التي بموجبها تتيح المؤسسة إطارا للخروج عن القواعد. لكن ثمة نقطة مهمة هنا يجب أخذها في الحسبان، الديكتاتورية المفوضة تلك ليست شيئا يحدث بصورة اعتباطية، وإنما يرتبط ارتباطا وثيقا بحالة الاستثناء، الحالة التي تشذ عن القاعدة. في هذه الحالة، يقوم الديكتاتور بأفعال لا تتقيّد بالقيود القانونية بغية إرجاع الوضع الطبيعي، ولهذا نعدها فعلا محافظا، إذ أنها تنتفي بمجرد انتفاء هذه الحالة. أشار شميت أيضا في هذا الصدد أن أي ديكتاتورية لا تعتبر نفسها زائدة عن الحاجة في وقت معين تتحول بالضرورة إلى استبداد تعسفي. أي باختصار، تطبق هذه الديكتاتورية المحافظة (الغير مستبدة) في ظرف معين ثم تختفي باختفائه. فيما يتعلق بالديكتاتورية السيادية، التي اعتبرها شميت بابا من أبواب التعسف والاستبداد، لا يكون التدخل السيادي الذي يكسر القاعدة موجها بغرض الحفاظ على نظام محدد، وإنما يتعلق بالثورة والإصلاح، والغرض منه هو تدمير النظام القائم. بالتالي، على الضد من الديكتاتورية المفوضة التي عرفها الرومان وعدوها وسيلة لا تتقيد بالنظام حرفيا بغرض حفظ النظام، أي الاستجابة إلى حالة استثناء ملموسة ويمكن تحديدها بدقة، نجد أن حالة الاستثناء في الديكتاتورية السيادية ليست محددة بنظام ملموس يمكن الرجوع إليه، بل مدفوعة برغبة في الرد على حالة استثناء لا تنتهي، حالة قد تكون حقيقية أو حتى متخيلة. هذا النوع من الديكتاتورية هو الذي عادة ما يتبع الثورات والتحولات التي تبدل الأنظمة (المرجعية التي تحدد الاستثناء)، ونقصد بالأنظمة هنا المنظومة شاملة وليس رأس السلطة فحسب، وفي معظم الأحوال، تنقلب إلى استبداد تعسفي يستخدم كافة الوسائل الممكنة بغرض الاستجابة إلى حالة الاستثناء التي لا تنتهي، والتي هي ليست أمرا محددا يمكن الرجوع إليه كما في حال الديكتاتورية المفوّضة. حينما لا تتقيد حالة الاستثناء بأي منظومة ملموسة تستحيل إلى قوة تدميرية تفتك بالجميع وتركب ما تهم من الأمور. ولهذا السبب تستحيل الثورات إلى إرهاب وديكتاتورية عمياء في معظم الأحوال، لغياب نموذج ملموس تتحدد وفقا له حالة الاستثناء التي يعلق فيها القانون بصورة مؤقتة. تذكرنا هذه الحالة بالثائر الفرنسي الشهير جورج جاك دانتون عندما قال وهو أمام مقصلة الإعدام " أن الثورة تأكل أبنائها "، مستكملا المثل الفرنسي القائل " من السهل ان تبتدئ الثورات ولكن من الصعب ان تنهيها بسلام ". السبب في أنك لن تستطيع إنهاء الثورات والتحولات السياسية التي تكسر المنظومة القائمة بسلام هو أنك لا تملك مرجعا ملموسا يضيّق الإطار الذي تعمل فيه حالة الاستثناء، والذي بموجبه يتصرف الديكتاتور.
حتى نهاية العصر العباسي كان السواد الأعظم من سكان النطاق الذي تحكمه الخلافة على غير الإسلام. والهند ظلت لفترة طويلة تحت الحكم الإسلامي، ورغم المجازر التي ارتكبها الحكام المسلمون في هذا البلد، كان من النادر أن تهتم الحكومة بأسلمة المجتمع ككل. كذلك، ظل العثمانيون يحكمون دولة أغلب سكانها من المسيحيين حتى أستولى سليم الأول على البلدان العربية. هذا على سبيل المثال لا الحصر. علي أية حال، هذا لا يعد دليلا على التسامح والمحبة لأن هذه المصطلحات بدلالاتها الحديثة لم تكن معروفة آنذاك، على الضد مما يروج هذه الأيام. وإنما كان الوضع على هذا النحو لأن للحكم اعتبارات كثيرة، والدول تبنى على علاقات القوة وعلى العصبية والمنافسة وحب الملك والتسيّد ومراعاة التوازنات وليس على الدين فحسب، والأهم من ذلك، لأن الأزمنة القديمة لم تعرف فكرة الدولة التي تتولى هندسة المجتمع في كل جوانبه، ولو فعلتها دولة آنذاك لما استمرت في الحكم يوما واحدا، لأن المجتمعات القديمة لم تكن تؤمن بالدولة كما نؤمن بها حاليا. في هذه النقطة تحديدا يتضح لنا كيف أن كل الأيديولوجيات المعاصرة سواء كانت رجعية أو تقدمية، هي حداثية تماما فيما يتعلق بطريقة تنظيم المجتمع وعلاقته بالدولة. المشاريع الرجعية غالبا توظف أدوات الدولة الحديثة بغرض بناء مجتمع وفقا لنموذج معين، وهذه النقطة رغم أنها في معظم الأحوال تقود إلى نتائج كارثية، لا يمكن غض الطرف عنها لأسباب كثيرة، خصوصا بالنظر إلى أن مجتمعات اليوم مفككة إلى درجة تجعلها عاجزة عن تأسيس حالة من التوازن مع الدولة، إذ أنها تعتمد على الدولة في كل شيء تقريبا.
عشرات الصفحات المشهورة على فيسبوك تصدع رؤوسنا طوال العام بمحتوى يُفترض أنه يميني ومحافظ، لكن بمجرد حدوث شيء يعارضه المجتمع لاعتبارات أخلاقية تجد نفس الصفحات تدافع عن اللوطيّة والعاهرات وكأن التقدمية قد حلّت عليهم فجأة. عموما، نعرف كلنا سيئي السمعة الذين أسسوا هذه الظاهرة البهلوانية، التي تتخلص في معاداة المجتمعات العربية والإسلام في كل مناسبة باسم اليمين، لا أعرف صراحة أي يمين هذا. لو تحلى هؤلاء السفهاء بقدر من الشجاعة وقالوا همنا كله معاداة العرب والإسلام دون اللجوء إلى هذه الأساليب البهلوانية لكان أشرف لهم وأقوم، لكنهم حتى أجبن من أن يعلنوا توجهاتهم بكل صراحة. مشكلة هؤلاء السفهاء أنهم عرفوا ما يسمى باليمين من السياق الأمريكي، ولجهلهم لا يدرون أن اليمين الأمريكي متفرع من الأيديولوجية الليبرالية، لكن لأنهم عرفوا هذه المصطلحات من الإعلام الأمريكي على ما يبدو حسبوا أن كلمة liberal التي تقال عادة لوصف اليسار الأمريكي هي نفسها كلمة ليبرالي بالمعنى الكلاسيكي، هؤلاء لو قلت لهم أن مفهوم الدولة الأمة nation-state يعتبر مفهومها ليبراليا في حد ذاته ربما سيحسبونك تخرّف، أو، كما يقولون عادة، تروّج للأفكار الداعشية والإرهابية. على أي حال، لا توجد أي منفعة من مناقشة هؤلاء السفهاء لأنهم أجهل من أن يفهموا مثل هذه المواضيع، ولأن جمهورهم - طائفة الغلمان- هو جمهور لا يفقه أي شيء، وبالتالي لن يقدر على التمييز بين الحق والباطل. لذلك ما ينبغي فعله مع هؤلاء السفهاء هو السخرية منهم في كل مناسبة فحسب.
