القناة // محمد أبو الوفا
Kanalga Telegram’da o‘tish
اللهم صل على سيدنا محمد ، منشأ انتزاع العلوم ، ومناط صدق الفهوم . انتزاعيات ، من الكلام والمعقولات .
Ko'proq ko'rsatishMamlakat belgilanmaganToif belgilanmagan
1 149
Obunachilar
Ma'lumot yo'q24 soatlar
+247 kun
+21130 kun
Postlar arxiv
حرارة قلم إمام الحرمين ظاهرة ، وصحة أكثر طريقته أيضا على المخالفين ظاهرة .
وحاصل الضربة ، توجيه النقض التفصيلي ، وتوجيه النقض الإجمالي بتركيب اندماجي رشيق ، ثم توجيه المعارضة بالقلب ، ثم الضربة الأخيرة بالنقض الشبيهي المتين .
وهذه الطريقة مسلوكة عند الفلاسفة وعند المتكلمين في الإزراء ببعضهم ، والاكتفاء بها عند القاصرين عن تحقيق نقضهم ، وإجمالها يصح بعد إتباعه بتفصيل ، مع التكليل أو التفليل .
وهذا الكلام ههنا أخذه الإمام الغزالي عن شيخه وأودعه فاتحة تهافت الفلاسفة ، ثم شرع في تطبيقه طبقا طبقا ، وقد تبين ما فيه من قبل من تصحيح وتجريح تفصيلا ، وفي التعليق على الرسالة الأرموية ظهرت جملة منه .
تدقيق أنيق من فحل المتكلمين ، وأفصح المُنَظِّرِين ، في تبيان منهاج جليل من مناهج الاستدلال في الجدل الكلامي ، وهو السبر والتقسيم ، وفيه تلميح ألطف من عتاب ليل تلميذ ، إلى أنه يصلح مادة ويصلح صورة ، باختلاف الاعتبار ، وفيه تلويح إلى ظنيته ويقينيته باختلاف تينك الحيثيتين ، فتأمل .
وفيه إشارة إلى توجيه نبيه لكيفية إرجاع القريب إلى البعيد ، وحث على مثله في سوابغ السلوك .
فإن قلت : فهل من فرق في هذا المقام بين دعوى الضرورة وبين دعوى الرجوع إلى الضرورة .
قلت : الفرق فارق من جهة المادة لا من جهة الصورة .
ثمرة حسنة مقتطفة من آداب البحث والمناظرة تطبيقا في الموارد الجدلية :
كثيرا ما يذكرون فوائد تعليلية تفصيلية
لمسائل علمية في غير موردها المعهود ، بأن يذكروا مثلا فائدة منطقية في كتاب فلسفي ، فربما لا يتجه النظر حينها لها بلحاظها في ضمن موردها الأصلي ، فنلاحظها فقط في ضمن العلم الأجنبي عنها الذي وردت فيه ، فلا نستطيع تطبيقها في خارجه ، لعدم أخذنا إياها من منبعها الأصلي بعلاقة المشابكة ، وحَلُّ ذلك أن ننقلها إلي علمها الأصلي في الشروح والحواشي بعد ذلك ، عن طريق الإلحاق أو التذييل ، أو بارتكاب تركيب جديد في كتاب جديد أوعب ، وإذا تأملت هذا من عين ما أريد ملاحظتك إياه ، ظهرت منه فائدة من فوائد التجديد في التأليف في خصوص ذينك النمطين ، فإن انتضح من ذهنك : أنه ما مرجح أحدهما علي الآخر ؟ فأعد التلاوة .
يريد سيد جرجان في هذه الحاشية ، بيان الفرق بين التنبيه والدليل ، من حيثية خاصة ، في أن التنبيه إذا مُنع أو عورض ، لا ينخدش أصلُ المدعى المنبَّه عليه بالتنبيه ، بخلاف الدليل فإنه إذا مُنِع أو عورض ، يجيء الانخداش في المدّعى المدلّل ، بسبب ارتباطه بالدليل المثبت له ، قياما وهبوطا .
وسببه أن التنبيه موضِّح للمدعى ، بخلاف الدليل فإنه محقّق للمدعى ، والمحقق أعني الدليل إذا انخدش بالمنع أو المعارضة ينخدش المحقَّق به أعني المدلول ، والموضح أعني التنبيه إذا انخدش ينخدش فقط وضوح المنبَّه عليه ، أما تحققه فهو باق ثابت ابتداء وبقاء ، لأن التنبيه لم يأت لإثبات تحقيقي ، بل لإيضاح تبييني ، وزوال التحقيق يقتضي زوال التحقق ، وزوال الإيضاح يقتضي زوال الوضوح ، ولا يختلط أحدهما بالآخر أصلا .
