كُنَّاشة من دروس السيد المددي
Kanalga Telegram’da o‘tish
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
Ko'proq ko'rsatishMamlakat belgilanmaganToif belgilanmagan
713
Obunachilar
Ma'lumot yo'q24 soatlar
+357 kun
+4030 kun
Postlar arxiv
(تصوّر تسطّح الأرض وأثره في بعض الآراء الفقهية والفلكية)
✔️ سماحة آية الله السيد أحمد #المددي
🔸 كان هناك تصوّرٌ شائعٌ يرى أنّ الأرض مسطّحة وليست كروية. ومن القائلين بذلك #صاحب_الحدائق؛ فقد صرّح في بحث الهلال بهذا الرأي، ويمكن مراجعته في ذلك.
ويقول: إنّ الأرض مسطّحة وليست كروية، وإنّه سيؤلّف رسالةً يستدلّ فيها من الآيات والروايات على هذا المعنى. وبناءً على هذا التصوّر، يرى أنّه إذا طلعت الشمس في مكانٍ ما، كان النهار قد عمّ جميع الأرض، وإذا غربت، كان الليل قد عمّها كلّها، وكذلك إذا ثبتت رؤية الهلال في مكانٍ، ثبتت لجميع الأرض. ويمكن للباحثين مراجعة كلامه في هذا الشأن.
🔹 كما تصوّر بعضهم أنّه إذا كان الجوّ باردًا في الأرض، فهو باردٌ في جميع أجزائها، وإذا كان فصل الربيع، فهو ربيعٌ في كلّ مكان، وإذا كان الشتاء، فهو شتاءٌ في جميع أنحاء الأرض.
ثم بنوا على هذا الأساس العلمي غير الصحيح تحليلاتٍ فلكيةً خاصة بهم؛ فقالوا مثلًا: إنّ كوكب المريخ، لكونه أحمر اللون، فهو حارّ، وإنّ زحل بارد، وإنّ اقتراب المريخ من الأرض يسبّب فصل الصيف، بينما يؤدّي اقتراب زحل منها إلى حلول فصل الشتاء.
(تقسيم الأحاديث على يد #العلامة_الحلي
✔️ سماحة آية الله السيد أحمد #المددي
🔹 شنّ الإخباريّون أعنف الهجمات على #العلامة_الحلي بسبب هذا التقسيم للأحاديث.
وقد نقل لنا المرحوم #البجنوردي أنّ #الملا_محمد_أمين_الاسترآبادي كان يقول: «تلقّى التشيّع ضربتين: إحداهما يوم السقيفة، والأخرى يوم جاء العلامة بهذه الاصطلاحات.»
أمّا أنا، فلم أعثر على هذا النصّ بنفسي في كتاب الفوائد المدنية. ولذلك أحرص كثيرًا على الدقّة في نقل المصادر، فلا أنسب شيئًا إلى مصدرٍ ما لم أتحقّق منه بنفسي.
#تقسيم_الأحاديث
(قراءة كلمة «تابع» أو «تايع» في زيارة عاشوراء)
✔️ من درس الخارج في أصول الفقه لسماحة آية الله السيد أحمد #المددي
15/6/1395هـ.ش
🔹 ورد في زيارة عاشوراء التعبير: «وآخرُ تابعٍ له على ذلك».
وقد ذهب بعضهم إلى أنّ الكلمة ينبغي أن تُقرأ: «تايع» لا «تابع»؛ بدعوى أنّ لفظ «تابع» في اللغة العربية يُستعمل في طريق الخير، أمّا «تايع» فيُستعمل في طريق الشر.
إلّا أنّ هذه الدعوى ـ حتى لو سلّمنا بثبوتها في اللغة ـ يبقى من المستبعد أن يكون هذا الفارق مفهوماً ومتداولًا في الاستعمال العرفي عند العرب.
(مكانة #ابن_هشام في علم النحو)
✔️ سماحة آية الله السيد أحمد #المددي (دام حفظه):
🔹 كان أستاذنا المرحوم #الأديب يقول: «لو عاد #سيبويه إلى الحياة وخرج من قبره، لوجب عليه أن يذهب إلى #ابن_هشام، ويجلس بين يديه ليدرس عليه كتاب #مغني_اللبيب.»
🔸 وأمّا #ابن_هشام، فهو بحقّ إمامٌ في علم النحو. وبغضّ النظر عن كلام أستاذنا المرحوم الأديب، فهذا هو اعتقادي أيضًا؛ إذ أرى أنّ ابن هشام عالمٌ بارعٌ في النحو، ومنصفًا يُعدّ من كبار أئمّة هذا الفنّ. وقد ألّف كتبًا قيّمة، وكلّ ما كتبه يتميّز بالجودة والإتقان. فهو أديبٌ بحقّ، وصاحب نظرٍ راسخٍ في اللغة والنحو، بل وصاحب مدرسةٍ علميةٍ متميّزة.
#الأدب_العربي
(ضرورة أن يكتب علم الرجال فقيهٌ أصوليٌّ محلِّل)
✔️ سماحة آية الله السيد أحمد #المددي:
🔸 نعتقد أنّ علم الرجال ينبغي أن يكتبه فقيهٌ أصوليٌّ، يمتلك قدرةً تحليليةً كاملة؛ وإلّا وقع في الخطأ.
#علم_الرجال
(ضرورة مناسبة الألفاظ والتعابير للمنشأ العقدي، وعدم صحّة التعبير بـ«قرض بلا عوض»
قال #الإيرواني: «فإذا أُنشئ التمليك بعبارة البيع جاء خيار المجلس والحيوان، واعتبر محلّه، إلى آخر ما للبيع من الأحكام».
نعم، إذا أُنشئ العقد بلفظ البيع ترتّبت عليه أحكام البيع وآثاره. لكنّه يذكر بعد ذلك أمرًا غريبًا، وهو أنّه حتى لو أُنشئت منفعة العين بلفظ البيع، فإنّ أحكام البيع ـ كخيار المجلس ـ تترتّب عليها أيضًا؛ فلو قال: «بعتُك منفعة هذه الدار»، فإنّه يرى أنّ آثار البيع تثبت لها.
ثم قال: «إلى آخر ما للبيع من الأحكام، بخلاف ما إذا أُنشئ التمليك بتينك العبارتين الأُخريين»؛ أي: الهبة والصلح. وأضاف: «ولا غرو في اختلاف الأحكام باختلاف التعبيرات».
وقد استدلّ لذلك بحديث: «إنّما يُحلِّل الكلامُ ويُحرِّم الكلامُ»، لكنّا تقدّم أنّ الأحكام لا تختلف لمجرّد اختلاف الألفاظ والتعابير، وإنّما تختلف باختلاف الصياغة القانونية والمنشأ العقدي؛ فالذي يغيّر الحكم هو الحقيقة القانونية للعقد، لا مجرّد اللفظ الذي يتلفّظ به المتعاقد.
فالمنشأ هو الذي يتبدّل: فإن كان المنشأ بيعًا ـ أي نقل العين ـ ترتّبت عليه أحكام البيع، وإن كان المنشأ نقل المنفعة أو نقل حقّ الانتفاع، ترتّبت عليه آثاره الخاصة.
والحقيقة أنّ الألفاظ والتعابير وُضعت لتكون مناسبةً لذلك المنشأ، ومن هنا نشأت القاعدة المعروفة: «العقود تابعة للقصود».
فإذا قال: «وهبتُ»، فإنّ العرف يفهم منه التمليك المجّاني. وقد ذهب #النائيني إلى تفسير آخر؛ فلو قال: «وهبتُك هذا الكتاب بمائة تومان»، قال: إنّ المراد هو: أنا أهبك الكتاب مجّانًا، وأنت تهبني المائة مجّانًا؛ لأنّ لفظ «وهبتُ» يدلّ على المجّانية، فلا ينسجم مع جعل العوض في مقابله، فلا بدّ من تقدير هبتين متقابلتين.
أمّا #الإيرواني فيرى أنّ المال في مقابل المال، وأنّ قوله: «وهبتُك» يفيد التمليك بعوض.
وعلى أيّ حال، المرجع في فهم هذه الألفاظ هو العرف؛ فإذا أراد الإنسان أن يستعملها على خلاف معانيها العرفية، كأن يقول: إنّ مرادي من «وهبتُ» هو «بعتُ»، كان ذلك نظير إنكار البديهيات في الفلسفة، إذ يؤدّي إلى انهيار النظام اللغوي كلّه. فالعرف لا يفهم من «وهبتُ» إلا معنى «وهبتُ وبذلتُ مجّانًا».
ومن الأخطاء الشائعة في عصرنا ما يُقال في بعض وسائل الإعلام: «قرض بلا عوض». وهذا تعبير غير صحيح؛ لأنّ القرض بطبيعته يقتضي الردّ، فلا معنى لأن يوصف بأنّه بلا عوض. نعم، يصحّ أن يقال: «مساعدة بلا عوض»، أو «قرض من دون فائدة»، أمّا «قرض بلا عوض» فهو تعبير غير سليم لغةً ومعنىً.
وخلاصة الأمر: ليست المعاني اللغوية خاضعةً لرغبة الأفراد، وإنّما المرجع فيها هو العرف؛ والعرف يفهم من «وهبتُك» معنى «بذلتُه لك مجّانًا»، ولا يفهم منه تمليك المال بعوض، ولذلك لا يصحّ استعمال هذا اللفظ في غير معناه العرفي.
#ضرورة_مناسبة_الألفاظ_والتعابير_للمنشأ_العقدي
#التعبير_بـ«قرض_بلا_عوض»_غير_صحيح
(المقصود من حديث: «إنّما يُحرِّم الكلامُ ويُحلِّل الكلامُ»، وأحد الفروق بين ربا الفضل وربا النسيئة
قال #الإيرواني: «وباختلاف هذه التعابير تختلف الأحكام الشرعية».
نعم، للّفظ أثرٌ في الأحكام الشرعية؛ فقد ورد في الرواية: «إنّما يُحرِّم الكلامُ ويُحلِّل الكلامُ». غير أنّ المراد هناك هو أنّ كيفية إنشاء العقد تؤثّر في الحكم؛ فربّما كان العقد باطلًا إذا أُنشئ بصيغةٍ واحدة، ويكون صحيحًا إذا أُنشئ بصيغتين مستقلّتين.
فلو باع شخصٌ خمسة عشر كيلوغرامًا من الأرز الجيّد نقدًا بعشرين كيلوغرامًا من الأرز الرديء، فهذا من ربا الفضل، وهو محرّم. وتجدر الإشارة إلى أنّ ربا الفضل لم يحرّمه القرآن الكريم، وإنّما ثبت تحريمه بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بينما الذي حرّمه القرآن هو ربا النسيئة.
أمّا لو باع الخمسة عشر كيلوغرامًا من الأرز بمبلغ ألف دينار، ثم اشترى بالألف نفسها عشرين كيلوغرامًا من الأرز، فقد تحقّقت معاملتان مستقلّتان. ومع أنّ النتيجة النهائية واحدة ـ وهي مبادلة خمسة عشر كيلوغرامًا بعشرين ـ إلا أنّها في الصورة الأولى محرّمة لكونها ربًا في معاملة واحدة، وفي الصورة الثانية جائزة؛ لأنّها وقعت في عقدين مستقلّين لكلٍّ منهما أثره القانوني الخاص.
وعليه، فليس المقصود مجرّد اختلاف الألفاظ والتعابير، بل المقصود أنّ اختلاف البنية القانونية للعقد هو الذي يوجب اختلاف الحكم الشرعي. ومن هذا القبيل أيضًا ما إذا تضمّن العقد شرطًا محرّمًا فيحرم، بينما لو خلا من ذلك الشرط جاز؛ إذ العبرة ليست بوحدة النتيجة العملية، بل باختلاف الحقيقة القانونية للعقد.
فليس الأمر مجرّد اختلافٍ في الألفاظ، وإنّما هناك حقيقتان قانونيتان مختلفتان وعقدان مستقلّان، فلا يصحّ أن يقال: إنّ النتيجة واحدة ـ أعطيت خمسة عشر كيلوغرامًا وأخذت عشرين ـ فما الفرق؟ فالاختلاف ليس في اللفظ فحسب، بل في الواقع القانوني الذي أنشأه العقد.
#المقصود_من_حديث_«إنّما_يُحرِّم_الكلامُ_ويُحلِّل_الكلامُ»
#أحد_الفروق_بين_ربا_الفضل_وربا_النسيئة)
(منهج مناقشة العبارات العلمية وتسجيل الإشكالات على عبارة #الإيرواني
إنّ منهجنا في هذه المباحث هو أنّنا ـ لوجود بعض النكات الفنّية الدقيقة في العبارات ـ نقرأ نصوص عددٍ من الأعلام بألفاظها نفسها؛ لأنّنا نرى أنّ أفضل أسلوب في البحث هو أن يحدّد الباحث موضع الإشكال في العبارة بدقّة، ويبيّن أين يكمن الخلل فيها.
وقد ذكر #الإيرواني أنّ تمليك العين يتصوّر على ثلاثة أنحاء: الهبة، والصلح، والبيع. ثم قال: «وبالجملة، كلّ التعابير الثلاثة مطلبها واحد وتعبيرها مختلف». إلا أنّنا نرى أنّ اختلاف التعابير ناشئ عن اختلاف المضامين، لا أنّ المضمون واحد والتعبير مختلف؛ إذ إنّ لكلّ واحدٍ منها أدبيّاته الخاصة: فالبيع له خصوصيته، والهبة لها خصوصيتها، والصلح كذلك. وعندما تختلف المضامين، فلا بدّ أن تكون التعابير منسجمة معها، ولا يصحّ أن يكون التعبير مخالفًا للمضمون.
ثم قال: «وجاز التعبير بكلٍّ مقام الآخر». وهذه العبارة أيضًا لا تخلو من إشكال.
ثم قال: «فيُصرَّح بالتمليك تارةً بعبارة: "وهبتُ" و"ملّكتُ"». وهذا صحيح من حيث إنّه تصريح بالتمليك، إلا أنّه تمليكٌ بلا عوض، لا تمليكٌ بعوض.
ثم قال: «ويُكنّى عنه أُخرى بعبارة: "بعتُ"». وهذا التقسيم بين التصريح والكناية في نفسه صحيح، لكن القول بأنّ لفظ "بعتُ" كنايةٌ عن التمليك ليس بصحيح؛ لأنّ لفظ «وهبتُ» صريح في التمليك بلا عوض، كما أنّ لفظ «بعتُ» صريح في التمليك بعوض، وليس من باب الكناية.
#التنبيه_إلى_إشكالات_في_عبارات_#الإيرواني)
(الالتزامات الشخصية لا يمكنها الالتفاف على القانون الشرعي)
(وتوضيح التجانس القانوني في المقام هو أنّ قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ناظر إلى العقود بوصفها التزامات شخصية تحتاج إلى إمضاء الشارع؛ أي إنّ التزام الشخص في حدّ ذاته لا يكون نافذًا، بل لا بدّ من أن يُمضيه الشارع.
ومن الطبيعي أنّ الشارع إذا كان قد أنشأ بنفسه حكمًا في موردٍ ما، فلا معنى لأن يعود فيمضي التزامًا شخصيًا في ذلك المورد. وهذا هو تحليلنا لما نسمّيه الفضاء القانوني.
فمعنى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هو: إنّ ما كان بيدك أنت ووضعته بنفسك، فإنّي أمضيه. أمّا إذا عقد شخص على أن يصلّي صلاة الظهر الواجبة عليه، فإنّ هذا الأمر ليس بيده أصلًا حتى يكون موردًا للإمضاء.
وهذا التقريب هو من مختاراتنا. أمّا #الشيخ_محمد_حسين_الإصفهاني فقد ذكر ستة أو سبعة وجوه لإثبات أنّ الوجوب لا ينسجم مع أخذ الأجرة، إلا أنّه لم يذكر هذا الوجه، وقد رفض تلك الوجوه أيضًا. وكذلك #السيد_الخوئي يرى أنّ أخذ الأجرة على الواجبات في نفسه لا إشكال فيه، ما لم يقترن بعنوان آخر، ولذلك يجيز ـ مثلًا ـ للقاضي أن يأخذ أجرة على القضاء، وإن كان يلتزم بـ قاضي التحكيم ولا يقول بـ القاضي المنصوب.
وعلى أيّ حال، فإنّ هذا التقريب يفتح طريقًا جديدًا، وهو أنّ للمواد القانونية ترابطًا ذاتيًا فيما بينها، ولا يرتبط ذلك بالألفاظ.
وقد قيل: إنّ الشارع لا يكلّف بما لا يطاق، ولكن بحثنا ليس في التكليف بما لا يطاق. كما قيل: إنّ المانع هو عدم القدرة، وليس هذا هو محلّ الكلام أيضًا. وليس البحث في المجانية أو التخصيص، بل في التجانس القانوني؛ إذ ينبغي أن تكون المواد القانونية مترابطة ومنسجمة.
وبوجه عام، يوجد نوعان من الالتزامات:
الالتزامات القانونية، وهي التي ينشئها القانون نفسه، كأن يقول: «افعل» أو «لا تفعل».
الالتزامات الشخصية، وهي التي ينشئها الإنسان بنفسه؛ كأن يلتزم بصلاة الليل بالنذر، أو يلتزم بنقل ملكية كتاب بعوض في البيع، أو تمليك منفعة الدار بعوض في الإجارة.
وطبيعة الالتزامات الشخصية أنّها تحتاج إلى إمضاء قانوني؛ ولذلك اشتهر بينهم أنّ الأصل الأولي في المعاملات هو الفساد، ومعناه أنّ الشخص لا يملك حقّ التشريع والإنشاء الملزم من نفسه؛ فلا يحقّ له أن يقول: «أوجبت على نفسي كذا» من دون إمضاء الشارع. ومن هنا، فإنّ الالتزام الشخصي لا يصبح نافذًا إلا بعد أن يمضيه القانون.