في كثير من المناسبات نسمع كلاما مفاده أن الشخص الذي يقتصر وجوده على ما يحدده له شخص آخر هو شخص حقير قليل العقل، والنفس البشرية بطبيعتها مجبولة على السعي إلى تمييز نفسها، حتى أنك في أحيان كثيرة تجد من لا يجد عنده ما يقول به "ها أنا ذا" يخوض في السفيه من الأفعال بغية الظهور لا أكثر. لكن قيمة إثبات الذات هذه ما أن تتحرر من كل المعايير وتغدو تائهة غير محدودة بمرشد أو مرجع تنعكس سلبا على صاحبها، وتتحول، بدافع الرغبة التي لا تنضب أبدا، إلى نار تحرق ما حولها بلا هدف؛ فكأن النار التي أشعلت ليهتدي المرء بها في رحلته قد استحالت إلى أول عائق أمامه. في هذه الحالة، يحرر الشخص نفسه من كافة القيود ليجد نفسه بلا أي قيمة في النهاية، وينتهي به الأمر إما إلى العدمية أو إلى القبول بقيود جديدة بمحض اختياره، لجهله بطبيعة هذه القيود من ناحية، ولعجزه عن تقبل العالم بعد أن انعدمت فيه كافة المعايير من ناحية أخرى. لكن ما نرى أنه يحدث في معظم الأحوال هو أن أولئك "الأحرار" يقبلون القيود التي هي أثقل وطأة من تلك التي أعرضوا عنها وعدّوها بلا قيمة، وما يدفعهم إلى ذلك في المقام الأول هو تبدل الدلالات في أذهانهم عن ما تعنيه الحرية أصلا. إليكم ما يحدث باختصار شديد: بحكم حالة السيولة الثقافية المعاصرة، أي شخص، أيا كانت خلفيته، هو عرضة للتعرض إلى محتويات تتعارض جذريا مع تصوره التقليدي عن العالم، ولأن حالة السيولة تلك مدفوعة وموجهة بغرض إعلاء رؤية معينة، تكون النتيجة تشرب ثقافة جديدة تتعارض جذريا مع تصورات الفرد المسبقة عن العالم، وإلا لماذا تسود حالة من الشك في الأنظمة التقليدية والشك أصلا هو الشاذ دائما وليس القاعدة؟ (السواد الأعظم من الناس هم في نهاية الأمر أفعال فحسب، ونادرا ما يراجع المرء ما يؤمن به بصورة نقدية أصلا، وإنما يعيش معه كأمر بديهي طيلة عمره). ما يحدث هو أن تشرب ثقافة جديدة - ثقافة العولمة الليبرالية- يفرض مسلمات تطرد التصورات التقليدية وتحل محلها، ولأن هذه الرؤية هي المهيمنة ثقافيا في كل جانب من جوانب الحياة، تخنق كل ما يعارضها وتصيّره أمرا اعتباطيا وغير مفهوم بالمرة. جرب أن تسأل أي فرد من أولئك الذين ينادون بالتحرر من كل القيود لماذا، على سبيل المثال، ينبغي علينا أن نقبل بهذه النقطة (أي إشارة إلى بديهيات الليبرالية) وحينها ستسمع إجابات كتلك التي يطرحها أي شخص تقليدي عند التشكيك في بديهياته الثقافية. أي أن الأمر باختصار هو مصفوفة من الدلالات تحل محل مصفوفة أخرى، فتتبدل المعاني تدريجيا إلى أن تستأثر رؤية معينة بتصورات المرء عن العالم. لا مكان لأي حرية أو تفرد هنا، فقط انتقال من نظام إلى نظام، كالانتقال من دين إلى دين أو من ثقافة إلى ثقافة. الانتقال في حد ذاته ليس هو المشكلة الأساسية، وإنما الإشكالية كلها تكمن في تبدل دلالات الكلمات في الخطاب المعاصر حتى تحول هذا الانتقال إلى "تحرر" و"تفرد" وتحولت كافة المنظومات الثقافية التي تعارض الرؤية المهيمنة إلى "تخلف" و"رجعية" دون وجود إمكانية للنقاش أصلا. في الخطاب المعاصر، أخذت هذه المنظومة محل المرجعية عند معظم الناس (الذين حسبوا أنهم بلا مرجعية) دون أن يدروا، لأنهم تشربوا الثقافة من المؤسسات التلقينية ومن اللغة السائدة، واللغة هي العالم الذي يسكنه المرء، وما أن تهيمن رؤية محددة على اللغة، يكون من المستحيل الإتيان بما لا تسعه هذه اللغة؛ سيكون الأمر أشبه بمحاولة إدخال فيل من باب البيت. بهذه الطريقة يوظف خطاب التحرر إلى وسيلة غرضها إحلال منظومة محل منظومة، والمسلمة الأساسية التي بني عليها كل هذا هي إمكانية وجود حرية بمعزل عن كافة المعايير، وهي ليست سوى ترّهة كغيرها من الترّهات التي تهيمن على الخطاب المعاصر.
