كُنَّاشة من دروس السيد المددي
Kanalga Telegram’da o‘tish
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
Ko'proq ko'rsatishMamlakat belgilanmaganToif belgilanmagan
713
Obunachilar
Ma'lumot yo'q24 soatlar
+357 kun
+4030 kun
Postlar arxiv
المعنى الحقيقي للتدليس وبيان الفهم الخاطئ له
(لقد بيّنا مرارًا وتكرارًا أن قولهم: إن حرف «عن» يفيد المجاوزة، فإنما يقصدون بـ «المجاوزة» أن يُلحظ شيءٌ بوصفه مبدأً، فإذا تجاوزه شيء وانفصل عنه سُمِّي ذلك مجاوزة. ومن هنا اشتهر عند علماء مصطلح الحديث من أهل السنة أن العنعنة مساوقةٌ للاتصال. وسرُّ قولهم مثلًا: «علي بن إبراهيم عن أبيه»، وعدم قولهم: «من أبيه»، هو هذا المعنى بعينه.
ففي اللغة الفارسية تُترجم «مِن» و«عن» بمعنى واحد، وهو «من»، أما في العربية فقد فرّقوا بينهما؛ فإذا قيل: «من فلان»، فلا فرق بين أن يكون قد سمع منه أو لم يسمع، أما إذا قيل: «عن فلان»، فلا بد أن يكون قد سمع منه. وبعبارة أوضح: إن «من» تدل على الابتداء والنشوء، لكن لا يُشترط في صدقها أن يكون السامع قد تلقّى الكلام منه مباشرة، بل يكفي مجرد الارتباط به، أما ظاهر «عن» فهو أن الكلام قد تجاوز من المتكلم إلى السامع؛ أي: إن الكلام صدر من لسانه وأنا سمعته منه، لا مجرد أن منشأه منه.
ولتقريب ذلك، يُمثَّل بقولهم: «رميتُ السهم عن القوس». فلو فرضنا أن القوس لك، لكن شخصًا آخر هو الذي أطلق السهم، فلا يقال: «رُمي السهم عن القوس»، بل لا بد أن يكون السهم قد انطلق من القوس نفسها.
ومن هنا ذهب جماعة من علماء الحديث، من السنة والشيعة، إلى أن العنعنة أعم من الاتصال، وقالوا: إذا قيل: «عن فلان»، فلا يلزم أن أكون قد سمعت منه مباشرة، حتى لو نُقل الحديث عنه بواسطة شخصين، فالمهم أن يكون الكلام قد صدر عنه. أما الفريق الآخر فقال: متى استُعملت «عن» فهذا يعني أن الكلام صدر منه مباشرة وقد سمعته منه.
وأما عند متقدمي علماء الشيعة فلم أقف على هذا البحث، لكن في بدايات تدوين علم مصطلح الحديث عند أهل السنة كان ما يقرب من (95%) منهم يعدّون العنعنة مساوية للاتصال، وربما ذهب (4% أو 5%) إلى أنها أعم من ذلك.
وعليه، ففي دراسة الحروف ينبغي أن نلاحظ المعنى الذي لوحظ في كل حرف بدقة؛ فما هو المعنى الملحوظ في الاستعلاء؟ وما هو المعنى الملحوظ في الظرفية؟ وما هو المعنى الملحوظ في «من» الذي هو الابتداء، وإن كانوا قد ذكروا لها نحو خمسة عشر معنى في كتاب «المغني»، إلا أنه يمكن تصور جامع بينها؟ وكذلك في باب العنعنة، فإن معناها أن المتكلم يلحظ الشخص ويرى أن هذا الكلام قد صدر عنه، لا أنه مجرد منسوب إليه؛ ولذا فإذا قال: «عن فلان»، فمعناه: إن هذا الكلام صدر منه ووصل إلى سمعي.
أما إذا كان النقل بواسطة، ثم استعمل عبارة «عن فلان»، فهذا من باب المجاز والتدليس.
والمقصود بالتدليس في اصطلاح المحدثين ليس الكذب ولا الغش والخداع، فإن كثيرًا منا يتوهم أن «المدلِّس» يعني «الكذّاب». وقد رأيت بعضهم يقول: كيف يروي عنه، وقد قيل فيه: إنه مدلِّس؟! أي: كان فلان مدلِّسًا، فلا نقبل روايته. مع أن بعض كبار أئمة أهل السنة، مثل #سفيان_الثوري، قد وُصفوا بالتدليس، ولم يكن ذلك في نفسه قدحًا فيهم.
فالتدليس معناه أن ظاهر الرواية الاتصال، بينما هي في الواقع غير متصلة، لا أنه كذب من عند نفسه، أو روى عن راوٍ ضعيف، وإنما ترك ذكر الواسطة بينه وبين من روى عنه، مع أنهم قد يصرّحون في الوقت نفسه بأن هذا الراوي في غاية الوثاقة.
نعم، إن طائفةً من كبار المحدثين ـ ولعلهم يقاربون (95%) ـ وفي مقدمتهم #البخاري، كانوا يصرّون على عدم قبول رواية من اتُّهم بالتدليس إذا رواها بصيغة العنعنة. ولذلك يعبّرون في اصطلاحهم بقولهم: «صرّح فيه بالتحديث والسماع، فزالت شبهة التدليس». ولهذا كان #البخاري، مع شدّة دقته، إذا كان أحد شيوخه معروفًا بالتدليس، ثم روى الحديث بصيغة «عن»، لم يروِ عنه ذلك الحديث؛ لأنه يحتمل التدليس، أما إذا قال: «سمعت»، قبل روايته.
وأصل مادتي «دلس» و«غلس» في اللغة هو الظلمة، ولذلك فإن «التدليس» في اصطلاحهم يعني: إيراد الحديث في صورة يكتنفها الإبهام والظلمة؛ أي: يجعل الأمر غير واضح، لا أنه يعني الكذب أو الغش أو الاختلاق.)
#التعريف_الحقيقي_للتدليس #تصحيح_الفهم_الخاطئ_للتدليس
الدلالة الفنية للفرق بين «التبديل» و«المبادلة» في تعريف البيع
(لا ينبغي أن يُتصوَّر أنّ ما ورد في كتاب «مصباح المنير» من تعريف البيع بأنّه: «مبادلة مال بمال»، في مقابل تعبير الشيخ: «إنشاء تمليك عين بمال»، أو استعماله لفظ «التبديل»، إنّما هو من باب التسامح في التعبير، بحيث يعبّر أحدهما بـ«تبديل المال» والآخر بـ«مبادلة المال». بل يكشف ذلك عن نكتة فنية؛ إذ إنّ من عبّر بـ«التبديل»** إنّما ينظر إلى فعل البائع وحده، لا إلى الفعل الصادر من الطرفين معًا.
وتوضيح ذلك: أنّ اللغة العربية ـ إضافةً إلى تعدّد معاني الموادّ ـ تمتاز بأنّ للهيئات الصرفية أيضًا دلالاتٍ خاصة، بخلاف اللغة الفارسية التي لا تعتمد هذا الأسلوب في بيان اختلاف المعاني.
وقد أشرنا في بحث «لا ضرر» إلى أنّ بعضهم حاول إرجاع معاني باب المفاعلة وباب التفاعل إلى معنى واحد، بدلًا من المعاني المتعددة المذكورة في كتب الصرف، إلّا أنّ هذا الاتجاه لا يقوم عليه دليل واضح.
ومن المحتمل في الأفعال الثنائية أنّه إذا صدر الفعل من أحد الطرفين، ثم أجاب الآخر بالفعل نفسه، ثم عاد الأول، عبّر عن ذلك بصيغة المفاعلة؛ كقولهم: «ضارب زيدٌ عمرًا»، أي بدأ زيد بضرب عمرو، ثم ردّ عمرو عليه، وهكذا.
أمّا إذا أُريد حكاية الحالة المشتركة القائمة بين الطرفين، فإنّ العربية تعبّر عنها بصيغة التفاعل؛ كقولهم: «تضارب زيد وعمرو»، أي وقعت بينهما حالة الضرب المتبادل في آنٍ واحد، وهو ما نعبّر عنه في العربية بـالتضارب.
وقد بيّنّا في بحث الإعانة على الإثم ـ حيث ذهب صاحب #الجواهر وجماعة، منهم #السيد_الخوئي، إلى أنّ التعاون على الإثم هو المحرّم، لا مطلق الإعانة عليه ـ أنّ لفظ «العون» في العربية يقابل الفعل، بمعنى أن يقوم شخص بتهيئة مقدّمات فعل غيره؛ فلو كان أحدهم يبني جدارًا، فأعطيته الإسمنت أو الآجر، كان البناء فعله، أمّا عملك فهو عون.
وهذا العون يُلاحظ على ثلاثة أنحاء:
1. إذا أعان شخصٌ غيره، استُعملت صيغة «أعان» (باب الإفعال).
