Multifarious Writings
Відкрити в Telegram
I jot down stuff when possible
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
1 036
Підписники
-124 години
+107 днів
+3130 днів
Архів дописів
وأقصى المراحل في هذا الصدد وأشدهم وطأة تقود إلى رجوع إلى حالة الطفل الأولية، فالطفل يجسّد الرغبة الذاتية التي لا تدرك العالم إلا بقدر ما هو متصل بها، هذا ما نكونه – كأطفال- إلى أن نصطدم برغبات أكبر منّا بمرور الأيام وندرك محدوديتنا في العالم، على الضد من ذلك؛ الطفل الصغير، لا يعرف إلا ما يريده، ولا يدرك أي شيء إلا ضمن علاقته به، وكذلك الشخص الذي تسوقه الرغبة الجامحة؛ بموجب رغبته، يصغر عالمه تدريجيا إلى أن يختزل في علاقة واحدة بانتفائها يتبدد العالم ويدمر عن بكرة أبيه، وبالطبع لا حاجة لوصف حالته آنئذ، وتبيين قربها من حالة الطفل محدود الأفق، فعلى الأرجح كل منا قدر جرب هذه الممانعة الشديدة في يوم من الأيام، أو شاهد أثرها على شخص آخر، ورأى كيف أن كل شيء آنئذ يظهر بلا أي معنى، وكيف يكون استدعاء أي أمر من أمور الدنيا بلا أي أثر على الذات التي قُيّدت في هذه العلاقة المازوخية، لأنه آنئذ لا يوجد عالم فعلي يمكن لتلك الذات أن توجد فيه، فقد تم حجبه عنها فبات الحديث عنه كالحديث عن الأعاجيب غير الموجودة، يمكنك حتى أن تلاحظ كيف أن الإنسان آنئذ يستقبل الكلام عن الأشياء الواقعية كما يستقبل الإنسان العادي الحديث عن الغرائب والعجائب، كشيء بلا أي معنى. كما هو موضّح، تنطوي الرغبة على حجب لما هو خارج الإطار المرتسم عن العلاقة مع المرغوب، وفي أشد لحظات تمكنها، تحجب كل ما يشذ عن هذا الإطار، وتكتفي بعالم ضيق تختنق فيه الذات، لأن وجوده بالكامل ينتفي ويُختَبر العالم بأسره ككيانات تولّد ممانعة لا نهائية. في المجمل، الرغبة هي خنق للعالم وفي أشد حالاتها هي خنق للذات، ولا ينشأ عن ذلك إلا ظلمات بعضها فوق بعض.
2
تنطوي الرغبة في كل أحوالها على تشييء للمرغوب وحصره في علاقته بالذات، وهذا أمر يتفاوت في حدته بقدر استحكام الرغبة وهيمنتها على الإنسان، فثمة رغبات معينة لا تحجب إمكانية كون الشيء بمعزل عن الذات وتصورها عنه، وهذا حال معظم الرغبات الآنية، وهناك رغبات أخرى تستحكم بطريقة تحجب إمكانية تخيّل المرغوب بمعزل عن الذات وعلاقتها به، وأشدهم وطأة، الرغبات التي تستنزف المرغوب ولا تدركه إلا بقدر ما هو متعلق بالذات، وعلاوة على ذلك، تصغِّر الذات فلا تدرك نفسها إلا بقدر ما هي متصلة بهذا المرغوب، وهذا ما يقود إلى اختزال الوجود بأسره في هذه العلاقة المازوخية بين الراغب والمرغوب، فلا الذات تقدر على خلق أي تصوّر انعكاسي عن نفسها إلا بقدر ما هي متصلة بالمرغوب، وفي ذات الحين، تحوّل المرغوب إلى شيء لا يدرك إلا في إطار ما هو متصل بالذات. والرغبة كغيرها من التجارب البشرية، لها بنية زمانية ثلاثية (الماضي، الحاضر، المستقبل)، والأولوية دائما في كل التجارب للمستقبل، لأنه يحدد الحاضر وفقا لمكانته من الإسقاط المستقبلي، إذ الحاضر يتحدد وينكشف بفضل النفي الناجم عن العلاقة