"ثمة نقطة يتعين علينا معالجتها في مستهل الحديث فيما يتعلق بالموقف الواجب اتخاذه تجاه "البقايا". حتى الآن، وخاصة في أوروبا الغربية، هناك أعراف ومؤسسات وعادات من عالم الأمس (أي من العالم البرجوازي) لديها بعض الثبات. في الواقع، عندما تُذكر الأزمة في وقتنا هذا، فإن المقصود هو العالم البرجوازي بالتحديد: إن قواعد الحضارة والمجتمع البرجوازيين هي التي تعاني الأزمات ويصيبها التفكك. ليس هذا ما يسمى بعالم التقليد Tradition. اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، ما ينهار هو النظام الذي تبلور بعد ثورة الطبقة الثالثة والثورة الصناعية الأولى، على الرغم من أن بعض بقايا النظام الأقدم قد اختلطت به، بعد أن انتزعت منه حيويته الأصلية. أي علاقة تجمع الإنسان الذي أقصده (التقليديّ) بهذا العالم؟ إنه سؤال جوهريّ. فعليه يُحدد المعني المعزوّ إلى ظواهر الأزمة والانحلال اللذان يظهران علي نحو أجل في يومنا هذا، وعليه يحدد الموقف الذي يجب اتخاذه إزائها، والموقف من كل ما لم تقوضه أو تدمره بعد. الإجابة على هذا السؤال تكون بالنفي فقط. النوع البشري الذي يدور في خلدي ليس له علاقة بالعالم البرجوازي. بل يجب أن ينظر إلى كل شيء برجوازي على أنه حديث ومضاد للتقاليد، يجب أن يراه كشيء تولد من عمليات سلبية ومدمرة في حد ذاتها. في كثير من الحالات، يمكن للمرء أن يرى في الظواهر الحرجة الحالية نوعًا من الانتقام أو الأثر ارتدادي. على الرغم من أنه لا يمكن أن نخوض في التفاصيل هنا، سأقول أن القوى ذاتها التي كانت في وقتها مستعدة للعمل ضد الحضارة الأوروبية التقليدية السابقة ارتدت عن مذهب أولئك الذين استدعوها، مما أدى إلى إضعافهم بدورهم، وحملتهم إلى درجة أخرى من عملية التفكك العامة. يظهر هذا علي نحو جلي، علي سبيل المثال، في المجال الاقتصادي الاجتماعي، من خلال العلاقة البيّنة بين ثورة الطبقة الثالثة البرجوازية والحركات الاشتراكية والماركسية المتعاقبة: عبر الديمقراطية والليبرالية من ناحية، والاشتراكية من الناحية الأخري. مهدت الثورة الأولي الطريق للثانية، وعندئذٍ قامت هذه الأخيرة بترك البرجوازية تقوم بوظيفتها بهدف القضاء عليها فحسب. بالنظر إلى هذا، هناك حل واحد يجب إلغاؤه على الفور: حل أولئك الذين يريدون الاعتماد على ما تبقى من العالم البرجوازي، والدفاع عنه واستخدامه كحصن ضد تيارات الانحلال والتخريب الأكثر تطرفًا، حتى إن حاولوا إعادة إحياء أو تعزيز هذه البقايا ببعض القيم الأسمى والأكثر تقليدية. في المقام الأول، مع الأخذ في الاعتبار الوضع العام الذي يتضح كل يوم منذ تلك الأحداث الحاسمة: الحربان العالميتان وتداعياتهما، يظهر أن تبني مثل هذا التوجه يدل على خداع الذات من حيث وجود الإمكانيات المادية. التحولات التي حدثت بالفعل أعمق من أن يمكن عكسها. إن الطاقات التي تم تحريرها، أو التي هي في طريقها نحو التحرر، ليست من النوع الذي يمكن إعادة تشكيله داخل هياكل عالم الأمس. حقيقة أن المحاولات المضادة تشير إلى هذه البني (البرجوازية) فحسب، التي هي فاقدة لأي شرعية فوقية، جعلت القوي التخريبية أكثر بأسا وعنفا. من الناحية الثانية، مآل هذا المسار الوصول إلى تسوية لا يجوز أن تكون هي غايتنا، وهذا تكتيك محفوف بالمخاطر. كما قلت، ليست القيم التقليدية كما أفهمها بقيم برجوازية، وإنما هي نقيضها. بالنّتيجة، أن نقر بأي صلاحية لتلك "البواقي"، أو أن نربطهم علي أي نحو بالقيم التقليدية، وأن نؤكدهم بها بنية ما سبق ذكره (أي حفظ ما تبقي)، فسيكون ذلك علامة علي فهم ضعيف للقيم التقليدية نفسها، أو تدمير لهذه القيم والحط من قدرها للوصول إلى تسوية حقيرة وخطيرة. أقول خطيرة لأنه إذا ربطت القيم التقليدية بالأشكال المتبقية من الحضارة البرجوازية، فهذا يعرضها للهجوم الذي تتعرض له هذه الحضارة حاليا."
– يوليوس إيڤولا | اِمتطِ النّمرَ
في معظم الكلام الرائج عن ضرورة التوافق مع الطبيعية البشرية علامة على ضيق الأفق، لا سيما الكلام الذي ينطلق من منظور يختزل تلك الطبيعة في جوانبها الظاهرة القابلة للخضوع لمنطق النظريات العلمية. لن تنجح العلوم أبدا في بناء تصور كلي للطبيعية البشرية، لأن منطق العلوم وأساسها نفسه يفترض ضمنيا وجود ملَكَات لا تبرهنها العلوم نفسها، بل تنطلق منها وتحتكم إليها. جلّ المسلمات التي انطلقت منها الحضارات الإنسانية تفترض ضمنا قدرة الإنسان على بلوغ أشياء لا يمكن الاستدلال عليها بالمنطق الذي يستخدم اليوم للتحدث عن ماهية الطبيعة البشرية، ولولا هذه المسلمات ستنهار المؤسسات الإنسانية بأسرها. من الأمثلة الجوهرية في هذا الصدد، الطبيعة الانعكاسية لوعي الإنسان التي لا يمكن اختزالها دون نفي إمكانية تحقق أي معرفة معيارية، والتي بدونها ينتفي أساس الوجود البشري كله، لأن اللغة نفسها لن تقوم لها قائمة حينذاك. في الميثولوجيا النوردية، أسم أودين مشتق الجذر odhr وهو ما يشير إلى حالة نشوة الوعي: الكلمة الإغريقية ekstatis تعني حرفيا " الوقوف في الخارج". على أي حال، الميثولوجيا دائما أصدق وصفا وتعبيرا عن ماهية الطبيعة البشرية وحدودها، على الضد من العلوم، التي وحدها تخسر إمكانية ادعاء أي حقيقة معيارية، خصوصا إذا ما اتخذت المادية الاختزالية أساسا لها. أهم ما يميز الإنسان عن دونه من المخلوقات هو إدراكه لماهية الانقسام الكامن في الوجود، الانقسام بين العالم المثالي والوجود الأرضي، بين الآلهة والبشر. ولولا هذا الأساس لما تحققت القدرة على بناء التصميمات والمخططات. في الحضارة الإغريقية، كانت التخني techne، التي اعتبرها هايدجر سابقة على العلم أنطولوجيا، تفهم على أنها القدرة على تحسين الطبيعة وفقا لأنموذج محدد، أي أنها بصورة أو بأخرى، عنف ضد الطبيعة. نفس الفكرة ظلت حاضرة طوال التاريخ الفلسفي والعلمي في الغرب، فرانسيس بيكون نفسه، الذي يعتبر من رواد العلم الحديث، أقر بأن الغاية النهائية من العلم هي فهم الطبيعة، وبالتالي السيطرة عليها، وهذا ما يفترض ضمنيا ضدية الذات من الطبيعة، وأساسها إدراك الانقسام المتأصل في طبيعة الوجود نفسه، وهو ما يستحيل دون وجود تصور محدد عن ماهية التعالي. أيا كانت الطريقة التي يقارب بها الإنسان مسألة التعالي فهي الأساس الذي يجعله إنسانا في المقام الأول، لأنه بهذا يدرك منزلته الأنطولوجية بين النقص والكمال. الميثولوجيا الإغريقية مليئة بالتحذيرات من غطرسة الإنسان، إذ بداخله من الميول والأفكار التي قد تدفعه إلى الاعتقاد بأنه قادر على بلوغ منزلة الآلهة. فصّلت قصص ميثولوجية عن هذه الحالة، منها قصة دايدالوس و إيكاروس و أراكني. كذلك رأى الفلاسفة آنذاك الإنسان ككيان بين الوحش والإله، إذ يمتلك دوافع سيّاقة بجانب امتلاكه عقل يمكن استخدامه للتأمل في ما هو متعال وأبدي. خطوة صغيرة من هنا توصلنا إلى استنتاج مفاده أن هناك "شرارة إلهية" في الإنسان: فالعقل بطبيعته شيء إلهي. لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن الإنسان مقدر له أن يسقط إذا دفعته غطرسته إلى محاولة بلوغ مقام الآلهة. إدراك وجود تلك اللمسة الإلهية في الإنسان هو الذي دفع أرسطو إلى منح الإنسان منزلة أنطولوجية تميزه عن باقي الموجودات من حيث كونه أقرب منها إلى نموذج المحرك الذي لا يتحرك، فلأن الإنسان كائن عاقل ناقِص، يتشارك في العقل مع الإله الذي هو عقل خالص، من هنا أتى الاعتقاد بأن الإنسان موجود ناقص يشارك في حالة الثبات الإلهية تلك، لكنه لا يبلغها أبدًا. بوجه العموم، ما يقصد في الخطاب الرائج هذه الأيام عن التوافق مع الطبيعة البشرية هو التوقف عند الحالة المحكومة بالدوافع السيّاقة، أي تماما ما حددته الميثولوجيا الهندية بالمنزلة الحيوانية (Paśu ،पशु)، تعني كلمة Paśu "حيوان"، وهي تحدد الفرد النزوانى ذو الطبيعة الحيوانية، ذاك الذي تقوده غرائزه الدنيا، وترجع الكلمة إلى الفعل pac، الذي يعني "يقَيَّد". أي باختصار وبلا أي فلسفة أو تعقيد، يعني الوصف الرائج لماهية التوافق مع الطبيعة البشرية هو أن يتقيّد الإنسان بأدنى منزلة ممكنة ويؤكد أن هذه هي طبيعته الحقة.
كان ليون بينسكر أكثر الصهاينة وعياً بالآثار النفسية والأخلاقية التي نتجت عن فترات التشتت والضياع. اعتبر بينسكر أن تاريخ اليهود هو حرب طويلة هدفها البقاء، حرب أجبروا فيها على تبني جميع أنواع التكتيكات المشبوهة التي تضر بكرامتهم الأخلاقية وتحط من قدرهم في نظر خصومهم. أيضا رأى بينسكر أن أكثر ما يفتقر إليه شعبه ليس العبقرية بل احترام الذات والكرامة. في هذا الصدد، على الرغم من أنني لا أرى أن أطروحات كيفن ماكدونالد قادرة على تفسير طبيعة الشعب اليهودي بصورة كلية، لكن، مع ذلك، لا أنكر حقيقة احتوائها على كثير من الرؤى الثاقبة. هذا النص يصف ما اعترف به العديد من مؤسسي الصهيونية الأوائل ضمنيا: "المركزية العرقية (اليهودية) انشقاقية وتميز بين داخل المجموعة وخارجها، حيث كل من التماسك الداخلي والسلام النسبي والتضامن والولاء والتفاني لأجل المجموعة وتمجيد "المقدس الاجتماعي" (الكوزمولجيا الخاصة بالفرد، أو الأيديولوجية، أو الأسطورة الاجتماعية، أو الرؤية الكونية؛ النظام الاجتماعي "الذي منحه الله") يرتبط بحالة من العداء أو الحرب الدائمة تجاه الجماعات الأخرى التي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها أدنى منزلة، أو في منزلة أدنى من البشر، أو كتجسيد للشر. ينتج عن هذه الاستعراقية أخلاق مانوية ثنائية تُقيِّم العنف داخل المجموعة كشيء سلبي، وخارج المجموعة كشيء إيجابي؛ أو حتى مرغوب فيه وبطولي."
قد يظهر هذا الوصف كشيء بديهي موجود في كل الشعوب، وهو كذلك بنسب متفاوتة، لكن أيا كانت النسبة فهي أقل بكثير من الحالة المذكورة أعلاه، نظرا لأنه لا يوجد شعب يتحد فيه الدين بالقومية (لا أقصد المعنى الحديث للكلمة) بنفس الدرجة.
أحب أن أضيف نقطة أخرى في هذا الصدد، حول نظرة اليمين الغربي العرقيّ لليهود بصورة عامة. معظم الاتهامات التي توجه لليهود عادة تؤخذ كفضائل مرجوة عندما يتعلق الأمر بالقومية البيضاء والنزعات العرقية بشكل عام. لهذا لن يكون من قبيل المبالغة إذا قلنا أن جزء لا بأس به من معاداة السامية الرائجة سببها الأساسي الغيرة من اليهود والرغبة في مركزية عرقية مشابهة. وقد سبق وصادفت مقالات عديدة تعترف بهذا بصورة يسودها الالتفاف والمراوغة. على أي حال، على المستوى الشخصي، كنت مقتنعا بكثير من الرؤى الرائجة عن اليهود، لكن وجهة نظري تغيرت بعد التوسع في القراءة عن تاريخ الفكر اليهودي الحديث، والصهيونية خصوصا، وسبب ذلك بالتحديد يرجع إلى أن اليهود واجهوا مشكلة فريدة من نوعها في العصر الحديث، سببها أن طبيعة القيم السائدة في هذا العصر تنفي أساس اليهودية إذا ما أخذت إلى نتائجها المنطقية: لا يمكن أن تكون يهوديا في نفس الوقت الذي تسلم فيه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على سبيل المثال. بداية من عصر الهَسكَلَة Haskalah برزت هذه المشكلة، وعلى الرغم من اختلاف الرؤى والتيارات الفكرية واجه الجميع سؤال ماهية اليهودية وإمكانية وجودها في العالم الحديث، وفي التراث الذي انطلق من هذه السؤال الجوهري مادة ثرية لتشكيل نظرة عن اليهودية واليهود بشكل عام. والحق أن اليهود كانوا من أكثر الشعوب صدقا في تقييمهم لأنفسهم، لكن، على نحو مضاد، لم يتحول هذا إلى نزعة انهزامية سلبية في معظم الأحوال، وإنما كان دافعا خلاقا لتشكيل رؤى فعالة تصب في مصلحة الشعب اليهودي بشكل عام. بالطبع كانت هناك حالات شاذة فضلت الانسلاخ من اليهودية كليا لكنها كانت هامشية جدا مقارنة بالرؤية السائدة.
