الكتابة بالضوء
Kanalga Telegram’da o‘tish
675
Obunachilar
-124 soatlar
+87 kun
+5030 kun
Ma'lumot yuklanmoqda...
O'xshash kanallar
Taglar buluti
Ma'lumot yo'q
Muammo bormi? Iltimos, sahifani yangilang yoki bizning qo'llab-quvvatlash boshqaruvchimizga murojaat qiling>.
Kirish va chiqish esdaliklari
---
---
---
---
---
---
Obunachilarni jalb qilish
Dekabr '24
Dekabr '24
+11
0 kanalda
Noyabr '24
+31
0 kanalda
Get PRO
Oktabr '24
+55
0 kanalda
Get PRO
Sentabr '24
+637
0 kanalda
| Sana | Obunachilarni jalb qilish | Esdaliklar | Kanallar | |
| 21 Dekabr | 0 | |||
| 20 Dekabr | 0 | |||
| 19 Dekabr | +2 | |||
| 18 Dekabr | 0 | |||
| 17 Dekabr | 0 | |||
| 16 Dekabr | 0 | |||
| 15 Dekabr | 0 | |||
| 14 Dekabr | 0 | |||
| 13 Dekabr | 0 | |||
| 12 Dekabr | 0 | |||
| 11 Dekabr | 0 | |||
| 10 Dekabr | 0 | |||
| 09 Dekabr | 0 | |||
| 08 Dekabr | 0 | |||
| 07 Dekabr | +2 | |||
| 06 Dekabr | +2 | |||
| 05 Dekabr | +2 | |||
| 04 Dekabr | 0 | |||
| 03 Dekabr | +1 | |||
| 02 Dekabr | +1 | |||
| 01 Dekabr | +1 |
Kanal postlari
4- تعمل السينما الأمريكية الجديدة على القضاء على “أسطورة الميزانية” وإثبات أنه من الممكن عمل أفلام جيدة، قابلة للتسويق دوليًا، بميزانيات إنتاج تتراوح بين 25000 و 200000 دولار. “ظلال”، “إسحب ديزي”، و”الهارب الصغير” تثبت ذلك. تتيح لنا ميزانياتنا الواقعية التحرّر من النجوم والاستوديوهات والمنتجين. فصانع الفيلم هو من يُنتج فيلمه. ومن المفارقات، أن الأفلام منخفضة التكاليف تعطي هامش ربح أعلى من الأفلام ذات الميزانيات الكبيرة.
ليس للميزانية المنخفضة أهمية تجارية فقط، بل هي تتماشى مع قناعاتنا الأخلاقية والجمالية وترتبط بشكل مباشر بما نريد قوله، وبالطريقة التي نريد قوله بها.
5- سنتخذ موقفًا ضد سياسات التوزيع والاستغلال الحالية. فهناك شيء سيئ بلا شك في نظام توزيع الأفلام بأكمله ؛ لقد حان الوقت لتفجير كل شيء. ليس الجمهور هو من يقف ضد ظهور أفلام مثل “ظلال” أو “عُد إلي” (Come Back) ، أو “أفريقيا” (Africa)بل هم الموزعون وأصحاب دور العرض. وإنه لشيء محزن حقًا أن نضطر لعرض أفلامنا أولاً في لندن أو باريس أو طوكيو، قبل أن تصل إلى قاعاتنا الخاصة.
6- نخطط لتأسيس مركز توزيع تعاوني خاص بنا، وقد تم تكليف عضو المجموعة إيميل دي أنطونيو Emile de Antonio بهذه المهمة، وأول دور سينما تنضم إلينا هي: “مسرح نيويورك” (New York Theatre) ، و”بليكر سانت سينما” (The Bleecker St. Cinema) ، و”مسرح آرت أوفبروك” (Art Overbrook Theatre) (فيلادلفيا) ، وذلك من خلال تعهدها بعرض أفلامنا. سنقيم حملة دعائية بالتعاون مع مركز التوزيع التعاوني لتمهيد الأرض للسينما الجديدة في مدن أخرى، وسوف يقدم الاتحاد الأمريكي لجمعيات الأفلام عونًا كبيرًا لنا في هذه المهمة.
7- لقد حان الوقت لكي يصبح للساحل الشرقي مهرجانًا سينمائيًا خاصًا به يكون بمثابة ملتقى للسينما الجديدة من جميع أنحاء العالم، فلن يُنصف الموزعون، الباحثون عن الربح فقط، السينما أبدًا. إن أفضل ما تقدمه السينما الإيطالية والبولندية واليابانية وجانب كبير من السينما الفرنسية الحديثة، غير معروف على الإطلاق في بلدنا. لذا فمثل هذا المهرجان سوف يلفت نظر العارضين والجمهور إلى تلك الأفلام.
8- بينما نفهم تمامًا مقاصد ومصالح النقابات، نرى أنه من الظلم أن تكون المطالبات المقدمة لعمل مستقل تتكلف ميزانيته 25000 دولار (معظمها مؤجل الدفع)، هي نفسها التي يتم تقديمها إلى فيلم يتكلف 1000000 دولار. سنجتمع بالنقابات لإيجاد طرق أكثر معقولية – على غرار تلك المعمول بها خارج برودواي – والتي تعتمد في نظامها على حجم وطبيعة الإنتاج.
9- نتعهد بتخصيص نسبة من أرباح أفلامنا من أجل إنشاء صندوق نستهدف به مساعدة أعضاء مجموعتنا للإنتهاء من أفلامهم، أو نستخدمها كضامنٍ لهم لدى المعامل.
بتجمعنا هذا نريد أن نوضح أنه يوجد فرقٌ جوهريٌ بين مجموعتنا ومنظمات مثل “الفنانون المتحدون” (United Artists). نحن لا نتحد لكسب الأموال. نحن نتحد لصنع أفلام. نتحد لبناء السينما الأمريكية الجديدة. وسنفعل ذلك، مع ما تبقى من أمريكا ومع من تبقى من جيلنا. تُوحدنا قناعات مشتركة، معرفة مشتركة، غضب مشترك، ونفاذ صبر مشترك، وهو ما يربطنا كذلك بحركات السينما الجديدة في بقية العالم. لذا يمكن لزملائنا في فرنسا أو إيطاليا أو روسيا أو بولندا أو إنجلترا أن يعتمدوا على عزمنا. مثلهم سئمنا من الأكذوبة الكبرى في الحياة وفي الفن. مثلهم لسنا فقط مع السينما الجديدة : نحن أيضًا مع الإنسان الجديد. مثلهم نحن مع الفن، ولكن ليس على حساب الحياة. لا نريد أفلامًا كاذبة مصقولة وحاذقة، بل نفضّلها بدون رتوش، خشنة، لكن حيّة. لا نريد أفلام وردية، بل نريدها بلون الدم.
| 2 | •مقدمة للترجمة
في 28 سبتمبر من العام 1960 اجتمعت في نيويورك مجموعة من السينمائيين الأمريكيين الغاضبين، بمبادرة من المنتج لويس آلين (Lewis Allen) والمخرج جوناس مكاس (Jonas Mekas). كان عددهم ثلاثة وعشرون شخصًا، اتفقوا على تكوين جماعة “السينما الأمريكية الجديدة” التي عرفت فيما بعد بـ “سينما الأندرجراوند” (Underground Cinema). من يقرأ هذا البيان لا يشعر بأن أكثر من نصف قرن قد مضى على تاريخ كتابة هذه الكلمات المتدفقة، التي تثير الشغف بتلك الأصوات الحرة، الطامحة إلى التغيير، تغيير الإنسان أولًا وقبل كل شيء … أهمية هذا البيان تأتي من أنه يعيدنا إلى لحظة البدايات. وإذا كانت حركات التجديد والتيارات الطليعية لم تنقطع على مدار تاريخ السينما، منذ أول ظهور لفن السينماتوجراف، إلا أن بيان جماعة السينما الأمريكية الجديدة يُعدّ بلا شك محطة هامة وركيزة أساسية في مسيرة حركات التجديد التي أضاءت تاريخ السينما.
ما زلنا نتحرك على الطريق الذي خطته تلك الكلمات ومهّدت له، إذ تُحيلنا إلى أحلام محلقة وتصميم فريد لخلق عالم تصوغه الحرية في تلاقيها مع الخيال والفن. لم تفقد كلمات البيان طزاجتها، فهي تبدو صالحة لرسم نهج بديل لكل فن سينمائي يسعى إلى الاستقلال، وقادرة على التعبير عن طموح أجيال جديدة لا زالت تبحث عن الحرية والصدق.