إن الحيرة في المطالب العقلية قد تفشّت ، والظُّلمة قد تغشّت ، حتى ظن كثير من الطلاب أن الحق هو تكافؤ الأدلة ، وأن الباطل هو التعصب لخصوص ملّة ، وحتى ظنوا الشفاء في الانتفاء ، وما عرفوا أنّ الانتفاء أنْ تُفَاء ، ولا عاصم عند الشك ، إلا الحارسان : الاستاذ الموضّح والمنهاج اللامُنفكّ .
والعجب أنهم جعلوا أنفسهم تجارب للمتأملين ، وصحائف للمتأصلين ، فصار الفاضل ينظر في أمثال هاته الأحوال ، ويبحث فيهم عن سبب ذلك فيتوقّاه ويتوخى أضداده ، فيعتصم من ذلك بأعظم عضادة .
إن الشبه الكلامية شبه تمرينية ، ظنها البعض مذهبا فتبنوه ، والمذهب لا يقوم على تمرين ، بل التمرين هو الكاشف عن المنهج إن لم يكن مكشوفا ، والمذهب مقوماته المنهج المطرد الذي لا يهدم نفسه ، والممنهج المتفرع تلقائيا عليه ، والمضادات الواضحة له في كل عصر التي إن لم تظهر فهو يعرفها لمعرفته بمضاداته .
والشبه الفلسفية في أصلها شبه إضافية ، ترد على مُوردها كما ترد على واردها ، وليست أيضا مذهبا .
كثير من الأفاضل يسأل عن الفصول الأربعة ، هو كتاب مشهور للحسن بن الصباح مؤسس الطريقة الجديدة الباطلة في المباحثة الجدلية وكيفية الإقناع وكان قائما على رسائل إخوان الصفا ، وضع فيه نقودا جدلية على المذاهب الكلامية ، وسيكون تناولنا له - إذا وقع الاختيار عليه - ، بالنقد وتعليم صناعة الجدل والنظر تطبيقيا إن شاء الله .
تقرير حسن مختصر مع حذف الأسئلة والأجوبة للجزء الأول من الدرس الأول من شرح الرسالة الأرموية ، التي شرحناها صوتيا للمرة الثانية بشرح جديد معتبر بعد الشرح الأول الحضوري ، كتبه بعض الأفاضل الماليز ، بارك الله فيهم ونفع بهم ، وهو تقرير لأول الدرس الأول ، وبقية الدرس كانت في المقارنة المفصلة بين الفلسفة والكلام من حيث المنهج والموضوع والمادة ، ودفع اعتراضات الفلاسفة المشهورة حول علم الكلام وبيان جهة رفعته .
وقد قرروه بالماليزية ثم ترجم إلى العربية ، وليت الطلاب العرب يهتمون بأمر تقرير الدروس كما يهتم الوافدون ، فإن التقرير له اعتبار فهو المثبّت للعلوم وهو الموسّع للأنظار ، وقد قرر بعض الأفاضل شرحي على اعتقاد الحكماء للحكيم السهروردي والشرح الأول على الرسالة الكلامية للإمام الرازي بارك الله فيهم .
وأنتظر من يهتم بتقرير بعض الشروح الأخرى التي أنهيناها كشرح العقائد العضدية وشرح مقاصد الفلاسفة للغزالي وشرح هداية الحكمة وشرح النسفية وشرح الاقتصاد في الاعتقاد وشرح الشريفية ورسالة الاختلاف بين الأشاعرة والماتريدية والأمور العامة الخ
فهي كتب شريفة ، وكان عليها تعليقات جديدة ، نقدية وتقريرية مفيدة ، وبالله التوفيق والتيسير .
(٣)
غير أن الشيخ وجه لهذا المذهب نقداً حاداً:
"الذات ما تكفي لأن تصدر عنها هذه الآثار الوجودية، لأن الذات بما هي هي مطلقة مبهمة، والمطلق بما هو هو لا يصدر عنه المقيّد"
فالذات من حيث هي هي لا تكفي لصدور هذه الآثار المتنوعة؛ وحتى في المنطق الفلسفي: "الواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا واحد" إلزاما لأشياعهم ، فلا بد من معنى زائد يُصحح صدور الآثار المختلفة. فالمعتزلة أرادوا التنزيه ووقعوا في قطع الصلة بين الباري والعالم إلزاما.
وهنا يأتي أوج التحقيق الذي وصل إليه المدققون من أهل السنة، كالإمام ابن كُلاّب ومن تبعه، ثم ما حرره الإمام الأشعري والإمام الماتريدي بتدقيق بارع، حتى خلصوا إلى القاعدة الشهيرة:
"ليست عين الذات وليست غير الذات"
فهي ليست غيراً لأن الصفة لا تنفك عن الذات وجوداً، وليست عيناً لا مفهوماً ولا مصداقاً عند التدقيق.
ولم ينتهِ الحوار عند هذا؛ إذ اعترض المعتزلة: إن كانت الصفات وجودية وقديمة لزم تعدد القدماء، وهو باطل لدى الطرفين. غير أن الإمام الأشعري—بمنهجه المطرد—لم يتهيب هذا الإلزام، بل حرره بتحقيق دقيق: فهو لا ينفي مطلق التعدد في القديم، إنما ينفي تعدد القدماء على نحو الذوات المستقلة. فالله قديم بصفاته القديمة، وتلك الصفات ليست ذواتاً أخر.
