الفتاوى الشرعية
Відкрити в Telegram
تابعة لـ t.me/siraj_archive بوت التواصل العام: @tavasull_bot بوت التبرعات: @manlahom_bot
Показати більше2 445
Підписники
-324 години
+37 днів
-2030 днів
Архів дописів
2 459
(إرشاد السائل: ع٢١/س١٣) طلّقتُ زوجتي، ولدينا طفلة أُنفِق عليها في كل ما تحتاجه، فهل تجب عليَّ النفقة على أمها أيضًا، علمًا أنّها ناشز، وسبب الطلاق هو عدم الاستمتاع؟أقول إنّ المرأة الناشز غير الحامل تَسقُط نفقتها مدة نشوزها، والواجب عليها في عدّتها أن تبقى في بيتها. قال ابن المنذر: «وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ إِذَا كَانُوا جَمِيعًا بَالِغِينَ، إِلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ الْمُمْتَنِعَةَ، فَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ ثَابِتَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاتِّفَاقِ». قال القرطبي: «مَنْ نَشَزَتْ عَنْهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ دُخُولِهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ نَفَقَتُهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا. وَخَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَمَاعَةَ الْفُقَهَاءِ فِي نَفَقَةِ النَّاشِزِ، فَأَوْجَبَهَا. وَإِذَا عَادَتِ النَّاشِزُ إِلَى زَوْجِهَا، وَجَبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَفَقَتُهَا. وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا لِشَيْءٍ غَيْرِ النُّشُوزِ؛ لَا مِنْ مَرَضٍ، وَلَا حَيْضٍ، وَلَا نِفَاسٍ وَلَا صَوْمٍ، وَلَا حَجٍّ، وَلَا مَغِيبِ زَوْجِهَا، وَلَا حَبْسِهِ عَنْهَا فِي حَقٍّ أَوْ جَوْرٍ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ». قال ابن قدامة: «مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا. مَعْنَى النُّشُوزِ: مَعْصِيَتُهَا لِزَوْجِهَا فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا، مِمَّا أَوْجَبَهُ لَهُ النِّكَاحُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الِارْتِفَاعِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْزِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَكَأَنَّ النَّاشِزَ ارْتَفَعَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا، فَسُمِّيَتْ نَاشِزًا، فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوِ امْتَنَعَتْ مِنَ الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا، أَوْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الْحَكَمُ: «لَهَا النَّفَقَةُ». وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْحَكَمَ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ نُشُوزَهَا لَا يُسْقِطُ مَهْرَهَا، فَكَذَلِكَ نَفَقَتَهَا». وَلَنَا: أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ التَّمْكِينَ، فَإِذَا مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ النَّفَقَةِ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَتُخَالِفُ الْمَهْرَ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَجَبَ الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَعْصِيَتِهَا، كَالْكَبِيرِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا إِيَّاهَا إِذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ أَوِ الْمُرْضِعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَلَكَتْهُ عَلَيْهِ بِالْإِرْضَاعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ».