مع المستقبل، فما أنت هو في الوقت الحاضر في علاقة تفاعلية مع ما أنت لست هو (المستقبل)، والماضي يدخل في هذه العلاقة الزمانية كشيء يتم استيعابه وتأويله كتبعة للإسقاط المستقبلي، وفي صدد الحديث عن الرغبة، يغدو الحاضر مختنقا بفعل ما تسببه الرغبة والإسقاط المستقبلي الذي تولده والنفي الناجم عنهما، والذي بدوره يؤدي إلى تحويل الحاضر إلى حالة يسودها التنافر. لكل التجارب البشرية هذه الطبيعة الزمانية، لكن الرغبة على خلاف باقي الأشياء، تكثف نفي الحاضر، لوجود تباين هائل بين الإسقاط المستقبلي المولَّد وما هو أنت في الوقت الحاضر، على الضد من باقي الأشياء التي تولّد نفيا طفيفا لا يثقِل الوجود الحاضر للمرء. تظهر الرغبة في هذا الصدد كتوتر حاد يجعل الحالة الحاضرة ليست كافية، وفي حالة تمكن الرغبة تغدو حالة منتزعَة الكينونة، وعلى قدر مكانة المرغوب وعلاقته بالذات يتحدد مقدار النفي الذي يولِّد هذا التوتر، فالنوع الذي ذكرت أنه أشدهم وطأة، أي الذي يختزل الذات الراغبة وموضوع الرغبة في العلاقة بينهما، يولّد نوعا خاصا من التوتر ينفي الحاضر تماما، فلأن الذات الراغبة -وفقا لهذا المنظور الناجم عن العلاقة مع المرغوب- ليست موجودة إلا بقدر ما هي طرف في تلك العلاقة التشييئة، يكون النفي الناجم عن الاسقاط نفيا كليا، فكأن الذات هاهنا تتبدد تماما، فكما قلت الوجود لا يتحدد فقط وفقا لما أنت هو، بل أيضا وفقا لما أنت لست هو بعد، ولأن هذه العلاقة الناشئة تولّد نفيا لكافة جوانب الذات وتكتفي بتعريفها ضمن العلاقة مع المرغوب، بفعل النفي تنعدم الذات تماما ويختبر المرء وجودها ككيان شبحي يصعب تعيينه بأي شيء، إذ أنه قد حَدد سلفا أن تعيين الذات لا يكون إلا في إطار العلاقة مع المرغوب، ولأن البنية الزمانية لهذه العلاقة تولّد النفي كما ذكرنا، يشعر المرء بنوع من الممانعة الخارجية لكينونته، ممانعة تولدها الرغبة التي تكثف الإحساس بما أنت لست هو، فكما قلت، بحكم هذه الرغبة شديدة الوطأة، يتم اختزال العالم بأسره في العلاقة بين الراغب والمرغوب، وبالتالي يكون النفي هاهنا نفيا للعالم بأسره. إن الرغبة بطبيعتها، التي وصفتها بأنها توتر، ما أن تشتد وتستحكم، تولّد هذه الاختزالية المتطرفة، ولا تولدها الذات من نفسها، وآنئذ لا ترى الذات الراغبة موضوع الرغبة إلا بقدر ما هو مرغوب لها ومتصل بها، تماما كما لا يرى الصياد الجشع البرية إلا بقدر المال الذي يجنيه من الصيد، وكما يرى النجار الخشب فقط في إطار مهنته، وهذا ما ينطوي على حجب لباقي الإمكانيات التي يمكن للخشب – أو البرية- أن يكونها. هذا الاختزال لا يحدث إلا في تصور المرء، ولكي تفهم كيفيته وطبيعته، تذكر مرة رأيت فيها منظرا خلابا وبجانبه مباشرة مشهد قبيح، كبيئة طبيعية بجانب مصنع حديث يبعث مخلفاته، آنئذ ما تفعله هو انك تضع يدك أمام عينيك لتكتفي بالمنظر الخلاب وتحجب المصنع القبيح تماما، لأن هذا ما تريد لما أمامك أن يكونه. هذا أيضا ما يحدث مع الرغبة؛ حجب لما لا تريده والاكتفاء بما تريده، وإن اشتدت واستحكمت، حجب للذات هي الأخرى.