وفي باب النذر أيضًا ـ مع وجود الخلاف في المبنى، حيث يرى #السيد_الخوئي أنّ أدلّة الوفاء بالنذر تأسيسية ـ أوضحنا أنّها إمضائية وليست تأسيسية، وهذا يترتّب عليه آثار مهمّة؛ لأنّ النذر كان معروفًا في تاريخ البشر، سواء في الشرائع أم خارجها، ولا سيّما في الكنائس والمعابد، بل إنّ التاريخ مليء بصور النذر للمقدّسات.
ويظهر ذلك من الرواية: «ما كان من نذرٍ لله ففِ به»؛ فهي أبطلت سائر أنواع النذور التي كانت لغير الله، وأقرّت خصوص النذر لله، وهذا يكشف عن أنّ الشارع أمضى نوعًا خاصًا من النذر ولم يؤسّس أصل النذر من جديد.
ومن هنا جاء في الرواية أيضًا: «لا نذر في معصية»؛ لأنّ الشارع لم يُمضِ التزامًا شخصيًا يتعلّق بمعصية، إذ لو أمضاه لأصبح بإمكان العناوين الثانوية الالتفاف على الشريعة، مع أنّ الالتزامات الشخصية لا يمكنها تجاوز القانون الشرعي أو التحايل عليه؛ فلا يصحّ أن ينذر شخص ـ والعياذ بالله ـ شرب الخمر أو بيعها.
ولذلك توهّم بعض علماء أهل السنّة أنّ حديث «المؤمنون عند شروطهم» مطلق، بحيث يشمل حتى الشرط المحرَّم، فجاءت الروايات مقيّدة له بقولها: «إلّا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا»؛ أي إنّ الشروط ـ وهي من الالتزامات الشخصية ـ لا يمكن أن تكون وسيلةً للالتفاف على أحكام الشريعة.
ومن الشواهد على ذلك ما رُوي عند أهل السنّة أنّ امرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله، نذرت أن أضرب بالدُّفّ بين يديك، فقال لها: «إن كنتِ نذرتِ ففِي بنذرك».
إلّا أنّ هذا المعنى لا يمكن قبوله على إطلاقه؛ لأنّ قاعدة «لا نذر في معصية» تمنع من أن يكون النذر وسيلةً لتجاوز القانون الشرعي أو تعطيله.)
#الالتزامات_الشخصية_لا_يمكنها_الالتفاف_على_القانون
(التجانس القانوني يقتضي عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات)
(بحث الأعلام في مسألة أخذ الأجرة على الواجبات عن النسبة بين قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ إذ إنّ كتمان الشهادة حرام، وأداءها واجب.
فلو قال شخص: «أشهد مقابل أجر»، فإنّ قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يقتضي الوفاء بالعقد ودفع الأجرة إليه.
وقد بحثنا هذه المسألة بالتفصيل في المكاسب المحرّمة، ولمّا كان #الشيخ_محمد_حسين_الإصفهاني قد ألّف رسالة مستقلّة في أخذ الأجرة على الواجبات، فقد تعرّضنا أيضًا لآرائه بصورة مفصّلة.
وما ذهب إليه #السيد_الخوئي تبعًا لأستاذه #الشيخ_الإيرواني هو أنّ هناك نسبة بين دليلي ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ و﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، لكنّهما لا يرتبطان بأحد أنحاء التعارض المعروفة؛ فليسا من باب التخصيص، ولا الحكومة، ولا الورود. وعليه، فلا مانع من العمل بكليهما معًا؛ فتكون أداء الشهادة واجبًا، كما يجوز أن يشترط عليها أجرًا، ويجب الوفاء بالعقد ودفع الأجرة إليه بمقتضى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
وقد أوضحنا هناك أنّ الفضاء القانوني والتجانس التشريعي قد لا ينسجمان مع هذا الفهم.
نعم، ذهب #صاحب_الجواهر في تحليله للوجوب إلى أنّ المجانية مأخوذة في حقيقة الوجوب؛ أي إنّ الأمر إذا قال: «ائتِ بالماء»، فمقتضاه أن يكون الإتيان به مجانًا. وعلى هذا الأساس، إذا كان أداء الشهادة واجبًا، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.
إلّا أنّ #السيد_الخوئي و#الشيخ_محمد_حسين_الإصفهاني، وغيرهما من الأعلام المتأخرين عن صاحب الجواهر، اعترضوا على هذا المبنى، واعتراضهم في محلّه؛ إذ لم يثبت أنّ المجانية داخلة في مفهوم الوجوب.
وقد قيل أيضًا: إنّ المولوية تقتضي ذلك، لكن هذا بحث آخر، كما أُثير إشكال آخر في خصوص العبادات التي يشترط فيها قصد القربة؛ إذ كيف يمكن الجمع بين قصد القربة وأخذ الأجرة؟
وعلى هذا الأساس، تصبح لدينا مسألتان:
أخذ الأجرة على الواجبات.
أخذ الأجرة على الأعمال القربية التي يشترط فيها قصد القربة، سواء أكانت واجبة أم مستحبّة، كالأذان أو إمامة صلاة الجماعة.
فقد يكون الكلام تارةً في أخذ الأجرة على العمل بما هو واجب، وأخرى في منافاة أخذ الأجرة لقصد القربة، سواء كان العمل واجبًا أم مستحبًا، وهذه جهة مستقلة عن الأولى.
والذي انتهينا إليه هو أنّ المسألة لا ترجع إلى المجانية، ولا إلى سلب القدرة، بل إلى وجود تجانس قانوني بين الأحكام.
وبيان ذلك: أنّ قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لا يشمل إلا العقود التي لم يجعل الشارع نفس متعلَّقها واجبًا؛ تمامًا كما أنّ قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ينصرف إلى الأفراد التي لم ينهَ الشارع عنها.
وهذا من ترابط القوانين وتجانسها، وليس من باب التخصيص، حتى يَرِد عليه الإشكال الذي ذكره #السيد_الخوئي.)
#التجانس_القانوني_يقتضي_عدم_جواز_أخذ_الأجرة_على_الواجبات
(ترابط الاعتبارات القانونية (2))
(وخلاصة الأمر: إنّ هذه المباحث لا ترتبط بالألفاظ أصلًا. فمسألة مقدّمة الواجب ـ وفقًا للتقريب الذي نرتئيه ـ تقوم على أنّنا قد نجد في الخارج، وبغضّ النظر عن التعبّد الشرعي، تلازمًا أو تعاندًا بين عنوانين. والبحث يدور حول أنّه إذا تعلّق الجعل والتشريع بأحد هذين العنوانين، فهل يسري حكمه إلى لازمه أيضًا أم لا؟
فمثلًا: إنّ شراء اللحم يلازم ـ في الخارج ـ الذهاب إلى السوق، كما يتعاند مع النوم؛ لأنّ من نام لا يستطيع شراء اللحم. فإذا قال الشارع: «اشترِ لحمًا»، فهذا الحكم يلازم الذهاب إلى السوق. وهذه هي النكتة الأصولية الدقيقة، وإن كانت النكتة التي طرحها المتقدّمون مختلفة، أمّا من الناحية القانونية فهذه هي حقيقة المسألة.
فنحن نبحث عمّا إذا كانت طبيعة القضية تقتضي أنّ العنوانين المتلازمين خارجًا، إذا تعلّق الحكم الشرعي بأحدهما، فإنّه ينسحب إلى الآخر أيضًا؛ لأنّ التلازم بينهما كان ثابتًا قبل التشريع. فإذا أصبح شراء اللحم واجبًا، فهل يعني ذلك أنّ الذهاب إلى السوق واجب أيضًا؟ أو أنّ النوم يصبح حرامًا؟ ففي مورد التعاند يكون الكلام في الضدّ، وفي مورد التلازم يكون الكلام في اللازم.
والذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم في تقريب مقدّمة الواجب أو مسألة الضدّ ـ مع قطع النظر عن نظرية العبد والمولى التي كانت سائدة سابقًا، وهي بدورها رؤية قانونية خاصّة ـ هو تصوّر قانوني آخر، وهو: أنّه إذا كان هناك تلازم بين عنوانين قبل التشريع، ثم تعلّق التشريع بأحدهما، فهل يقتضي هذا الترابط السابق أن يشمل التشريع العنوان الآخر أيضًا أم لا؟
ومن هنا، فإنّ النكتة الأساسية هي: هل يُعقل في المواد القانونية أن يكون للحكم نوع من الرشح أو السريان، بحيث ينتقل من الشيء إلى لازمه؟
وفي مقابل ذلك، يوجد تصوّر آخر يقول: لا وجود للسريان في عالم القانون؛ فالقانون لم يقل إلا: «اشترِ اللحم»، ولم يتعرّض للذهاب إلى السوق. أمّا الذهاب إلى السوق فهو عمل خارجي يقوم به المكلّف، ولا أثر له في مقام التشريع.
وسرّ ذلك أنّه وإن كان التلازم ثابتًا في الخارج، إلّا أنّ الاعتبارات القانونية لا تعرف السريان أصلًا؛ فالحكم لا يتجاوز متعلَّقه، بل يبقى محصورًا فيما تعلّق به، وهو هنا شراء اللحم. أمّا التلازم الخارجي، فهو أمر يرتبط بالفعل الخارجي، ولا صلة له بمرحلة الجعل والتشريع.