2 459
(إرشاد السائل: ع٢١/س١) ما مدى صحة قولهم: «كَلَامُ الْأَقْرَانِ يُطْوَى وَلَا يُرْوَى»؟أقول إنّ هذه العبارة ليست على إطلاقها؛ فقد ورد أنّ الأئمة لم يعتبروا كلام الأقران في مواضع واعتبروه في مواضع أخرى، فمن المواضع التي لم يعتبروا فيها كلام الأقران إذا كان مبناه عداوةً أو مذهبًا أو حسدًا، لذلك اشترطوا أن يكون الجَرح مفسَّرًا، ومن ذلك قول مالك بن دينار : «يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ؛ فَلَهُمْ أَشَدُّ تَحَاسُدًا مِنَ التُِيُوسِ». وقال الذهبي في ترجمة عَفّان الصَّفّار: «كَلَامُ النَّظِيرِ وَالْأَقْرَانِ، يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ وَيُتَأَنَّى فِيهِ». وقال أيضًا: «كَلَامُ الْأَقْرَانِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ لَا يُعْبَأُ بِهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَاحَ لَكَ أَنَّهُ لِعَدَاوَةٍ أَوْ لِمَذْهَبٍ أَوْ لِحَسَدٍ، مَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ عَصْرًا مِنَ الأَعْصَارِ سَلِمَ أَهْلُهُ مِنْ ذَلِكَ، سِوَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ كَرَارِيسَ، اللَّهُمَّ فَلَا ﴿تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾». وقال ابن حجر: «كَلَامُ الْأَقْرَانِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُفَسَّرٍ لَا يَقْدَحُ». وقال الذهبي في ترجمة محمد بن إسحاق المعروف بابن منده الأصبهاني: «أَقْذَعَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي جَرْحِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَحْشَةِ، وَنَالَ مِنْهُ، وَاتَّهَمَهُ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَظَائِمِ، نَسْأَلُ اللهَ الْعَفْوَ، فَلَقَدْ نَالَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَسْرَفَ أَيْضًا». وقال في ترجمة أبي الزناد عبد الله بن ذَكْوان : «لَا يُسْمَعُ قَوْلُ رَبِيعَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ». وقد يكون كلام القرين في قرينه من أوثق ما يُقبَل، وذلك إذا خلا عن تعصّب وحسد، واقترن بالتفسير والبيئة الواضحة، ولم يكن ثمة تحامل، وأيّد ذلك الأئمة، فعند ذلك يُقدَّم كلام القرين على غيره، قال الإمام الشافعي: «وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ يَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَيَقُولُ: «كُفُّوا عَنْ حَدِيثِهِ وَلَا تَقْبَلُوا حَدِيثَهُ؛ لِأَنَّهُ يَغْلَطُ أَوْ يُحَدِّثُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ»، وَلَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ عَدَاوَةٌ، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْأَذَى الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْقَائِلُ لِهَذَا فِيهِ مَجْرُوحًا عَنْهُ لَوْ شَهِدَ بِهَذَا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بِعَدَاوَةٍ لَهُ، فَتُرَدَّ بِالْعَدَاوَةِ لَا بِهَذَا الْقَوْلِ».
2 459
(إرشاد السائل: ع٢١/س٢١) سواء قلنا: «إِنَّ تَكْفِيرَ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ»، أو: «إِنَّهُمْ كُفَّارٌ بِالتَّبَعِيَّةِ»، فهل يصحّ أن نقول: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ–وَمِنْهُمْ نَبِيُّنَا ﷺ–كُفَّارٌ مُنْذُ وِلَادَتِهِمْ حَتَّى بُلُوغِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا لِأَبَوَيْنِ مُشْرِكَيْنِ»؟أقول إنّ هذا الكلام من أبطل الباطل، وفيه طعنٌ في الأنبياء عليهم السلام، والله المستعان، فصاحبه قد كفّر كل آباء الأنبياء، ومن بينهم أنبياء كُثُر كيوسف الكريم ابن يعقوب الكريم ابن إسحاق الكريم ابن إبراهيم الخليل، وغيرهم كثير من أنبياء بني إسرائيل. وهكذا من أراد أن يقرّر بدعة ظلماء تجده يطعن في الأنبياء! فتارة ينسب إليهم التحاكم إلى الطاغوت، وتارة ينسبهم إلى عبادة الكواكب، وتارة إلى شرك الطاعة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأقول قد ظهرَت علامات يوم ولادة النبي ﷺ وفي أثناء طفولته، تدلّ على أنّه ليس كغيره من الصبيان ولا يُقاس عليهم! فهو النبي المصطفى المختار، قد هيّأه الله لذلك، وقد جعل له علامات تدلّ على نبوّته، ومن ذلك: • خروج نور من أمّه أضاء قصور الشام، كما قال النبي ﷺ: «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّيَ الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ». وتخصيص الشام بالنور إشارة إلى استقرار الإسلام فيها وثبوته، وهي آخر معاقله، وفيها نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان. • ومنها: ولادته رافعًا بصره إلى السماء، كما روي عن أمّه: «ثُمَّ وَضَعْتُهُ، فَمَا وَقَعَ كَمَا يَقَعُ الصِّبْيَانُ؛ وَقَعَ وَاضِعًا يَدَيْهِ بِالأَرْضِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ». • ومنها: حادثة شقّ الصدر، كما روي عن أنس بن مالك: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ قَلْبَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ–يَعْنِي ظِئْرَهُ–فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ مُنْتَقِعَ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: قَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخيَطُ فِي صَدْرِهِ ﷺ». • والنبي ﷺ كان من الحنفاء قبل البعثة، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ عَبَدْتَ وَثَنَا قَطْ؟ قَالَ: لا. قَالُوا: هَلْ شَرِبتَ خَمْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، وَمَا زِلْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ كُفْرٌ، وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾».