2. وإذا أعان كلٌّ منهما الآخر في وقتٍ مختلف، استُعملت صيغة «المعاونة» (باب المفاعلة)؛ كما لو ساعدته في الزواج، ثم ساعدك في بناء دارك.
3. أمّا إذا كان كلٌّ منهما يعين الآخر في الوقت نفسه، عُبّر عن ذلك بصيغة «التعاون» (باب التفاعل).
وعلى هذا الأساس، فمراد صاحب #الجواهر أنّ المحرَّم هو التعاون، أي اشتراك مجموعة من الأشخاص في إنجاز فعلٍ محرَّم بحيث يسهم كلّ واحد منهم بجزء منه؛ كما لو قيّد أحدهم يدي شخص، وربط آخر رجليه، وقتله ثالث، فإنّ القتل إنّما تحقّق بمجموع هذه الأعمال.
ومن هنا أيضًا يظهر صحّة ما ذكره #الميرزا_النائيني؛ فإنّ قول القائل: «صالحتك» معناه: أبدأ أنا بالمصالحة، ثم تقابلني أنت بها، أمّا «تصالحنا» فيعبّر عن حالةٍ مشتركة يتحقق فيها الصلح من الطرفين معًا.
وبناءً على ذلك، يتّضح أنّ تعريف «مصباح المنير» للبيع بأنّه «مبادلة مال بمال» ينطلق من أنّ البيع قائم بالطرفين؛ إذ يجعل أحدهما ماله بدلًا عن مال الآخر، ثم يجعل الآخر ماله بدلًا عن مال الأول، فتتحقق المبادلة، لا التبادل.
أمّا الشيخ، حين عبّر بـ«التبديل»، فإنّه ينظر إلى فعل البائع وحده؛ فالبيع عنده فعل أحد الطرفين، بينما فعل الآخر هو الشراء.
وخلاصة الأمر: إذا نُظر إلى البيع على أنّه فعل يصدر من طرف واحد، كان الأنسب التعبير عنه بـ«التبديل»؛ لأنّ الطرف الآخر يقوم بفعلٍ آخر هو الشراء. أمّا إذا اعتُبر البيع فعلًا مشتركًا بين الطرفين، صحّ التعبير عنه بـ«مبادلة مال بمال».
وعليه، فإنّ اختلاف هذه التعابير ليس ناشئًا عن التسامح أو عدم الدقة، بل يستند إلى نكتة فنية، وهي: هل يُنظر إلى عقد البيع بوصفه فعلًا صادرًا من أحد الطرفين، أم بوصفه فعلًا قائمًا بالطرفين معًا؟
نعم، في عقد الصلح يمكن أن يتحقق الفعل من الطرفين في وقتٍ واحد؛ لأنّ كليهما يقوم بالفعل نفسه، بخلاف عقد البيع، فإنّ هذا النحو من الإنشاء لا يصدق فيه، ولذلك لا يقال فيه: «تبادلنا».**)
#الدلالة_الفنية_للفرق_بين_التبديل_والمبادلة_في_تعريف_البيع
ثمرة القول بالشكلية أو الرضائية في عقد البيع
(**من المشكلات المطروحة اليوم كثرةُ الدعاوى المعروضة على السلطة القضائية؛ لأنّ كثيرًا من القضايا تُحال إليها مع أنّها لا تستدعي الإحالة، الأمر الذي يؤدّي بطبيعة الحال إلى تضخّم عدد الملفات. ومن هنا يرى بعضهم أنّه ينبغي تجفيف منابع النزاعات في المجتمع، لا الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوعها. فإذا أُسِّست العقود على التراضي وحده كان ذلك مهيِّئًا للنزاع، أمّا إذا أُقيمت على الشكل القانوني، مع تعيين المنشأ، فإنّ ذلك يحدّ بدرجة كبيرة من أسباب الاختلاف.
والفرق الجوهري بين الاتجاهين أنّ التراضي يُنظر إليه بوصفه مظهرًا لسلطان الإرادة؛ أي إنّني أردتُ إنشاء العقد بهذه الكيفية، والطرف الآخر قبله، فاجتمعت إرادتان على ذلك. أمّا إذا اعتُمدت الشكلية، فإنّ المعتبر هو سلطان القانون لا سلطان الإرادة.
ومن ثمرات ذلك أيضًا ـ كما سيأتي ـ أنّهم يجرون في العقود أصالة الفساد، بينما يقتضي البناء على مبدأ التراضي إجراء أصالة الصحة. فإجراء أصالة الفساد ناشئ عن ملاحظة الشكل القانوني، أمّا إذا كان الأساس هو التراضي، فكلما شككنا في عقدٍ ما، وكان التراضي متحققًا، لزم الحكم بصحته بأصالة الصحة. ومع ذلك، فإنّ الشيخ في كتاب «المكاسب» يجري أصالة الفساد؛ لأنّه ينطلق من ملاحظة القانون، فيُبحث عمّا إذا كان العقد قد وقع وفقًا لمقتضياته أم لا. وهذا التصور يفترض أنّ إرادة الفرد ينبغي أن تندمج أولًا في إطار القانون، فلا تكون إرادته أوسع من القانون أو متقدمة عليه، بل خاضعة له.
ولو فسّر أحدٌ قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» بأنّ الإنسان مسلّط على ماله، ومن ثمّ يحقّ له إنشاء أيّ عقد أو اتفاق يريده، لكان ذلك عين مبدأ التراضي، غير أنّ الفكر القانوني الغربي يعبّر عنه بمصطلحي «مبدأ الإرادة» و«سلطان الإرادة».
إلّا أنّ #السيد_الخوئي، لما لم يثبت عنده صدور حديث السلطنة عن النبي ﷺ، فسّر القاعدة بمعنى أضيق، وهو أنّ الناس مسلّطون على أموالهم في حدود العقود التي أقرّها الشرع أو القانون؛ فمن شاء باع، أو آجر، أو صالح، ضمن العقود المشروعة. وسيأتي ـ كما يذكر الأستاذ ـ أنّ #السيد_اليزدي فهم القاعدة على أساس مبدأ التراضي، فذهب إلى أنّها تشمل حتى العقود المستحدثة، وأنّ للإنسان أن ينشئ في ماله ما يشاء من العقود.
ومع ذلك، ينبغي الالتفات إلى أنّ الصلح ليس مرادفًا للتراضي، ولذلك قيّد بعض الفقهاء عقد الصلح أيضًا، فلم يفتحوا بابه على إطلاقه، ورأوا أنّ الغبن فيه وإن كان مغتفرًا في الجملة، إلّا أنّ الغبن الفاحش جدًّا يوجب الإشكال فيه.**)
#ثمرة_القول_بالشكلية_أو_الرضائية_في_عقد_البيع
العقود الشكلية والعقود الرضائية
(**يرى عددٌ كبير من الأعلام، ومنهم #الشيخ_النائيني، أنّه وإن كان التراضي في المعاملة أمرًا مقبولًا، إلّا أنّهم في الحقيقة يركّزون على الشكل القانوني للعقد؛ أي إنّ للعقد صورةً معيّنة ينبغي المحافظة عليها، ويكون التراضي إنّما هو لإنشاء تلك الصورة.
وفي مقابل ذلك، يوجد اتجاه آخر ـ وهو الاتجاه الذي يسير إليه العالم المعاصر إلى حدٍّ كبير، وإن لم يكن وليد هذا العصر ـ يقوم على جعل أساس المعاملات هو التراضي، لا الشكل.
ويؤكّد هذا الاتجاه الذي تبنّاه #الشيخ_النائيني على الشكل العقدي، ويرى أنّ تحقّقه يتوقّف على أمرين:
1. ملاحظة المُنشأ؛ فإن كان المُنشأ نقل العين فهو بيع، وإن كان نقل المنفعة فهو إجارة، وإن كان نقل حقّ الانتفاع فهو عارية... .
2. وبعد تشخيص المُنشأ، لا بدّ من الإتيان باللفظ المناسب له؛ فمن كان يلتزم بالشكل لا يصحّ عنده أن يقول: «آجرتك عين هذه الدار»؛ لأنّ لفظ «آجرتك» يدلّ على نقل المنفعة، فلا ينسجم مع عين الدار. وكذلك لو قال: «بعتك منافع الدار (سكنى الدار)» لم يصحّ؛ لأنّ لفظ «بعت» موضوع لنقل العين، بينما السكنى من المنافع، فلا يتطابق اللفظ مع المُنشأ.
أمّا إذا كان التراضي وحده هو الأساس، فإنّ ذلك يكفي.¹ وهذا البحث مطروح أيضًا في القوانين الوضعية؛ إذ يرى القائلون بالعقود الشكلية أنّ التراضي وحده ـ وإن أُبرز بصورةٍ جازمة ـ لا يكفي إذا لم تُراعَ الصورة القانونية المقرّرة للعقد؛ لأنّ للعقد شكلًا خاصًّا لا يتحقّق بدونه، فإذا اختلّ هذا الشكل بأيّ نحوٍ كان، لم يُعتدّ بالعقد.² (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 13-9-1396هـ.ش))
#العقود_الشكلية_والعقود_الرضائية
1️⃣ هذا البحث لم ندخل فيه بعد، وسنصل إلى الروايات ونتعرّض للإجابة عنها؛ إذ أشار إليه #الشيخ_الطوسي، وسنتناوله لاحقًا.