•نصّ البيان
على مدارالسنوات الثلاث الماضية شهدنا ميلادًا تلقائيًا لجيل جديد من صناع السينما: السينما الحرة في إنجلترا، الموجة الجديدة في فرنسا، الحركات الشابة في بولندا وإيطاليا وروسيا، وفي بلدنا هذا، أعمال ليونيل روجوسين (Lionel Rogosin)، جون كاسافيتيس (John Cassavetes)، ألفريد ليزلي (Alfred Leslie)، روبرت فرانك (Robert Frank)، إدوارد بلاند(Edward Bland) ، بيرت ستيرن (Bert Stern) وإخوان ساندرز (Sanders brothers)
السينما الرسمية في العالم أجمع تلفظ أنفساها الأخيرة. هي سينما فاسدة أخلاقيًا، بالية في جمالياتها، سطحية من حيث موضوعاتها، وفي طبيعتها هي جدًا مملة. حتى الأفلام التي تبدو مقبولة، تلك الأفلام التي تسعى لتقديم مستويات أخلاقية وجمالية عالية، والتي تم اعتبارها كذلك من قبل النقاد والجمهور على حد سواء، تكشف عن انحدار الفيلم الذي تنتجه المؤسسات الكبرى. لقد غدا في تلك السلاسة التي يتم بها تنفيذ هذه الأفلام، إشارة إلى فساد يُخفي زيف الموضوعات، والافتقار إلى الحساسية وخصوصية الأسلوب.
إذا كان وعي السينما الأمريكية الجديدة بذاتها لا يزال منقوصًا، وإذا كان يغلب على وجودها التشتت، فنحن نرى أن الوقت قد حان لكي نتحد. إن عددنا كبير – فحركتنا تمتد وتصل إلى معدلات هامة – ونعرف ما الذي يتوجب علينا القضاء عليه، وما نؤيده.
وكما هو الحال في الفنون الأخرى في أمريكا اليوم – الفن التشكيلى والشعر والنحت والمسرح، والتي تهبّ عليها رياح التجديد منذ بضع سنوات – تمردنا ضد القديم والرسمي والفاسد والمدعي، هو في المقام الأول تمرد أخلاقي. اهتمامنا ينصب أولًا على الإنسان وما يحدث له. لسنا مدرسة جمالية تقيد صانع السنيما بعدد من القواعد الميتة. نحن نشعر أنه لا يمكننا الوثوق بأي من المبادئ الكلاسيكية سواءً في الفن أو الحياة.
1- نعتقد أن السينما هي تعبير ذاتي لا يتجزأ، لذلك نرفض تدخل المنتجين والموزعين والمستثمرين في أعمالنا إلى أن تصير هذا الأعمال جاهزة للعرض على الشاشة.
2- نرفض الرقابة. أبدًا لن نوقع على أي قانون رقابي، ولن نقبل نهائيًا بمخلفات من الماضي مثل تراخيص الأفلام. لا يحتاج أي كتاب أو مسرحية أو قصيدة أو مقطوعة موسيقية لأي ترخيص من أي شخص كان. سنتخذ إجراءات قانونية ضد ترخيص الأفلام والرقابة عليها، بما في ذلك تلك التي يقوم بها مكتب الجمارك الأمريكي. من حق الأفلام أن تسافر من بلد إلى آخر، متحررة من الرقابة ومن مقص البيروقراطيين. يتعين على الولايات المتحدة أن تبادر بإنشاء برنامج لحركة المرور الحر للأفلام من قُطر إلى قُطر.
من هم الرقباء؟ من يختارهم ومن يمنحهم صلاحيتهم؟ ما هو الأساس القانوني الذي تقوم عليه الرقابة؟ تلك هي الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات.
3- نسعى للحصول على أشكال جديدة من التمويل والعمل على إعادة تنظيم طرائق الاستثمار في الأفلام. إننا نقيم الأساس لصناعة سينما حرة، وقد وضع بالفعل عدد من المستثمرين القادرين على التمييز، أموالًا في “ظلال” Shadows) (، “إسحب ديزي” ) (Pull My Daisy، “خطيئة يسوع” ) (The Sin of Jesus، “دون بيوت”) Don Peyote (، “الاتصال” The Connection) (، “بنادق الأشجار” (Guns of the Trees). تم الاستثمار في هذه الأفلام بنسب محدودة، كما تجري الأمور عادة في تمويل مسرحيات برودواي. وعلى الساحل الشرقي، دخل عدد من المستثمرين بمجال المسرح، إلى حقل إنتاج الأفلام ذات الميزانيات المنخفضة. | 227 |
| 3 | #البيان_الأول_لجماعة_السينما_الأمريكية_الجديدة
ترجمة: سلمى مبارك
⬇️ | 190 |
| 4 | +8 رولان بارت والسينما.pdf | 233 |
| 5 | #مقالات_أمين_صالح
⬇️ | 208 |
| 6 | انتصار الشر رومان بولانسكي.pdf | 468 |
| 7 | +2 سينما_اليسار_الإسرائيلي_داخل_الخندق_الصهيوني.pdf | 441 |
| 8 | #مقالات_كمال_رمزي
⬇️ | 402 |
| 9 | وبعد مجموعة من السير الذاتية المقتبسة عن شخصيات تاريخية، يُنهي ميلوش فورمان مسيرته الفنية مع فيلمه "أشباح جويا" Goya’s Ghosts الذي قدمه عام 2006، وتناول من خلاله سيرة الرسام الشهير فرانسيسكو دي جويا الذي عاش في البلاط الأسباني نهاية القرن الثامن عشر، ويتعرض فورمان من خلال الفيلم لتلك الفترة من تاريخ أسبانيا التي كانت تخشى فيها من تسرب أفكار الثورة الفرنسية إلى أراضيها، فلجأت إلى محاكم التفتيش لقمع وترهيب مواطنيها، وينتهي الفيلم بدخول نابليون لإسبانيا. | 706 |
| 10 | تأتي شخصية ماكمورفي التي لعبها جاك نيكلسون في الفيلم مشابهة لشخصيات أفلام فورمان بالسينما التشيكية، فيظهر مثلهم لا مبالٍ حيال الواقع، منتمٍ إلى اللا شئ تقريبًا، حتى أنه متهم بإقامة علاقة مع فتاة قاصر، إلا أن تمرد فورمان على السلطة يبدو أكثر شراسة تلك المرة من خلال شخصية ماكمورفي، الذي أظهره مهرجًا بالفطرة ومشاغبًا وضد السلطة بكل أشكالها، ومن الصعب إخضاعه.
وربما يرجع سبب انجذاب فورمان للرواية هو أنها مشابهة لنوعية الأفلام التي قدمها في تشيكوسلوفاكيا، حيث الحس الكوميدي الذي يصل إلى حد الكوميديا السوداء، وكذلك الرمزية والتلميحات ما بين السطور التي تحمل اسقاطًا على المجتمع بأكمله، إلا أن فورمان لم يهاجم سلطة بعينها تلك المرة بل وجهه سهامه لكل نظام ديكتاتوري؛ من خلال الأحداث داخل مصحة الأمراض العقلية التي يخضع جميع نزلاءها للممرضة راتشيد إلا ماكمورفي، الذي يدفع المجانين للتمرد على النظام الذي وضعته راتشيد بالمصحة، فيؤدي ذلك لحدوث صدامات.
في أفلامه التالية يوجه فورمان انتقادات للسياسة الأمريكية، خاصة بعد أن يحصل على الجنسية ويصبح مواطنًا أمريكيًا عام 1975، فيتناول في أكثر أفلامه إثارة للجدل "المجتمع ضد لاري فلينت" The People vs. Larry Flynt عام 1996، سيرة مؤسس مجلة جنسية شهيرة في الولايات المتحدة، وكيفية تعامل السلطات مع محتوي تلك المجلة في ذلك الوقت. يستعرض فورمان من خلال الفيلم مفهومه حول حرية التعبير التي يجب أن يكفلها القانون حتى وإن كانت ضد قيم المجتمع، كذلك يتطرق إلى مسألة الرقابة على المصنفات الفنية التي عانى منها في بداياته كمخرج في تشيكوسلوفاكيا.
رغم انتماء فورمان إلى جيل الواقعية التشيكية الجديدة في السينما التي لا نكاد نلمح فيها أثرًا للموسيقى التصويرية، فإن ثلاثيته في السينما التشيكية عكست ولعًا واضحًا بالموسيقي، ربما ليس بالخلفيات الموسيقية ولكن بالموسيقي التي تعزف حية؛ فيفرد فورمان في أول أفلامه "بيتر الأسود" مشهدًا لامرأة تغني بأحد المطاعم التي يجلس بها بيتر مع صديقه، ويُظهر والد بيتر مايسترو لأحد الفرق الموسيقية، وفي فيلمه "غراميات شقراء" تقع البطلة في حب عازف بالفرقة الموسيقية التي تأتي إلى المدينة، كذلك لم تكن الموسيقي غائبة عن الحفل الذي أقامه رجال الإطفاء.
أما عن وصول فورمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبدء عمله في مجال السينما هناك، فقد تزامن مع اضطرابات سياسية كبرى؛ حيث حرب فيتنام، ومظاهرات تملأ الشوراع تطالب بوقف التميز العنصري ضد ذوي الأصول الأفريقية، فضيحة رئيس يتجسس على الحزب المُعارض، وأخيرًا جيل الهيبيز وانتشار المخدرات.