2 459
(إرشاد السائل: ع١٨/س٢٠) زوجي عاطل عن العمل، ويدخّن السجائر، وأنا أعمل، ولا تكفي الأجرة متطلّبات البيت، فهل يحقّ لي طلب الطلاق؟أقول إنّ الأسرة المسلمة إذا مرّت عليها ظروف قاهرة، فلم يجد الرجل ما يُنفِق به على أهله، كأن لم يجد عملًا يسدّ به حاجة البيت، أو تعذَّر ذلك عليه في مكان ما، وتمكَّنت زوجته من العمل وتغطية متطلّبات البيت، فينبغي لها أن تصبر معه حتى يفتح الله عز وجل، وذلك من حُسن العشرة، وهو من الابتلاء الذي يُقابَل بالصبر والتفويض، ويتنزّل عليه ما نُقل عن غير واحد من السلف، كما روى عبد الرزاق، قال: «أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، عَنِ الْمَرْأَةِ لَا تَجِدُ عِنْدَ الرَّجُلِ مَا يُصْلِحُهَا مِنَ النَّفَقَةِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهَا إِلَّا مَا وَجَدَ، لَيْسَ لَهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا». وروى أيضًا: «عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: يُسْتَأْنَى بِهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَتَلَا: ﴿ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ». وروى: «عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، جُبِرَ عَلَى أَنْ يُفَارِقَهَا. قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَنَحْنُ لَا نَأْخُذُ بِهَذَا الْقَوْلَ؛ هُوَ بَلَاءٌ ابْتُلِيَتْ بِهِ، فَلْتَصْبِرْ». أمّا إذا كان الرجُل مستهترًا بمسؤوليته، لا يريد أن يتحمّلها، ويرفض العمل مع توافره، فللمرأة أن تطلب الطلاق منه. وعليه تُحمَل الآثار الواردة عن السلف: عن عبد الرزاق: «عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ. قَالَ: يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا. قَالَ: قُلْتُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُنَّةٌ». قال مالك: «وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا». قال الشافعي: «وَالَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ سَعِيدٍ: «سُنَّةً»، أَنْ يَكُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وعن عبد الرزاق: «عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا».