2️⃣ فلو نصّ القانون ـ مثلًا ـ على أنّ بيع شيءٍ ما لا يكون نافذًا إلا إذا كُتب في وثيقة ورقية، وأنّ التوثيق عبر الوسائل الإلكترونية لا يكفي، فإنّ مجرّد إعلان التراضي عبر الفضاء الإلكتروني لا يُعدّ كافيًا؛ لأنّ القانون اشترط الكتابة على الورق، فلا يتحقّق العقد بدون استيفاء هذا الشكل.
هل يجوز للمشتري أن يبدأ بإنشاء عقد البيع قبل البائع؟
(**وفي باب البيع أيضًا، لما كان كلا العوضين مالًا ـ أي: مبادلة مالٍ بمال ـ فإذا قال أحد الطرفين ابتداءً: «بعتُ هذا الكتاب بمائة تومان»، فهل يجوز للطرف الآخر أن يقول: «بعتُ هذه المائة تومان بهذا الكتاب»؟ وهل يصحّ كلا التعبيرين؟
سيأتي ـ إن شاء الله ـ أنّ جماعةً من الأعلام يرون أنّ البيع والشراء حقيقةٌ واحدة، ولذا يصحّ كلا التعبيرين، غير أنّ لكلٍّ منهما مدلولًا مطابقياً ومدلولًا التزامياً. فهم يعتقدون أنّه في باب البيع يكون المدلول المطابقي لكلام البائع هو التمليك، وأمّا المدلول الالتزامي فهو التملّك؛ أي: إنّه ملّك المشتري الكتاب الذي كان مِلكًا له، وفي المقابل تملّك منه المائة تومان. أمّا في جانب الشراء فالأمر بالعكس.¹² (خارج الفقه/ المكاسب/ البيع/ 13-9-1396هـ.ش))
#هل_يجوز_للمشتري_أن_يبدأ_بإنشاء_عقد_البيع_قبل_البائع؟
1️⃣ نعم، تندرج هنا أيضًا صورة البيع الفضولي، ويُراد بها هذا الجانب المتعلّق بالتملّك.
2️⃣ ونحن لا نوافق على تفسير المسألة بـالمدلول المطابقي والمدلول الالتزامي؛ إذ ليس من اللازم أن يكون تعدّد المطلوب دائمًا من هذا القبيل، بل توجد وجوه أخرى، كالتعبير الصريح والكِنائي، أو الأولي والثانوي، وغيرها. ويعبّر بعض المعاصرين عن ذلك بـالمدلول المباشر؛ فالبائع يكون مدلوله المباشر التمليك، والمدلول الثاني التملّك، بينما في جانب المشتري يكون مدلوله الأول التملّك ـ أي تملّك كتاب البائع ـ، ومدلوله الثاني تمليك المائة تومان للبائع. وأمّا مدى صحّة هذه التحليلات، فسيأتي التعرّض له لاحقًا.
حقيقة المُنشأ في عقد النكاح عند #السيد_المددي
(**ذهب أهل السنّة ـ استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] ـ إلى أنّ استعمال لفظ ﴿وَهَبَتْ﴾ يدلّ على أنّ الهبة لا تكون إلا في مقابل عِوَض، ومن ثمّ تصوّروا أنّ المهر في عقد النكاح يُعدّ عوضًا بطبيعته. وقد ذكروا ذلك في تفسير الآية، كما جرى عليه فقههم.
أمّا في رواياتنا وفقهنا القديم فلا نجد هذا المبنى، وإنّما أورده #الشيخ_الطوسي في كتابه «المبسوط» ـ لكونه متأثّرًا في كثير من مباحثه بالفقه السنّي ـ، ثمّ سار عليه أصحابنا من بعده، وفق القاعدة التي سبق ذكرها، وهي أنّهم ظلّوا إلى يومنا هذا يتابعون الشيخ في كثير من آرائه.¹
غير أنّ النكتة الأساس هي أنّ عقد النكاح لا يجعل الزوجية في مقابل المال؛ فقد أوضحنا مرارًا أنّ المُنشأ في النكاح هو علقة الزوجية نفسها، وهذه العلقة لا تتضمّن المال في ذاتها. بل حتى الزوجية لا تعني بالضرورة السكن في بيتٍ واحد أو المعاشرة الجنسية، وإنّما تعني إنشاء رابطة تجعل الزوجين مكمّلين أحدهما للآخر.
وعليه، فإنّ المرأة تُنشئ علقة الزوجية، والرجل يقبلها؛ ولذا كان النكاح من العقود التي تتوقّف على وجود طرفين. (خارج فقه/ مكاسب/ بیع/ 1396.9.13))
#في_عقد_النكاح_المُنشأ_هو_علقة_الزوجية_فقط
1️⃣ وقد قال بعض الأعلام ـ مراعاةً لمكانة #الشيخ_الطوسي ـ إنّ المهر «عِوَض»، بينما عبّر آخرون عنه بأنّه «كالعِوَض».
2️⃣ ويرى #السيد_الخوئي أنّ علقة الزوجية نسبةٌ واحدة بين الطرفين؛ ولذلك يصحّ ـ في نظره ـ أن تُنشئها المرأة كما يصحّ أن يُنشئها الرجل، بخلاف المشهور الذين يرون أنّه إذا صدر الإنشاء من المرأة فهو الإيجاب، وما يصدر من الرجل هو القبول. أمّا إذا بدأ الرجل بالكلام، فليس ذلك إيجابًا، بل يسمّى «استيجابًا»؛ أي طلب الإيجاب من المرأة، وكأنّ الإيجاب بطبيعته من شأنها.
وبناءً على هذا التفصيل، يفرّقون بين ما يبدأ به الرجل وما تبدأ به المرأة؛ فإذا كان الكلام من المرأة ـ وهو الإيجاب ـ استعملت صيغة الماضي ومن باب التفعيل، فتقول: «زوّجتك نفسي». أمّا إذا بدأ الرجل، فلا يقول: «زوّجتك نفسي»، بل يستعمل صيغة المضارع ومن باب التفعّل، فيقول: «أتزوّجكِ على كتاب الله وسنّة نبيّه».
وبحسب مبنى #السيد_الخوئي ينبغي أن يكون ذلك صحيحًا؛ لأنّه يرى أنّ الطرفين في إنشاء علقة الزوجية على حدٍّ سواء. ويؤيّد ذلك ـ مع غضّ النظر عن سند الرواية ـ ما ورد في رواية أبان بن تغلب، حيث علّمه الإمام (عليه السلام) صيغة عقد المتعة بقوله: «أتزوّجكِ على كتاب الله وسنّته لمدّة معلومة، وبشرطٍ معلوم»، والمقصود بالشرط هنا المهر، ثم قال: «فإذا قالت: نعم، فهي زوجتك».
رأي #الشيخ_النائيني في قاعدتي «لا ضرر» و«لا حرج»
(**من القواعد الاستنباطية التي اعتمدها #الشيخ_النائيني أنّ قاعدة «لا ضرر» ذات طابع شخصي، بينما قاعدة «لا حرج» ذات طابع نوعي.¹
إلّا أنّ الإشكال الذي يَرِد هنا هو أنّه مع كون هاتين القاعدتين من القواعد الفقهية، فقد جرى عبر التاريخ الاستدلال بقاعدة «لا ضرر» لإثبات الأحكام الكلية؛ فمثلًا استُدلّ بها في باب الخيارات لإثبات الحكم، أي إثبات خيار الفسخ.² (آخرین دورۀ خارج اصول فقه/ جلسۀ چهارم/ 1401.9.15))
#رأي_الشيخ_النائيني_في_قاعدتي_لا_ضرر_ولا_حرج
1️⃣ وعلى هذا المبنى، لو كان الوضوء في جوٍّ بارد نسبيًا سببًا للضرر أو المرض بالنسبة إلى 99% من الناس، ولم يكن كذلك بالنسبة إلى 1% منهم، فإنّ هذا الواحد بالمئة يجب عليهم الوضوء؛ لأنّ الضرر في حقّهم غير متحقّق. إلا أنّ #السيد_الخوئي كان يعترض على ذلك، ويرى أنّ «لا حرج» أيضًا قد يكون شخصيًا؛ فقد يكون الفعل حرجيًا بالنسبة إلى شخصٍ معيّن، مع أنّه لا يُعدّ حرجًا بالنسبة إلى النوع.