ومن المفارقات أن يؤدي العلم التكنولوجي في القرن الواحد والعشرين إلى إقصاء الحداثة، إذ يقدم على إعادة بعث الرؤى الكونية القديمة واللامساواتية. فيما يلي أحد الأمثلة البسيطة في مجال علم الوراثة: لقد كشفت قدرتنا على رسم خارطة الجينوم البشري ودراسة الأمراض الوراثية وتطوير العلاجات الجينية والبحث في كيمياء الدماغ والإيدز والأمراض الفيروسية إلخ عن حقيقة اللامساواة بين البشر بصورة ملموسة. هاهنا يقع المجتمع العلمي في الإطار المحظور: كَيفَ نرضخ لرقابة الصوابية السياسية ونستسلم لإرهاب المساواة الفكري بينما في ذات الوقت نروّج لحقائق علمية مِن الممكِن أن يكون لها فائدة علاجية؟ هنا نجد أننا في صدد تعارض جِديّ. لقد بات من العصيّ على العلماء في مجالات كالوراثة والجنس والفيروسات أن يخفوا حقيقة أنه لا يمكن الدفاع عن أسطورة حقوق الإنسان الكنسيّة – مبدأ المساواة بين المجموعات البشرية والتفرد الجيني للبشر- من الناحية العلمية. من ناحية أخرى، من الجليّ أن التقنيات الحيوية لن تكون متاحة للجميع ولن تكون مشمولة بالضمان الاجتماعي؛ علاوة على ذلك، سيقتصر تطبيقها على الدول الصناعية الكبرى. ما هو في الواقع نوع من تحسين النسل سيتم تقديمه لأقلية ستشهد زيادة في متوسط العمر المتوقع: لقد تسلسلت ذروة عدم المساواة مثل الفيروس إلى قلب الحضارة الحديثة القائمة على المساواة. ثمة مشكلة أخرى مربكة: كيف سيكون رد فعل الإنسانويين عندما يتم خلق الكيميرا (هجين بين الحيوان والإنسان) بغرض استخدامه كبنك للأعضاء والدم أو لهندسة مني أفضل أو لاختبار الأدوية؟ أسيسعون لحظره آنئذٍ؟ إذا كانت الأمر كذلك، فحتما سوف يفشلون. رجاة أن نواجه الصدمة العالمية لعلم الوراثة في المستقبل يتعين علينا تبني نظرة عتيقة.
— Archeofuturism: European Visions of the Post-Catastrophic Age
(بتصرف)
نلاحظ عادة أن الأعمال السياسية القديمة تركز على الحاكم بصورة كبيرة، فتنسب إليه أسباب النهوض وكذلك أسباب الانحطاط على المستوى السياسي. في الخطاب الشائع، عادة ما ينظر إلى هذه المسألة كأنها تعبير عن رؤية طبقية ظالمة أو نحو ذلك، لأن التقييم عادة يتم وفقا للقوالب السياسية المعاصرة التي تشمل "الشعب" و"المواطن" و"الأمة" و"الوطن" إلخ. في الواقع، هذه الرؤية تهمل حقيقة رئيسية، وهي أن المفاهيم هي التي تعين الواقع وليس العكس، فالشعب كمفهوم هو الذي يحدد صورة الشعب على أرض الواقع، أي أن منزلة المفهوم من الواقع الملموس كمنزلة الصورة من الهيولى Hyle، لكن العلاقة بين الصورة والهيولى في هذا السياق ليست شيئا يخلقه عقل الإنسان، لأنه في هذا الصدد لا توجد صور في الواقع، وإنما فوضى لا صورية تعينها المفاهيم. ما يتم إهماله عادة هو أن المفاهيم السياسية ليست شيئا كونيا وثابتا، فطابعها الأساسي هو السياقية، ولذلك لا يمكن مناقشتها بمعزل عن سياق ظهورها. التركيز على الحاكم في السياق الإسلامي، على سبيل المثال، نابع من أن الفلسفة السياسية آنذاك كانت قائمة على مفهوم الاستخلاف وفكرة الرّاعي والرعيّة، وهي أفكار تنتمي في مرجعيتها إلى رؤية دينية لها مسلمات مختلفة عن مسلمات السياسة المعاصرة، بيّد أن هذا لا يعنى ثبوتها تاريخيا، فهي الأخرى أخذت دلالات كثيرة في مراحل تاريخية مختلفة. أما السياسية المعاصرة فتقوم على قوالب تحددت في إطار فلسفي مسيحي غربي، ومعظم المفاهيم البارزة على الساحة السياسية في وقتنا هذا لها خلفية دينية معقدة تأسست على نفس التراث المسيحي. إذا رجعت إلى مطلع الحداثة على سبيل المثال، ستجد أن الجدل اللاهوتي حول الطبيعة البشرية في سياق النزاع بين البروتستانتية والكاثوليكية، جنبا إلى جنب مع إعادة المركزية للقانون الروماني، أدى إلى بروز الملكية المطلقة على حساب سلطة الكنيسة، ومن ناحية أخرى تشكلت جذور الليبرالية التحررية في سياق ديني ينطلق من مسلمات إنجيلية عن طبيعة الفرد، لدرجة أنه لن يكون من قبيل المبالغة إذا قلنا أنه لولا النظرة الدينية التي تعاملت مع الفرد باعتباره مخلوقا على صورة الإله وله روح خاصة به وضمير أخلاقي على أساسه تقوم فكرة الثواب والعقاب الآخروية لما تطوّر الوعي السياسي الفردي الذي تبلوّر في مفهوم المواطن بهذه الصورة التي نعرفها اليوم: أي أن السياسة كانت مجرد انعكاس لطبيعة الرؤية الدينية. والأمثلة في هذا الصدد تطول بالطبع. ما أريد قوله باختصار هو أنه لا توجد مفاهيم سياسية كونية يمكن اسقاطها على كل العصور بلا أي تمييز، فكل المفاهيم مُشبّكة في تراث ديني وثقافي بصورة معقدة، وأنه لولا هذه الخلفية التي تنطوي على العديد من المسلمات الميتافيزيقية لما صارت السياسة ومفاهيمها على هذا النحو. والقصد باختلاف السياقية هنا ليس أن المفاهيم فقط تختلف باختلاف العصور بصورة ثانوية، فكما قلت المفاهيم سابقة على الواقع السياسي أصلا، لذلك عندما نتحدث عن الحاكم أو الفرد أو الوطن يجب أن نفهم أن ما كانت تعنيه تلك الكلمات في الأزمنة القديمة هو شيء مختلف تماما عما نعنيه اليوم. لذلك فإن الخلاف ليس حول وصف معين لموضوع سياسي ثابت ومتفق عليه، بل هو خلاف حول ماهية الموضوع في المقام الأول.