2 459
(إرشاد السائل: ع١٦/س٢١) ما حُكم العمل في البيع والشراء، وذلك بامتلاك مطعم، وقد يأتي عساكر الطاغوت ليشتروا منك طعامًا، فهل بيعهم من الكفر؟أقول الأصل في التجارة مع الحربيين الجواز في غير السلاح والكراع، كما سبق بیانه، ويدلّ على ذلك ما ورد في قصة إسلام ثُمامة بن أَُثال الحنفي، وفيها: «فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَتْهُ قُرَيْشٌ يَتَكَلَّمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالُوا: صَبَأَ ثُمَامَةُ. فَأَغْضَبُوهُ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ مُحَمَّدًا وَآمَنْتُ بِهِ، وَأَيْمُ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ، لَا تَأْتِيكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ–وَكَانَتْ رِيفَ مَكَّةَ–مَا بَقِيتُ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ. وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَنَعَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى جُهِدَتْ قُرَيْشٌ، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ثُمَامَةَ يُخَلِّيَ إِلَيْهِمْ حَمْلَ الطَّعَامِ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قال السرخسي: «وَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ اكْتِسَابِ سَبَبِ الْقُوَّةِ لَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانُوا يَمْتَارُونَ، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ». وفرّق بعض المالكية بين أهل الهدنة وغيرهم؛ فمنعوا بيع الطعام في حال الحرب، وأجازوه في الهدنة، قال ابن أبي زيد القيرواني: «وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَمُطَرِّفٌ، وَأَصْبَغُ: أَمَّا فِي الْهُدْنَةِ فَيَجُوزُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلَا يُبَاعُ مِنْهُمْ طَعَامٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا فِيهِ قُوَّةٌ؛ فَيَبِيعُونَهُ فِي دَارِ حَرْبِهِمْ. وَأَمَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ وَالْحَدِيدُ وَالنُّحَاسُ وَاللُّجُمُ وَالسُّرُوجُ وَالْحَرِيرُ وَالْجُلُودُ وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، فَحَرَامٌ بَيْعُهُ مِنْهُمْ فِي الْهُدْنَةِ وَغَيْرِهَا». وفي هذا الزمان نقول لا حرج في بيع الطعام لهم على نحو ما ذكره السائل.
2 459
(إرشاد السائل: ع٢٢/س٢٢) ما الردّ على من يقول: «إِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي التَّكْفِيرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾»؟صاحب هذه الشبهة يريد أن يقول: «إِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ، وَوَسِعَهُمُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ كَذَلِكَ مَعَ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ، يَسَعُنَا مَا وَسِعَ الصَّحَابَةَ»، وهذا لا شكّ أنّه من الافتراء في الدين؛ لأنّ تكفير المشركين أصلٌ أصيل في هذا الدين، قامت عليه حجج الله تعالى، ولم يُخالِف فيه أحد من المسلمين فضلًا عن الصحابة الفاضلين، وهذا الاستدلال طعنٌ في الصحابة، بل طعنٌ في النبي ﷺ، وقد زاد صاحبه على الكُفر والعُذر بالجهل، بطعنه في الصحابة وتحريفه الدين. وهذه الآية نزلَت في المنافقين، ومن المعلوم أنّ المنافقين أظهروا الإسلام واستخفَوا بالكفر، وقد ورد في سبب نزولها أنّ بعض الصحابة ظهر لهم من المنافقين كفرٌ وموالاةٌ للمشركين، وبعضهم الآخر لم يظهر لهم ذلك فاستصحَبوا الأصل–الإسلام–فكان الخلاف في ثبوت الكفر عليهم من عدمه، وليس في التكفير بعد الثبوت–الذي هو محلّ النزاع–كما روي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، قال: «وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإِسْلامِ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: «إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَلَيْسَ عَلَيْنَا فِيهِمْ بَأْسٌ». فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: «ارْكَبُوا إِلَى الْخَبْثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدَدَهُمْ». وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ–أَوْ كَمَا قَالُوا–تَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا مِثْلَ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ تُسْتَحَلُّ أَمْوَالُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ؟!» فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ، وَالرَّسُولُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾». وعن قتادة، قال: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وَكَانَا قَدْ تَكَلَّمَا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُهَاجِرَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيَهُمَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ وَهُمَا مُقْبِلَانِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا حَلَالٌ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ! فَتَشَاجَرُوا فِيهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾، حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾».