دفعت تلك الأحداث بصناع السينما وقتها للاتجاه إلى السينما الواقعية، إلا أن فورمان كان له رآيًا آخر، فيُقدِم على تجربة كوميديا غنائية بعنوان "Hair" عام 1979، مقتبسة عن عرض مسرحي قُدم من قبل على برودواي.
يمكن اعتبار فيلم "Hair" وثيقه هامة أرّخت لفترة الاضطرابات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، حيث تناول فورمان من خلاله حكاية كلود الذي يتجه إلى نيويورك وقت حرب فيتنام ليلتحق بالتجنيد، ولكن عند وصوله يتعرف على مجموعة من الهيبيز يقودهم شاب يدعي بيرجر، يحاولون إقناعه بالحياة معهم والتخلي عن فكرة التجنيد.
اختلف رسم فورمان لشخصية كل من كلود وبيرجر، فأظهر الأول ريفيًا ساذجًا بعيدًا عن الواقع ويصدق ما تقدمه وسائل الإعلام من دعاية للحرب، لكنه يكتشف حقيقة ذلك الواقع الزائف من خلال بيرجر وجماعته الثائرة على المجتمع.
وقد حملت الأغاني بالفيلم نبرة انتقاد وسخرية تجاة السياسة الأمريكية، فانتقدت أغنية "I Got Life" (لدي حياة) دولة تقوم بارسال أبنائها إلى الحرب ليعدوا في توابيت، وكذلك أغنية "L.B.J" التي تناولت اغتيال كنيدي ومجيء لندون بي جونسون للحكم، وانتقدت الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيق الفيدرالي، وسط أجواء اعتصام للمطالبة بحقوق الملونين.
يستمر فورمان في مزج الموسيقي بأفلامه، فيعود إلى مطلع القرن العشرين من خلال فيلمه "Ragtime" الذي قدمه عام 1981، والمقتبسه أحداثه عن رواية تاريخية لـ"إي إل دوكتورو"، ليرصد صراع الأمريكيين من أصول أفريقية ضد السلطات التي ترفض معاملتهم كأحرار رغم انتهاء العبودية، وقد جعل فورمان من بطل فيلمه " كولهاوس والكر جونير" عازفًا للبيانو من أصول أفريقية.
يأتي عام 1984، ليقدم فورمان تحفته السينمائية "Amadeus"، المقتبسة عن مسرحية موسيقية لبيتر شافر، ويتناول من خلالها حياة كل من أماديوس موزارت وأنطونيو ساليري، وقد تجاوز فورمان من خلال فيلمه تلك المرة نقطة مهاجمة الأنظمة القمعية، ليتتطرق إلى نوع آخر من القمع يمارسه الإنسان على ذاته قد يدفعه إلى الهاوية وضياع أحلامه. لم يحقق "Amadeus" لفورمان الشهرة والكثير من الجوائز فحسب، بل كان سببًا في عودته مرة أخرى إلى مدينته الأولى براغ، بعد عشر سنوات في المنفى، لتصوير أحداث الفيلم بها. | 617 |
| 11 | من الواقعية على أعماله.
يمنح فورمان دور البطولة في فيلمه "غراميات شقراء" لهانا بريكوفا أخت زوجته الأولى، التي تشاركه بعد ذلك أحد أشهر أفلامه في السينما الأمريكية "Amadeus" عام 1984، أما دوري والد الشاب ووالدته، فمنحهما لعم مدير التصوير ولامرأة التقى بها مصادفة في الحافلة، ولكنه احتفظ بدور الشاب لممثل محترف هو فلاديمير بوخولت، حيث يرى فورمان أن المزج بين المحترفين وغير المحترفين يحافظ على توازن العمل الفني.
يتكرر الأمر حين يذهب فورمان إلى الجبال طالبًا العزلة أثناء بحثه عن فكرة جديدة لفيلمه القادم، فيصادفه ملصق دعائي لحفل يقيمه رجال الإطفاء، يحضره مع صديقيه ياروسيف بابوشك وإيفان باسر وهما كاتبي سيناريو، يدور بعدها نقاش بين الثلاثة حول الموضوع الذي يمكن تناوله من خلال حفل يقيمه رجال الإطفاء ولكن على شاشة السينما؛ حيث يستعين فورمان برجال الإطفاء الذين أقاموا الحفل للعب أدوار البطولة في فيلمه "حفل رجال الإطفاء" الذي صدر نهاية عام 1967.
ورغم أن الفيلم قد عاصر فترة الإصلاح السياسي التي قام بها الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي عام 1968، والمعروفه تاريخيًا بـ"ربيع براغ"، إلا أنه قد تعرض لهجوم شرس من الحزب وقتها، والذي رأى أن الفيلم قد قام بتحليل شريحه مختارة من المجتمع، كعينة للنظام في مجمله.
الأمر كذلك مع منتج الفيلم الإيطالي كارلو بونتي، الذي كان يأمل في فيلم ينتقد النظام الشيوعي مثل "دكتور زيفاجو" الذي أنتجه عام 1965، إلا أنه فوجئ بلغة سينمائية غريبة عليه، فرفض الفيلم وطالب باستعادة أمواله، ليجد فورمان نفسه مهددًا بالسجن.
لم ينقذ فورمان سوى صديقه فرانسوا تروفو أحد رواد الموجة الفرنسية الجديدة في السينما، الذي قام بشراء حقوق الفيلم من كارلو بونتي، فكتب بذلك للفيلم فرصة الخروج للنور في المهرجانات الدولية، خاصة بعد الاجتياح العسكري لتشيكوسلوفاكيا نهاية عام 1968 على يد الاتحاد السوفيتي، وصدور قرار بمنع عرض الفيلم. ليرحل بعدها فورمان إلى منفاه الاختياري بالولايات المتحدة الأمريكية، ويبدأ حلقةً جديدة في مسيرته الفنية.
لم يكن نهاية ربيع براغ هو بداية عهد ميلوش فورمان بالسينما الأمريكية، حيث حقق له فيلمه "غراميات شقراء" الذي عُرض قبل ذلك بعدة سنوات في مهرجان نيويورك السينمائي الدولي، بعض الشهرة داخل مجتمع هوليوود، حتى أن الفيلم قد حصل على توزيع بصالات السينما الأمريكيةوقتها، ونافس على الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي. لهذا فإن هوليود عندما استقبلت فورمان هاربًا من جحيم الشيوعية، كانت تستقبل مخرجًا تعرفه جيدًا، كغيره من صناع السينما القادمين من شرق أوروبا، وفي مقدمتهم البولندي رومان بولانسكي.
حصل أول أفلام فورمان في الولايات المتحدة "Taking Off" عام 1971 على سعفة كان الذهبية، ولكنه في المقابل لم يلقَ استحسان الجمهور الأمريكي وفشل تجاريًا؛ بسبب اتباع فورمان لنفس الأسلوب الذي كان يقدم به الأفلام في وطنه الأم، حيث القصة البسيطة، ومساحة الارتجال التي كان يمنحها للممثلين، بالإضافة إلى النهايات المفتوحة، وهو ما بدا غريبًا بالنسبة للجمهور الأمريكي وقتها.
يتذكر فورمان كلمات ميريام بيلينج مسؤولة العلاقات العامة بالشركة الأمريكية التي اشترت حقوق توزيع "غراميات شقراء"، عندما التقت به في مهرجان نيويورك السينمائي وقالت له: "استمتع بكونك هنا، لكن لا تصَب بخيبة أمل إذا لم تتمكن من الفوز"، ليدرك فورمان وقتها أهمية تغيير أسلوبه ليتناسب مع ذوق المشاهد الأمريكي، إلا أن أثر الموجة التشيكية الجديدة يظل جليًا في أفلامه التي قدمها طوال مسيرته الفنية بهوليوود.
رغم مشاركة فورمان في كتابة سيناريوهات أفلامه التي قدمها مخرجًا بالسينما التشيكية، فإنه كان مدركًا عند وصوله الولايات المتحدة أن حاجز اللغة سيحول دون قيامه بذلك، فلجأ إلى الرواية الآدبية المكتوبة سلفًا بالإنجليزية، وهى ليست فكرة غريبة عن الموجة التشيكية الجديدة، التي اعتمدت منذ نشأتها على الأدب الكلاسيكي والمعاصر كمصدر لأفلامها.