وحين شبّه المعتزلة هذا القول بالتثليث عند النصارى، فرّق الأشعري بدقة: النصارى يثبتون "الانتقال" بين الأقانيم، والانتقال من خواص الجواهر والذوات لا الصفات؛ فخلاف النصارى كان في إثبات ذوات قديمة متعددة، لا في مجرد إثبات صفات قديمة للذات الواحدة.
بهذا التطبيق تتجلى الخصائص الثلاث: الحوارية مع الأغيار (المعتزلة والظاهرية)، والمنهج المطرد (عدم التناقض والتزام اللوازم بثبات)، واختراع الجديد لإثبات القديم (صياغة منهج "لا عين ولا غير" لتقرير ما ثبت عند السلف).
إن ما سعى الشيخ لبيانه جليٌّ واضحة معالمه: علم الكلام بمعنى الصناعة ليس مجرد حفظ للأدلة، بل هو منهج حواري وضبط منهجي صارم من حيث الفاعل والمادة والمنهج والغاية. ودعاوى "اللامذهبية" تلتطم بالواقع المنطقي الذي يقضي بأنه لا فهم ولا إدراك بلا منهج ومذهب. ويبقى تحقيق "لا عين ولا غير" علامة فارقة في نضج الفكر السني في دفع شبهات التعطيل والتجسيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
والله أعلم.
(٢)
علم الكلام: يربط هذا النظر بقيدين أساسيين: أن يكون موافقاً للعقيدة، وأن يؤدي إلى ما ثبت وتبلور من النصوص الشرعية، فلا ينظر للشيء بإطلاق من كل وجه كما تفعل الفلسفة.
الخصائص الثلاث المميزة لعلم الكلام :
ثمة ثلاث خصائص تفصل علم الكلام والمتكلم الممارس له عن سائر العلوم والمفكرين، وهي خصائص كرر الشيخ ذكرها في شروحاته للكتب العقدية، وتعد العمدة في تمييز الفن :
٣- صناعة حوارية مع الأغيار :
علم الكلام لا بد فيه من وجود "الغير". وسواء كان هذا الغير خصماً حقيقياً يتبنى رأياً مخالفاً صريحاً فيجري معه الحوار للتأييد أو التفنيد، أم كان خصماً حكمياً كالُمسترشد أو الطالب الذي يتلقى العقيدة.
واللافت—كما يوضح الشيخ—أن المتكلم حتى مع الطالب السائل بصدق، يفرض فيه نوعاً من الخصومة الحكمية؛ لا ليعاديه، بل لتتأدى المطالب العلمية بطريقة محكمة لا تتطرق إليها الهشاشة لاحقاً.
أو خصما فرضيا ومن هنا نشأت طريقة: "فإن قلتَ... قلتُ"؛ حيث يُفترض الاعتراض قبل أن يورده الخصم صراحة.
ولعلماء الكلام في ذلك مأخذ نفسي؛ إذ يقول الشيخ:
"إن السؤال إذا تقدم كان له نحو قوة، والجواب إذا أتى متأخرًا لا بد فيه من جهة ضعف ولو قليلة"
فالسؤال المتقدم يستولي على النفس ويوجهها، فيصعب قلعه لاحقاً. وهذه الطريقة مطردة حتى لو لم يكن هناك خصم حقيقي؛ فالكاتب حين يحرر فناً يفرض خصماً مفترضاً يناظره ليتحقق "تحقيق الحق". وهذا من شرف هذا الفن؛ إذ لا يوصل للحق إلا عبر التفاعل مع الغير ومواجهة الإشكالات، بخلاف الفلسفة التي تغلب عليها الطرق البرهانية الذاتية النفسية، حيث يبني الفيلسوف حجته في داخل نفسه دون اعتماد كبير على المحاورة إلا في المراحل الأولى من التفلسف ثم توقف ذلك الأمر .
ولأجل هذه الصناعة الحوارية غلبت تسميته بعلم الكلام في القول المختار كما تبيّن في شرح كتب أخرى .
٢- منهج مطرد:
صناعة الكلام ليست حواراً مفتوحاً يسير وفق مناهج متشتتة، بل يجب أن تجري على مسلك مطرد ومُنتظم ؛ سواء في أشكال الأدلة ، أو المواد المُعتمد عليها (يقينيات، ظنيات، نقليات، أو عقليات). يقول الشيخ :
"ولقد ضُرب المثل بالمتكلمين في شدة المحافظة على اطراد مذاهبهم، فيُنقض القول لأجل أنه قد تناقض مع قول آخر يقول هو به، ويُمدح القول لأجل أنه مطرد مع نفسه"
بل إن بعض المتكلمين جعلوا "الاطراد" أمارة على حقّية القول، فإن خالف القول أصول المذهب—وإن بدا فيه شائبة حق—لم يُلتفت إليه علمياً. وبدون هذا الاطراد والاتساق يقع الخلط والاضطراب ولا يُعرف مذهب المرء من مذهب خصمه.