1
Science does not think. This statement is bound to annoy scientists despite Heidegger’s unconvincing claim that it is not meant as a criticism. Whether critical or not, it is certainly not a new idea for Heidegger in 1951. From the start of his career, Heidegger saw science as a kind of external representation or calculation that reduces things to their utility or their measurability by humans. To use Heidegger’s terminology from 1919, science interprets things as occurrences, not as events. This is why science does not think. Drawing a pessimistic conclusion from this idea, Heidegger states dismissively that it is a waste of time to attempt dialogues between scientists and thinkers. Science deals with what is accessible, but thought is concerned with whatever withdraws from all access. We find an analogy to the thinker in the old-fashioned carpenter, who deals with wood as a genuine thing in which numerous forms are sleeping. But it is now quite different for the worker in an industrial table factory, who merely throws a switch and achieves profitable results, never coming to grips at all with the withdrawn forces lying in the wood. In America and elsewhere, thinking has been reduced to calculation or logistics. The Anglo- Saxon countries are the lands of industry and one-track thinking. (The same goes without saying for Soviet communism, which Heidegger detested even more than the Anglophone world.)
― Graham Harman
هذه نسخة كتاب على الطريقة الثانية (ما كان الأمر عليه بعد دخولهم في دين الإسلام: يقصد الكتب الواردة عن القانات العظام من بني جنكيز خان)، كتب به عن السلطان «محمود غازان» صاحب إيران أيضا، إلى السلطان الملك الناصر «محمد بن قلاوون» صاحب الديار المصريّة وما معها من البلاد الشامية، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
بقوّة الله تعالى وميامين الملّة المحمّدية فرمان السلطان محمود غازان ليعلم السلطان الملك الناصر، أنه في العام الماضي، بعض عساكرهم المفسدة دخلوا أطراف بلادنا، وأفسدوا فيها لعناد الله وعنادنا، كماردين ونواحيها، وجاهروا الله بالمعاصي فيمن ظفروا به من أهليها، وأقدموا على أمور بديعة، وارتكبوا آثاما شنيعة، من محاربة الله وخرق ناموس الشّريعة، فأنفنا من تهجّمهم، وغرنا من تقحّمهم، وأخذتنا الحميّة الإسلامية فجذبتنا إلى دخول بلادهم، ومقابلتهم على فسادهم، فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجّهنا بمن اتفق منهم أنّه حاضر، وقبل وقوع الفعل منا، واشتهار الفتك عنا، سلكنا سنن سيّد المرسلين، واقتفينا آثار المتقدّمين، واقتدينا بقول الله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله.
وظننّا أنهم حيث تحقّقوا كنه الحال، وآل بهم الأمر إلى ما آل، أنهم تداركوا الفارط من أمرهم، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم، ووجّه إلينا وجه عذرهم، فإنهم ربما سيّروا إلينا حال دخولهم إلى الدّيار المصرية، رسلا لإصلاح تلك القضية، فبقينا بدمشق غير مثحثحين، وتثبّطنا تثبّط المتمكّنين، فصدّهم عن السعي في صلاح حالهم التّواني، وعلّقوا نفوسهم عن اليقين بالأماني، ثم بلغنا بعد عودنا إلى بلادنا أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوامّ، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، أنهم فيما بعد يلقوننا على حلب والفراه، وأنّ عزمهم مصرّ على ذلك لا سواه، فجمعنا العساكر وتوجهنا للقاهم، ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم، وقلنا لعلّ وعساهم، فما لمع لهم بارق، ولا ذرّ شارق، فقدمنا إلى أطراف حلب، وعجبنا من تبطّيهم غاية العجب، وفكرنا في أنه متى تقدّمنا بعساكرنا الباهرة، وجموعنا العظيمة القاهرة، ربّما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، وعمّ الضرر العباد، والخراب البلاد، فعدنا بقيا عليها، ونظرة لطف من الله إليها. وها نحن الآن مهتمّون بجمع العساكر المنصورة، ومشحذون غرار عزائمنا المشهورة، ومشتغلون بصنع المجانيق وآلات الحصار، وعازمون بعد الإنذار وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.
وقد سيّرنا حاملي هذا الكتاب الأمير الكبير ناصر الدين علي خواجا، والإمام العالم ملك القضاة جمال الدين موسى بن يوسف، وقد حمّلنا هما كلاما شافهنا هما به، وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجي جماعة من القضاة، والأئمة الثّقات، وقلنا هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة.