يقدم فورمان عام 1975 فيلم "One Flew Over The Cuckoo’s Nest" (الطائر فوق عش المجانين)، المقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب كين كايسي، والذي يعد انطلاقة فورمان الحقيقية في السينما الأمريكية، بعد النجاح الكبير الذي حققه نقديًا وجماهيريًا، حتى أنه واحد من ثلاثة أفلام عبر التاريخ حققت الجوائز الخمس الكبرى (أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل وأفضل ممثلة) مجتمعة في الأوسكار، إلى جانب It Happened One Night (حدث ذات ليلة) والذي عرض عام 1934، وThe Silence of the Lambs (صمت الحملان) والذي عرض عام 1991. | 413 |
| 12 | كان ميلوش فورمان يسير في أحد شوارع العاصمة التشيكوسلوفاكية براغ، عندما لمح فتاةً شقراء تسير على الجانب الآخر من الطريق، تحمل بيدها حقيبة سفر ولا تبدو في عجلة من أمرها، حتى أنها تتشاغل عما حولها بالنظر إلى كعب حذائها وكأنها تحاول قتل الوقت. يقترب فورمان من الفتاة ويتجاذب معها أطراف الحديث، فتحكي له الفتاة حكاية عن مدينتها الصغيرة، يتناولها فورمان بعد ذلك في فيلمه "غراميات شقراء" الذي عُرض عام 1965، وهو الفيلم الذي جعله واحدًا من أهم مخرجي "الموجة التشيكية الجديدة" في السينما.
بطبيعة الحال كانت السينما التشيكية، كغيرها من سينمات شرق ووسط أوروبا، تعاني من الهيمنة السوفيتية عليها سياسيًا وثقافيًا خلال حقبة الحرب الباردة، فكانت غارقة في سينما الواقعية الاشتراكية التي فرضتها عليها موسكو، فأبدى أغلب مخرجي الموجة الجديدة في السينما حينها اهتمامًا بالتاريخ القومي، فقدموا أفلامًا تناولت الحقبة النازية وتأثيرها على الأفراد والمجتمع حملت اسقاطات على حال المجتمع تحت الهيمنة السوفيتية، كما فعل التشيكي ييري مينزل في فيلمه "قطارات تحت حراسة مشددة" عام 1966.
إلا أن ميلوش فورمان، الذي رحل عن دنيانا يوم 13 أبريل/نيسان الجاري في إحدى مستشفيات مدينة دانبري بولاية كونتيكت الأمريكية عن عمر يناهز الـ86 عامًا، وعلى عكس أبناء جيله من مخرجي الموجة التشيكية الجديدة، اتجه إلى الواقعية الاجتماعية في مسيرته السينمائية الحافلة؛ التي كان فيها مخرجًا وكاتب سيناريو صنع أفلامًا تُعد علامات في تاريخ السينما التشيكوسلوفاكية والأمريكية على حد سواء، تناول في مُجملها سير أشخاص التقى بهم في حياته العادية، أو استوحي حكاياتهم من التاريخ، ليرسموا جميعًا ملامح سينماه، التي وضعت الفرد البعيد عن السياسة والمنشغل عن الواقع بمشاكله الشخصية في مواجهة مع السلطة.
نظر فورمان بعمق إلى مشاكل هذا الفرد، وعمل على نقد الظروف التي تسببت في الأزمات التي تعرّض لها، مُعتمدًا في ذلك على الرمزية والتلميحات الضمنية كبقية مخرجي الموجة الجديدة، ليصطدم بذلك مع السلطة الحاكمة في ذلك الوقت بشكل آخر.
يتعرض فورمان في أول أفلامه الروائية "بيتر الأسود"عام 1963، لفترة من حياة مُراهق يدعى بيتر، يقضى فصل الصيف مترددًا على شاطئ البحر وهو يحاول التقرب من فتاة تدعى باولا، إلا أن والده يجبره على العمل في سوبر ماركت لكسب عيشه، فتصبح وظيفته مراقبة الزبائن وإيقاف المشتبه بهم في السرقة.
يستغل فورمان حياة بيتر كغطاء لرصد واقع دولة تتجسس على مواطنيها، وقد ظهر ذلك في بداية الفيلم مع محاولات بيتر الاندماج وسط زبائن السوبر ماركت كأنه منهم، ومراقبتهم دون لفت انتباههم، وتتضح تلك الفكرة أكثر حين يفشل بيتر في اعتراض أحدهم واكتفائه بملاحقته في شوارع المدينة دون جدوى، ليبدأ بعدها الده فى إعطائه دروسًا عن كيفية مراقبة الآخرين والإيقاع بهم، حتى ينال رضى رئيسه في العمل فيمنحه ترقية.
وفي فيلمه "غراميات شقراء" عام 1965، يتناول فورمان حكاية حقيقية عن مدينة صغيرة شمال بوهيميا، تمثل النساء 90% من تعداد سكانها، أغلبهن يعملن في مصانع الأحذية. وقد استوحي فورمان فيلمه من حكاية روتها له فتاة شقراء تعمل بأحد تلك المصانع، وقعت في حب مهندس شاب أتى مدينتها ومنحها عنوانه في براغ بعد ليلة قضياها معًا، ولكن عندما سافرت الفتاة إلى براغ للقائه اكتشفت أنه قد منحها عنوانًا زائفًا.
رغم إخلاصه لروح السيرة الأصلية لصاحبة الحكاية، يجعل فورمان من بطلة فيلمه أندولا فتاة أكثر إصرارًا، تذهب للقاء حبيبها في براغ وتنجح في اقتحام حياته وحياة أسرته، التي تواجه علاقة الحب بينهما بالرفض.
ينتقد فورمان في فيلمه اشتراكية الدولة في تشيكوسلوفاكيا، فيسلط الضوء على سوء التوزيع للسكان داخل المدن، وكذلك حال الفرد داخل تلك المنظومة التي تعامل مواطنيها على أنهم تروسًا داخل عجلة الإنتاج دون اعتبار لأبسط احتياجاتهم ورغباتهم الشخصية، فنجد المشرف على المصنع لتحقيق زيادة إنتاجية، ينظم حفلاً راقصًا يدعو إليه الجنود من خارج المدينة، لرفع الروح المعنوية لعاملات مصنعه بمنحهن رفقه.
يذهب فورمان بفيلمه إلى أبعد من مهاجة السلطة هذه المرة، فيهاجم مجتمعًا بأكمله يعاني ازدواجية في أخلاقه وسلوكياتها؛ فمع تطور حوار والدي الشاب معه، ومع أندولا، يشعر الجميع باختلال منظومة القيم التي يستندون إليها، فينتهي بهم الأمر وهم ينتمون إلى اللاشيء.
نحن نخلق المؤسسات والحكومات والمدارس، وندفع لها الضرائب لتساعدنا على الحياة، لا لتخبرنا كيف نحيا وتسيطر علينا.
سمة مُميزة للأفلام الروائية التي قدمتها سينما الموجة التشيكية الجديدة وهى النزعة التسجيلية، التي ظهر أثرها في أعمال فورمان الذي عمل في بداية مسيرته الفنية مخرجًا للأفلام التسجيلية؛ فاعتمد فورمان في أفلامه الروائية على الكادرات الثابتة والموسيقي التصويرية في أضيق الحدود، بالإضافة إلى استعانته بممثلين غير محترفين ليضفي مزيدًا | 325 |
| 13 | #سينما_ميلوش_فورمان_الفرد_في_مواجهة_السلطة
-دعاء محسن
⬇️ | 323 |
| 14 | في اليوم التالي سينال إيفان لقب الجبان، وعلى لسان أندريه أيضًا، ولدى عودتهما إلى البيت، سيقع الحدث الرئيس في الفيلم حين تخبرهما أمهما بالتكلم بصوت منخفض لأن والدهما نائم، وليصعد إيفان بعد أن يتفقد والده نائماً إلى علية البيت، ليخرج صورة عائلية يتأكد من خلالها بأنه هو وليس أحداً آخر، هو الذي لم يقع على والده من قبل.
سيكون مجيء الأب المعبر إلى كل ما سنشاهده طيلة الفيلم، خصوصا مع قراره أن يأخذ ابنيه في رحلة صيد، ما يحوّل الفيلم إلى «فيلم طريق»، لكن دون أن تطرأ تغيرات درامية على الشخصيات، فالأب يبقى غامضاً بالنسبة لابنيه ولمن يشاهد الفيلم، وهو يلعب دور الأب الذي يرغب بتعليم أولاده مواجهة الحياة بصلابة وقسوة، وعلى شيء من الرفض من إيفان والقبول من أندريه، وفي كلتا الحالتين سيكون حضوره طاغياً، يريد له إيفان أن يكونو طارئاً، كونه شديد الوطأة، ولا معنى له بعد كل تلك السنين التي عاشها من دونه.
سينفتح الفيلم على مساحات مناخية متعددة، وستكون مجاورة المياه والتخييم والصيد واشعال النار والتعايش مع الطبيعة المسعى الرئيس للأب، كما لو أنه يروض ابنيه، إيفان متمرد، أندريه مستسلم وسعيد بوالده، وما بينهما هناك عوالم رمزية تمارسها الطبيعة على العلاقة المستعادة بين الأب وابنائه، وصولاً إلى عقدة «قتل الأب» الفرويدية التي ستظهر جلية لدى إيفان.