وخلاصة الكلام: إنّ البحث الأوّل يتناول الحكم وأقسامه، ومن هنا فإنّنا قد نبحث اجتماع الأمر والنهي ومسألة الضدّ من زاوية لفظية، فتندرج ضمن البحث الثاني المتعلّق بالظهورات، كما هو الغالب في كتب الأصول. غير أنّ بعض الأعلام أفردها ببحث مستقل، والصحيح أن تُبحث في الفصل الأوّل؛ لأنّه الفصل المختصّ بالحكم، والاعتبارات القانونية، وما يرتبط بها من مباحث، ومن جملتها ترابط الاعتبارات القانونية.)
#ترابط_الاعتبارات_القانونية (2)
(ترابط الاعتبارات القانونية)
(من أهمّ المسائل وأعمقها في ضمن هذه المباحث مسألة ترابط الاعتبارات القانونية. فما طبيعة العلاقة والتلازم بين الاعتبارات الشرعية؟ وهل يوجد تلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أو لا؟ وهل يوجد تلازم بين وجوب الشيء وحرمة ضده أو لا؟
وهل يُعقل في الاعتبارات القانونية أن يكون هناك توليد أو تفرّع، بحيث يقال: إنّ الوجوب إذا تعلّق بفعلٍ ما فإنّه يسري تلقائيًا إلى مقدمته أيضًا؟ وهل للسريان ـ أو بتعبيرهم: الرشح ـ معنى في دائرة الاعتبارات القانونية أصلًا؟ وما حقيقة الواجب الغيري؟ وما حقيقة الوجوب الغيري؟
إنّ البحث في ترابط الاعتبارات القانونية أو الأحكام الشرعية يُعدّ من المباحث الدقيقة والثقيلة، ولذلك تُدرج فيه ـ مثلًا ـ مسألة اجتماع الأمر والنهي.1️⃣
وجميع هذه البحوث ترجع إلى الترابط أو التجانس القانوني؛ أي إنّ الموادّ القانونية ينبغي أن يكون بينها نوع من الانسجام والتناسب، ومن هذا الباب أيضًا المصطلح الذي استعملناه، وهو: الفضاء القانوني.)
#ترابط_الاعتبارات_القانونية (1)
1️⃣ اشتهر بينهم إدراج أربع مسائل ضمن باب الملازمات، وهي:
1. مسألة المقدّمة.
2. مسألة الضدّ (هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه؟).
3. مسألة اجتماع الأمر والنهي.
4. مسألة دلالة النهي في العبادات والمعاملات على الفساد.
غير أنّ المسألة الأخيرة ليست في الحقيقة من الملازمات، وإن كان الأعلام قد أدرجوها فيها. وقد بيّنّا سابقًا سبب توهّم إدخالها في هذا الباب؛ إذ إنّ أصلها يرجع إلى كتب أهل السنّة، ثم تغيّر تصويرها في كتب الإماميّة، وأصبح التحليل فيها مختلفًا.
ولذلك نرى أنّ النهي ـ كما يدلّ على الحرمة ـ يدلّ أيضًا بنفسه على الفساد، وليس ذلك من باب التلازم، بل هو من مفاد النهي ذاته.
أمّا المسائل الثلاث الأولى، فنحن نقبل أنّها تدخل حقيقةً في باب الملازمات، ولذلك جعلناها ضمن بحث عام بعنوان: الترابط والتلازم بين الأحكام؛ أي: هل يوجد أصلًا تلازم أو ترابط بين الأحكام؟
ومن أمثلة ذلك مسألة اجتماع الأمر والنهي؛ فإذا قال الشارع: «لا تغصب»، ثم قال: «صلِّ»، فإنّا نرى أنّ هذين الحكمين وإن اجتمعا خارجًا في مورد واحد، إلّا أنّ هذا الاجتماع يؤثّر أيضًا في مرحلة الجعل والتشريع؛ بمعنى أنّ الشارع عندما يوجب فعلًا ما، فإنّ دائرة هذا الوجوب تمتدّ إلى جميع أفراده ما لم يكن قد حرّم فردًا منها. فإذا حرّم فردًا معيّنًا، خرج ذلك الفرد عن دائرة الوجوب.
فإذا قال: «صلِّ»، شمل ذلك الصلاة في الصحراء، والشارع، والمسجد، والبيت، والزقاق، ولكن إذا قال أيضًا: «لا تغصب»، فإنّ إطلاق الأمر بالصلاة ينتهي عند حدود هذا النهي، فلا يشمل الصلاة في المكان المغصوب؛ لأنّ الشارع لا يمكن أن يأمر بالفعل في موردٍ نهى بنفسه عن تحقّقه فيه.)
(تنظيم آخر لمباحث علم أصول الفقه)
(لقد اختلف تنظيم مباحث علم الأصول خلال هذه المدّة اختلافًا كبيرًا. ففي كتاب الكفاية جُعلت مباحثه في مقدّمة واحدة، وثمانية مقاصد، وخاتمة خُصِّصت للاجتهاد والتقليد، وقد جاء ترتيبه مختلفًا تمامًا، كما اختلفت طريقة عرض المسائل فيه.1️⃣
أمّا ما يمكن أن نستخلصه اليوم من مجموع ما طُرح في هذا العلم ـ إذا اعتبرنا عمره نحو 1200 سنة ـ،2️⃣ فإنّ هذه الحصيلة العلميّة، إذا أردنا إعادة تنظيمها اليوم ونحن ندرس البحث الخارج وننظر إلى المسيرة العلميّة بأكملها، ونجمع مختلف الكتب ونقارن بينها، فإنّ الإنصاف يقتضي أن تُرتَّب في خمسة فصول (أو خمسة أبواب) مع خاتمة.
وأرى أنّ المقدّمة ينبغي أن تُخصَّص للحديث عن تاريخ علم الأصول، وتاريخ تأليفه، بل ويحسن ـ إن أمكن ـ أن تتناول أيضًا أصول التشريع والقانون في الحضارة الغربيّة، وفي التاريخ، وفي اليونان القديمة، وروما، وسائر الأمم، وقانون حمورابي، والتعرّف إجمالًا على المناهج التشريعيّة التي سبقت الإسلام والتي جاءت بعده. وليس المقصود بيان القوانين نفسها، بل أصول التشريع ومنهجيّاته. ومن المناسب أن تُطرح هذه الموضوعات في المقدّمة، وبذلك يمكن ـ إلى حدٍّ كبير ـ الجمع بين مختلف الأذواق والاتجاهات العلميّة.)
#تنظيم_آخر_لمباحث_علم_الأصول
1️⃣ فمثلًا: أفرد بعضهم المنطوق والمفهوم ببحث مستقل، بينما أدرجه كثيرون ضمن مباحث الأوامر. كما أنّ بعضهم ـ كصاحب #كفاية_الأصول ـ فصل بين مباحث الأوامر والنواهي، في حين جمعهما صاحب #معالم_الدين في باب واحد.
2️⃣ وذلك إذا اعتبرنا بداية هذا العلم من كتاب «الرسالة»، وإن كان قد نُسب قبلها كتاب في الأصول إلى #محمد_بن_الحسن_الشيباني، إلّا أنّه لم يصل إلينا، فلا علم لي بمحتواه، وحتى لو كان موجودًا عند الأحناف فلا اطلاع لي عليه.
وقد نقلنا مؤخرًا ـ في بحث التعارض ـ بعض الروايات الواردة عن #الإمام_موسى_بن_جعفر (عليهما السلام)، والتي تحمل طابعًا أصوليًا مختصرًا يمتدّ إلى نحو صفحة أو صفحة ونصف. كما توجد رسالة منسوبة إلى #الإمام_الهادي (عليه السلام) في الجبر والتفويض، كتبها إلى أهل الأهواز، وتقع في نحو أربع أو خمس صفحات، مع اختلاف نسخها، وبعضها لا يتجاوز ثلاث أو أربع صفحات، وتشتمل على مباحث كليّة في أصول الاستنباط ومنهجيّته. ولدينا نماذج أخرى من هذا القبيل، غير أنّ أسانيدها ليست واضحة، فضلًا عن وجود إشكالات أخرى فيها.
3️⃣ فمثلًا: يمكن أن يُخصَّص الفصل الأوّل لبحث الحكم الشرعي، وحقيقته، وأقسامه (المولوي، والإرشادي، والتكليفي...)، وتحليل هذه المفاهيم، كما هو مبسوط في عدد من كتب أهل السنّة والزيديّة. فقد ناقشوا ـ مثلًا ـ: هل الوجوب مركّب من عدّة عناصر؟ وهل حقيقة الوجوب لا تعدو البعث والزجر، أم أنّها تشتمل ـ بالإضافة إليهما ـ على ثبوت في الذمّة؟ وبما أنّ الوجوب أمر اعتباري، فقد تصوّروا له أنحاء مختلفة من الثبوت في الذمّة، كما بحثوا حدود الوجوب، كاقتضائه للعينيّة، وحقيقة الوجوب العيني، والتعييني، والتخييري، والكفائي.