٣- اختراع الجديد لإثبات القديم (أخص الخصائص):
وهي أخص الميزات؛ إذ تعني ابتكار وسائل جديدة لتقرير أمر قديم. ويكشف الشيخ أن "القديم" هنا ليس القديم الزماني ولا الذاتي (سلسلة صفات الله)، بل المراد به: "ما كان معروفًا عند السلف، وما كان معروفًا عند الصحابة والتابعين، وكان معروفًا عند نبينا صلى الله عليه وسلم"، أي الشريعة نفسها التي هي الأصل والمهيمن على المتكلم.
فعند حدوث شبهة تطعن في العقيدة، لا يسوغ للمتكلم ردها بمجرد نصوص دينية مجردة لمن لا يقر بالدين أصلاً (تحليل الدين بالدين إثبات الشيء بنفسه أو بجنسه)، بل يتوجب عليه ابتكار مسالك جديدة—سواء كانت تحقيقية أم إلزامية—كلها تهدف لنصرة المطالب الدينية القديمة؛ فهو لا يخترع عقيدة جديدة، بل يخترع أدوات ومناهج صلبة لترسيخ العقيدة الموروثة عن السلف.
مثال تطبيقي: بحث صفات المعاني لله تعالى
لتوضيح كيفية تنزيل هذه الخصائص الثلاث عملياً، أورد الشيخ مثالاً بارزاً من تاريخ الفكر الكلامي: البحث في صفات المعاني لله تعالى (كصفة العلم).
أثبت الكتاب والسنة أن لله صفات، غير أن الخلاف وقع في حقيقتها: هل هي صفات وجودية؟ أم هي كلها صفات سلبية محضة (كما يرى الملاحدة الباطنية )؟ أم بعضها سلبي وبعضها وجودي؟ أم هي أحوال؟ قديمة أم حادثة؟ أم ترجع إلى عين الذات كصفة الوجود؟
تعريف "المعنى" عند المتكلمين هو: الحقيقة الوصفية أو الصفة الوجودية التي تقوم بالذات؛ وتسمى في الحوادث "عرَضاً"، بينما تسمى في حق الله "صفة معنى".
الظاهرية: ذهبوا إلى أن هذه الصفات مغايرة للذات حقيقة . ولكن هذا الموقف اصطدم بإشكال كبير: كيف تكون الصفة وجودية قديمة وتكون مغايرة للذات؟ إن كانت قديمة ومستقلة لزم تعدد القدماء الإلهيين، وإن كانت حادثة قامت بالذات لزم تغير الذات، ومن كمال الألوهية التنزّه عن التغيّر.
المعتزلة: فراراً من التشبيه وطلباً للتنزيه، نفوا الصفات الوجودية الزائدة، من باب أن ما يضرك فأزله أو أزل ضرره ، وقالوا: "ذاته تقوم مقام الصفات الوجودية"، وهو ما يُعرف بـ "الصفات الإرجاعية".
علم الكلام: حقيقته وخصائصه : (١)
مقدمة لشرح رسالة العلامة سراج الدين الأرموي نقلاً عن درس الشيخ محمد أبو الوفا .
قبل أن نلج في مباحث علم الكلام بصورة أعمق، يحسن بنا أن نقف وقفة لنتعرف على حقيقة هذا العلم ذاته: ما المعنى الدقيق للكلام؟ ولِمَ سُمّي بهذا الاسم؟ وما الذي يميزه عن الفلسفة، رغم اقترانهما الدائم في كثير من كتب التراث؟
هذه الأسئلة كانت محور الدرس الذي ألقاه الشيخ محمد أبو الوفا كمقدمة قبل الدخول في متن الرسالة التي ألفها القاضي الإمام المحقق العلامة سراج الدين الأرموي—وهو علَمٌ جمع بين علم الكلام والفلسفة، وصاحب كتابَي "لباب الأربعين" الذي أورد فيه الاعتراضات القوية على المتكلمين والحكماء و"مطالع الأنوار" (المشتمل على المنطق والحكمة معاً).
يوضح الإمام الأرموي في رسالته وجوه الشبه بين علم الكلام والفلسفة الإلهية، ثم وجوه الاختلاف بينهما، بل ويورد آراء جديدة لم يسبقه إليها أحد .
وقبل الولوج في المتن، قدّم الشيخ محمد أبو الوفا تحقيقاً في حقيقة علم الكلام، وهو ما نسعى لمشاركته هنا.
معنى "الكلام" لغةً :
أوضح الشيخ أن كلمة "الكلام" من الناحية اللغوية تتضمن عناصر معنوية عدة متداخلة: (فيه معنى القول، فيه معنى التلفظ الصوتي، فيه معنى الدلالة، فيه معنى الإفادة). وهذه العناصر تتحقق عموماً في أصل معنى الكلام، سواء أُخذ بمنظور نحوي أم لغوي، لوجود قدر مشترك بين النهجين.