2️⃣ ومع أنّ المشهور في الأذهان أنّ قاعدة «لا ضرر» تنفي الحكم ولا تثبته، فإنّها منذ القرن الثاني الهجري استُعملت في العالم الإسلامي بوصفها قاعدةً تُثبت الحكم، لا أنّها تقتصر على نفيه. فلو كان مقتضى قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هو لزوم الوفاء بالعقد، ثم أصبح العقد منشأً للضرر ـ كما لو باع شخص سلعةً قيمتها ألف دينار بعشرة آلاف ـ فإنّ الفقهاء كانوا يقولون: إنّ قاعدة «لا ضرر» تمنع من شمول قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لهذا المورد. وبعبارة أخرى، كان علماء الإسلام يتمسّكون بقاعدة «لا ضرر» لإثبات ثبوت الخيار، لا لإثبات بقاء لزوم العقد.)**
#اعتبار_قاعدة_لا_ضرر_قاعدة_مثبتة_للحكم
سبب الإصرار على توظيف قاعدة «لا ضرر» بوصفها دليلًا شرعيًا ومادّة قانونية
(**ولمزيدٍ من توضيح هذه المسألة ـ وهي أنّ الفقهاء كانوا يسعون إلى الاستفادة من قاعدة «لا ضرر» بوصفها دليلًا شرعيًا وحكمًا إسلاميًا، أو بتعبير آخر مادّة قانونية ـ ينبغي استحضار هذه الحقيقة التاريخية دائمًا، وهي أنّ المسلمين منذ عصر الصحابة كانوا يعتقدون أنّ النصوص الشرعية، المتمثّلة بآيات القرآن الكريم وما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، محدودة، في حين أنّهم واجهوا عالمًا يكاد يكون غير محدود من الوقائع والقضايا المستحدثة.
ويُضاف إلى ذلك أنّ المسلمين، بعد فتحهم إيران، دخلوا إلى بلدٍ كان يُعدّ مركزًا حضاريًا عريقًا. ومع هذا، فإنّ الشواهد التاريخية واضحة في أنّ الروح القانونية لم تكن سائدة في مكة والمدينة، فضلًا عن غياب المصطلحات القانونية فيها. نعم، كانت المدينة تضمّ عددًا كبيرًا من اليهود، ولذلك كان فيها شيءٌ من المصطلحات الدينية، إلا أنّ الروح القانونية لم تكن حاضرة فيها.
وهذا بخلاف قانون حمورابي، الذي يُعدّ من أقدم القوانين المدوّنة، فمع أنّه لا يطابق الصياغة القانونية المتعارفة في عصرنا، إلا أنّه يُعدّ نصًا قانونيًا متكاملًا يضمّ أكثر من ثلاثة آلاف وسبعمائة مادة قانونية، وقد طُبع في العراق بعنوان «المسلّة».
وترجع قوانين حمورابي إلى نحو أربعة آلاف سنة، أي إلى حوالي ألفي سنة قبل الميلاد، وكانت في حوزة الآشوريين الذين كانت سيطرتهم تمتدّ تقريبًا من الحلّة إلى الموصل وشمال العراق (منطقة الجزيرة). ومن أشهر ملوكهم ـ في الذاكرة الإيرانية ـ بختنصر، الذي أخرج اليهود من بيت المقدس (أورشليم).
ومن أجل معالجة الوقائع المستجدّة، لجأ العلماء آنذاك إلى أمرين:
1. القياس.
2. الإجماع؛ أي الأخذ بما اتّفق عليه الصحابة.
ثمّ تعرّض كلٌّ من القياس والإجماع للنقاش والاعتراض في المراحل اللاحقة، فبدأ العلماء يبحثون عن قواعد عامة ومناهج كلية يمكن من خلالها معالجة المسائل الجزئية واستنباط أحكامها.)
#سبب_الإصرار_على_الاستفادة_من_قاعدة_لا_ضرر_بوصفها_دليلًا_شرعيًا_ومادّة_قانونية
سبب إضافة قيد «في الإسلام» إلى حديث «لا ضرر»
(**من المسائل التي كثر البحث حولها في الآونة الأخيرة، وأُفردت لها دراسات مطوّلة، مسألة: هل تشتمل رواية «لا ضرر ولا ضرار» على قيد «في الإسلام» أم لا؟
ونحن نرى أنّ هذا البحث ليس بالواقعية التي يُصوَّر بها. فالرواية الواردة عند أهل السنّة لا تشتمل على هذا القيد إلا في موردٍ واحد، ومع ملاحظة سنده يظهر أنّه يرجع إلى القضاة والفقهاء في القرن الثاني الهجري، وهو عصر ازدهار الفقه.
ويبدو أنّ كتب الحديث، وكذلك الكتب اللغوية الشارحة للحديث، مثل «النهاية»، تورد النص بصيغة: «لا ضرر ولا ضرار»، بينما تذكره كتب الفقه غالبًا بصيغة: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»؛ لأنّ الفقهاء أرادوا الاستناد إليه بوصفه دليلًا شرعيًا وحكمًا إسلاميًا عامًا، وجعله قاعدة قانونية. ومن هنا كان من الأنسب أن يقال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».
أمّا عبارة «لا ضرر ولا ضرار» مجرّدة، فقد تكون في الأصل مثلًا عربيًا دارجًا، كما ورد التعبير: «يقال: لا ضرر ولا ضارورة». أمّا إذا أُضيف إليها قيد «في الإسلام»، فإنّها تكتسب طابع النص الفقهي.
وذلك لأنّ الفقهاء كانوا يستدلّون بهذه القاعدة لإثبات الأحكام الكلية، فلم يكن تطبيقها مقتصرًا على الموارد الجزئية، كما في الوضوء إذا كان مضرًّا بالمكلّف، بل كانوا يستندون إليها أيضًا في المسائل الكلية، كإثبات خيار الضرر أو حق الشفعة في بعض الموارد. ومن هنا، لم تكن ثمرة قاعدة «لا ضرر» منحصرة في بيان حكمٍ شرعي فرعي جزئي.
وهنا ينبغي الإشارة إلى نكتة أخرى، وهي أنّه قد يقال: إنّ متن الحديث قد تعرّض للزيادة أو النقيصة. غير أنّ البحث الذي طُرح في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني كان يدور حول لزوم نقل الحديث بألفاظه نفسها أو جواز نقله بالمعنى.
وقد نُقل عن #الحسن_البصري وعددٍ قليل من العلماء أنّه يجب نقل الحديث بألفاظه عينًا، إلا أنّ المشهور بين عامة العلماء ـ بل وحتى في الرواية الواردة عن #الإمام_الصادق (عليه السلام) ـ هو جواز النقل بالمعنى، كما في قوله (عليه السلام): «أسمع منك الحديث فأزيد وأنقص؟ قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس».
وعليه، لا ينبغي أن يُتصوَّر أنّ إضافة عبارة «في الإسلام» تمثّل تحريفًا أو زيادةً في الحديث، بل الظاهر أنّها كانت في الأصل قرينةً حاليةً تدلّ على المراد، ثم حوّلها الفقهاء إلى قرينة لفظية؛ لأنّهم أرادوا الاستناد إلى الحديث بوصفه مادةً قانونية في الفقه. إذ لو بقيت تلك الدلالة حالية غير ملفوظة، لأصبحت بمنزلة الدليل اللُّبّي، لا بمنزلة النص القانوني الصريح.)
#سبب_إضافة_قيد_في_الإسلام_إلى_حديث_لا_ضرر
سرّ بقاء الفقه: حضوره في جميع شؤون الحياة
(**إنّ النقطة الأساسية ـ التي لا بدّ من الالتفات إليها في علم الأصول ـ هي أنّ الفقه، نتيجةً للتوسّع الذي شهدته الدولة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا سيّما في عهد الصحابة، وبالأخصّ في زمن الخليفة الثاني مع اتّساع الفتوحات الإسلامية، ومواجهة المسلمين لبلدان ومدن وقضايا جديدة، تحوّل إلى فقهٍ يعالج واقع الحياة العملية، ولم يبقَ في حدود الفروض والاحتمالات النظرية.
نعم، مع اتّساع الفقه في المراحل اللاحقة، دخلت فيه بطبيعة الحال فروضٌ غريبة ونادرة الوقوع؛ كما ورد في كتاب «رجال الكشي» أنّ #أبو_حنيفة سأل: لو خرج فيلٌ من البحر، أو خرج جملٌ منه، فهل يحلّ أكل لحمه أو لا؟، فأجابه ذلك الرجل: لا فرق، فإن كان له فلس أكلناه، وإلّا فلا. وكذلك ما ذُكر في أبواب الطلاق من فروض بعيدة، كقول الرجل: «أنتِ طالق بعدد نجوم السماء»، أو «أنتِ طالق ألف مرّة إلّا تسعمائة وسبعًا وتسعين»، أو «أنتِ طالق إلّا طلقةً واحدة»، وهي فروض لا تمتلك واقعًا عرفيًا واضحًا، وقد ذُكر جانبٌ منها في كتاب «المغني» ـ بمناسبة انتساب مؤلفه إلى المذهب الشافعي ـ في مبحث «كذا»، كما تناولتها بعض كتب اللغة أيضًا.
