𝑨𝒃𝒐𝒖𝒕 𝑾𝒂𝒂𝒅
Kanalga Telegram’da o‘tish
عن وعدٍ يشبه الوردة ذات البهاء، مسمومة الشوك.
Ko'proq ko'rsatishMamlakat belgilanmaganToif belgilanmagan
297
Obunachilar
-624 soatlar
-47 kun
+2030 kun
Postlar arxiv
294
لعلّ تلك الجدران البيضاء ليست بذلك السوء؛ فهي، رغم برودتها، أكثرُ حنانًا من وجوهٍ ألفتُها طويلًا، وأكثرُ أُنسًا من قلوبٍ كنتُ أظنّها مأواي، حتى اكتشفتُ أنّ بعض البيوت مقابرُ مؤجّلة، وأنّ المرء قد يُدفن حيًّا بين أهله دون أن يتكرّم عليه أحدٌ بقبضة تراب. ولعلّ تلك الأصوات المتداخلة، التي يشمئزّ منها العابرون، ليست بذلك الصخب؛ فلكلّ صوتٍ حكايةٌ تنزف من مكانٍ لا تبلغه العيون، ولكلّ صرخةٍ جثةُ شعورٍ عجز صاحبها عن مواراتها. هنا، لا يبدو الجنون غريبًا كما تصوّره الحكايات، بل يبدو أحيانًا كآخر ما تبقّى للمرء حين تعجز روحه عن احتمال اتّزانٍ زائفٍ يُجبره العالم على ارتدائه. ولعلّ تلك الأدوية الملوّنة، التي أبتلعها كلّ يومٍ كأنّني أبتلع أجزاءً صغيرةً من عتمتي، أكثرُ راحةً من شرب الماء في منزل أهلي؛ فالماء هناك كان يعبر حلقي باردًا، لكنّ شيئًا في صدري كان يختنق كلّما رفعتُ الكأس. لم تكن المرارة في الماء، ولا في طعمه، بل في الأيدي التي قدّمته، وفي الكلمات التي سبقتْه، وفي ذلك الشعور القذر بأنّني غريبةٌ في المكان الذي يُفترض أن أكون فيه أكثر الناس أمانًا. مصحة الحياة؛ يا للمفارقة، أن أجد في مكانٍ يسمّونه مصحّةً ما عجزتُ عن إيجاده في البيت الذي يسمّونه عائلة. هنا، لا أحتاج إلى إخفاء ارتجاف يدي، ولا إلى دفن انهياري تحت ابتسامةٍ مهذّبة، ولا إلى الاعتذار عن حزني كأنّه جريمةٌ ارتكبتها بحقّ الآخرين. هنا، حين أصمت، لا يُطالبني أحدٌ بتبرير صمتي، وحين أتداعى، لا أضطرّ إلى جمع شظايا نفسي على عجلٍ كي لا يراها أحد. حتى السرير البارد يبدو أكثر صدقًا من بعض الأحضان؛ فهو لا يعدني بالدفء، ولا يتركني أرتجف بعد أن يوهمني به. أحيانًا، أتساءل: أأنا مريضةٌ حقًّا، أم أنّني قضيتُ طويلًا في محاولة التعايش مع أشياء كانت تقتلني ببطء، حتى صار نزيفي جزءًا من طبيعتي؟ وهل جئتُ إلى هنا لأُشفى، أم لأتعلّم أخيرًا كيف أعيش دون أن أضطرّ إلى التظاهر بأنّني بخير؟ لا أعرف. كلّ ما أعرفه أنّني، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، لا أشعر بالحاجة إلى إقناع أحدٍ بأنّ ألمي حقيقي. وهذا وحده، يا للسخرية، أشبه بالحياة من كلّ ما عشتُه خارج هذه الجدران.