ويُطلق الكلام على معنيين:
الكلام بالمعنى المصدري: الممارسة والتلفظ ذاته، وهو فعلٌ إيقاعي يُمارَس ويُفعل قصداً.
الكلام بالحاصب بالمصدر :
بما يحصل بسبب هذه الممارسة: الحاصل والأثر، وهو الجمل والكلمات المنظومة الناتجة عن فعل التكلم والتحدث.
وعندما يتوسع هذا الفعل بالاشتراك ليتعدى إلى طرفين أو أكثر، فإنه يصبح "مكالمة"، مما يحمل معنى المشاركة والتفاعل.
وقدّم الشيخ محمد أبو الوفا تعريفاً مهماً للمكالمة هنا :
"محاورة لفظية لأغراض شتى، بطرق شتى، في مواد شتى، مع الإفادة"
وهذا يعني أن كل محاورة تتضمن: غرضاً يُراد تحقيقه، وطريقةً للتوصيل، ومادةً أو موضوعاً للنقاش.
وعند المتكلمين، يُستعمل مصطلح الكلام في سياقين :
حين يُراد به صناعة الكلام :
فالمعتبر هو معنى الممارسة والعمل والفعل الإيقاعي .
وحين يُراد به علم الكلام بمعنى العلم المدون :
فالمراد هو الكلاميات، أي مجموعة المسائل والمباحث الكلامية المحررة كديوان ، ودراسة مدونة .
تعريف صناعة الكلام وعللها الأربع :
بعد بيان الاستعمالين السابقين، قدّم الشيخ التعريف الأتم لـ "صناعة الكلام"، وهو تعريف أشار إلى أنه حرره وتممه حتى بلغ حدّ "أحسن التعاريف" :
"صناعةٌ حواريةٌ في المعلومات المخصوصة، بمناهج مخصوصة، لنصرة الملة بنصرة المذهب" .
وأكد الشيخ ميزة هذا التعريف في كونه يستوعب العلل الأربع وفق الإطار الفلسفي الكلاسيكي، وهو أمرٌ نادراً ما يجتمع بكماله في كل التعاريف الأخرى :
العلة الفاعلية: تظهر في كلمة "صناعة حوارية"، وهم المتكلمون القائمون بإجراء هذا الحوار.
العلة المادية: تظهر في "في المعلومات المخصوصة"، وهي المادة والموضوعات العقائدية المخصوصة محل البحث.
العلة الصورية: تظهر في "بمناهج مخصوصة"، وهي الهيئة والمسالك المنظمة المتبعة في إقامة هذه الصناعة.
العلة الغائية: تظهر في "لنصرة الملة بنصرة المذهب"، وهي الغاية النهائية المراد الوصول إليها: حماية الدين عبر تقرير المذهب.
لماذا تستحيل نصرة الإسلام "بلا مذهب"؟
من أهم المباحث التي طرحها الشيخ في هذا الجزء ما يتعلق بعبارة "لنصرة الملة بنصرة المذهب". حيث شدد الشيخ على أن دعوى البعض "أنا أنصر الإسلام المجرّد فقط دون حاجة إلى مذهب" هي دعوى مستحيلة من حيث الواقع والحقيقة، وذلك للحجة التالية:
عندما يدافع المرء عن الإسلام، فهو في الحقيقة يدافع عن الإسلام المتصوَّر عنده لا مطلق الإسلام؛ لأن مطلق الإسلام لا يُتوصل إليه ولا يُعبر عنه إلا عبر طرق ومناهج النظر المختلفة. فالإسلام—كما يوضح الشيخ—يتأتّى تقريره على أكثر من منهج، ويوصل إليه من طرق متعددة حقة وباطلة، وعليه فإن المسلك الفكري أو الطريقة التي يعتمدها الشخص للوصول وفهم أحكام الدين هي بحد ذاتها مذهبه وطريقته، مهما اختلفت المسميات .
وتطرق الشيخ أبو الوفا إلى حساسية البعض تجاه مصطلح "المذهب" بنبرة حازمة وحكيمة : إن كان الشخص يستثقل لفظ "المذهب"، فليدعه وليسمّه ما شاء؛ إذ إن النزاع اللفظي لا ينبغي الوقوف عنده كثيراً، فالوقت أنفس من أن يُهدر في معارك المصطلحات.
نقطة الانفصال الأولى عن الفلسفة :
يشترط المتكلمون في "المعلوم المخصوص" ألا يكون قادحاً في العقائد. وهنا تكمن نقطة الافتراق الأولى بين علم الكلام والفلسفة:
الفلسفة: تنظر في الموجود أو المعلوم مطلقاً من حيث هو هو، دون قيد أو شرط ، كما سيأتي .