ومع ذلك كلّه، فإنّ الأصل الأوّلي في الفقه كان إدخاله في صميم الحياة العملية. ومن أمثلة ذلك البحث في أخذ الأجرة على الواجبات، وهو بحث قديم، حيث انتهى الفقهاء إلى أنّ العمل العبادي ـ سواء أكان واجبًا أم مستحبًا ـ وكذلك الواجبات، سواء كانت كفائية أم عينية، بل حتى الواجبات الاجتماعية كالقضاء، لا ينبغي أن يُؤخذ عليها أجر، وإنما تُجعل نفقاتها من بيت المال.
كما نُقل عن بعض علماء أهل السنّة أنّهم ذهبوا إلى أنّ التعليم الابتدائي للأطفال ينبغي أن يكون مجانيًا، بينما لا مانع من أخذ الأجرة على التعليم العالي.
وخلاصة الأمر أنّ الفقه امتدّ إلى جميع شؤون الحياة بدقّة، وكان هذا هو السرّ الحقيقي في بقائه واستمراره، فلم يكن علمًا منعزلًا عن واقع الناس، بل كان حاضرًا في مختلف جوانب حياتهم.
غير أنّه حتى عصر الخلفاء الراشدين ـ الذين يُعدّ #الإمام_الحسن_المجتبى (عليه السلام) أيضًا منهم بحسب اصطلاحهم ـ كان الفقه والسياسة متداخلين؛ لأنّهم كانوا يرون لهؤلاء الخلفاء قداسةً خاصة. أمّا منذ عهد معاوية ويزيد، ثم في عصر بني أمية وبني العباس، فقد انفصل الفقه عن السياسة، بحيث أصبح الفقه من اختصاص الفقهاء، بينما أصبحت إدارة المجتمع من اختصاص السلطة الحاكمة.
وكانت الحكومة تعرض المسائل على الفقهاء، وربما جمعت عددًا منهم في مجلس الخليفة، فيعرض كلّ واحدٍ أدلّته، ثم يختار الخليفة الرأي الذي يراه مناسبًا. وبذلك فُصل الفقه عن مؤسسة الخلافة والحكم.)
#سر_بقاء_الفقه_حضوره_في_جميع_شؤون_الحياة
تفسيرٌ مقبول لدعوى الأخباريين في عدم حجّية ظواهر الكتاب
(نعتقد أنّ أفضل توجيه لإشكال الأخباريين القائلين بعدم العمل بظواهر الكتاب والسنّة هو أنّهم أرادوا القول بأنّ عمومات الكتاب ليست سوى عمومات لفظية، وليست عمومات قانونية، وقد فرّقنا بين العموم اللفظي والعموم القانوني**.
فالعموم اللفظي، كقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، أمّا العموم القانوني فهو القاعدة الكلية التي وُضعت لرفع الشك في الموارد المعيّنة. ومن هنا طُرحت في علم الأصول مسألة: أيّ أنواع الشك يرتفع بالعام؟ فذكروا ـ مثلًا ـ أنّ الشك في مصداق العام، كما لو قيل: «أكرم العلماء» وشككنا في أنّ هذا الشخص عالم أم لا، لا يرتفع بالعام. وكذلك الشك في مصداق المخصِّص، كما لو قيل: «أكرم العلماء»، ثم قيل: «لا تكرم فسّاق العلماء»، ولم ندرِ هل هذا الشخص فاسق أم لا، فإنّ قوله: «أكرم العلماء» لا يرفع هذا الشك.
وقد يكون المخصِّص ذا شبهة مفهومية، أي يقع الشك في انطباقه. فلو قلنا: «اللهم العن بني أميّة قاطبةً»، وعلمنا ـ بدليل عقلي ـ أنّ المؤمن لا يكون ملعونًا، فقد يكون شخصٌ من بني أميّة نسبًا، ولكنه مؤمن، فلا يشمله اللعن. فإذا شككنا ـ مثلًا ـ في أنّ عمر بن عبد العزيز مؤمن أم لا، فإن كان مؤمنًا لم يشمله قوله: «اللهم العن بني أميّة»، وإن لم يكن كذلك شمله. فهل يمكن التمسّك بالعام لإثبات أنّه ليس مؤمنًا؟ وهل يرفع هذا الشك بالعام أو لا؟ إنّ هذه المباحث التي تُذكر في باب العموم ليست مباحث لغوية، بل هي مباحث قانونية.
ومثال آخر: لا إشكال في أنّ قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] له إطلاق لفظي، لكنّ محلّ البحث هو الإطلاق القانوني؛ لأنّ القانون إنّما وُضع لرفع الشك.
وحيث إنّ الفقه يتعلّق بعمل المكلّف وأفعاله، فقد انعكس هذا المنظور في تعريف الخطابات الشرعية أيضًا، فلم يعد يُنظر إليها من حيث معانيها الأولية فحسب، بل قيل في تعريف الحكم الشرعي: «هو خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين».
ولهذا، عندما تناول الأصوليون الظهورات اللفظية، فإنّهم إذا لم يجدوا الظهور اللفظي كافيًا، أو وجدوا معارضًا له، انتقلوا إلى الأصول العملية؛ لأنّ همّهم كان دائمًا تحديد الوظيفة العملية للمكلّف بأيّ طريق أمكن.
فلم يكن علم الأصول كعلم التاريخ، بحيث يمكن أن يقال: إنّ هذه الواقعة التاريخية غير واضحة فنتركها، بل كانوا يسعون إلى بناء علم الأصول بطريقة تنتهي دائمًا إلى بيان الوظيفة الشرعية العملية للمكلّف.)
#تقرير_مقبول_لدعوى_الأخباريين_في_عدم_حجية_ظواهر_الكتاب
الجذور التاريخية لمفهوم الحجة ونشأة القياس والإجماع في علم الأصول
(**وقد بيّنا غير مرّة أنّه لما كان يُطلق في التراث الإسلامي على كلا المعنيين عنوان «الحجّة» ـ أي: ما يحتجّ به المولى على العبد، ويحتجّ به العبد على المولى ـ ترسّخت تدريجًا فكرة أنّ موضوع علم الأصول هو الحجة، ثم تبيّن أنّ الحجة على قسمين:
الأول: الحجة بمعنى مصدر التشريع وأساسه؛ كالكتاب، وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والإجماع عند أهل السنّة.
والثاني: الحجة بمعنى الطرق والأمارات والأصول العملية، وهو المعنى الذي نعتمده اليوم في علم الأصول.
وقد أوضحنا مرارًا أنّ دخول هذين المفهومين إلى التاريخ الإسلامي يرجع إلى عهد الخليفة الثاني، وكان ذلك نتيجةً للفتوحات الإسلامية التي استجدّت؛ إذ واجه المسلمون مسائل لم يرد فيها نصّ في القرآن أو الروايات، فقاموا باستنباط أحكامها عن طريق القياس.
كما كان للخليفة الثاني مجلسٌ استشاري ـ لا انتخابي ـ يضم ثلاثين شخصًا: خمسة عشر من المهاجرين، منهم #الإمام_علي (عليه السلام)، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وخمسة عشر من الأنصار. وكانت تُعرض عليهم هذه المسائل، فيتشاورون فيها، ثم يعلن الخليفة النتيجة التي ينتهون إليها. ومن هنا كانت البذور التاريخية لفكرة الإجماع في التراث الإسلامي.
وكان الخليفة الثاني يتشاور علميًا أيضًا مع #عبد_الله_بن_عباس، إلا أنّه لم يكن عضوًا في هذا المجلس؛ لصغر سنّه، إذ كان آنذاك في حدود الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، غير أنّه كان معروفًا بذكائه ونبوغه، ولذلك كان يرجع إليه في بعض المسائل.
بل نُقل أنّهم تشاوروا في قضية أراضي العراق: هل تُقسَّم بين المقاتلين أم لا؟ وكيف ينبغي التصرّف بها؟ وكانت هذه الأراضي تمثّل أول مورد مالي كبير لبيت المال؛ فقد بلغ خراجها في السنة الأولى من خلافة عمر ثمانية عشر مليون درهم، وهو مبلغ لم يكن له نظير عند المسلمين آنذاك، ثم بلغ في السنة الثانية أربعةً وعشرين مليونًا، وفي الثالثة ستةً وثلاثين مليونًا، وقد دوّنت هذه الأرقام في المصادر التاريخية.
وكان طلحة والزبير يريان تقسيم أراضي العراق بين المقاتلين، بينما كان رأي #الإمام_علي (عليه السلام) هو الإبقاء على هذه الأراضي بيد الدولة، وتأجيرها، وصرف عائداتها إلى عامة المسلمين وإلى بيت المال. وفي الحقيقة، فإنّ بيت المال بصورته المؤسسية قد تشكّل أساسًا من هذه الأراضي الخراجية، ومن الأموال الضخمة التي دخلت منها، والتي بدأ توزيعها على المسلمين. نعم، كانت أرض خيبر في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سابقةً في هذا المجال، إلا أنّها لم تكن تدرّ أموالًا بحجم ما كانت تدرّه أراضي العراق من ملايين الدراهم.