غير أنّي أرى أنّ التحليلات التي قدّمها المتأخّرون من علماء الإماميّة في هذا المجال أدقّ وأعمق؛ فمثلًا يرى #آقاضياء_العراقي أنّ الواجب التخييري نوع من الواجب الذي يتضمّن تعليقًا، أي إنّ الإرادة فيه ليست تامّة. بينما أرجع #السيد_الخوئي التخيير الشرعي إلى نوع من التخيير العقلي. ومن هنا، فإنّ التحليلات التي قدّمها علماء الإماميّة المتأخّرون بعد #الشيخ_الأنصاري، ولا سيّما إلى عصرنا، في مباحث الوجوب التخييري، والوجوب العيني، والوجوب الكفائي، وحقيقة الوجوب الكفائي، تُعدّ ذات أهمّيّة بالغة.)
(منهج طائفة من علماء الإمامية في قبول الأخبار بين عصر #الشيخ_الطوسي و#العلامة_الحلي)
(كان #أبو_الفتوح_الرازي، وصاحب «مجمع البيان» #الطبرسي، ومؤلف كتاب «الاحتجاج» #الطبرسي_الثاني، و#قطب_الراوندي، وصاحب الكتاب الكلامي «النقض» #عبد_الجليل_القزويني، جميعهم من المتكلّمين والمفسّرين الذين عاشوا تقريبًا في الفترة الممتدة من عصر #الشيخ_الطوسي إلى عصر #المحقق_الحلي و#العلامة_الحلي، أي إلى أواخر القرن السابع الهجري. كما أنّ غالب علماء هذه المرحلة الوسطى، بل حتى فقهاءها ـ مثل #ابن_إدريس_الحلي ـ لم يكونوا يرون حجّية خبر الواحد.
أمّا بعد عصر #العلامة_الحلي فقد استقرّ القول بحجّية خبر الواحد، وإلّا فإنّ علماء تلك المرحلة الوسطى ـ الذين كان المفسّرون والمتكلّمون يشكّلون القسم الأكبر منهم ـ كانوا يسيرون على المنهج الكلامي، ولا يعتقدون بحجّية الخبر.
ويقول مؤلف كتاب «الاحتجاج» في مقدمته: إنّي أروي الأحاديث التي تلقّاها العلماء بالقبول وأجمعوا عليها. ولم يكن ذلك لمجرّد التبرّك، بل لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ هذه الأحاديث قد لقيت قبولًا عامًّا بين العلماء.
ولم يكن اهتمامهم منصبًّا على الأسانيد؛ فوجود السند أو عدمه كان عندهم سواء، وإنما كانوا ينظرون إلى كون الحديث قد تلقّاه العلماء بالقبول، فإذا كان كذلك قبلوه، بل كانوا في كثير من الأحيان لا يذكرون الأسانيد أصلًا.
ففي كتاب «أمالي» لـ#السيد_المرتضى ـ كما ذكر هو نفسه ـ إذا أراد أن ينقل مسألة لغوية أو شاهدًا شعريًا، أورده بسنده، فيقول: حدثني فلان عن فلان. أمّا إذا نقل حديثًا عن الإمام الصادق (عليه السلام) أو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنه يورده من دون سند، فيقول مثلًا: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكذلك قد يورد الروايات التاريخية بأسانيدها؛ لأنّ اهتمامهم لم يكن منصبًّا على هذه الجهة في استنباط الأحكام الشرعية.
وكانوا يعتقدون أنّ الأحكام الشرعية ينبغي أن تُستقى من خلال ما تلقّته الطائفة بالقبول، وأنّ حكم أهل البيت (عليهم السلام) هو ما تلقّاه الشيعة بالقبول. فإذا كان الحكم مقبولًا عند الطائفة، سواء استند إلى رواية أم لم يستند، عُدّ حجة.
ولهذا، فإنّ هذا المبنى في حجّية الخبر لا يرى حجّية خبر الواحد على الإطلاق. وإذا وُجدت فتوى توافق خبرًا معيّنًا، فإنّ ذلك ليس من جهة حجّية الخبر نفسه، بل من جهة تلقّيه بالقبول. ولذلك قد يكون الخبر الواحد قد تلقّى الأصحاب نصف مضمونه بالقبول دون نصفه الآخر، فيحكمون بصحّة ذلك النصف الذي قبلوه، ويرفضون النصف الآخر بكل سهولة؛ لأنّه لم يحظَ بتلقّي الطائفة له بالقبول، فيبقى مجرد خبر واحد لا حجّية له.)
#طائفة_من_العلماء_لم_يعتمدوا_على_السند_بل_كانوا_يقبلون_فقط_الأخبار_التي_تلقّاها_العلماء_بالقبول
اختلاف الأحكام باختلاف الحقائق القانونيّة وليس بمجرّد الألفاظ
«وباختلاف هذه التعابیر تختلف الأحکام الشرعیّة. نعم، للكلام أثر على الأحكام الشرعيّة. ففي الرواية: «إنّما یحرّم الکلام ویحلّل الکلام» 1️⃣. للكلام تأثير، لكنّ نظره هناك هو أنّك لو أنشأت عقداً واحداً بكلام واحد كان باطلاً، ولو أنشأت عقدين كان صحيحاً؛ فمثلاً: لو بعت 15 كيلو من الأرزّ الجيّد نقداً بـ 20 كيلو من الأرزّ من الدرجة الثانية، فهذا هو ربا النقد، وربا النقد لم يحرّم بالقرآن، بل حرّم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (فالذي حرّمه القرآن هو ربا النسيئة). 2️⃣ أمّا الآن، لو استبدلت بهذه الطريقة أن تبيع 15 كيلو من الأرزّ بـ 1000 تومان، ثمّ تعود فتشتري بالـ 1000 تومان نفسها 20 كيلو من الأرزّ (أي وقعت معاملتان)، فرغم أنّ النتيجة واحدة (انتهى الأمر إلى 15 كيلو مقابل 20 كيلو)، إلّا أنّها في المعاملة الواحدة حرام للربا، وفي معاملتين لهما أثران صارت جائزة. وعليه، فليس المراد مجرّد اختلاف التعابير، بل في هذا المثال، ورغم أنّ النتيجة النهائيّة واحدة، فكونها معاملتين هو منشأ التصحيح. أو مثلاً: نوع من المعاملة إن شرطت فيه صار حراماً، وإن لم تشترط صار حلالاً (أي صارا عقدين مختلفين، فلا تنظر إلى أنّ العمل واحد). 3️⃣ فليس الملاك مجرّد التعابير، بل هما واقعان قانونيّان وحقيقتان قانونيّتان (هما بيعان)، وليس لك أن تقول: إنّي دفعت في النهاية 15 كيلو وأخذت 20 كيلو، فهذا هو ذاك، وأيّ فرق بينهما؟ (فليس الكلام واللفظ وحده هو الذي تغيّر حتّى يُظنّ أنّ اللفظ فقط قد تبدّل، بل ثمّة واقعان قانونيّان).
#المقصود_من_إنّما_يحرّم_الكلام_ويحلّل_الكلام
#أحد_الفروق_بين_ربا_النقد_وربا_النسيئة
1️⃣ عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجّاج، عن خالد بن نجيح، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، فقال: «أ ليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟»، قلت: بلى. قال: «لا بأس به، إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام». [الكافي، ج 5، ص 201، ح 6 (باب الرجل يبيع ما ليس عنده)]
2️⃣ في ربا الفضل (ربا النسيئة) لا يُشترط فيه كونه من المكيل والموزون، بل يحرم في كلّ شيء، فمثلاً لو دفع 20 بيضة ليأخذ بعد شهر 30 بيضة، فهذا ربا نسيئة وهو حرام مطلقاً. أمّا في ربا النقد فلا بدّ أن يكون من المكيل والموزون. فلو اعتبرنا البيض من المعدودات مثلاً، لما جرى فيه ربا النقد.
وقد نُسب إلى ابن عبّاس من الصحابة أنّه كان يُنكر حرمة ربا النقد ويقول: لا إشكال فيه، لكنّهم يقولون: إنّه رجع عن ذلك لاحقاً. وهو موجود في رواياتنا، وعند أهل السنّة أيضاً شبه اتّفاق، ولم يخالف إلّا ابن عبّاس.
3️⃣ والمراد من «الكلام» هنا هو العقد، لا اللفظ المجرّد كما توهّمه البعض. أو مثلاً في رواية أُخرى: أن تذهب لتبيع شيئاً لشخصٍ ثمّ تعود فتشتريه منه بأغلى نسيئةً (بيع العينة). فيقول الإمام (عليه السلام) : إذا لم يشترط فلا بأس (فإن اشترط ذلك فله حكم، وإن لم يشترط فله حكم آخر مختلف).