لن يعرفا أين كان الأب خلال الاثني عشرة سنة التي أمضاها بعيداً عنهما، ولن نعرف ذلك أيضاً، المهم الحاضر وما نشاهده يمضي في خط أفقي، ووصولهما إلى جزيرة نائية، وليبدو الأب يعاني عدم فهم ابنيه له، والعكس صحيح، وإن كان للرحلة أن تكون «أوديسة»، فهي أوديسة فشل لم الشمل، إنها عن هذا الرجل الذي يغدو مظلماً في القارب، وهو يشجع إيفان وأندريه على التجذيف، إنها أوديسة تقول إن العودة مستحيلة، وفعل العودة هنا ليس في الطريق والمسار بل من الأعماق، إلى أن نلتقي مجدداً بالقارب الذي بدأ به الفيلم، ووصول الفيلم المأساة محوّلاً قتل الأب إلى فعل يتخطى المجاز. بالانتقال إلى ثاني أفلام زفياغينتسيف «النفي» المقتبس عن رواية للروائي الأميركي وليم سارويان، فإن العائلة ستكون أيضاً الكلمة المفتاح في مقاربته، وهذا النفي سيكون بالمعنى الديني للكلمة فعل طرد من جنة العائلة، لا بل إن أي شيء خارج ذلك سيكون ملتبساً، والفيلم يبدأ من لقطة ثابتة لشجرة وحيدة في حقل مترامٍ، وسيارة بالكاد ترى قادمة من بعيد، ومن ثم تمر مسرعة من جانب الشجرة، ولنتلقفها في لقطة ثابتة أخرى وهي تعبر الطريق، ولتتوقف فجأة بعد أن تمر بالقرب من معامل وأبنية صناعية ليمر قطار من أمامها، وهنا سنشاهد السائق، إنه ينزف!
بداية تأخذنا إلى «الأكشن»، لكن كل شيء سيمضي بالاتجاه المعاكس ، فالمصاب هو مارك الذي يلجأ إلى أخيه الكسندر، وليقوم الأخير بمعالجته، وليترك بيته مع عائلته (زوجته فيرا وابن وابنة)، ويمضوا جميعاً إلى بيت في قرية نائية، وهناك ستنفتح الكاميرا على لقطات بانورامية مدهشة لمساحات مترامية من الطبيعة في تنويعات مختلفة، وهنا سيكون الأب والأم هما محوري الدراما في الفيلم، مع حضور الولدين في النصف الأول من الفيلم.
عبارة واحدة ستكون مفصلية في كل ما سينبني عليه الفيلم، إذ ستقول فيرا لإلكسندر: «أنا حامل والجنين ليس منك»، وأمام الخيارات التي يقف أمامها ألكسندر يقرر أن يجهض الجنين ويواصل حياته على أمل الشفاء من هذا الجرح العميق الذي تسبب فيه اعتراف زوجته له، وعليه سيلجأ إلى مارك الذي يأتي بطبيب ليقوم بعملية الإجهاض والذي سيؤدي إلى وفاة فيرا.
لكن مهلاً كل ذلك يخبئ الكثير مما نجهله، والاكتشافات التي ستتوالى في النهاية ستكون كفيلة بإعادتنا إلى مشهد أولاد ألكسندر وفيرا، وهم يلعبون مع أبناء جيرانهم بتركيب لوحة أيقونة لمريم العذراء، وهي تتلقى من ملاك نبأ حملها بيسوع المسيح هي التي لم يمسسها رجل. وفي تتبع لاستخدام زفياغينتسيف للرموز الدينية فإنها أي فيرا ستكون امرأة مجهولة تماماً بالنسبة للمشاهد، فالجنين ليس إلا من زوجها ألكسندر، وهي تمتلك شخصية مأزومة انتحارية تعاني انعدام التواصل مع الكسندر، ولتجد ملجأها في صديق زوجها روبرت المتهم من قبل الكسندر بأنه الأب الذي تحمله في أحشائها، والذي لن يكون إلا منقذها من محاولة انتحارها الأولى ومشاركها أزمتها النفسية الحادة صديقاً. في «النفي» سيكون عليّ أن أقول إنه الأهم، والسينمائية الشعرية فيه ستكون حاضرة بقوة تفوق ما ظهرت عليه في «العودة»، وإن درامية قصة الفيلم لن تكون بشيء بالنسبة للكيفية التي تم سردها، كما يمكن اعتبار هذا الفيلم صكاً سينمائيا لـزفياغينتسيف على أنه الوريث الشرعي لتاركوفسكي، وهو يستثمر في الطبيعة الخلابة والمتنوعة، وتتبع مجاري المياه، والاتكاء على لقطات لها أن تكون خارجة من «مرآة» تاركوفسكي. | 383 |
| 15 | يمكن العبور مع المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف (1964) من اللقطة الأولى، واعتبارها في الوقت نفسه اللقطة الأخيرة، كما لو أنه يؤسس لموقع التصوير بما يشبه نقطة البداية أو خط الانطلاق، ولتتوالى اللقطات والمشاهد التي تتنقل من موقع إلى آخر، لكن ضمن بيئة متسقة ومتصلة بالشخصيات، وحين نصل النهاية، والتي لم تكن إلا نقطة البداية، فإن الفيلم سيكون قد دار دورته الدرامية وعاد من حيث بدأ.
في فيلمه Elena «إلينا» الفائز بجائزة «نطرة ما» في مهرجان كان السينمائي، 2011 لن يخرج زفياغينتسيف من المدينة، سيبدأ بلقطة ثابتة لأغصان شجرة إلى أن يقف على غصن منها طائر، وخلف تلك الأغصان ستكون هناك نافذة واسعة لبيت.
سندخل البيت ونتعرف إلى إلينا، وهي تمارس نشاطها الروتيني بفتح الستائر والنوافذ وإيقاظ زوجها سيرغي الذي لا يقاسمها الفراش، بل ينام وحيداً في غرفته. الرهان في هذا الفيلم درامي بحت، والتغيير الدرامي الذي ستخضع له إلينا لن يكون إلا مفاجئاً.
فإلينا الطيبة، التي كانت ممرضة وتعرفت الى زوجها الثري سيرجي أثناء مرض الأخير، ستوقد شمعة للقديس نيكولا المختض بشفاء المرضى حين يصاب بنوبة قلبية، ولن تتردد في الوقت نفسه بالانتقال إلى كل ما يعارض الصورة التي بدت عليها، وكل ذلك لمصلحة ابنها من زواج سابق والتمكن من تدريس حفيدها في الجامعة، إنها الخيارات العائلية مجدداً، والانكسار الأخلاقي لأمرأة أمام وصية زوجها التي كان ينوي كتابتها واهباً كل شيء لابنته من زواج سابق كاترينا.
في «إلينا» يعاين زفياغينتسيف مساحة مغايرة عن فيلميه السابقين، الإيقاع أسرع، وله أن يكون مينياً أكثر إن صحت الكلمة، وإن كان مكسيم غوركي قد قال: «تزوج امرأة طيبة وسترى» بالمعنى الإيجابي للكلمة، فهي ومع إلينا ستنتقل إلى مستوى آخر، حيث ستتحول «سترى» إلى شيء من الوعيد. في جعبة الكسندر زفياغينتسيف إلى الآن ثلاثة أفلام، وهي ثلاث خطوات ترسخ لغته السينمائية، وجميعها تلتقي على مسار يفضي إلى الكثير مما يستحق الانتظار والتلقف بلهفة، وافترض أنه وفي جداً لهذا المقطع الذي اقتبسه من انطونيويني لأختم به ملخصاً في الوقت نفسه ما كانت عليه أفلامه الثلاثة «إن القصة أكثر ما يسحرني، والصور هي الوسيط الذي يمكن فهم القصة من خلاله. إن عشق الشكل يعني بالنسبة إلي عشق الجوهر. أنا حساس جداً للمناظر الطبيعية. أحاول دائماً أثناء التصوير أن أعقد رابطة بين الشخصيات والطبيعة المحيطة بها».
لا تتسبب تلك الدورة سابقة الذكر بلهاث متأتٍ من تتابع اللقطات السريع، الأمر الذي لن تقع عليه في أفلام زفياغينتسيف، وما يتسبب في عدم التمكن أحيانا من التقاط الأنفاس يأتي من التصعيد الدرامي البطيء، والتنويع في اللقطات بين الثابتة والبانورامية، والتي غالباً ما تكون متوسطة الطول، إضافة الى الاستثمار في المكان والمفردات البصرية، وتوزيع الشخوص التي لا تتحول إلى جموع أبداً.
زفياغينتسيف وريث شرعي للسينما الروسية، ومن أبرز أسمائها المعاصرين، وقد عُرف على نطاق عالمي واسع مع أولى تجاربه الإخراجية الروائية الطويلة The Return (العودة)، الذي فاز بأسد فينسيا «لاموسترا» الذهبي عام ،2003 بما يشبه ما حصل مع مواطنه اندريه تاركوفسكي حين نال عام 1962 أسد «لاموسترا» الذهبي عن أولى تجاربه الروائية الطويلة «طفولة إيفان»، لكن إيفان في «العودة» لن تكون طفولته مسروقة من الحرب، بل ستكون تحت رحمة أب عائد، سيبقى لغز الفيلم، ولغز ايفان وأخيه أندريه أيضاً.