وخلاصة الأمر: ينبغي دائمًا، عند دراسة المسائل الأصولية، أن تكون هذه الخلفية التاريخية حاضرةً في الذهن؛ لأنها تمثّل قرينةً متصلة لفهم طبيعة هذه المسائل، وكيفية ترتيبها، ومراحل نشأتها وتطورها.)
#الجذور_التاريخية_لمفهوم_الحجة_ونشأة_القياس_والإجماع
سهولة البحث في الحجج والأمارات وصعوبته في مصادر التشريع
(ومن النقاط الأخرى أنّ علم الأصول، بعد أن انقسم إلى قسمين رئيسين: مصادر التشريع والحجج والأمارات أو الأصول العملية**، كان الغالب في المباحث المرتبطة بمصادر التشريع أنّها خلافات مذهبية؛ فمثلًا: القياس حجّة عند أهل السنّة وليس حجّة عندنا، والإجماع عندهم دليل مستقل، بخلاف مذهب الإمامية. ولهذا فإنّ حلّ هذه المسائل بالغ الصعوبة، ولا يسع الباحث فيها إلا أن يقول: «على المبنى»؛ لأنّهم يعتقدون ـ مثلًا ـ أنّ #الإمام_علي (عليه السلام) لم يكن يعمل بالقياس، لكنهم يقولون: إنّ عمر كان يعمل به. ومن الطبيعي أنّ القضايا التي تعود إلى عصر الصحابة يصعب حسمها؛ لأنّها مبنية على اختلاف المباني.
أمّا المسائل التي ترجع إلى الحجج والأمارات، فإنّ معالجتها أسهل؛ لأنها لا ترتبط بأصول المذهب. فمثلًا: قاعدة الفراغ، هناك من يقول بها ومن لا يقول بها، سواء عندهم أو عندنا. وكذلك مسألة: هل تدل صيغة الأمر على الوجوب أم لا؟ فقد ذهب بعض علماء أهل السنّة إلى دلالتها على الوجوب، وخالفهم آخرون، وكذلك الحال بين علمائنا؛ فمنهم من يرى أنّها موضوعة لمطلق الطلب، ومنهم من يرى أنّها موضوعة للوجوب. فهذه الاختلافات لا ترجع إلى أصول المذهب، بحيث يقال مثلًا: إنّ الخليفة الثاني قال بذلك، فيجب اتباعه.
وكذلك الاستصحاب، بوصفه من مباحث الحجج والأمارات، فإنّه غالبًا قابل للبحث والمناقشة؛ لأنّه ـ حتى في الشبهات الحكمية الكلية ـ لا يرتبط بأصل مذهبي. وقد تبيّن من خلال الدراسة التاريخية أنّ أهل السنّة يستندون في الاستصحاب إلى رواية واردة في الشك في الوضوء أثناء الصلاة، ثم إنّ بعضهم عمّمها إلى ما بعد الصلاة، وبعضهم إلى مطلق الشبهات الموضوعية، وبعضهم إلى الشبهات الحكمية أيضًا.
ومن هنا يمكن مناقشة هذا التوسّع؛ إذ نُقل عن #الإمام_مالك أنّه في نفس تلك المسألة يرى: إذا شكّ المصلّي في الحدث أثناء الصلاة استمرّ في صلاته، أمّا إذا وقع الشك خارج الصلاة فعليه أن يتوضّأ. فهذا يعني أنّ أحد كبار فقهائهم اقتصر في العمل بالرواية على موردها، ولم يعمّمها حتى إلى الشك في الحدث خارج الصلاة، فضلًا عن تعميمها إلى جميع الموضوعات أو إلى الشبهات الحكمية الكلية. وهذا يكشف عن أنّ هذه المسائل قابلة للنقاش والاجتهاد.
أمّا إذا قيل لهم: إنّ #الإمام_علي (عليه السلام) قال: إنّا لا نعمل بالقياس، فإنّهم يجيبون: نعم، ولكن غيره من الصحابة كان يعمل به، وجميعهم عندنا حجّة، ولا سيّما أولئك الصحابة الذين لهم منزلة خاصة.
نعم، إنّ الظاهرية، وعلى رأسهم #ابن_حزم وأتباع #داود_بن_علي_الأصفهاني مؤسّس المذهب الظاهري ـ وهم أقرب إلى الأخباريين عند الإمامية ـ لا يعملون بالقياس ولا بالإجماع اللذين يحتجّ بهما جمهور أهل السنّة؛ لأنّهم يقيمون الشواهد على أنّ هذين الأصلين دخلا إلى علم الأصول في مرحلة متأخرة.)
#صعوبة_البحث_في_مصادر_التشريع_وسهولته_في_الحجج_والأمارات
الأصلان الوحيدان اللذان يجريان على نفس الحكم في الشبهات الحكمية الكلية
(**وبعبارة أخرى: بما أنّه ينبغي أن تكون الدورة الأصولية حاضرة في الذهن، فلا بدّ من الالتفات إلى أنّه في الشبهات الحكمية الكلية لا يجري على نفس الحكم إلا الاستصحاب وأصالة الطهارة؛ فيقال مثلًا: الوجوب ثابت، أو الاستحباب ثابت.
وقد كررنا مرارًا أنّ الدليل الرئيس لأصالة الطهارة هو رواية #عمار_الساباطي، وهي ـ مع اشتمالها على عبارة: «كلّ شيء نظيف»، وكون غايتها «حتى تعلم» ـ تُعدّ من الأصول العملية؛ لأنّنا قد بيّنا قبل قليل أنّ كلّ حكم جُعل مغيّى بالعلم بالخلاف فهو أصل عملي، وكلّ حكم جُعل مغيّى بالواقع فهو حكم واقعي. ومن أمثلة ذلك حديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»، فإنّ غايته «حتى تؤدّي»، ولذلك يُعدّ حكمًا واقعيًا؛ أي إنّ ما يأخذه الإنسان من مال غيره ـ وأوضح مصاديقه الغصب ـ يبقى مضمونًا في عهدته ولا تبرأ ذمّته منه حتى يؤدّيه ويردّه إلى صاحبه.
ثم إنّ التعبير الوارد في الرواية ليس: «كلّ شيء طاهر»، بل: «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت أنّه قذر فقد قذر»، ولا توجد في الروايات المعتبرة عبارة: «كلّ شيء طاهر». نعم، نقل #الشيخ_الصدوق في كتاب المقنع مرسلًا: «كلّ شيء طاهر»، وإلّا فالنصّ الثابت سندًا هو: «كلّ شيء نظيف».
ومن هنا، فإنّ الإنصاف يقتضي أنّه لو اقتصرنا على هذه الرواية وحدها، لأمكن القول باختصاصها بالشبهات الموضوعية؛ لأنّ لفظتي «نظيف» و«قذر» أنسب بالشبهات الموضوعية من الشبهات الحكمية الكلية. نعم، حيث إنّ فتوى الأصحاب قد جرت على شمولها للشبهات الحكمية، فإنّنا نقبل بذلك، إلّا أنّ موردها يختص بالطهارة فقط.
أمّا الاستصحاب فهو الأصل الوحيد الذي يسري في جميع أبواب الفقه، وهو الأصل الوحيد عندنا الذي يجري في الشبهات الحكمية لإثبات الحكم.
وأمّا سائر الأصول، كـقاعدة سوق المسلمين، وقاعدة الفراغ، وقاعدة التجاوز، وقاعدة اليد ـ وإن كان بعضهم يعدّ اليد أمارةً على الملكية ـ فجميعها تجري في الموضوعات الخارجية، ومن ثمّ فهي خارجة عن علم الأصول.
ولهذا ذهب #الميرزا_النائيني إلى أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية يُعدّ مسألة أصولية، بينما يكون في الموضوعات الخارجية قاعدةً فقهية.
والجدير بالالتفات أنّ القدماء لم يذكروا قواعد مثل قاعدة الفراغ في علم الأصول، بل أدرجوها ضمن «القواعد الفقهية»، كما أنّ علماء أهل السنّة بحثوها تحت عنوان «الأشباه والنظائر».)
#الأصلان_الوحيدان_اللذان_يجريان_في_علم_الأصول
التحول المنهجي في علم الأصول الشيعي منذ #الوحيد_البهبهاني والتمييز بين الحكم الواقعي والظاهري
(**إنّ علم الأصول الشيعي بصورته الحديثة بدأ منذ عصر #الوحيد_البهبهاني، وقد ذكرنا في مبحث البراءة أنّ هذه كانت النتيجة التي انتهى إليها فقهاؤنا منذ ذلك العصر. وخلاصتها أنّ الأصول الشيعية الحديثة سعت إلى استنباط أمهات المسائل الأصولية من نفس الروايات، بينما لم يكن هذا هو المنهج المتّبع في العصور السابقة.