3. أمّا الخوارج فبحكم طبيعتهم التي كانت تقضي بـ تكفير جميع المسلمين، وكان سائر المسلمين يكفّرونهم هم أيضاً، فقد كانوا شاؤوا أم أبوا منقطعين عن المجتمع الإسلاميّ، ولأنّهم كانوا يقولون بتشكيل الحكومة والقيام المسلّح وغير ذلك، فقد ظلّوا على طول التاريخ، ومنذ زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين تشكّلوا وإلى زمننا هذا، يعيشون على هوامش البلاد الإسلاميّة وفي الطرق النائية حيث تضعف السلطة المركزيّة ويستطيعون مواصلة حياتهم. ولذلك فنحن لا نملك معلومات كثيرة عن كتبهم، لكن يبدو ـ وفق ما يُطبع الآن من جملة مصادرهم ـ أنّ لهم أبحاثاً أصوليّة. وعلى كلّ حال، وحسب اطّلاعنا، يبدو أنّ للخوارج شيئاً من الأصول والقواعد الفقهيّة، لكنّهم لكونهم غير منخرطين في العالم الإسلاميّ، فحتّى لو ذكروا شيئاً لا نعرفه.
4. الزيديّة لديهم مصادر، بل وكان كبار المعتزلة معهم لمدّة. و الزيديّة، رغم أنّهم فرقة قليلة قياساً بالإماميّة، كان لهم قبل آل بويه دور كبير في الحديث في الكوفة. أمّا بعد مجيء آل بويه فقد جاءوا إلى بغداد وتألّقوا فيها كثيراً في علم الكلام. وبعد انقراض بني العبّاس، توجّه الزيديّة إلى اليمن وانقطعت أخبارهم عنّا تقريباً (أي: لهم في اليمن آثار علميّة، لكن لا اطّلاع لنا عليها كثيراً)، ومع ذلك فلديهم مصنّفات؛ من جملتها كتاب باسم "غاية المبادي"، وهو كتاب يقع في مجلّدين كبيرين، وهو بالفعل مفصّل جدّاً وكُتب بإتقان حقيقيّ.
5. أمّا الشيعة الإماميّة فكان لديهم في البداية قلّة من المؤلّفات ـ وقد شرحنا تفاصيل ذلك ـ ثمّ صارت لدينا لاحقاً ـ خصوصاً بعد المرحوم الوحيد البهبهاني وبعد الحملات التي شنّها الإخباريّون ـ كتب مفصّلة جدّاً. فبعد المرحوم الوحيد البهبهاني، صارت كتبنا ـ مثل "مفاتيح الأصول" و"الإشارات" و"الضوابط" نفسها ـ كتباً مفصّلة للغاية، لا يملك أهل السنّة نظيراً لها بهذه الدرجة من التفصيل (أي أنّهم من القرن العاشر والحادي عشر لم يعودوا يكتبون بتفصيلنا).
وعلى أيّة حال، فنحن في هذه الأقسام، وبعد الوحيد البهبهاني، ومن القرن الثاني عشر تقريباً فصاعداً، لدينا كتب مفصّلة جدّاً تنقل آراء العامّة أيضاً. ولو طُبع "مفاتيح الأصول" لربّما وقع في 10 - 12 مجلّداً. ونفس كتاب "هداية المسترشدين" الذي هو شرح "المعالم" هو غاية في التفصيل، وكثير من مباحثه ربّما لا تحوي نكات فنّيّة. وأوّل مرّة بدأنا فيها الاختصار كانت تقريباً مع "الكفاية" (أي بعد أن انتشرت المطوّلات وعمّت، جاؤوا وجمعوها وهذّبوها).
#نظرة_على_مجمل_ما_لدينا_في_التراث_الأصولي
لذا، وبكلّ إنصاف، ينبغي حصر مسألة إدراج القواعد الفقهيّة في الأصول في تلك القواعد المؤثّرة، والتي لها دوران، والتي تكون الأدلّة المثبتة لها واضحة. مثلاً، كتب المرحوم شيخ الشريعة قائلاً: أنا متعجّب، مع وجود "القرعة لكلّ أمر مشكل" لماذا لم يرجع الفقهاء إلى القرعة؟ والسرّ في ذلك هو أنّه لا توجد عندنا "القرعة لكلّ أمر مشكل"، بل إنّ هذا مجرّد اشتهار، ولذا نجد المرحوم صاحب "الجواهر" يكرّر مراراً في "الجواهر" أنّه لا يُعمل بقاعدة القرعة، إلّا في الموارد التي قام إجماع الأصحاب عليها. 1️⃣ وهذا الكلام مؤثّر جدّاً في الفقه.
حتّى في قاعدة التجاوز، من النكات البالغة الأهمّيّة فيها: هل الفراغ والتجاوز هما في الواقع شيء واحد أم شيئان اثنان؟ فأنتم تعلمون أنّ الفراغ هو بعد العمل، والتجاوز هو حين العمل؛ فمثلاً: لو شكّ المصلي وهو في السجود هل أتى بالركوع أم لا، فهذا مورد قاعدة التجاوز. أمّا إذا شكّ بعد الفراغ من الصلاة في أنّه ركع أم لا، فهذا مورد قاعدة الفراغ. فإذا قيل بوحدتهما، صار كلاهما تجاوزاً أو كلاهما فراغاً ـ وهو ما ذهب إليه معاصرونا (المرحوم السيّد الخوئي وغيره). مضافاً إلى أنّ لهذين أصلًا عقلائيّاً، حيث يقول السيّد الخوئي : إنّه عقلائيّ أصلاً، وقد عَدَّهُ من الأمارات، وجعلهما شيئاً واحداً والتزم بوحدة القاعدتين. 👇👇👇
👆👆👆أضف إلى ذلك، ورغم أنّ هذا أمر جزئيّ، أحد الأُمور المهمّة جدّاً في باب التجاوز والتي يذكرها المرحوم النائيني هو: أنّ قاعدة التجاوز خاصّة بالصلاة (وطبعاً من مُتّفق فقهائنا أنّها ـ بمقتضى الرواية ـ لا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء)، فأنت مشغول بغسل يدك اليسرى وتشكّ في أنّك غسلت وجهك أم لا، فيقولون: ارجع واغسله من أوّله (فعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء منصوص، وكلامنا في غير الوضوء). أمّا في بقيّة الأعمال فـ قاعدة التجاوز جارية (وفي الصلاة أيضاً عندنا رواية وهي منصوصة كذلك). وهنا يقول المرحوم النائيني : قاعدة التجاوز خاصّة بالصلاة، بينما السيّد الخوئي يقول: تجري في جميع الأبواب. وهذا الرأي مؤثّر واقعاً؛ لأنّ المنصوص منه لا يجري في الوضوء ويجري في الصلاة. ويبقى الإشكال في بقيّة الأعمال.
#ينبغي_إدراج_القواعد_الفقهيّة_ذات_الأثر_البالغ_في_الفقه_ضمن_خاتمة_الأصول
1️⃣ وممّا ينبغي ألّا يُغفل أنّ هناك تعبيرين نُقلا في القرعة (القرعة لكلّ أمر مشكل، أو: لكلّ أمر مجهول)، وليس الأمر على الإطلاق، لكنّه نُقل. وكان المرحوم الآقا ضياء يقول: إنّ "القرعة لكلّ أمر مجهول" تختلف عن "القرعة لكلّ أمر مشكل". فـ "كلّ أمر مجهول" هو كلّ أمرٍ له واقعيّة، لكنّا لا نعلم بها (كأن يكون هذا الشيء نجساً واقعاً أو لا؛ فقد نُقل عن السيّد بن طاووس أنّه قال: إذا وقع الاشتباه في القبلة فلتُجرَ القرعة، والحال أنّه لا يوجد فقيه من فقهائنا قال بالرجوع إلى القرعة في اشتباه القبلة. فالمرحوم السيّد ابن طاووس قال في باب اشتباه القبلة بالرجوع إلى القرعة؛ لأنّ القبلة أمر واقعيّ واتّجاه واقعيّ هو مجهول عندنا. حتّى في أحكام الحيض قال: في موارد كثيرة الدم والمستحاضة تُرجَع القرعة، مع أنّه لا يوجد فقيه من فقهائنا قال بهذا).
فتارةً يكون الشيء له واقع مجهول عندنا، فهذا هو المجهول. وأُخرى تكون نفس الواقع غير واضح (مثل الخنثى التي لا يتّضح واقعها هل هي رجل حقيقة أم امرأة حقيقة، فلا واقع محدّد لها، ويُحتمل كونها حقيقة ثالثة. وهنا تُجرى القرعة لتُلحق بالرجل أو المرأة. واليوم في الدراسات العلميّة لم يعودوا يقولون: لا نعلم، بل يقولون: هذه حالة خاصّة، ليست من هنا ولا من هناك. لكن حتّى لو كانت هذه حقيقة ثالثة، فإنّهم بالقرعة ينقلونها إلى إحدى الحقيقتين، فتُلحق إمّا بالرجل أو بالمرأة).