أصول علمي المنطق والكلام محصنة ضد الصور الإبليسية :
الطبيعة الإنسانية بما هي هي كما ذكر المحققون شنّ إبليس الحرب عليها من البداية النسبية ، والأصل أنه أعلن الحرب على أبي الطبيعة آدم عليه السلام ، لا على نفس الطبيعة ، فإن وهمه المزعوم الذي استولى عليه صوّر له الواقع بخلاف ما هو عليه ، فكان إبليس سيد الوهميات المذمومة في المنطق ، فإبليس أضله الله بكسبه هو ، وقد أخذ ما بالعرض موضع ما بالذات ، فقد كان إبليس أول الغالطين منطقيا ، فأعطى الطبيعة نفسها حكم فرد واحد منها ، لأنه الفرد الأول ، فجعل الأولية مناط الكلية ، فقد غلب على إبليس حظ نفسه من كل وجه لدرجة أنه يبغض نوعا كاملا لأجل موقف واحد مع فرد واحد منه ، ويستحصف الغوائل لأجل تدميرهم ، فأضمر الحقد لأبي النوع ثم للنوع قاطبة ، وانطوى على الفتك بهم بمجمل الطرائق .
وليت شعري كيف يذمون القياس التمثيلي متذرعين بأن إبليس هو أول من قاس مع أن قياسه كما تقرر كان مع الفارق ، فهو مرتكب لمغالطة إغفال الفرق ، وهي راجعة للاشتباه وهو أس المغالطات وجذرها .
ثم إنه شرع منفذا في الواقع ما أضمره في ذهنه فحاول الإغواء مرارا ، ونجح وأخفق مرارا ، بل قد غالط أبا الطبيعة وأمها ، فكيف لا يغالط أبنائها ، ألا ترى إلى تحيله في طريقة نقل طَمَعه هو في الخلد أو طمعه في رتبة الملكية ( فلعله كان ملكا على ما قيل أو لعله تقرب لكي يكون ملكا ، ولكنه خاب وما أناب ، فعلى الأول فقد انحط ، وعلى الثاني فقد اشتط ) كيف نقل مطامعه ، وكيف نجاحه في إيصال الفكرة بتمامها إلى ذهن أبينا آدم عليه السلام فعرضت عليه عرضا تاما غير ذي تشوش ، ثم ظفر بإقناعه بما أوصله إليه .
وحاصل ما أقنعه به وزوجه أن الشجرة إنما منعت تناول ثمارها لكي لا تخلد أو لكي لا تكون ملكا ، لأنها شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى ، فالمنع أمارة الجمع ، فإذا أردت الخلود أو الملكوتية ، فتناول ،
فقد ارتكب إيقاعهما في مغالطة سوء اعتبار الحمل ؛ لأن الشجرة على فرض صحة كونها لها تيك الخاصية ، فإنها بمحض خلق الله تعالى إذ لا خالق في الوجود إلا هو ، فيجوز أن تنخرق العادة ولا يحصل منها ذلك الاختصاص ، فإذن هي معطية تلك الخصائص بقيد كونها بإذن الله ، فمن رام الإخفا ، فإنه يعلم السر وأخفى ، فكان إبليس أول المغالطين للغير منطقيا ، ثم اتضح أنها شجرة عكسية ، تعكس مراد صاحبها ، فتعود عليه بالنقض ، ولا خلود ، بل شجرة الركود ، فظهر أن إبليس هو صورة كبرى من صور قلب الحقائق ، وهو مصوّر لقلب كثير من الحقائق ، ويشار لذلك شرعا بالتزيين ، وعكسه التعطيل ، وأس المغالطة قائمة على التلبيس والتشبيه ونقل أحكام الشبيه إلى الشبيه بالتعميم أو التخصيص المقلوب .
ومجمل طرائق إغوائه قائمة على نقل خصائص طبيعته الملعونة المتلونة إلى هذه الطبيعة في أفرادها فردا فردا ، لأجل ما فيهم من القابلية للخير والشر ، فهو أيضا ينقل ممن أصله الشر إلى من ليس كذلك فهو غالط أيضا ومغالط أيضا لمن أطاعه ، فإبليس ليس ذكيا جدا عند التحقيق في اختراع نفس الشرور ، لأنها جميعا كامنة فيه بنحو القوة والفعل ، وليس عليه من فعل إلا نقلها منه إليهم ، وإنما ذكاؤه في اختراع الطرائق التي بها ينقل خصائصه الملعونة إلى أفراد الطبيعة الإنسانية ، ويقاسي التفكير في النقل ثم في الإيصال ثم في الإقناع ثم في المداومة على ذلك وعدم اليأس والكلال ، وعدم الخنوس والملال .
فاتخذ لذلك جندا ، واجتبى ممن فيهم فعلية الشر أو قوته الكامنة ولبّس عليهم ومنّاهم خُلدا ، وكلها تزيينات مغالطية .