تُعرّف الأخلاق الأرستقراطية بأنها القدرة على التصرف ضد ما تقتضيه المصالح. وهذا بالضبط نقيض النظرية الليبرالية التي وفقًا لها يسعى الإنسان دائمًا إلى تحقيق"مصلحته القصوى". لكن ذلك لا يعني الركون إلى حالة سلبية من الزهد أو الملائكية: فالمجتمع العادي لا يتكون فقط من الأبطال. لكن من الضروري أن يكون الأبطال هم القدوة. عرَّف سومبارت البطل بأنه الشخص الذي يبحث باستمرار عن ما يمكنه إضافته إلى الحياة وكيف يمكنه إثرائها، على عكس "البرجوازي"، الذي يبحث باستمرار عما يمكنه الحصول عليه منها.
ــــ آلان دو بنوا
" لم يعد يوجد في الغرب سوى صنفين من الناس، وكلاهما عديم الأهمية تقريبا: اما الأول فيضم السذج الذين يخدعون بتلك الكلمات الضخمة والذين يؤمنون بأنهم أصحاب رسالة تحضيرية (من حضارة)، غير واعين بانهم أدوات لمادية همجية قد انغمسوا كليا في مستنقعها. اما الثاني فيضم الحاذقين الذين يستغلون تلك العقلية عند أولئك السذج."
ــــ رينيه غينون
ليس الغرض من هذا المنشور هو التقليل من الغربيين وحدهم وإعلاء منزلة باقي الشعوب، لأن الحالة السرطانية الراهنة موجودة في كل مكان بنسب مختلفة، ووجودها في الغرب في صورتها القصوى لا يعني أن باقي الشعوب محصنة من هذه الكارثة. كافة التنظيمات السياسية والثقافية المهيمنة تدفع البشرية نحو هذا الوضع: اختزال الإنسان في طبيعته الطبيعة وتحديد كافة غاياته بمنطق الكسب المادي (homo economicus)، واعتبار المجتمع مجرد مؤسسة تتشكل من أفراد غايتهم تحقيق أقصى منفعة ممكنة (كلمة مجتمع هنا مناقضة لطبيعة الكلمة التقليدية، لأن الفردانية الاقتصادية تناقص المجتمع بالضرورة). علاوة على ذلك، من السمات الأساسية التي تختص بها النظرة الحديثة أنه يختزل الوجود في جوانبه الظاهرة، وهي جوانب اعتبرتها جميع الحضارات القديمة والناضجة صورة أدنى للواقع الحقيقي، ولذلك أقرت الهندوسية، على سبيل المثال، بأن الشخص الذي يقتصر إدراكه على تلك الجوانب فحسب مثله كمثل الدَوَابّ المَقرُونَة. ومن هنا كانت الغاية أن يتجاوز ممارس اليوغا الحالة الإنسانية التي تتحقق كليا في الفئات الدنيا (pashu): تعني كلمة pashu "حيوان"، وهي تحدد الفرد النزواني ذو الطبيعة الحيوانية، أي الذي تقوده غرائزه البدائية في كل أفعاله. ترجع كلمة pashu إلى الفعل pac، الذي يعني "يقيّد، وهو يشير إلى أن من ينتمي إلى هذه الفئة مقيّد باندفاعات وشغف وأحاسيس لا سلطان له عليها. حتى على المستوى الإدراكيّ، عدّت الهندوسية أنه من علامات العصور المظلمة، أن ينحصر الإدراك الإنساني في الجوانب الظاهرية من الواقع، وأن تقتصر أنظمة المعرفة على النظرة التي تفسر الواقع عبر تحديده بمعايير كَميّة مع إهمال تام للفروق الكيفية: النظرة العلمية الحديثة. حتى القوة المادية التي تتيحها الحضارة الحديثة هي قوة ظاهرية لا تحدث أي تغيير على المستوى الفردي، وإنما فقط تؤدي إلى تعاظم النزوات والميول الدنيا الإنسانية إلى حالة قصوى، أي ببساطة، تحقيق حالة من الجبروت الإنساني: السعي إلى جعل طبيعة الإنسان الدنيا هي المقياس، وتمجيد الجوانب التي تتفق معها باعتبارها كل شيء ونهاية كل وجود. ما تؤدي إليه تلك القوة في النهاية هو إشباع الجانب الشهواني وتعظيمه إلى أقصى درجة. كذلك وفقا لوجهة النظر الأفلاطونية، التي تعكس تقاليد اقدم عهدا، تعد هذه النظرة بمثابة اختزال النفس البشرية في جانبها الشهواني ومحو الجانبين الآخرين. ووفقا للرؤية البوذية، تعد هذه النظرية بمثابة توهم، إذ بموجبها يعرّف المرء نفسه بالكومات الخمس التي تحدد جميع الخبرات البشرية (ليس المقصود هو أن التقاليد القديمة تقول نفس الشيء في المجمل، وإنما ما يعنينها هو منزلة النظرة الحديث وفقا لها). علي العموم، هذا ما أقرته التقاليد الآرية التي يدعي أولئك اليمينيون أنهم، بصورة أو بأخرى، امتدادا لها، من خلال التأكيد على الجوانب العرقية وبعض "البقايا" الدينية والثقافية المنحدرة من تلك العصور، مع أن نفس التقاليد لم تعرف العرق بنفس الصورة الرائجة حاليا. الإنسان الغربي المعاصر، حسب معايير التقاليد الآرية خاصتهم، يعيش في حالة من البَهيميَّة المطلقة ويجر البشرية كلها معه إلى هذه الحالة عبر العديد من المؤسسات التبشيرية المنحطة التي تمثل امتدادا مشوها للتقاليد الكنسية. في النهاية، تجد حثالة من هؤلاء يحدثك عن التقاليد السامية واليهود والمهاجرين ومشاكل كلها عرضية وتافهة مقارنة بالأزمة الأساسية، فيعكس المسألة ويخلط بين السبب والنتيجة. على أي حال، هذا الوضع لن يتغير، لأنه لا توجد أي قوة مضادة قادرة على عكس هذا المسار، فباقي الشعوب مُغَرّبة بدرجات متفاوتة، وحتى التوجهات التي تدعي أنها تمثل شيئا مضادا لهذه الحضارة مشوهة وفاسدة، لأنهم نتاجها في نهاية الأمر. والتحولات التي حدثت بالفعل أعمق من أن يمكن عكسها.