فالمقصود إذن: "القرعة لكلّ أمر مشكل" أي: في كلّ أمرٍ لا واقعيّة محدّدة له نلجأ إلى القرعة، أمّا إذا كانت له واقعيّة ولكنّها مجهولة لدينا فلا. وقد فرّق المرحوم الآقا ضياء بين هذين، وتعرّض له في مبحث القرعة، وقلنا: موارد هذا قليلة جدّاً، والحقّ معه؛ لأنّ مثل هذا الإطلاق لا نملكه. وقد ظنّوا وجود الإطلاق فتعجّبوا من عدم العمل به! وهذا مطلب لطيف، وبكلّ إنصاف، مسألة الرجوع إلى القرعة من عدمه مؤثّرة في أبواب الفقه.
وإذا كان لا بدّ أن نجد تنظيماً لأبحاث الأصول ـ وبمناسبة أنّني ذكرت اسم القواعد الفقهيّة ـ فإنّ مجموع ما لدينا في التراث الأصوليّ هو:
1. لنحسب من أهل السنّة، ومثلاً من "الرسالة" للشافعي، وصولاً لما بعدها.
2. وفي أوساط علمائنا في الفِرَق الإسلاميّة، فإنّني لم أرَ ـ وفق ما لدينا الآن ـ كتاباً في الأصول للإسماعيليّة.
ثمّ عادت كتب تالية وحذفت أيضاً... .
والمتعارف عليه الآن في الفقه هو:
1. في الشبهات الحكميّة (حين نريد أن نبيّن حكماً): نبدأ بـ القطع، ثمّ الظنّ المعتبر، ثمّ إن وُجد أصل تنزيليّ ـ وهو في الأحكام ينحصر في الاستصحاب ـ، فإن لم يكن ذلك، فالأُصول غير التنزيليّة (مثل البراءة والاشتغال والتخيير). نعم، قاعدة الطهارة في الشبهات الحكميّة هي أصل تنزيليّ لكنّها في مورد واحد، لذا لم نذكرها. وقلنا: لأنّهم اعتبروا القياس أمارة غير معتبرة (وهو بنظرنا أيضاً أصل تنزيليّ)، صارت الأُصول التنزيليّة في الأحكام اثنتين فقط: الطهارة والاستصحاب.
2. أمّا في الشبهات الموضوعيّة فلها نكتة أُخرى؛ فهناك القطع، والظنّ المعتبر، والأصل التنزيليّ، إلّا أنّ الأُصول التنزيليّة فيها يقع التعارض بينها، وهذا ما لا نجده في الشبهات الحكميّة. ففي الشبهات الحكميّة الأصل التنزيليّ واحد ولا يقع فيه التعارض، أمّا في الشبهات الموضوعيّة فالأصل التنزيليّ متعارض. وما تصوّره السيّد الخوئي من التعارض كان يقصد به التعارض بين استصحابين (استصحاب عدم الجعل مع استصحاب بقاء المجعول)، لا التعارض بين الاستصحاب وشيء آخر. بينما في الموضوعات، الاستصحاب يقول: هذا اللحم نجس وحرام (لأصالة عدم التذكية)، بينما قاعدة سوق المسلم تقول: هو حلال (فالاستصحاب يتعارض مع قاعدة سوق المسلم. طبعاً لا أريد القول إنّ التعارض ثابت).
#أحد_الفروق_بين_الشبهات_الحكميّة_والموضوعيّة (في الموضوعيّة الأصل التنزيليّ له معارض)
هناك قاعدة مثل "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" (فمن يملك عباءة ويقول: "عباءتي نجسة"، يُقبل قوله، وإن قال: "عباءتي طاهرة" يُقبل قوله أيضاً)، لكنّ تأثير هذه القاعدة قليل (فهي ليست مثل حرمة الإعانة على الإثم ولا مثل "لا ضرر"، وأنتم لم تجدوا قاعدة "من ملك" في الرسائل والمكاسب، بل كتبها الأصحاب في كتاب الطهارة: أنّ "من ملك شيئاً ملك الإقرار به"). لذلك، لا تظنّوا أنّني أعني أن نأتي بكلّ قواعد الفقه، ليس هذا مرادي، بل جملة من قواعد الفقه هي المؤثّرة جدّاً في عمل الفقيه، والتي أدلّتها وحالاتها مختلفة. ومثل هذه الجملة من القواعد ـ كقاعدة "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" أو "العقود تابعة للقصود" ـ لا قيمة وجوديّة لطرحها هنا، بل ينبغي أن تُوضع في نفس المكاسب (في بحث العقود والقرارات).
مع الانتباه طبعاً إلى أنّ ظهور الأمر في الغسل (اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل) في الإرشاد إلى النجاسة ـ رغم أنّ البعض عدّه من القواعد الفقهيّة ـ هو استظهار فقهيّ، لا هو قاعدة فقهيّة ولا قاعدة أصوليّة. نعم، هو مؤثّر في الاستنباط، ولكن كلّ الفقه مؤثّر في الاستنباط، ولا يصحّ بهذه الذريعة أن نأتي بكلّ الفقه في الأصول.
وتفصيل أصل المسألة هو: أنّ "اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل" له إطلاق، فلو أصاب البول ثوباً ثمّ بعد 10 أيّام لم يبقَ للبول أيّ أثر (لا رائحة ولا لون) على هذا الثوب، لا يمكن أن يقال: بما أنّ الطهارة تعني النظافة، فهذا الثوب الآن طاهر، بل يقولون: لا، إطلاق "اغسل" باقٍ حتّى الآن، وهذا الثوب ـ وإن جفّ تماماً وزال كلّ أثر ـ يجب غسله. نعم، في باب الحيوان والأشياء الطبيعيّة كذلك الحال. ففي مثل الصحراء، إذا سقط الدم ثمّ زال، حُكم بالطهارة. وفي باب الحيوان أيضاً كذلك. لذا يُسأل: لو أنّ أحد الحيوانات آكلة اللحوم ـ كالصقر والعقاب ـ وضع منقاره في الماء، يقول الإمام (عليه السلام) : رأيت في منقاره دماً (سئل عمّا تشرب منه الحمامة فقال... إلّا أن ترى في منقاره دمًا، فإن رأيت في منقاره دمًا فلا توضّأ منه ولا تشرب [الكافي، ج 3، ص 10، ح 5 (باب الوضوء من سؤر الدواب والسباع والطير)]). فبما أنّ هذا العقاب يأكل الجيف، فمنقاره يتنجّس قطعاً، فيقولون: إذا رأيت الدم فذلك الماء نجس، أمّا إذا لم تره فهو طاهر (أي أنّ زوال النجاسة في الحيوان كافٍ). وبناءً على هذا: لو افترضنا أنّك بنيتَ جداراً وأصابته نجاسة، فإنّ زوال النجاسة وحده لا يكفي (بل يجب غسله)، أمّا إذا كانت أرض الصحراء وزالت عنها النجاسة فيكفي.
وخلاصة كلامهم هي: أنّه لمّا قال: اغسل، فمعناه: أنّه نجس مطلقاً (سواء بقيت آثاره أم لم تبقَ). فالآن لو فرضنا أن لا أثر للدم أو البول على الثوب (لا رائحة ولا لون) وقد مضت 10 أيّام أو 20 يوماً، أو شهر، أو سنة، فإنّ الإطلاق يشمله: اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل لحمه. لكنّ هذا ليس بقاعدة فقهيّة، بل هو استظهار فقهيّ.
حتّى "العقود تابعة للقصود" التي كتبها البعض ضمن القواعد الفقهيّة، وهي من قبيل الصدف مؤثّرة جدّاً في أبواب المعاملات، لكنّ تأثيرها ليس كتأثير "حرمة الإعانة على الإثم".