ولذا نجد بعض فلاسفة الاسلام يجعلون إبليس وجنده من الشياطين مجازا عن القوة الوهمية وعن الوقوع في الأغلاط والأغاليط، وهو بعض الحق لا كله ، وتمام الحق أن إبليس وجنده لهم تحقق عيني خارجي كما أخبر الشرع ، ولازم تحققهم الكاشف عنهم كشفا إنيّا هو استعمال هاته القوى على خلاف الحقائق الواقعية وهو ما نراه من المغالطات والأغلاط العظيمة ، فالعجب ممن يثبت اللازم وينكر الملزوم .
وأس الأغلاط المذمومة في علم الكلام كما ذكرنا في أبحاث الجدل الكلامي هي اللاطراد ، والانقلاب ، فهذان أقدح القوادح في المطلب ودليله ، فإن كانت المقالة أو مأخذها يخالف ما تقرر عند المرء فقد انخرم مذهبه ، وانشرخ معتده ، ويعبر عنه الجدليون أحيانا بالنقض الشبيهي ، وإذا كانت مقالة المرء مدمرة نفسها ، أو مدمرة أصلا آخر من جنسها فهو البطلان الأعظم ، وقديما قالوا : القلب أقوى القوادح .
ولقد تحققا لإبليس فانه مقر بالألوهية منكر للانقيادية الإذعانية الاعتقادية ، فقد انتقض مذهبه عليه ؛ إذ الفرع لازم الأصل ، فإن لم يلتزمه بل التزم مضاده فقد رجع عليه بالانخرام ، وهو أيضا قاطع بشرّية شره وقاطع بنتيجته في الدار الجهنمية ، ومع ذلك يأتي عنادا مقالته المتهافتة ، فقد انقلبت مقالته عليه ، وأمست معضلة لديه .
اللهم صل على سيدنا محمد ، منشأ انتزاع العلوم ، ومناط صدق الفهوم ، أسطرلاب فلك الحكمة ، ومستجاب ملك الرحمة ، صاحب التوجيه والتنقيح ، لَاحِبُ التنبيه والتصريح ، المشتق بالقسمين الكبير والأكبر ، الموضوع بالوضعين الشخصي المتخصص والنوعي الأكثر ، صلاة مركبة وبسيطة ، محاطة ومحيطة ، عددَ ذرات الجواهر الفردية ، ومُدَدَ ثَرَّات الصواهر المجدية ، وعلى آله وأصحابه ، وأتباعه وأحبابه ، بالمعنى المصدري والحاصل بالمصدر ، فالملهم الله ، والله أكبر .
تم بعون الله تعالى ختم شرح الشيخ الملّوى على السلم المنورق في المنطق ، مع بعض الأفاضل حضوريا ، وفيه إن شاء الله شروع جديد ، وقد استغرق الشرح وقتا ، لكثرة المناقشات حول كثير من المسائل ، ومراعاة حسن تصويرها في ظرف الوجود الذهني أولا ، ثم تنزيلها على ظرف الوجود اللفظي في عبارة المصنف ثانيا .
وقد اشتهر أن هذا الشرح دقيق ، والإنصاف أنه دقيق الألفاظ ، فإن الدقة منها ما يكون في الألفاظ والمعاني معا ، كشرح المدقق الفناري على إيساغوجي ، ومنها ما يكون في المعاني لا في الألفاظ جدا كشرح المِنطيق قطب الدين الرازي على الشمسية ، فلذا تكثر الاعتراضات اللفظية اللاواردة عليه عند إبعادها عنه ، ومنها ما يكون في الألفاظ كشروح كثير من المتأخرين على المتون الصغيرة والمتوسطة .
فلأجل ذلك أوردنا أكثر من ٢٠ اعتراضا معنويا لا لفظيا ، على الشيخ الملوي ، في مختلف المباحث في شرحه ، وبعضها متجه بقوة ، وبعضها مندفع أيضا بقوة ، وبعضها جديد وبعضها قديم ، على طريق المباحثة وتشحيذ الأذهان ، لا التحدي ومبارزة الأقران ، فإنه أول كتاب تعلمنا تحت مظلته المنطق قديما ، رضي الله عنه وأرضاه وأثابه من الفوز قسطا جسيما .
ولقد يظن البعض أن كتب المدرسة العربية أهون شأنا في العقليات من كتب المدرسة العجمية ، بسبب تدقيقهم اللفظي لا المعنوي ، فلذلك يكثر عليهم الاعتراض ممن درس كتب العجم وتفحّل فيها ، والواقع أن تدريسها من مطلع على المدرستين ولو قليلا مكمل للصناعة لما فيها من ترسيخ للمعلومات بالتصحيح والترجيح ، وتنبيه على الغلط والرجيح ، سيما مع التنبيه على ما التزموه من تفرقة بين المنطق الفلسفي وغيره .