يشبّه زفياغينتسيف بتاركوفسكي، وهناك ملامح كثيرة في أفلامه يمكن ضبطها متلبسة وهي تتقاطع مع عوالم المعلم الروسي الكبير، لكن لا يمكن إلحاق صفتي «سيد الزمن» أو «نحات الزمن» بـزفياغينتسيف، الصفتان اللصيقتان بتاركوفسكي هو الذي شكلت علاقة الزمن بالسينما هوسه، والذي هو هوس كل سينمائي حقيقي، مع أن تاركوفكسي «سيد المكان» أيضاً، وإن لم يتناول المكان يوماً كما فعل مع الزمن، الصفة التي أجدها أقرب إلى زفياغينتسيف، هو الموزع بين تاركوفسكي وبرغمان وانطونيويني.
فإن كان برغمان قد قال: «إن صناعة فيلم مسألة شخصية بالنسبة إلي..»، فإن حقيقة أن زفياغينتسيف هجره والده وهو لم يتجاوز السادسة من عمره ستحضر بقوة في فيلمه «العودة» ،2003 و The Banishment (النفي) ،2007 حيث يتمركز الفيلمان حول الأب، ولتكون الأم في «العودة» على شيء من جولينا (مونيكا فيتي) في فيلم أنطونيوني «صحراء حمراء» ،1964 ومعها تلك المصانع والمدن الصناعية القبيحة التي لا تغيب عن أفلامه، وهي تخرج علينا من طبيعة ساحرة.
يبدأ فيلم «العودة» من تحت الماء، من قارب غارق في القاع، وفتية يقفزون في الماء من أعلى برج، ومن بينهم الأخوان أندريه وإيفان، اللذان سيكونان شخصيتا الفيلم الرئيستين، الأول في سنة مراهقته الأولى، بينما لم يتجاوز إيفان الثانية عشرة من عمره، هو الذي نقع عليه عاجزاً عن القفز في الماء، وخائفاً في الوقت نفسه من وصفه بالجبان من قبل المحيطين به. | 321 |
| 16 | #أندريه_زفياغينتسيف_عــــــــودة_الأب_الضال_و_الوفاء_السينمائي
-زياد عبدالله
⬇️ | 242 |
| 17 | فهو بحق فيلماً جميلاً وصعباً، ولكنه صادف صعوبات فى عرضه حول العالم طوال العام الماضى، وسوف يُوزع الفيلم فى نُسخ "دى فى دى " "بلو- راى" فى الشهور القادمة فى الولايات المتحدة الأمريكية.
(الكثبان)
فيلم "الكثبان لجودوروفسكى" فيلم تسجيلى يكشف عن محاولات جودوروفسكى التى بدات عام 1974لعمل فيلم عن الرواية الكلاسيكية التى كتبها فرانك هربرت.
هذا الفيلم التسجيلى قصة مؤثرة عن الإستحواز والوله من جانب جودوروفسكى، فالمخرج نفسه هو محور وواجهة الفيلم التسجيلى، حيث يظهر لنا وهو فى الثمانينات من عمره ومازال حاد الذكاء مثل الحديد.
يتناول الفيلم التسجيلى كيف ان فيلم "الكثبان" بأفكاره اللغير مسبوقة وبفلسفته فيما يتعلق بخطة الإنتاج والمؤثرات الخاصة والممثلين، كان شديد الإختلاف عن الطريقة الهوليودية.
فالممثلون والفريق السينمائى الذى كان جودوروفسكى يخطط لهما لفيلمه المأخوذ عن رواية "الكثبان، يمكن وصفهما بانهما مُذهلان، فالفنانون الموجودون فى الفيلم يشملون فنان الجرافيك ميبيوس، ومصمم المناظر جيجر والكاتب دان أوبانون ومايك جاجر كممثل لفيد روثا وسلفادور دالى يمثله إيمبرر شادان، واورسون ويلز يمثله بارون هاركونان، وهندسة الصوت لبينك فلويد والمؤثرات البصرية للبريطانى الساحر كريس فوس.
وغنى عن القول، أن هذا واحد من أكثر الأفلام المغرية فى تاريخ السينما، وبالنسبة لمصادقية الفيلم عالمياً، فهو يناقش حقيقة أن عدم إنجاز الفيلم كان يكشف عن خوف هوليوود من جودوروفسكى وولعه التام بالمشروع، هوليوود مُمثلة برجال أعمال، وهى ببساطة كانت لا تريد شخصاً مثل جودوروفسكى لأنه لا يفكر بنفس طريقتها فى التفكير.
الفيلم التسجيلى يقدم أيضاً حوارين رائعين مع المخرجين ريتشارد ستابلى ونيكولاس ويندنج رن، هذان المخرجان أحب ان أعتبرهما احفاد جودوروفسكى الروحييين سينمائياً، وفى الحقيقة، فإن المخرج رن يُهدى فيلمه الأخير لجودوروفسكى، إنه الفيلم السريالى "الله فقط هو من يُسامح" " Only God Forgives " 2013، ومع مرور الأيام أصبح الإثنين صديقين حميمين، إنه المخرج رن الذى يأخذنا خلال سيناريو وصفى رائع إلى ما كان فى عقل جودوروفسكى بخصوص فيلم "الكثبان".
ورغم ان رؤية جودوروفسكى لفيلم "الكثبان" لم تتحقق أبداً، فإنه من الممتع أن نُشير إلى تأثير مشروعه على صناعة السينما فى العقود التالية، فجيجر وأوبانون عملا لاحقاً فى واحد من أكثر الأفلام أهمية وإدهاشاً فى تاريخ السينما، إنه فيلم "الاجنبى" لريدلى سكوت عام 1979، فالتصميم الإبداعى كان لجينجر، وفى الأفلام الأحدث نستطيع ان نلتقط المركبة الفضائية فى فيلم "حُراس المجرة" للمخرج جيمس جن، على حين ان كريس فوس صمم أمتع ما قدمه إستوديو مارفل.
ومن المثير أيضاً ان نُشير إلى أن خوف هوليوود من إستثمار أموالهم فى فيلم من إخراج جودوروفسكى كان خوفاً من ضياع أموالهم التى سينفقوها على المشروع، ومن المفارقات الحادة، انه بعد خمس سنوات، تعرضت هوليوود لكارثة مالية وإفلاس بسبب فيلم "بوابة السماء" 1980 الذى اخرجه مايكل سيمينو.
لماذا كانت هوليوود خائفة من جودوروفسكى، فهذا المثال على طريقة هوليوود فى إدارة صناعة السينما سيظل واحداً من أعظم أسرار هذه الصناعة.
فيلم "الكثبان لجودوروفسكى" الذى أخرجه فرانك بافيتش في عالم 2013 يمنح المشاهدين رؤية قوية لا تُنسى عن الحياة وعن فلسفة جودوروفسكى ذلك الفنان الأصيل الذى يعد واحدًا من اهم السينمائيين. | 326 |
| 18 | منذ أن إنتقلت ملكية فيلم "ناب" من المخرج، أصبح هذا الفيلم عصياً على الوجود، إنه موجود فقط على "اليوتيوب" ولم يحظى مطلقاً بتوزيع رسمى من أى نوع، سواء كان سينمائياً أو على شرائط الفيديو، أو على نسخ "دى فى دى" "بلو-راى".
كان هذا الفيلم محاولة من جودوروفسكى لعمل فيلم يكون مناسباً للجمهور العادى، وكان هذا الفيلم هو الفيلم الذى تلى محاولته الفاشلة لعمل فيلم "الكثبان" قصة فيلم "ناب" تتعلق بمصير فتاة صغيرة وفيل وُلدا فى نفس اليوم فى الهند إثناء العهد الإستعمارى، بينما كانت الهند مازالت تابعة للملكة المتحدة.
هؤلاء الذين شاهدوا الفيلم يقولون أنه لا يحتوى على الشكل السحرى الذى أُخرج به فيلم "إل توبو" وفيلم "الجبل المقدس" بما يحتوياه من تحدى وتجريب صعب.
وبالنسبة لمخرج مثل جودروفسكى، فمن العار أن يكون فيلم "الناب" وفيلم "لص قوس قزح" الذى أخرجه عام 1990 من بطولة بيتر أوتول وعمر الشريف، ليسا متاحان لجمهور السينما العادى الذى يحب أفلام جودوروفسكى بصرف النظر عن أنهما يحتويان على ما يمنع عرضهما العام..
