كتمونا
Відкрити в Telegram
481
Підписники
+124 години
+67 днів
+3230 днів
Архів дописів
481
الحرب الصهيوأمريكية وإيران (1):
في أوقات الصراع الكبرى التي تمر بها الأمة الإسلامية، يطفو على السطح سؤال قديم: هل يجوز أن تتحول الخلافات المذهبية إلى سبب للتخاذل أو الشماتة عندما يواجه جزء من المسلمين عدوانًا خارجيًا؟
إن مراجعة تراث أئمة الإسلام تكشف بوضوح أن فقه الأولويات كان حاضرًا بقوة؛ فقد قرر كبار العلماء، رغم اختلافاتهم العقدية والمنهجية، أن خطر العدو الكافر المعتدي يُقدَّم في الدفع على الخلافات الداخلية. ومن هنا تلتقي نصوص أئمة كبار، مثل الإمام ابن تيمية والإمام تقي الدين السبكي، عند أصلٍ واحد: نصرة المسلمين ووحدة دار الإسلام في مواجهة العدوان، وتأجيل النزاعات المذهبية إلى ما بعد زوال الخطر.
وحيث إن بعض الأصوات في الخطاب المعاصر ترى الحرب بين الصهيونية وإيران ـ بزعم أنهم شيعة ـ من باب «اللهم انصر الظالمين بالظالمين»، فإن هذا القول لم يقل به أئمة الإسلام في أوقات غزو العدو الكافر لأرض الإسلام، حتى وإن كان بعض المسلمين أصحاب بدع.
فقد تلاقت نصوص الأئمة، رغم التباين المنهجي بين الإمام ابن تيمية والإمام تقي الدين السبكي، عند فقه الضرورة ووجوب نصرة المسلم، وإن كان مبتدعًا، في مواجهة العدو الكافر. ويثبت التاريخ أن الخلاف الفكري والعلمي لم يمنع هؤلاء الأئمة الكبار من تأصيل وحدة الدار والقبلة.
فقد رأى الإمام ابن تيمية أن وجود البدعة في الطائفة لا يسقط حقها في النصرة إذا كان البديل هو استيلاء الكفار على بلاد المسلمين. فقال ـ في سياق حروب التتار ـ في مجموع الفتاوى (ج ٢٨، ص ٥٣٢):
«فإن عسكر الشام خير من هؤلاء ـ ويقصد التتار ـ وهؤلاء المبتدعون من أهل الصلاة، كالشيعة وغيرهم، خير من أولئك الخارجين عن شريعة الإسلام، وإن كان في هؤلاء بدعة».
وقال أيضًا في الرد على الأخنائي:
«كل من كان مؤمنًا بالله ورسوله فهو خير من كل من ليس كذلك، وإن كان في المؤمن نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج أو الشيعة أو المرجئة… فإذا غلب هؤلاء (الكفار) كان ذلك فسادًا في الدين والدنيا».
كما أصل الإمام تقي الدين السبكي هذا المعنى، فقرر حرمة خذلان أهل القبلة، ووجوب التناصر بين المسلمين، وأن الأخوة الدينية ثابتة بالشهادتين وتقتضي عدم الخذلان، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم…».
كما قرر السبكي حرمة الاستعانة بالكفار ضد المبتدعة، وأن ميل المسلم إلى الاستقواء بالكافر على طائفة مسلمة ـ مهما بلغت بدعتها ـ خرقٌ لإجماع المسلمين، ويؤدي إلى فساد أرض المسلمين وتهديد كيان الأمة.
وهنا تلاقت نصوص الأئمة، رغم المساجلات المريرة بينهم في الفكر والمنهج، عند نقاط مهمة:
١- فقه الأولويات:
أن خطر الكافر المعتدي مقدَّم في الدفع على خطر البدعة الداخلية؛ لأن البدعة يمكن أن تُبيَّن بالحجة والمناظرة، وهنا يتبين عوار مقولة النابتة الذين يزعمون أن الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود.
٢- بقاء الإسلام:
أن الشيعة وغيرهم من الطوائف غير الغالية هم أهل قبلة، تجري عليهم أحكام المسلمين في الدماء والظاهر.
٣- وحدة دار الإسلام:
أنها بقعة واحدة، وحمايتها فرض عين يتساوى فيه السني والمبتدع عند هجوم عدو كافر، مثل الصهاينة ـ لعنهم الله.
وأخيرًا، فإن كلام الأئمة الذين عاصروا حروب التتار وغزوهم، مثل الإمام ابن تيمية والإمام السبكي وغيرهما، يعلّمنا أن الخلاف العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى خيانة سياسية، وأن الأمة في لحظات الخطر الوجودي مطالبة باستحضار الجامع الإيماني وتأجيل النزاع المذهبي.
فقد سُجن ابن تيمية بفتوى وافق عليها السبكي، لكنهما لم يختلفا يومًا على أن سيف المسلم لا يجوز أن يوضع في غمده والعدو يستبيح بلاد الإسلام.
ملحوظة:
في معركة شقحب ضد التتار (702 هـ)، كان الجيش الإسلامي يضم خليطًا من المذاهب (أشاعرة، وصوفية، وشيعة تحت لواء المماليك). وكان ابن تيمية يمر على الجند ويحثهم على القتال، ويقسم لهم بالله أنهم منصورون، ولم يقل لهم: «اعتزلوا لأن في الجيش مبتدعة».
المصدر: البداية والنهاية لابن كثير، أحداث سنة 702 هـ.