2
عندما اقرأ أعمالا تعود إلى العهد الاستعماري أتفهم تماما الأسباب الموضوعية التي أعتبرها القوميون والاستعماريون علامة على التفوق على باقي الأجناس. لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة حتى لا نصل إلى مرحلة نقارن فيها الأنظمة والحضارات بصورة اعتباطية، ما أقصده بالأسباب الموضوعية هنا هو ما تسعى كل الأنظمة إلى تحقيقه بصور مختلفة، رغم أنها أسباب تختلف في كل نظام بحكم اختلاف المرجعية الثقافية التي تتحدد بها تلك الأسباب. أكثر مجال تتضح فيها تلك الفروق الموضوعية في هذا الصدد هو مجال القوة العسكرية، لأنه مهما اختلفت الأنظمة والطرق والثقافات، تظل المعايير المحددة بهذا المجال ذات أولوية قصوى، إذ أنها تظهر التنافسية في صورتها النقية. بناء على ذلك، كان من الطبيعي إذا أن ينظر الأوروبيون إلى الشعوب المغلوبة على أمرها بنظرة استعلائية، تماما كما تفعل كل الشعوب المنتصرة. مع ذلك، ليس المقصود أن النظرة الاستعلائية تقتصر على تحقق حالة النصر فحسب، فللأمر أبعاد أخرى من الصعب حصرها، لكن النصر هو بمثابة الضوء الذي يجعلها جلية للغالب والمغلوب. الجملة في هذا الصدد تحديدا، أن النظرة الاستعلائية إبان تلك الحقبة لم تكن اعتباطية أبدا وكانت تقوم على معايير موضوعية يمكن فهمها. لكن الغريب هو استمرار نفس النظرة حتى الآن عند اليمين الغربي الذي يقر بتدهور حضارة الغرب المعاصرة، على الضد من اليسار الذي يعتبر هذه الحالة، التي يشجبها اليمينيون، حالة مثالية. اليميني يعرف أن المعايير المادية والرفاه والقدرة التصنيعية لا تعني الحضارة بالضرورة، ويعلم تماما أنه حتى في تلك المجالات لم يعد الغرب وحده هو الذي يحتكر الساحة، وهو نفسه الذي يمدح التجارب الأسيوية التي أدخلت التصنيع والحداثة المادية مع الحفاظ على قدر لا بأس به من أشكال التنظيم الاجتماعي التقليدية. باختصار، ما يفعله اليميني عندما يتذرع بهذه النقطة كعلامة على التفوق هو أنه يناقض نفسه ويأخذ معايير عدوه التقليدي ليؤكد تفوقه المزعوم. والسبب الذي يدفع معظم هؤلاء إلى الاقتصار على معايير اليسار هو أنهم يعرفون تماما أي مكانة يحتلها الرجل الغربي الحديث في أي هرمية تقليدية، وهي مكانة أسفل السافلين. اليميني الأوروبي يعلم تماما أن شعبه صار بلا رجولة ولا شرف في عمومه، وأن معظم الناس في بلاده يعيشون كالبهائم حياة بلا أي معنى، ومهما ماطل لن يستطيع إنكار حقيقة أنه في حالة انتفاء الوسائل المادية التي تحكم حظيرة البهائم التي يسمونها "أمة" سيكون وضعهم أشبه بوضع مجموعة من الخرفان الوديعة التائهة في وديان تملئها الوحوش الضارية. أساس الحضارة ليس التفوق المادي وإنما الهرمية التي تقوم على معايير تتجاوز ما هو إنساني، فهذا التنظيم وحده هو ما يجعل كافة المؤسسات قادرة على التضحية بالمنفعة الآنية خدمةً لأهداف جماعية، والأفضل من ذلك، أهداف دينية متعالية. أما الحضارة الغربية المعاصرة، فسلطانها الحقيقي هو السوق، وهذا ما تقره كافة الأنظمة المهيمنة بكل صراحة، وخلفيتها الثقافية تحتكم بصورة أساسية على حقوق الإنسان المزعومة، وهي الأساس الذي جعل مشاكل الهجرة والتعددية موجودة أصلا.
1
«لا يحق لأي رجل أن يكون هاويًا في مجال التدريب البدني، إنه لمن العار أن يشيخ الرجل دون أن يرى الجمال والقوة اللذين يقدر جسده يصل إليهما»
-سقراط (470 قبل الميلاد-399 ق.م).
على اليمين: رجالان عربيان من بدو عسير خمسينيات القرن العشرين.
على اليسار: أحد سكان استراليا الأصليين.
في مناظرة ألكسندر دوجين مع برنار هنري ليفي، أشار الأخير إلى نقطة حرية الصحافة والإعلام متهما روسيا بأنها دولة بروباغندا وأنها تدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى تقويض الحرية في أوروبا والغرب، إلخ من هذا الكلام الذي مللنا من سماعه. دوجين لم يختلف معه وقتها كثيرا لكنه أشار إلى أن روسيا لا تفعل شيئا استثنائيا وإنما تكرر ما يفعله الغرب فحسب، وقتها رد برنار ليفي، بكل غباء، وقال أن الصحافة في الغرب متعددة، وأن كل الآراء موجودة وأشار إلى صحيفة لو موند الفرنسية المعروفة، كمثال، باعتبار أنها ستغدو قريبا ملكا للصحفيين والقراء. بالطبع أي مغفل سيسمع هذا الكلام سيتفق طرح برنارد ليفي. لكن النقطة الجوهرية هنا، كما عقب دوجين، لا تكمن في التعددية المزعومة وإنما في الإبستيمية التي تحدد الإطار العام للخطاب المقبول. ما يقصده دوجين هنا هو أن الليبرالية لم تعد في حاجة إلى تهميش الأيديولوجيات المخالفة بعد الآن، لأنها تسيطر على الأسس التي يستند إليها الخطاب العام في جميع المجالات. هذه الهيمنة أشد وطأة من الشمولية السوفييتية التي عادة ما يضرب بها المثل في القمع والتهميش، هذا لأنها لم تعد في حاجة إلى استخدام أي وسائل قمعية لردع المخالفين واقصائهم، فهي تهيمن على اللغة والإطار المعرفي الذي سيحدد موضع الخطاب ودلالته في نهاية الأمر. ببساطة، يمكنك أن تتكلم كما تشاء، لكن كلامك سيظل بلا أي معنى، لأن الليبرالية تسيطر على معايير الصواب والخطأ والحق والباطل، وإن حاولت توجيه أي اتهامات إلى هذه المرجعية ستخاطر بإخراج نفسك من دائرة الإنسانية. هنا بالتحديد يتضح كيف تحولت الإنسانويّة الليبرالية من أيديولوجية تدعي أنها تشمل كل الفئات بلا أي تمييز إلى أيديولوجية اقتصارية لا تترك أي مكان لما يخالفها، لأنها لا تقر حتى بمفهوم "العدو" التقليدي. على سبيل المثال، في العصور السابقة كان هناك اعتراف ضمني بوجود الآخر، حتى لو كان هذا الآخر عدوا صريحا. على الضد من ذلك، الإنسانوية الاقتصارية تلك تنفي وجود العدو وتحوّل كافة القضايا إلى نزاعات أخلاقية، بالتالي يتحوّل هذا "الآخر" إلى ضال يجب هدايته، فتنتفي حتى صفة النديّة عنه. أي باختصار شديد، الإنسانوية الليبرالية لا تترك مجالا إلا لفريقين، فريق يقر بالإنسانوية كما هي، وفريق لا يقر بها فقط لأنه جاهل بها، أو لأنه شرير فحسب. وبالتالي تتحول المسألة إلى أن هناك طرف خيّر يسعى إلى هداية الطرف الضال، أو يسعى إلى طمسه لكي يعم الخير والسلام (الحجة المعروفة).