فـ#الشيخ_الطوسي ـ مع أنّه يقول بالاستصحاب، وقد بحثه في كتاب العدة ـ لا يستدل عليه بحديث «لا تنقض اليقين بالشك»، بل يقول: لأنّا كنّا على يقين بثبوت الحالة السابقة، ثم شككنا في زوالها، فالأصل عدم الزوال، فتثبت الحالة السابقة. فهو لا يتمسّك بالرواية أصلًا.
واللافت أنّ حديث «لا تنقض اليقين بالشك» لم يروه لا #الكليني ولا #الشيخ_الصدوق، وإنما رواه #حسين_بن_سعيد؛ أي إنّه موجود في مصادر القرن الثالث، لكنه غير موجود في مصادر القرن الرابع.
كما أنّ الروايتين الصحيحتين الأوليين لزرارة لم يروهما أيٌّ من هؤلاء الثلاثة، وأمّا الرواية الثالثة فلم يروها الصدوق أيضًا، وإنما أوردها الكليني في باب الشك في الركعات. وأمّا الروايتان الأوليان فلم ينقلهما من بين هؤلاء إلا #الشيخ_الطوسي في القرن الخامس، ومع ذلك لم يستدل بهما في باب الاستصحاب.
في حين أنّ العمدة في الاستدلال على الاستصحاب بعد عصر #الوحيد_البهبهاني أصبحت هي هذه الرواية نفسها، كما هو معروف.)
#الأصلان_اللذان_يجريان_في_علم_الأصول
#الفارق_الأساسي_بين_الحكم_الواقعي_والحكم_الظاهري
البراءة الواقعية والظاهرية وحدود جريان الأصول العملية في علم الأصول
(في علم الأصول المتداول اليوم لا يجري بعنوانه إلا أصلان فقط:
1. أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية الكلية؛ كما في المثال المعروف للحيوان المتولّد بين حيوانين، حيث تُجرى فيه أصالة الطهارة.
2. الاستصحاب، والمراد بالحكم هنا أن يكون الشيء واجبًا سابقًا فيُحكم ببقاء وجوبه، أو حرامًا بعنوانه فيُحكم ببقاء حرمته.
وأمّا في مقابل ذلك، فإن البراءة بمعنى نفي الحكم ظاهراً ـ كما يفسّرها علماؤنا اليوم، وقد ذكرنا أنّ هذا المعنى إنما اشتهر منذ عصر #الوحيد_البهبهاني ـ فهي لا تثبت حكمًا، بل تنفيه ظاهرًا عند الجهل، ولذلك فهي لا ترجع إلى نفس الحكم، بل تندرج تحت ما ذكره من أنّها: «ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل»، فهي في الحقيقة لا تُبيّن الحكم.
نعم، ذهب أهل السنّة إلى أنّه إذا لم يُعثر على دليل، فالحكم الواقعي هو الإباحة.
والجدير بالذكر أنّ حديث الإطلاق الذي انفرد #الشيخ_الصدوق بروايته، فإن ثبتت صحته ـ مع أنّه أورده مرسلًا وانفرد به ـ فإنّه يثبت الإباحة الواقعية، لا الإباحة الظاهرية ولا البراءة الظاهرية، بل إنّ الصدوق نفسه استدلّ به في كتاب الفقيه لإثبات الإباحة الواقعية.
وكما كرّرنا مرارًا، فإن كل حكم جُعل مقيّدًا بالحالات الإدراكية، كالعلم والظن ونحوهما، فهو حكم ظاهري، وكل حكم جُعل مقيّدًا بأمر واقعي فهو حكم واقعي. ومن هنا، فإن قوله: «حتى يرد فيه نهي» قد عُلّق على ورود النهي من الشارع، وهو أمر واقعي، فيكون معنى: «كل شيء مطلق» أي: مطلق واقعًا، وحلال واقعًا.
ولا يصحّ الإشكال بأنّه قد يكون صدر من الشارع حكم لم يصل إلينا ـ كما يورده الأخباريون استنادًا إلى الروايات الدالّة على أنّ بعض الأحكام عند الإمام المهدي (عليه السلام) ـ فلا يمكن الحكم بالإباحة الواقعية؛ لأنّه بحسب ظاهر الحديث تكون الإباحة واقعية، مع افتراض وصول الأحكام إلينا.
والواقع أنّ أصل هذه الفكرة يرجع إلى عصر الصحابة، ولا سيّما منذ زمن الخليفة الثاني؛ إذ كانوا إذا سُئلوا عن حكم شيء، فلم يجدوا فيه نصًا في القرآن، ولم يكن الصحابة قد سمعوا فيه شيئًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم يقولوا: الأصل الإباحة الظاهرية، بل كانوا يستنتجون أنّه حلال واقعًا.
ومن هنا، فإن أهل السنّة يعدّون البراءة حكمًا واقعيًا لا ظاهريًا، ولذلك أكّدنا مرارًا أنّ حديث الرفع عندهم لا يشتمل على فقرة «ما لا يعلمون».
وخلاصة الأمر: إنّهم يقولون: ما دام الله تعالى لم يحرّمه، فهو حلال واقعًا.
ومن الشواهد على ذلك القصّة المشهورة التي نُقلت عن صهر الخليفة الثاني، حيث شرب الخمر ثم استدلّ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقال: أنا قد شربت الخمر، وما دمت من أهل التقوى فلا إثم عليّ! بل كان يعتقد أنّه لا حدّ ولا تعزير عليه.
ولمّا عرض عمر المسألة على الصحابة لم يجدوا جوابًا؛ لأنّ الحدود المنصوص عليها في القرآن لا تتجاوز أربعة أو خمسة، كالسرقة والزنا والمحاربة ونحوها، أمّا سائر الحدود فليست منصوصة فيه. ثم سأل: هل سمع أحد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئًا في ذلك؟ فقالوا: لا.
بل إنّهم كانوا يقبلون خبر أيّ شخص إذا ادّعى سماع حكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولو كان رجلًا عربيًا عاديًا. وقد روى #الشافعي في كتاب الرسالة أنّ رجلًا سأل الخليفة الثاني عن مسألة فأجابه فيها، ثم قال رجل من عامة العرب: لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُسأل عن هذه المسألة فأجاب بخلاف ذلك. فقال عمر للسائل: اعمل بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا تعمل بما قلتُه أنا. ثم أطال الشافعي الكلام بعد ذلك مؤكّدًا أنّ عمر ترك رأيه بمجرد ثبوت كلام النبي (صلى الله عليه وآله).
ولا يزال عند أهل السنّة إلى اليوم مثال في مسألة تطهير جلد الميتة بعد الدباغ، وجواز بيع جلد الكلب بعد دبغه، حيث كانوا قد أفتوا بحكم معيّن، ثم عُثر بعد ذلك على كتابٍ كتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أهل اليمن، فتغيّر الحكم تبعًا له.)
#البراءة_الواقعية_والبراءة_الظاهرية
#حدود_جريان_الأصول_العملية
فلو فرضنا أنّه أصبح جائزًا عندهم، يمكن أن يقال: إنّه أمر لم يكن موجودًا في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لكن: «رآه المسلمون حسنًا فهو حسن».
وكانت أمثلة الاستحسان قديمًا قليلة، مثل أجرة الحمّامي، ولكن لو قبلنا ـ كما فعل أهل السنّة ـ الاستحسان في الفقه، فهو اليوم ذو فائدة كبيرة جدًّا؛ لأنّ عددًا كبيرًا من المعاملات انتقلت بصورة طبيعيّة من العالم الغربي إلى العالم الإسلامي، وعندما ننظر إلى أساسها الفقهي نجد فيها إشكالات.**)
#إذا_فرضنا_قبول_الاستحسان_في_الفقه_فهو_اليوم_ذو_فائدة_كبيرة
1️⃣ #شرح_نهج_البلاغة (ابن أبي الحديد)، ج 12، ص 86؛ #نصب_الراية، ج 1، ص 20.
2️⃣الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ج 2، ص 187، ش 863، از احمد حنبل و بزّار و طيالسیّ و طبرانیّ و ابو نعيم اصفهانى و بيهقی.
3️⃣سنن أبي داود، ج 2، ص 119 ـ 120، ح 3376 و3382؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 100 و... .
4️⃣ر.ک: الجامع الصغير، ج 2، ص 692، ح 9410؛ كنز العمّال، ج 7، ص 345، ح 19198.
🔴 العقد المركّب والاستحسان بوصفه حلًّا لبعض المستجدّات الفقهيّة
(**في مسألة الذهاب إلى الحمّام العام ـ الذي لم تعد حمّامات اليوم على صورته السابقة ـ كان الشخص يدفع مثلًا تومانًا واحدًا، وكان بعضهم يمكث عشر دقائق، وبعضهم ساعة، وبعضهم نصف ساعة. كما أنّ مقدار الماء الذي يستهلكه كان مختلفًا؛ فبعضهم يستعمل ماءً قليلًا، وبعضهم أكثر. ولذلك كانوا يبحثون: ما حقيقة هذه المعاملة؟
فإذا قلنا: إنّها إجارة ـ ومن المعلوم أنّ الإجارة إمّا إجارة أشخاص، مثل الخيّاط ونحوه حيث تستأجر العامل، أو إجارة أعيان، مثل استئجار البيت ـ فهذه تكون من إجارة الأعيان.