فقابلتم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليكم وعلى المسلمين بالإضرار، وخالفتم سنن الملوك، في حسن السّلوك، وصبرنا على تماديكم في غيّكم، وخلودكم إلى بغيكم، إلى أن نصرنا الله، وأراكم في أنفسكم قضاه فلتثقوا بما تقدّمنا به إليهما فإنهما من الأعيان، المعتمد عليهما في الديوان، كما قال الله تعالى فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين.
فلتعدّوا لنا الهدايا والتّحف، فما بعد الإنذار من عاذر، وإن لم تتداركوا الأرض فدماء المسلمين وأموالهم مطلولة بتدبيرهم، ومطلوبة عند الله في طول تقصيرهم.
فليمعن السلطان لرعيّته النظر في أمره، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم «من ولّاه الله أمرا من أمور هذه الأمّة فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم، احتجب دون حاجته وخلّته وفقره» . وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حذّر، والسّلام على من اتبع الهدى- في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة سبعمائة- بجبال الأكراد، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا [محمد] المصطفى وآله وصحبه وعترته الطاهرين.
ـــــ من كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشاء [القلقشندي]
وقد أتيح لي أن أذكر غيرَ مرة أن عبادة أيِّ مثلٍ عالٍ من أقوى العوامل في تطور المجتمعات البشرية، ويكفي أن يكون المثل الأعلى قوياً؛ ليمنح الأمة مشاعر مشتركة وآمالاً مشتركة وإيماناً متيناً يندفع به كلُّ واحد من أبنائها في التضحية بنفسه في سبيل نصره، وكانت عظمة رومة مَثَلَ الرومان الأعلى، وكان نيلُ حياة أخرى يُجتَنَى منها أطايبُ النِّعم مَثَلَ النصارى الأعلى، وتخيَّل الرجل العصري آلهة جددًا يقيم لهم تماثيل مع أنهم وهميون كقدماء الآلهة لا ريب، وذلك مع كفاية تأثيرهم الطيب لوقاية مجتمعاتنا القديمة من الزوال حينًا من الزمن، وليس التاريخ سوى رواية للحوادث التي قام بها الناس انتصارًا لمثلٍ عالٍ، ولولا تأثير المُثُل العليا ما تمدن الإنسان، ولظل في دور الهمجية، ويبدأ دور انحطاط الأمة حينما تعود عاطلةً من مَثَلٍ عالٍ محترم يستعد كل واحد من أبنائها لوَقْف نفسه عليه.
ـــــ غوستاف لوبون
مقال عظيم من دوجين يتعرض فيه لرؤيته للفلسفة الغربية المتمركزة حول فكرة اللوجوس ويوضح فيه المسار الذي أخذته منذ الإغريق وفلاسفة ما قبل سقراط إلى نيتشه وفلسفة ما بعد الحداثة من خلال التعرض لمفهوم الفوضى.
يرى دوجين أن الفلسفة الغربية قد استنزفت نفسها ويشاطر هايدجر في رؤيته لإمكانية بداية جديدة للفلسفة تتجاوز هذا التقليد. عندما ينادي دوجين بإمكانية قيام فلسفة روسية فهو لا يقصد بذلك أن روسيا تمتلك تقاليدا فلسفية خاصة بها، فهو يرى أصلا أن روسيا لم تكن صاحبة فلسفة أصيلة خاصة بها ألبتة، ووفقا له، تظل الفلسفة الروسية إمكانية يمكن فقط تحقيقها من خلال تجاوز التقليد الفلسفي الغربي.
https://eurasianist-archive.com/2018/08/21/thinking-chaos-and-the-other-beginning-of-philosophy/
للتوضيح، بعض تصريحات دوجين تتناقض مع وصف بوتين بأنه ليبرالي، فأحيانا يصفه بأنه "واقعي"، وهذا يرجع أساسا إلى اختلاف اللغة التي يستخدمها دوجين، لأن الرجل مضطر في أحيان كثيرة للتقيّد باللغة الأيديولوجية المعاصرة (الليبرالية)، لكنه من الناحية الأيديولوجية الخالصة، يرى دوجين التوجه الروسي الحالي ليبرالي في عمومه، وإن عارض العولمة في بعض الجوانب وتصدى للهيمنة الغربية. روسيا لا تتبنى التوجه الآوراسي في الوقت الحالي، اللهم إلا في بعض التوجهات الجيوسياسية، لكن على المستوى الثقافي روسيا لا تزال ضمن الإطار الذي يسعى دوجين إلى تجاوزه.