عنوان: تسمية القواعد الفقهيّة بـ "الأشباه والنظائر" وضرورة إفراد المؤثّر منها في خاتمة الأصول
«لقد اتّضح أنّ القواعد الفقهيّة كانت مؤثّرة حقّاً، إلّا أنّهم رأوا أنّ سنخ هذه القواعد يختلف عن سنخ مسائل علم الأصول، ولذا بدل أن يُطلقوا عليها اسم "قواعد الفقه" ـ بما أنّه عنوان معروف (فـ الفقه له عنوانه) وله عموميّة، وكان من الطبيعيّ أن يُسمّوها "القاعدة الفقهيّة" ـ لمّا كانت هذه القواعد ذات عموميّة وشمول، أطلق عليها أهل السنّة اسم "الأشباه والنظائر" (فالكتب المؤلّفة باسم "الأشباه والنظائر" يُقصد بها القواعد الفقهيّة)؛ ذلك أنّ "الأشباه" تعني وجود أشباه ونظائر وتطبيقات أُخرى (فـ الإعانة على الإثم لا تقتصر على بيع العنب لمصنع الخمر فقط). وقد استطاعوا بهذه المجموعة من القواعد، وبكلّ إنصاف، أن يُنزلوا الفقه بالكامل إلى ساحة الحياة الاجتماعيّة الواقعيّة، وألّا يتقاعسوا ويتنحّوا جانباً لمجرّد أن تواجههم حادثة جديدة (بل أن يتقدّموا إلى الميدان، وطبقاً لعقيدتهم بأنّ هذه الشريعة مكمّلة وأنّها خاتمة الشرائع، يستنبطوا هذه الأحكام من القرآن والسنّة الموجودَين). وقد صارت هذه ممهّدات للفقاهة، والفقاهةُ صارت ممهّدات لعلم الأصول ـ بطبيعة الحال مع تدوين الأصول ـ ومن قبيل الصدف، أنّه لمّا حصل بُعد زمنيّ، انضمّ إلى ذلك علم الحديث؛ فالحديث الذي كان يتمتّع في البداية بنوع من القدسيّة الخاصّة، بدأ تدريجيّاً ـ بمرور الزمن ووجود بعض الأشخاص الكذّابين، وبعض من اشتبه عليهم الأمر أو من فسد ضبطهم أو من أصابهم الاختلاط في أواخر أعمارهم ـ يضاف إلى ذلك كلّه مهمّة معرفة الحديث وتمييزه. 1️⃣
هذا فيما يخصّ الطرح الكلّيّ. وبكلّ إنصاف، هناك جملة من القواعد الفقهيّة تنطوي على 2 - 3 نقاط تقتضي أن نأتي بها ونبحثها في خاتمة علم الأصول:
1. أوّلاً: لأنّها كثيرة الدوران حقّاً؛ من قبيل "لا ضرر" نفسها، حيث يذكر جلال الدين السيوطي في مقدّمة كتابه "الأشباه والنظائر" أنّ فلاناً جمع الفقه كلّه في 5 مسائل، وجمعه فلانٌ في 17 مسألة. (حكى القاضي أبو سعيد الهرويّ: أنّ بعض أئمّة الحنفيّة بهراة بلغه أنّ... إمام الحنفيّة بما وراء النهر ردّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدةً، فسافر إليه...، فلمّا بلغ... ذلك ردّ جميع مذهب الشافعيّ إلى أربع قواعد [الأشباه والنظائر (جلال الدين السيوطيّ)، ص 7]). وقد أخذ حينها الأصول الخمسة التي هي بالغة الأهمّيّة في الفقه (التي مدار الفقه عليها)، ومن جملتها "لا ضرر" (والثانية: المشقّة تجلب التيسير)، ومن جملتها أيضاً مسألة الاستصحاب (الأُولى: اليقين لا يزال بالشكّ). إذاً، فأوّل ما يهمّ هو الدوران والتطبيق الذي لهذه القواعد ـ حتّى في الموارد الجزئيّة ـ مثل الإعانة على الإثم.
2. ثانياً: إنّ بعض هذه القواعد ـ مثل قاعدة الفراغ، قاعدة التجاوز، قاعدة سوق المسلم، قاعدة القرعة (على المشهور) ـ هي موضوعات فقط، إلّا أنّ لها أدلّة مختلفة، وهذه الأدلّة بحاجة إلى بحث وتحقيق.
3. ثالثاً: في داخل هذه القواعد توجد بعض النكات التي تغلب عليها الجنبة الأصوليّة؛ مثل تعارض الأصول بعضها مع بعض، ومثلاً: لماذا لا نرجع إلى الاستصحاب في موارد قاعدة سوق المسلم؟ هذه نكات في غاية الجمال واللطف تكمن في باب هذه القواعد وتُعنى بـ قياس النسبة بينها.
حسناً، هذه نكتة لطيفة تقتضي أن يأتي الإنسان إلى هذه القواعد الفقهيّة وينقّحها، وبدلاً من أن يقرأ مثلاً "لا ضرر" في موضع من "الرسائل"، و قاعدة اليد وسوق المسلم والقرعة وقاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ في نهاية الاستصحاب، وأن تُقرأ هكذا مبعثرة نصفها هنا ونصفها هناك، أن يُعيّن لها مكان معيّن، وهو مبحث الخاتمة.
#من_الجدير_أن_توضع_جملة_من_القواعد_الفقهيّة_كخاتمة_في_علم_الأصول (2)
1️⃣ لقد بدأ علم الرجال وعلم الأصول تقريباً من منتصف القرن الثاني، واستقرّ بناؤهم على أن يتكفّل علم الرجال بتشخيص الصغرى، ويتكفّل علم الأصول ببيان حكم الكبرى. فعلم الرجال يقول: "هذا الشخص عدل، وهو ضابط، وكذا، ولم يشتبه"، وعلم الأصول يقول: "خبر الواحد حجّة". فصار أحدهما صغرى، والآخر كبرى. وتدريجيّاً استقرّ البناء على أنّ علم الأصول ـ كما يقول المرحوم النائيني ـ مُتولّي الكبريات. وهذا أيضاً يرجع إلى أواخر القرن الثاني، ومن الطبيعيّ أنّ أوّل كتاب في هذا هو كتاب الشافعي. على أنّ كيفيّة البحث في كتاب الشافعي لم تكن بالوضوح الذي نطرحه به الآن (وعلى العموم، فإنّ كتب الأوائل وكتب المؤسّسين فيها شيء من النقص والزيادة)، إلّا أنّه تدريجيّاً ومن سنوات 300هـ وما بعدها، أخذت كتب الأصول شكلها النهائيّ (بهذه الهيئة التي كانت عليها لاحقاً)، وقد طرأت عليها تغييرات بعدئذٍ بالطبع؛ لأنّ طبيعة العلوم الاعتباريّة أنّها في انقباض وانبساط دائمين؛ بمعنى: لنفترض أنّ في كتاب الشافعي قدراً من الأبحاث، ثمّ صارت الكتب اللاحقة أكثر تفصيلاً. ثمّ حذفت الكتب اللاحقة قسماً منه وأضافت شيئاً آخر.
وحدة السلطتين التنفيذية والفقاهية في صدر الإسلام ونشأة القواعد من رحم الوقائع
«قلنا إنّه: مثلاً في أوّل عهد الصحابة في القرن الأوّل (أي: بعد سنة 41 هـ) ـ وعلى حدّ تعبيرهم: الخلفاء الراشدين أو من يُلحق بالخلفاء الراشدين (مثل عمر بن عبد العزيز) ـ كانت السلطة التنفيذيّة والسياسيّة متّحدةً مع السلطة الفقاهتيّة أساساً؛ أي إنّ معنى الخليفة الراشد كان: هو الحاكم والفقيه معاً (فقد كان يُصدر الحكم ويُشرف على تنفيذه). ومنذ زمن معاوية ومَن تلاه، انفصلت هاتان السلطتان، إلّا أنّ الجهاز الإداريّ والسياسيّ ظلّ في الفروع الفقهيّة يرجع إلى جهاز الفقهاء، وسرّ تشكّل ما يُعرف بـ الفقهاء السبعة في الفقه هو أنّ المسائل السياسيّة المستجدّة كانت تُحال إلى الفقهاء، ومن الطبيعيّ أنّهم كانوا يفحصونها وفقاً لآرائهم الفقهيّة.
ثمّ في القرن الثاني شرعوا تدريجيّاً في فصل قواعد عامّة ووضعها للفقاهة والاستنباط. ومن أواخر القرن الثاني، بدأ علم الأصول يتبلور، ولأنّ الأصول لم يكن موجوداً قبل ذلك، فإنّك إذا أردتَ أن تتبيّن المسائل الأصوليّة في القرن الأوّل أو في زمن الصحابة، فإنّك تجدها في الفقه؛ فمثلاً لو سألناه: إنّي صلّيتُ في لباس مغصوب، فقال: صلاتك صحيحة، فهذا هو معنى اجتماع الأمر والنهي (لكن لا بعنوان "اجتماع الأمر والنهي")؛ أي إنّه لا يوجد عندنا بحث باسم "اجتماع الأمر والنهي" في القرن الأوّل، ولكنّ الفتوى به موجودة. فقد نُقل مثلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: لا، انظر في أيّ شيء تصلّي وعلى أيّ شيء تصلّي، (يا كميل...، وانظر فيما تصلّي وعلى ما تصلّي، إن لم يكن من وجهه وحلّه فلا قبول [تحف العقول، ص 174]). ونُقل عن الصحابة أنّهم قالوا: لا إشكال، فلو كان اللباس أو المكان مغصوباً فصلاتك صحيحة. ويقول الفخر الرازي : إنّ القاعدة تقتضي الامتناع (بمعنى أنّه إذا صلّى في لباس مغصوب، بطلت صلاته)، ولكنّ الصحابة صلّوا في أماكن مغصوبة خلْف الخلفاء الغاصبين والذين لا مشروعيّة لهم ممّن كانوا يرتكبون ما يخالف الشرع. ولمّا كانوا قد حكموا بصحّة الصلاة (استناداً إلى فتوى الصحابة الذين صلّوا في الأماكن المغصوبة وكانوا يرون صحّة الصلاة)، نقول بجواز الاجتماع، وإلّا لكان مقتضى القاعدة أن نذهب إلى الامتناع ونقول ببطلان الصلاة.
#مسائل_أصوليّة في القرن الأوّل أو زمن #الصحابة كانت تُطرح في #الفقه على هيئة #فرع_فقهي
#اجتماع_الأمر_والنهي #الخلفاء_الراشدين
#أمير_المؤمنين #الفخر_الرازي #الفقهاء_السبعة