"وعلى كل حال، فليس للجنس البشري هدف او فكرة أو مخطّط أكثر مما لعائلة من الفراشات أو الأَركيد "Orcluids" ممَّا ذكرت. ”فالجنس البشري“ هو تعبير زولوجي Zoological أو كلمة فارغة. ولكن فلنطرد سحر الشبح ولنكسر الدائرة السحريَّة فعندئذٍ ستبرز فورًا ثروة مذهلة من الاشكال الواقعيَّة، – إنَّها الحي بكلَّ ماله من امتلاء هائل وعُمق وحركة وهو الَّذي كان حتَّى الآن مُقنعًا بوصلات الكلام وبمنهاج جاف كالغبار وبتشكيلة من ”المُثُل العُليَا“ الشخصيَّة. إني لأرى في مكان ذاك الاختلاق لتاريخ واحد ضيق كالخطLinear، تاريخ من غير المستطاع الحفاظ عليه إلَّا إذا ما أغمض المرء عينه عن جمهرة هائلة من الحقائق، أقول إنني لأرى بدلًا من ذاك الاختلاق دراما تتألَّف من عددٍ من حضارات جبَّارة، تنبجس كلُّ حضارة منها بقوَّة بدائيَّة من تربة الأقليم الأمّ حيث تبقى مشدودة إليه برسوخ وثبات طيلة دورة حياتها، وتطبع كلُّ واحدة منها مادَّتها وجنسها البشري وصورتها الخاصَّة بطابعها، ولكلّ واحدة من هٰذه الحضارات فكرتها وعواطفها، انفعالاتها الخاصَّة وإرادتها وشعورها وموتها الخاصُّ بها. وهُنا يوجد حقَّا ألوان وأضواء وحركات لم تكتشفها أية عينٍ فكريةٍ بعد. وهنا تزدهر الحضارات والشُّعوب واللغات والحقائق والألِةه والأصقاع وتهرم وتشيخ شأنها في ذلك شأن اشجار البلوط والصنوبر والعساليج والزهر والأوراق. لٰكنَّه لا يوجد ”جنس بشري“ يهرم ويشيخ، إنَّ لكلّ حضارة إمكاناتها الجديدة الخاصّة بها للتعبير عن ذاتها، هذا التعبير الذي ينشأ وينضج وينحلّ ولن يعودَ أبدًا. فلا يوجد هناك فنٌّ واحد للتصوير الزيتي أو ریاضیات واحدة أو فيزياء واحدة، بل إنّما هناك الكثير والعديد مِمَّا ذكرت؛ وكل فنِّ يختلف في اعماق أعماقه عن مثيله الآخر. وكلّ واحد محدود بديمومة ومستقل قائم بذاته وهو تماما ككلّ طائفة من النبات التي لها نوارها الخاصّ أو ثمارها ونموذجها المعين لنمائها وانحلالها. إن هذه الحضارات صعدت عاليا جواهر الحياة ، وهي تنمو وفق اللاهدفية الفاخرة الرّائعة نفسها التي تنمو وفقها زهور الحقل. وهي كالنبات والحيوان تنتمي إلىٰ طبيعة غوته الحيّة، لا إلى طبيعة نيوتن الميّتة. إني لأرى التَّاريخ كصورة من تشکّلات وتحوّلات لا نهاية لها لنمو وتضاؤل بديعين لأشكال متعضية. أمّا المؤرّخ المحترف فهو على العكس من هٰذا، إذ أنَّهُ يرىٰ التَّاريخ كنوع من دودة واحدة تعمل بجد وتكدح بنشاط کي تضيف إلى ذاتها حقبة بعد أخرىٰ."
3
حتى الآن رغم التحولات التي طرأت على علم المصريات بعد التخلص من إطار وحدة الحضارات الإنسانية هذا، لا زالت مصر القديمة في الرؤية الرائجة مجرد جزء من مسيرة التقدم المزعومة تلك، جزء أدنى من روما واليونان والإسلام والمسيحية والحداثة بحكم أن الحضارة الإنسانية تراكمية وتتجه نحو الأفضل دائما. بينما في واقع الأمر، هذه الرؤية ما هي إلا إسقاط واستيلاء على التراث القديم بأكمله. لقد قيل أن الحضارات القروسطية شوّهَت الحضارات القديمة من خلال تأطيرها في تفسيرات اعتباطية تتتعسف في تفسير القصص الدينية وتلصقها في مراحل تاريخية محددة بلا أي منهجية حقيقية، وهذا ما حصل فعلا، بحكم قلة المصادر والجهل باللغات القديمة (كانت هناك محاولات فعلية هدفها الدراسة الموضوعية لكنها لم تأت بأي نتيجة إيجابية مقارنة بآخر قرنين)، لكن هذه النقطة ليست شيئا قروسطيا تبدد مع عصر التنوير والحداثة الأوروبية، بل على الضد من ذلك، رغم التوسع في دراسة تلك الحضارات، ظل الأفق المهيمن لفترة طويلة مقيد بتحيّزات الحداثة والمركزية الأوروبية، ورغم أن هذه الرؤية فقدت مركزيتها بعد القرن الأخير، لا تزال مهيمنة إلى حد كبير في تصورات الناس عن الحضارات القديمة وقضايا الهوية والأيديولوجيات السياسية.
يقول أوسفالد شبينغلر في كتاب أفول الغرب:
"وبفضل تقسيمنا التاريخ إلى (قديم) و (وسط) و (حديث) وهذا التقسيم هو منهاج تافه سقيم غير ذي معنى إلى حد لا يصدقه العقل، لكنه منهاج، على كل حال، سيطر على تفكيرنا سيطرة مطلقة، أقول بفضل تقسيمنا هذا فشلنا إدراك المركز الحقيقي للجنس البشري في التاريخ العام، وللعالم الجزئي الصغير الذي نما وتطور على تربة أوروبا الغربية منذ عهود الإمبراطورية الألمانية الرومانية، كما وفشلنا في الحكم على أهميته النسبية وفوق كل ذلك فشلنا في تقدير اتجاهه."
"إن المنهاج لا يحدد فقط مساحة التاريخ، بل إن ما هو أسوأ من هذا، أنه يعد المسرح أيضا. فهو يعالج رقعة أوروبا الغربية بوصفها قطبا ثابتا، وبقعة فريدة في نوعها أختيرت على سطح الكرة الأرضية دون ما سبب مفضل إلا لأننا كما يبدو نعيش فوقها. كما ويجعل تواريخ عظمى ذات ديمومة تبلغ دورات ألفية من الأعوام وحضارات جبارة غارقة في القدم تدور حول هذا القطب بكل بساطة وتواضع. إنه منهاج غريب طريف لشمس وكواكب! فنحن نختار قطعة من الأرض كمركز طبيعي للمنهاج التاريخي ونجعلها الشمس المركزية. ومن هذه القطعة تستمد جميع أحداث التاريخ وحوادثه ضوءها الحقيقي، ومنها تصدر الأحكام على أهميتها حسبنما تراها العين. لكن تاريخ العالم الشبحي هذا، الذي تكفي نفخة من نقد لبتدده لا يعرف له وجودا إلا داخل غرورنا الأوروبي الخاص. "
2