إذا، في المجمل، باختصار شديد، يمثل ألكسندر دوجين دعوة نحو إمكانيات جديدة متجاوزة للحداثة.
ما الذي تعنيه النظرية السياسية الرابعة للعرب إذا؟
إنها دعوة للانفتاح على التاريخ بكل ما يتضمنه من تعقيدات، بصورة لا تتعامل معه بوصفه سلسلة متتابعة من الأحداث، وإنما باعتباره فضاء تأويليا يحمل إمكانيات عديدة، وهذه الإمكانيات تعتمد علينا في المقام الأول. هذه الطريقة في التعامل مع التاريخ تناقض الاتجاهات السائدة: ١- اتجاه التاريخ العتيق Antiquarian history الذي يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنا منغلقا لا يعرف التاريخ إلا من منظور واحد، وهذا ما يؤدي إلى تضييق الفضاء التأويلي وحصر الماضي في إطار ضيق وتهميش كل ما يتعارض مع هذا الإطار: الرؤية المحافظة المعهودة، التي نجدها، على سبيل المثال، عند الإسلاميين في البلدان العربية واليمين المسيحي الأمريكي ٢- اتجاه التاريخ النقدي Critical history الذي يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنا يسعى إلى التحرر من ثقل التاريخ، وهذا ما يتضح في التوجهات التفكيكية التي تسعى إلى هدم التراث برمته وفتح آفاق جديدة متجاوزة له، إنه بمثابة دعوة للبداية من جديد والرغبة في صفحة بيضاء (Tabula Rasa)، وهذا، على الضد مما يعتقد التقدميون والتفكيكيون، ينتزع الإنسان من التاريخ ولا يفتح آفاقا جديدة فعلا، بل يجره نحو الهاوية حيث لا توجد أي نقطة مرجعية: لهذا معظم من يأخذون هذا التوجه ينتهي بهم الأمر كعبيد للرؤى الغربية ويعجزون عن تبني أي خطاب نقدي تجاهها كما فعلوا مع تراثهم الخاص.
2
حول ألكسندر دوجين
وضع دوجين في روسيا:
وضّح ألكسندر دوجين في أكثر من مناسبة أن النخبة الروسية المقربة من الرئيس فلاديمير بوتين ليبرالية وتناصر العولمة ورأسمالية الدولة وتسعى إلى تحييد الاتجاهات المحافظة في الداخل الروسي، ولهذا عندما يتحدث عن بوتين يفرق بين نسختين، بوتين الرئيس وبوتين الذي يفرضه الواقع السياسي الروسي، الأول لا يزال حبيس الفكر الليبرالي وأفق الحداثة والتقدمية (يقصد دوجين بذلك المعنى الشامل، إذ يرى أن كل الأيديولوجيات والتوجهات المعاصرة تعاني من نفس الأزمة، ولذلك حتى الرجعي في روسيا يعتبر ليبراليا من حيث أنه مقيد بمفاهيم الليبرالية وأُطرها السياسية) فأما الثاني هو ما تفرضه التقاليد الروسية على الحاكم أيا كان هو. من هذا المنظور يعتبر دوجين معارضا ليس فقط للعولمة وإنما لمعظم السياسية الروسية الحالية، لكنه ليس معارضا بصورة أناركيّة، يمكن أن نقول أنه معارض صديق للسلطة، يراها ضالة مضلة، ساذجة في تصوراتها السياسية، لكنه يؤمن بإمكانية تغيير مسارها. بالإضافة إلى ذلك، في أكثر من مناسبة تم منع دوجين من الظهور بسبب بعض التصريحات عن التاريخ الروسي وآل رومانوف (الذين تسببوا في تحديث روسيا)، وعلى الضد مما قد يعتقد البعض، يرى دوجين أن الشيوعية رغم فسادها الأيديولوجي مثلت الروح الروسية بصورة منحرفة، أكثر من آل رومانوف، من حيث أنها حفظ استقلالية الفضاء الروسي ونفت المُثل العليا للحضارة البرجوازية الغربية: حضارة التجار. يمكن اعتبار الحقبة السوفييتية، من منظور دوجين، بمثابة هرطقة روسية سعت لاستعادة جوهر الروح الروسية، لكن بطريقة منحرفة.