(سانتا سانجر)
وبعد عدة سنوات من الإبتعاد عن عالم الإخراج، عاد جودوروفسكى فى نهاية الثمانينات بهذا العمل المُذهل، وهذا الفيلم كان أول الأفلام التى إستحسنتها لهذا المخرج ولعبقريته الحقيقية، الفيلم كان أيضاً بمثابة نقطة تحول بالنسبة للمخرج، فهو أكثر تماسكاً من بعض اعماله السابقة وهو الفيلم الأول الذى أثبت أنه أكثر أفلامه نجاحاً ووُزع على نظاق واسع فى شباك التذاكر، كان الفيلم من إنتاج كلوديو أركينتو- شقيق المخرج الإيطالى الأسطورى داريو-.
فيلم "سانتا سانجر" صُور فى سيرك حيث تتعرض الشخصية الرئيسة "فينكس" لسلسلة من الاحداث المؤلمة، وقام بطولة الدور آكسل جودوروفسكى إبن المخرج، فيلم "سانتا سانجر" مزيج مُدهش يتناول علاقة بين أم وإبنها بطريقة لا تختلف كثيراً عن فيلم "سايكو" لألفريد هيتشكوك، وهو يكشف عن مصارعين من المكسيك وممارسات دينية تمارسها فتاة تعرضت إلى الإغتصاب وقُطعت يدها وتعيش حياتها فى سيرك.
طريقة إستخدام جودوروفسكى للألوان والموسيقى فى هذا الفيلم كانت غير مسبوقة ومختلفة عن المليون فيلم التى أنتجتها السينما فى العالم، والفيلم يستحوز على المُشاهد ويجعله يدخل فى مستوى من الإحساس الغرائزى والبدائية، والفيلم مثله مثل كل أفلام المخرج إستفزازى ومُتجاوز وخاصة فيما يتعلق بنظرته للدين.
فيلم "سانتا سانجر" يُعد أفضل الأفلام التى جعلت جودوروفسكى مخرجاً عبقرياً، والفيلم يُقلل من بعض الأساليب التى إشتهر بها المخرج –تلك الاساليب التى حدت من جمهوره وجعلته جمهوراً مُختار، إذا كنت تريد فيلماً تبدأ به مشاهدة جودوروفسكى فهذا الفيلم هو الأفضل وكذلك فيلم "إل توبو"
(لص قوس قزح)
فيلم "لص قوس قزح" لم يكن من إنتاج جودوروفسكى ولكن تم التعاقد معه لإخراج هذا الفيلم، وترتب على ذلك غياب واضح لحسه القوى وسطوته وأسلوبه فيما نراه امامنا على الشاشة، وفى نفس الوقت، نرى نقص واضح فى الصور المتحدية والمثيرة للقلق التى تميز بها المخرج، الفيلم يحكى بطريقة خيالية عن لص يبحث عن ذلك الإناء الذهبى الذى يُضرب به المثل.
الفيلم بطولة بيتر أوتول وعمر الشريف وكريستوفر لى، ومن المشين ألا يتم الترخيص لهذا الفيلم بالعرض السينمائى، فالترخيص بعرضه فى أمريكا إختص فقط بشرائط الفيديو – مثله مثل فيلم "الناب"، إنه يستحق ان يحظى بمُشاهدة عامة فى السينمات.
(رقصة الحقيقة)
وبعد غياب عن السينما كمخرج دام ثلاثة وعشرين عاماً، ترددت خلالها شائعات عن مشاريع افلام مثل "إبناء إل توبو- أبيليكان" " The Sons Of El Topo/Abelcain " – الجزء الثانى من فيلم "إل توبو"- وفيلم "الملك أًصيب بطلق نارى" " King Shot " والفيلمان يشبهان المخطط السينمائى لفيلم "الكثبان" الذى لم يتحقق فى مراحل إنتاجية متنوعة، فيلم "رقصة الحقيقة" بدا أنه تم تنفيذه من لا شيئ.
كان جودوروفسكى وقتها فى الثمانينات من عمره وكان يعود بذاكرته إلى طفولته، فيلم "رقصة الحقيقة" يمكن وصفه بإنه سيرة ذاتية روائية مختصرة، مثل فيلم "اماكورد" لفللينى 1973، وفيلم "أيام الراديو" لوودى ألن 1987، فيلم "رقصة الحقيقة" يتناول حياة المخرج عندما كان طفلاً يتعامل مع أب قاسى وأم حنونة، وهى الشخصية الوحيدة فى الفيلم التى تتحدث غناءاً بصوت أوبرالى.
الفيلم به مبالغات ومُفعم بالعاطفة، وأحياناً مفعم بالإثارة، وهذا كان بمثابة عود محمود وجميل من مخرج عظمته حقيقية، فيلم "رقصة الحقيقة" فيلم شديد الحساسية وشديد الذاتية بالنسبة لجودوروفسكى، حيث نراه فى الفيلم يدخل إلى الشخصية أو يبتعد عنها ليعكس لحظات من ماضيه، ويعود بذاكرته إلى الخلف كرجل أكبر سناً، فالفيلم فعلاً متفرداً ومُؤثراً جداً. | 273 |
| 19 | والفيلم مليئ بالصور والأصوات الإستفزازية، وقد تسبب هذا الفيلم فى أعمال شغب كبيرة فى المهرجانات بسبب صراحته وتجاوزاته، وبعد وقت لاحق تم منع هذا الفيلم فى المكسيك، تلك الدولة التى صُنع فيها الفيلم والتى تبنته.
وبعد ذلك بعدة اعوام، إستطاع جودروفسكى ان يُثبت أقدامه فى عالم السينما بسبب هذا الفيلم، فهذا الفيلم الذى يُنظر إليه ضمن سينما المؤلف – كان بمثابة وضع بذور للعديد من التيمات والموضوعات التى سيبحثها جودوروفسكى فى أفلامه اللاحقة.
(إل توبو)
الفيلم الثانى لجودروفسكى كان "إل توبو" وقد وضع جودوروفسكى على الخريطة السينمائية، وهو فيلم غرب أمريكى، لكنه بدا مختلفاً وليس له شبيه فى ذلك الوقت.
وهو يروى قصة أحد الفرسان – جودوروفسكى هو الذى مثل الشخصية- حيث يبحث عن معنى وقيمة لحياته، ويحتوى الفيلم على رموز دينية متنوعة، وينقسم بناء فيلم "إل تابو" إلى أربعة أجزاء، فتتسمى هذه الأجزاء الأربعة بأسماء من الكتاب المقدس "سفر التكوين" و"الرُسل" و"المزامير" و"سفر الرؤية"، ومما لاشك فيه أن هذا الغرب الأمريكى ليس هو الغرب الأمريكى السخى الذى كان الممثل جون واين بطلاً فى العديد من أفلامه.
فالفيلم مليئ بالصور العنيفة والناس المشوهين والأقزام والمرضى المصابين بمتلازمة داون وكل المظاهر التى تجعل منه فيلم غرب أمريكى مختلف، "إل توبو" فيلم لا مثيل فى تفرده وتجاوزه.
وقد تصادف أن أرسى هذا الفيلم تقاليداً جديدة فى كيفية تسويق وعرض السينما على الجمهور، ذلك أن دار سينما "إلين" " Elgin " فى نيويورك – التى كان يديرها بن بارنهولز – قرر ان يعرض فيلم "إل توبو" فى ساعات العصر يومياً، بدلاً من الحفلات الخمسة المعتادة، هذا الأسلوب والطريقة أفرزت ما أصبح معروفاً الآن بإسم "فيلم منتصف الليل".
ولكى يتحقق ذلك، قررت سينما إلين أن تجتذب الجمهور الذى يبحث عن التميز حتى يأتى ويشاهد هذه السينما المختلفة، وقد عرضت فى الواجهة لقطة متفردة من الفيلم، والحقيقة أن هذا الفيلم حقق مكاسب مالية هائلة وإستمر عرضه خمس سنوات فى سينما إلين فى حفلات منتصف الليل فقط.
كما أن الفيلم إجتذب معجبين مثل مغنى فرقة البيتلز الشهير جون لينن الذى أقنع مديره – ألين كلين – أن يشترى حقوق عرض فيلم "إل توبو" وفيلم جودوروفسكى التالى الذى كان إسمه "الجبل المقدس"، وقد كان هذا الأمر بمثابة نصل سيف سام بالنسبة لجودوروفسكى.
فبعد أن إختلف جودوروفسكى مع كلين – ذلك الرجل الذى كان مشهوراً بأسلوبه وطريقته العدائية فى الشئون المالية- فإن حقوق فيلم "إل توبو" وفيلم "الجبل المقدس" تم سحبهما من كلين، وترتب على ذلك أن هذين الفيلمين لن يُشاهدا لعديد من السنوات وسيتم تخزينهما فى ظروف رديئة على شرائط فيديو.
وفى عام 2006 تصالح كل من كلين وجودوروفسكى، ونتج عن ذلك إصدار نسخة "دى فى دى" فخمة لفيلمى "إل تابو" و"الجبل المقدس" وتم توزيعهما، بما يليق بهذين الفيلمين من أهمية.
