Details
Kanalga Telegram’da o‘tish
1 987
Obunachilar
-124 soatlar
-37 kunlar
-1230 kunlar
Postlar arxiv
1 987
هؤلاء لا يقولون إنّهم الحسين.
لكنّهم يعرفون أنّ شيئاً من الحسين يسكن الموقف الذي يقفونه.
ولهذا أعتقد أنّ الذين قتلوا الحسين لم يكونوا سبعين أو ثمانين رجلاً ثم انتهى الأمر.
فكلّ عصرٍ يُنجب قتلة الحسين من جديد.
لا لأنّهم يرفعون السيوف.
بل لأنّهم يحاولون إقناع الناس بأنّ الحسين أصبح من الماضي.
بينما كانت رسالته كلّها تقول العكس.
أنّ الحقّ لا يشيخ.
وأنّ الكرامة لا تموت.
وأنّ الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة، سيبقى محتاجاً إلى شجاعة رجل وقف في صحراء قبل قرون وقال للعالم كلّه: «لا».
1 987
ولهذا أخشى أحياناً على الحسين من بعض محبّيه أكثر ممّا أخشى عليه من أعدائه.
فالعدوّ كان واضحاً.
كان يرفع رايته ويعلن موقفه.
أمّا هؤلاء فيقولون إنّهم يريدون حفظ الحسين، ثم يحاصرونه داخل الماضي.
يحوّلونه إلى ذكرى بدلاً من أن يبقى منهجًا.
وإلى طقس بدلاً من أن يبقى موقفاً.
وإلى حزن بدلاً من أن يبقى طريقاً.
مع أنّ سرّ الحسين كلّه أنّه رفض أن يكون مجرّد ذكرى.
خرج من حدود زمانه ومكانه، وصار جزءاً من اللغة التي يفهمها المظلومون في كلّ مكان.
يفهمها العاملي تحت القصف.
يفهمها الفلسطينيّ في لحظات الإبادة.
ويفهمها الأسير في زنزانته.
ويفهمها العامل البسيط الذي يرفض إهانته.
ويفهمها كلّ إنسان يقف وحيداً لأنّه لا يستطيع أن يخون ضميره.
1 987
لهذا كنت أشعر دائماً بشيء من الغرابة عندما أسمع بعض الناس ينزعجون من وصف ثائر أو مصلح أو مقاوم بأنّه يسير على خطى الحسين.
كأنّهم يخشون أن يقترب أحد من تلك القمّة.
مع أنّ قيمة القمم ليست في أن تبقى بعيدة.
بل في أن تدلّ المسافرين على الطريق.
فالحسين ليس حادثةً تاريخية نحرسها.
ولا أثراً قديماً نبكي عنده.
ولا اسماً نعلّقه على الجدران.
إنّه إمكانية إنسانية.
إمكانية أن يرفض الإنسان الذلّ.
أن يتمسّك بما يراه حقّاً.
أن يدفع الثمن وهو يعرف أنّه يدفعه.
أن يقول «لا» عندما يصبح قول «نعم» أسهل وأكثر ربحاً
1 987
وكم من الأفكار العظيمة تحوّلت إلى تماثيل جامدة بسبب كثرة التبجيل.
أشعر بهذا كلّما رأيت أحداً يحاول حبس الحسين داخل سنة إحدى وستين للهجرة.
كأنّ مهمّته انتهت هناك.
وكأنّ عاشوراء حادثة وقعت ثم أُغلقت أبوابها إلى الأبد.
مع أنّ أكثر ما تعلّمناه من الحسين أنّ بعض المعارك لا تنتهي.
فكربلاء ليست مكاناً فقط.
إنّها اسم للحظة يتكرّر وقوعها في حياة البشر.
حين يقف الحقّ ضعيفاً أمام القوّة.
وحين يصبح الصمت أكثر أمناً من الكلام.
وحين يعرف الإنسان ما يجب أن يفعله، ثم يجد أنّ ثمنه باهظ.
هناك تبدأ كربلاء من جديد.
1 987
أمّا الحسين الذي بقي حيّاً في ضمير الناس فلم يزل يُقتل إلى اليوم.
بل ربّما يُقتل الآن بطرقٍ أكثر هدوءاً وأشدّ خطراً.
عندما كنت أصغر سنّاً، كنت أظنّ أنّ عدوّ الحسين رجل يحمل سيفاً.
ثم اكتشفت لاحقاً أنّ السيف ليس دائماً من حديد.
أحياناً يكون فكرة.
وأحياناً يكون خوفاً.
وأحياناً يكون مصلحة.
وأحياناً يكون نوعاً غريباً من المحبّة.
نعم، المحبّة أيضاً.
فكم من الأشياء الجميلة خنقها الناس وهم يحاولون
1 987
عندما كنّا صغاراً، كان الكبار يتحدّثون عن الحسين كما لو أنّه ما زال حيّاً بيننا.
لم أكن أفهم ذلك تماماً.
كنت أظنّ أنّ الرجل الذي استشهد قبل أكثر من ألف عام لا بدّ أنّه أصبح جزءاً من الماضي، مثل كلّ الشخصيات التي نقرأ عنها في الكتب.
لكنّني كنت ألاحظ شيئاً غريباً.
كلّما وقع ظلم على أحد، حضر اسم الحسين.
وكلّما تحدّث الناس عن الكرامة، حضر اسم الحسين.
وكلّما وقف إنسان في وجه قوّة أكبر منه، حضر اسم الحسين.
حتى بدا لي مع الوقت أنّ الحسين لم يبقَ في كربلاء كما كنت أتصوّر، بل خرج منها منذ زمن طويل، وراح يتجوّل في حياة الناس.
لهذا لم أقتنع يوماً بأنّ الذين قتلوا الحسين كانوا أولئك الرجال الذين أحاطوا به في عاشوراء.
هؤلاء قتلوا جسده فقط.
1 987
أي طريق أخذك ولم يعدك إلينا؟
المقهى كما هو ، الكرسي الفارغ قرب النافذة والنادل الذي يسأل عنك
كأن الغياب مزحة ثقيلة.
نمشي فنسمع ضحكتك تخرج من الأزقة القديمة، ثم لا نجد أحدا سوى الخيبة