وكان أولها الاعتراض عليه في تعريف العلم والتصور والتصديق فلسفيا لا كلاميا ، مع أنه قسّم المنطق في أول الشرح إلى منطق فلسفي ومنطق لافلسفي ، تبعا لبعض المتأخرين ، وفرّقوا بينهما فروقا يحسن بعضها ويضعف بعضها ، فراعينا قاعدتهم هذه على فرض تسليمها وصحتها ، وألزمناه بها في سائر الكتاب ، وتوجه عليه على وفقها أكثر من ٥ اعتراضات بعد تجريدها عما لا يتجه ، وأول هاته الاعتراضات تعريف العلم فلسفيا بحيث يلزم عليه إثبات الوجود الذهني الفلسفي والكلي الطبيعي الفلسفي والتجرد للصورة العلمية فلسفيا لزوما بيّنا أو مبيّنا .
وآخر الاعتراضات على جملة الشرح ، يرد على الماتن والشارح كليهما في قوله ( وخطأ البرهان حيث وجدا ** في مادة أو صورة فالمبتدا ) حيث حصر توجه الأخطاء التي ذكرها في البرهان ، فوجه الشارح ذلك توجيها لا سعيديا ، لا يرتضيه المفرّقون بين الصناعات الخمس بالإتقان ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله أشرف من تصوّر وصدّق بتهذيب منطق الإذعان .
انتهت مجموعة من الطلاب من مراجعة الأسئلة والاجوبة في بعض المقررات ، والآن نعيد ذلك من جديد بإذن الله للراغبين .
سأل بعض الفضلاء : ما الأصعب في أبحاث الأمور العامة ، مباحث الوجود أم مباحث الماهية ؟
أقول : الكلام في مقامين :
مقام مباحث الوجود والماهية .
ومقام مباحث لواحق الوجود والماهية .
فالأظهر أن نفس مباحث الوجود والماهية ، يغلب على شق الماهية فيها الأصعبية ، لكونها أوسع وأعقد ، سيما مع اشتمالها على كثير من الأبحاث المشتبكة بعلم المنطق ، فيتعسر التمييز فيما بينهما ، لقرب العهد بالمنطق ، ويجيء التطبيق بزيادة تأمل ، كبحث أجزاء الماهية ، وأنواعها ، واعتباراتها ، وأحكامها الخاصة بها ، ومع ما فيها من الاشتباكات الكلامية الفلسفية ، بل الخلافات الداخلية الفلسفية أو الكلامية حول أمور لا تتبين ثمرتها إلا بعد شطر من الدهر ، فلذا تأخرت عن مباحث الوجود ، وكأن الوجود فاتحة الصحيفة ، والماهية مانحةٌ تقريحَه .
نعم لبعض مباحث الوجود نوع تعقد وتنفّر ، وتأبّ وتعسّر ، كأبحاث الوجود الذهني وفروعه وأصوله ولوازمه ، ومثل كثير من النزاعات بين المدارس الكلامية والفلسفية والعرفانية في حقيقة الوجود ، وكثير مما استحدث من بعد ذلك في مدرسة صدر المتألهين الشيرازي من الأبحاث الوجودية الدقيقة .
أما لو نظرنا لمباحث لواحقهما أو مقابلاتهما ، أعني بقية الأمور العامة ، فإن أبحاث لواحق الوجود أعقد وأركز ، ومباحث لواحق الماهية أقرب وأبرز ، سيما بحث العدم والعدميات ، وبحث المواد الثلاث ، وبحث القدم والحدوث ولواحقها ، فإنها عثرة النظّار ، وغمرة الأفكار ، وحسرة الأغرار .
فإن قلت : هل هناك فروق بينهما من حيثية الكلام أو الفلسفة ، أي هل تختلف درجات الصعوبة في الأمور العامة بحسب اختلاف العلم المبحوث عنها فيه كلاما أو فلسفة ؟
قلت : بحسب المقارنة بين علم الكلام القديم وبين الفلسفة الإلهية ، نعم تختلف جدا ، فلنقارن مثلا بين كتاب الشامل لإمام الحرمين ، وبين إلهيات الشفاء لابن سينا ، نجد فروقا عظيمة ، بل نجد أبحاثا لا تشترك فيما بينهما إلا باشتراك اللفظ ، مثل أبحاث العلة والمعلول .
فإذا قارنا بين الكلام الفلسفي وبين الفلسفة الإلهية ، وجدنا الأمر متقاربا ، وإن كان يظهر لمن انحاز خلاف ذلك متضاربا .
أما إذا سلكنا مسلك المحقق التفتازاني في شرح المقاصد حيث مزج بين اللواحق للوجود وللماهية ، وسكت عن التنصيص على المختص بكل منهما ، دمجًا بين صنيع : صاحب التجريد ، وصاحب المواقف ، وصاحب الصحائف ؛ لأجل ألّا يكثر عليه الاعتراض في أمور لطيفة غيرُها أهمّ ، فإمساك الكلام حولها من باب أنّ ما به عموم البلوى يُخَصُّ بالنظر الأتمّ ، فالأمر هيّن ، والمسلك جد متبيّن .