(الجبل المقدس)
بعد النجاح الغير مسبوق لعروض فيلم "إل توبو" فى سينما إلين، حصل جودوروفسكى على مليون دولار من شركة " AKCKO " التى يديرها ألين كلين، كما حصل على شيك – على بياض – لعمل اى شيئ يريده، وكانت النتيجة إخراج فيلم "الجبل المقدس" بميزانية مقدارها نصف مليون دولار.
كل ما كان غريباً وغير مألوف فى فيلم "إل توبو" أصبح مفهوماً، فيلم "الجبل المقدس" كان تلك القصة شديدة الغرابة عن ممثلين من كل الكواكب الذين يجمعهم الكيميائى أليخاندرو جرودوفسكى.
التوجه الرئيسى للفيلم يتشابه مع فيلم "فاندو وليز" - أول أفلام جودروفسكى الروائية -، وفيلم الجبل المقدس كان يبحث عن جبل مقدس خيالى كما يشير عنوان الفيلم، وطوال الفيلم، كان المُشاهد يتعاطى مع أكثر الصور السريالية والعنيفة التى يراها لأول مرة فى حياته.
ويشار إلى هذا الفيلم أيضاً على أنه هجوم لا هوادة فيه من جانب المخرج على كل شيئ موجود فى العالم، وثمة إساءة واضحة لكل الناس فى هذا الفيلم، سواء كانت هذه الإساءة عبارة عن بندقية مصنوعة على شكل نجمة داوود اليهودية، وثمة هجوم متعدد على المؤسسات الدينية والمخادعين والمشعوذين الذين يدعون انهم يعرفون معنى الحياة، او اللقطة الأخيرة من الفيلم حيث تتراجع الكاميرا إلى الخلف لتكشف عن فريق تصوير الفيلم والكيميائى "جودوروفسكى" يتحدث إلى الجمهور ويقول لهم أن يكتشفوا معنى حياتهم بأنفسهم.
إنه فيلم شديد الغرابة ينحو إلى العزف على إيقاعه الخاص، فيلم "الجبل المقدس" على أية حال، يُعيد تعريف مصطلح "الذوق المُكتسب" لهؤلاء الذين يحبون سينماهم أن تهزهم وتتحداهم، فمما لا شك فيه أن هذا الفيلم موجه إليك.
(ناب) | 262 |
| 20 | وًلد المخرج أليخادرو جودوروفسكى – الشيلى الفرنسى- فى عام 1929، وهو يتمتع بلمسة متفردة حقيقية فى الوسط السينمائى، أى فيلم من أفلامه القليلة التى اخرجها إبتداءاً بفيلمه السريالى الأول فى عام 1967 "فاندو وليز" " Fando & Lis " إنتهاءاً بفيلمه "رقصة الحقيقة" " The Dance Of Reality " الذى أخرجه فى العام الماضى بعد توقف عن الإخراج دام 23 عاماً، فهذه الأفلام تحف سينمائية متفردة، فكل فيلم يمتلك القوة لإحداث الصدمة وتحدي وهز المشاهدين بعيداً تماماً عن عوالمهم المُعتادة.
كان جودوروفسكى - ومعه المخرج المستقبلى فرانسيسكو أرابال – واحداً من رواد حركة مسرح الرعب فى الستينات، وهو أسلوب فوضوى للعروض المسرحية لا يراعى الطريقة التى إعتاد بها الجمهور مشاهدة المسرح ولكنه يقدم العالم الذى يحيط بهم، بطريقة مختلفة تمامًا من ناحية الأسلوب والشكل، ونفس هذا التوجه ترسخ فى أفلام جودوروفسكى بالمفهوم البحثى سواء كان ماديًا أو روحيًا، بهدف إستكشاف وتجسيد الشكل والمعنى فى حياة الإنسان.
وسواء كان البحث عن إستبصار روحى كما فى فيلم " " " El Topo " – 1970 أو فيلم "الجبل المقدس" " The Holy Mountain " – 1973 ، او بالتعامل مع الحياة فيما بعد الصدمة كما فى فيلمه الإستثنائى "سانتا سانجر" " Santa Sangre " 1989، نجد أن جودوروفسكى يمتلك حسًا سينمائيًا شديد التفرد والذاتية.
يترتب على هذا النهج فى بعض الأحيان أن يكون العمل السينمائى مقصوراً على فئة معينة ويتسبب فى التشويش لجمهور معين، وجودوروفسكى ليس الشخص الذى يهمل هذا البعد، فهو يستطيع ان يحد من رؤيته من أجل الحصول على جمهور أكثر عددًا، إنه المخرج الذى يجب عليك كمُشاهد أن تتفاعل معه، وهذا المخرج سبق له ان قال عن فيلمه الشهير " El Topo " أنك إذا كنت محدوداً فى تصوراتك فإن الفيلم سيكون محدوداً مثلك، وإذا كنت مستعداً لأن تتماشى مع الفيلم فإن الفيلم يأخذك إلى فضاءات لا حدود لها.
ولجودوروفسكى القدرة أيضاً على خلق الصور التى تتملك من عقلك وتأبى ان تبارحه، سواء كانت الصورة عبارة عن لقطة جميلة أمامية او خلفية فى فيلم " El Topo " حيث نرى صبى على ظهر حصان يترك لعبته بينما نرى صورة لأمه مدفونة فى الرمال، وكذلك فى فيلم "الجبل المقدس" حيث يتحول البراز الادمى إلى ذهب، وكذلك جنازة الفيل فى فيلم "سانتا سانجر"، فثمة كيمياء سينمائية مذهلة لا يستطيع إنجازها سوى جودوروفسكى، وقد حاول الكثيرون أن يستنسخوا أسلوبه وطريقته، لكن لا أحداً منهم إستطاع أن يلامس تلك القوة التى لديه حتى يبتدع شيئاً ليتفرد به فيظل عصياً على النسيان.
ففى العديد من أفلامه أيضاً، نجد جودوروفسكى أحياناً شديداً وعنيفاً فى إنتقاده للأنظمة الدينية والسلطات الحاكمة اللتان من المفترض أنهما من يديران المجتمع، فأفلامه فضاءاً سينمائياً يُشكك فى كل شيئ.
وقد تعرض جودوروفسكى على مدى القرون الماضية للعديد من الإتهامات، من بينها أنه إستفزازى لا لشيئ إلا للفت الإنتباه، وكذلك عداءه للمرأة، وكذلك أنه شديد الذكاء فيما يتعلق بجمهور السينما، وهذه الامور بالمناسبة، هى ما جعلته مُتفرداً، فأفلامه تمتلك قدرة مُذهلة على كسب الناس وكذلك على إستعداء ناس آخرين، فهو بالنسبة للبعض عبقرياً، وبالنسبة لآخرين أبلة.
الشيئ المؤكد، انك إذا كنت تشعر بالضجر من الطريقة التى كرست فيها السينما نفسها من أجل هدف واحد فقط وهو عائد شباك التذاكر وأنها أصبحت مجرد سلعة، فإن جودوروفسكى وأفلامه هما النقيض التام لهذا الأمر، وإذا كنت تريد أن تشاهد أفلاماً تجعلك تفكر وتحس وتتحدى فلسفتك الشخصية فيما يتعلق بالعالم الذى يحيط بك، فجودوروفسكى هو السينمائى الذى تبحث عنه.
ونتيجة لشغفه وأصالة فلسفته الذاتية ونظرته إلى العالم، فإن جودوروفسكى من المخرجين الذين طوال مشوارهم الإبداعى كان يواجه العديد من الصعوبات التى تعوق تمويل أفلامه، وأكبر مثال على ذلك سيتم توضيحه تفصيلاً فى سياق هذا المقال لاحقاً، إنه يتعلق بمحاولته الفاشلة عام 1974 لعمل فيلم سينمائى عن الرواية الكلاسيكية "الكثبان" لفرانك هربرت.
فثمة إحساس بأن المنتجين وخاصة فى هوليوود كانوا يخافون من جودروفسكى ويخافون من أنه ينظر إلى السينما كفن ولا ينظر إليها كمُنتج تُجارى، والحقيقة أن جودوروفسكى لم يخضع لإملاءات أى أحد فى أى مرحلة من مشواره الفنى، مما تسبب فى إعاقته، فسوء الحظ كان مُلازما له، فقد أخرج سبعة أفلام فقط طوال مشواره الفنى.
سنُلقى نظرة على أسباب إختلاف جودوروفسكى عن المخرجين من جيله ونرى كيف أنه كان له تأثير كبير على مخرجين مثل ديفيد لينش وجاى مادين وريتشارد ستانلى ونيكولاس ويندنج رن.
(فاندو وليز)
تم تصوير هذا الفيلم على مدار عامين فى دولة المكسيك التى تبنته، ويتميز فيلم "فاندو وليز" بأنه متجزء بصورة كبيرة وانه شكل سريالى متحرر تماماً، يقدم لنا شخصيتين تبحثان عن المدينة الخيالية "تار" حيث ستتحول كل أحلامهما إلى حقيقة. | 247 |