النظرية السياسية الرابعة:
وضع دوجين النظرية السياسية الرابعة كإمكانية لتجاوز أيديولوجيات الحداثة (الليبرالية، الشيوعية، الفاشية والنازية، وانعكاساتهم في باقي البلدان المُقلدة للغرب)، وهو لا يقصد بذلك أن النظرية الرابعة تلك جاهزة تماما، بل يعدها إمكانية، من حيث أنه يمكن لكل دولة أن تؤسس نظريتها السياسية الخاصة في عالم متعدد الأقطاب، المعنى الحقيقي للنظرية السياسية الرابعة، هي فتح أفق جديد متجاوز للأفق الحداثي، وهذه مهمة في غاية الصعوبة، لأن أفق الحداثة لا يعني فقط أن تكون ليبراليا أو شيوعيا أو فاشيا، بل حتى الأديان والتوجهات الرجعية - بداية من الكاثوليكية المعاصرة وانتهاء بداعش والحركات الإرهابية- تعتبر حبيسة أفق الحداثة من حيث أنها تعجز عن بناء تصور ذاتي بمعزل عن الحداثة، فهي إما تعرف نفسها من حيث كونها حداثية أو من حيث كونها معارضة للحداثة، لكنها تظل فاقدة لأي ثبات داخلي. من هنا يعتبر دوجين أن هدم الليبرالية من خلال إنهاء الهيمنة الأمريكية هو السبيل الوحيد نحو التخلص من الهيمنة الليبرالية التي لا تقبل أي نموذج مخالف لها.
في سياق الشرق الأوسط، تعتبر النظرية السياسية الرابعة إمكانية لتجاوز تراث الفترة الممتدة من الحملة الفرنسية على مصر حتى الآن، ليس من خلال الرجوع إلى الماضي - العربي الكلاسيكي أو "العثماني"- كما يروج المحافظون بكل سذاجة، وإنما من خلال إعادة تقييم للإرث التاريخي وبعثه بصورة أصيلة، بصورة مشابهة لما قصده نيتشه عندما تحدث عن التاريخ التذكاري monumental history، "التاريخ التذكاري يتعلق بالإنسان ككائن فاعل ومناضل"، ككائن قادر على إعادة "تأويل" الماضي والخروج منه برؤية تعكس أصاله تراثه، وهذا ما يشمل حتى الرؤى التي قد تبدو شاذة وغريبة ما دامت ترتكز على نفس التراث وتنبع أساسا منه، فالتراث بطبيعته ديناميكي ويحمل تناقضات جمة في داخله، على أن هذا يظل في نهاية الأمر مجرد إمكانية، ففشل أو نجاح المشروع معتمد بصورة كلية على القدرة على إجراء حوار تأويلي مع التاريخ، حوار يقوم أساسا على إدراك حقيقة أن ذاتنا المعاصرة هي جزء من هذا التاريخ، وأنّ حوارها مع التاريخ وتأويلها له لا يعني أنها منفصله عنه بأي حال من الأحوال.
كتبت هذا على قناة سابقة وهو مفيد في هذا الصدد:
"لا تكون قراءة النصوص التاريخية بموضعة الحاضر بصورة سكونية فيصادر سلفا ويجزم به وينتزع من دينامية الشك والتساؤل، إذ بهذه الطريقة يفقد النص تاريخيته الأصيلة وينتزع من كليانيته الخاصة. لكي يكون المرء تاريخيا على نحو صادق وجب عليه أن يموضع حاضره داخل دينامية التفاعل مع الماضي، فلا يسكنها ولا ينفيها أو ينساها، محملا مهمته هذه بإدراك مخلص للطبيعة الزمانية للفهم قبل كل شيء. هاهنا تتبدد الطبيعة التأكيدية للفهم، إذ بحكم تاريخيته يمثل انفتاحا إزاء رسالة متلقاة، فيكون فهما تأويليا بالضرورة، وأساسه انفتاح خبروي إزاء الماضي مفهوما على نحو تاريخي. هاهنا لا تفهم الحقيقة المتلقاة على أنها شيء أصله لحظة سكونية منفصلة، بل تفهم كخبرة ورسالة محددة بسياق تموضع الفاهم في التاريخ والزمان."
1
“Ukraine’s not even a country. It’s kind of a concept. It’s just a corrupt area that the Clintons turned into a colony where they can steal money out of.”
~ Steve Bannon