وكان الإشكال الأوّل: أنّه يجب في الإجارة تعيين المدّة، في حين أنّ الداخل إلى الحمّام قد يبقى عشر دقائق، وقد يبقى نصف ساعة، وعليه تكون هذه الإجارة فاسدة.
والإشكال الثاني: أنّك غير كونك تنتفع بالحمّام مدّة من الزمن، فإنّك تستهلك الماء أيضًا، والماء قد مُلِّك لك، وتملّك الماء يجب أن يكون معلومًا ومعيّنًا، وفي جميع ذلك يوجد الغرر، وبناءً على القواعد الفقهيّة يكون العقد باطلًا.
إضافة إلى ذلك، فالأمر هنا ليس من قبيل الدلالة المطابقيّة والالتزاميّة، بل أحد الأمرين هو تمليك عين (فقد ملّكك الماء، وليس مجرّد إباحة التصرّف، والإنصاف أنّ بينهما فرقًا)، والآخر تمليك منفعة (وهي بقاؤك في الحمّام عشر دقائق مثلًا)، وكلاهما مقصود بالدلالة المطابقيّة.
ومثل هذا العقد يُسمّى اصطلاحًا: العقد المختلط أو العقد المركّب.
وخلاصة الكلام: إنّ ما ذكره #الميرزا_الناييني فقط ثمّ أعرض عنه، حيث كان أمرًا مسلّمًا عنده فجعله من قبيل الدلالة المطابقيّة والالتزاميّة، قد جعل له في العالم الجديد حسابًا خاصًّا.
فعندما واجه علماء الإسلام هذه المسألة: ماذا نفعل في إجارة الحمّام؟ قالوا في البداية: إنّها بحسب القواعد الفقهيّة باطلة. ومن هنا فُتح بحث آخر في علم الأصول، وسُمّي الاستحسان، وقالوا: إنّ الاستحسان أحد مصادر التشريع، وهو حجّة كالحجّة المستفادة من الكتاب والسنّة والعقل والإجماع.
وينبغي الالتفات إلى أنّه، خلافًا لما يتصوّره بعضنا من الشيعة ـ من أنّ الاستحسان مجرّد ذوق ورأي شخصي ـ، فإنّ الاستحسان عندهم هو أن يصبح عملٌ ما رائجًا ومستقرًّا في المجتمع الإسلامي، ثمّ عند التحقيق الفقهي نجد فيه إشكالًا بحسب القواعد، فنقول: إنّ مجرّد استقرار هذا العمل وشيوعه في المجتمع الإسلامي كافٍ.
واللافت أنّه منذ القرن الثاني، عندما اختلف الفقهاء حول الاستحسان، كانوا مختلفين فيما بينهم (وهذا الخلاف بين أهل السنّة ولا يرتبط بنا، وأصلُه يرجع إلى القرن الأوّل).
فقد نسب بعض علماء أهل السنّة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرواية المشهورة: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»،1️⃣ ولكن التحقيق أنّ هذه العبارة من كلام #عبدالله_بن_مسعود،2️⃣ وليست حديثًا مرفوعًا إلى النبي (صلى الله عليه وآله).
ومن الطبيعي أنّ هذا الاستحسان له قدرة كبيرة على حلّ الإشكالات، ولا ينبغي التقليل من شأنه. فالمسألة ليست مجرّد أجرة الحمّامي، بل تشمل البنوك وكثيرًا من المسائل ـ كالتأمين ـ التي أصبحت رائجة في العالم الإسلامي، ونجد أنّها لا تنسجم بسهولة مع القواعد الشرعيّة، فيمكن ـ بناءً على قبول الاستحسان ـ تصحيحها من هذا الطريق.
وكان أحدهم يقول: في ماليزيا ـ وهي دولة حديثة العهد، تدّعي الإسلام، وربّما لم يمضِ على انتقالها من حالة الغابات إلى الحياة المدنيّة سوى نحو ستين سنة ـ قال لنا أحدهم: ليس لدينا في الاقتصاد المالي تأمين؛ لأنّ التأمين غرري، وقد ورد: «نهى النبيّ عن الغرر».3️⃣
والتأمين أحد الحلول له هو هذا الطريق. ونحن سنذكر ـ إن شاء الله ـ أنّ عقد التأمين أيضًا نوع من العقد المركّب.
واعلموا أنّ الحمّام العام لم يكن موجودًا في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله). فالمدينة، بل العالم الإسلامي آنذاك، لم يكن فيه حمّامات. وإنّما ظهرت الحمّامات في زمن عمر وبعد فتح بلاد فارس.
وعليه، فإنّ المراد من الرواية: «نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة في الحمّام»4️⃣ ليس الحمّام العام المعروف، بل كان المراد غرفةً كانت تُستعمل للاغتسال. فإذا ذهبتم إلى المدينة ـ مثلًا ـ تجدون بجوار الحجرة المباركة التي فيها قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) حجرةً أخرى ذات شكل شبه منحرف، وكانوا يضعون فيها إناءً ويغتسلون.
وعليه، فالمراد من الحمّام في رواية «الصلاة في الحمّام» ليس الحمّام العام، بل يشمل ـ على قول بعض الفقهاء ـ حتّى الحمّام الخاص في البيت؛ لأنّ كراهة الصلاة فيه ـ أو على قول بعض فقهاء أهل السنّة: حرمة الصلاة فيه ـ تشمل كلّ مكان يُغتسل فيه.
وكذلك الشطرنج؛ فإنّه لم يكن موجودًا في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإنّما ظهر في زمن عمر. وقد نُقل عنه أنّه قال أوّلًا: الشطرنج ممنوع ومنع منه، ثمّ قيل له: إنّه يفيد في التدريب على الحرب وتقوية أسلوب الهجوم، فقال: لا بأس به.
جماعة يرون أنّ أفقه فقهاء الشيعة من عصر الأئمّة (عليهم السلام) إلى زماننا هو #المحقق_الحلي (صاحب #الشرائع)، وجماعة أخرى ترى أنّه #الشهيد_الأول، يقول - المحقق البجنوردي-: إنّ رأيي أنّ أعلم علماء الشيعة من عصر المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا هو #الميرزا_النائيني.
🔴 شخصيّة #الميرزا_النائيني ونظريّته في معنى العقد
(**إنّ #الميرزا_النائيني إضافةً إلى جهات الفقاهة وما يرتبط بها، كان يمتلك ذهنًا قانونيًّا متقدّمًا جدًّا، وفكرًا واضحًا، وإحاطةً فكريّة واسعة.1️⃣ وإنصافًا هو شخصيّة كبيرة، وفكره في غاية الصفاء والوضوح، وليس فيه تعقيد.
وكما ذكرنا، بدأ #الميرزا_الناييني من هذه النقطة، وهي أنّ الفقهاء قسّموا الفقه إلى أربعة أبواب، وكان أحد هذه الأبواب هو العقود، وباب آخر هو الإيقاعات.2️⃣
ومع كلّ احترامنا له، ينبغي أن يقال: إنّ الطريق الذي دخل منه إلى أبواب الفقه بعيد جدًّا عن البحث الذي نحن بصدده، ولذلك لا ينفعنا في هذا المقام. ثمّ دخل بعد ذلك في بحث المعاملات وتفسير المعاملات والعقود، ومن هنا يبدأ ما يرتبط بهذا البحث.
فقد انطلق من أنّ المعاملات لها ثلاثة معانٍ، أحدها العقود، وهي الأمور التي تحتاج إلى طرفين. ثمّ ذكر شرحًا إجماليًّا لكلمة «العقد»، وكان رأيه الشريف أنّ العقد هو العهد المؤكّد.
وسيأتي في بحث أصالة اللزوم في باب البيع أنّه ورد في الرواية: إنّ قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني: أوفوا بالعهود.
وأمّا تقسيم العقود إلى ثلاثة أقسام:
العقود الإذنيّة،
العقود العهديّة،
والعقود العهديّة على قسمين: تعليقيّة وتنجّيزيّة،
فهو أيضًا مقدّمة جيّدة لبحث البيع.)
1️⃣ كتاب «تنبيه الملّة»، مع قطع النظر عن بعض الجهات الموجودة فيه، هو على هذا النحو. وكان #السيد_البجنوردي ـ قدّس الله نفسه ـ بخلاف جماعة يرون أنّ أفقه فقهاء الشيعة من عصر الأئمّة (عليهم السلام) إلى زماننا هو #المحقق_الحلي (صاحب #الشرائع)، وجماعة أخرى ترى أنّه #الشهيد_الأول، يقول: إنّ رأيي أنّ أعلم علماء الشيعة من عصر المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا هو #الميرزا_الناييني.
2️⃣ #منية_الطالب، ج 1، ص 89.
#شخصية_الميرزا_الناييني_ورأيه_في_العقد