2 459
(إرشاد السائل: ع١٩/س١٢) إذا كُتب المؤخّر قبل الزواج، ثم حصل طلاق وأخذَت المرأة مؤخّرها، فهل هذه بدعة لم يفعلها النبي ﷺ؟أقول إنّ الشروط التي تكون بين الزوجين قبل الزواج معتبَرة شرعًا، فيجب الوفاء بها إن كانت موافقة للشريعة، وجعلُ المؤخّر حال الطلاق من الزوج هو من الشرط الجزائي الذي إن وافق عليه الزوج لزمه حال موتٍ أو فرقةٍ، قال ابن القيم: «الْإِلْزَامُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ–وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا أَجَلًا–بَلْ قَالَ الزَّوْجُ: مِائَةٌ مُقَدَّمَةٌ وَمِائَةٌ مُؤَخَّرَةٌ، فَإِنَّ الْمُؤَخَّرَ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ إِلَّا بِمَوْتِ أَوْ فُرْقَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ لَا يَحِلُّ الْآجِلُ إِلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ. وَاخْتَارَهُ قُدَمَاءُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَهُ فِيهِ رِسَالَةٌ كَتَبَهَا إِلَى مَالِكٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ». قال ابن قدامة: «فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مُعَجَّلًا، وَمُؤَجَّلًا، وَبَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ عِوضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ. ثُمَّ إِنْ أُطْلِقَ ذِكْرُهُ اقْتَضَى الْحُلُولَ، كَمَا لَوْ أُطْلِقَ ذِكْرُ الثَّمَنِ. وَإِنْ شَرَطَهُ مُؤَجَّلًا إِلَى وَقْتٍ، فَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ. وَإِنْ أَجَّلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْمَهْرُ صَحِيحٌ. وَمَحَلُّهُ الْفُرْقَةُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، لَا يَحِلُّ الْآجِلُ إِلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ–إِلَى أَنْ قَالَ–وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعَادَةُ فِي الصَّدَاقِ الْآجِلِ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِهِ إِلَى حِينِ الْفُرْقَةِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ حِينئِذٍ مَعْلُومًا بِذَلِكَ. فَأَمَّا إِنْ جَعَلَ لِلْآجَلِ مُدَّةً مَجْهُولَةً، كَقُدُومِ زَيْدٍ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْمُطْلَقُ لِأَنَّ أَجَلَهُ الْفُرْقَةُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَهَا هُنَا صَرَفَهُ عَنِ الْعَادَةِ بِذِكْرِ الْأَجَلِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَبَقِيَ مَجْهُولًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ التَّأْجِيلُ وَيَحِلُّ».
2 459
(إرشاد السائل: ع١٥/س٧) تزوّجتُ بعقد شرعي، وخلا زوجي بي، ثم أراد فسخ العقد مرتين لكنّه تراجع، وأريد الآن أن أفسخه؛ لأنّ عقيدته ضعيفة، وأخاف أن يفتنني فأخسر ديني. فكيف أقوم بذلك؟ وهل ما قدّمه لي من ملابس وغيرها صارت ملكي؟ وهل سيعطيني حقّي من المهر؟أقول إن اعترض الزوج على الطلاق، وامتنع منه، وتضرّرت المرأة من عِشرتها معه، وخافت على دينها معه، فلها أن تفدي نفسها بالخُلع، وهو فراق الزوجة لزوجها بعوَض، فيأخذ الزوج ذاك العوض ويُفسَخ العقد بينهما على الصحيح، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ومن السنّة، ما ورد عن ابن عباس: «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِيْنٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اِقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». ومن شروط الخُلع: وجود المخالَع وهو الزوج، واشترط الفقهاء أن يكون المخالَع ممّن يمتلك التطليق، فقيل: «مَنْ جَازَ طَلَاقُهُ جَازَ خُلْعُهُ». ومن شروطه: العوَض، وهو المال الذي يأخذه الزوج من الزوجة مقابل مخالَعتها، وضابطه عند الفقهاء أن يكون مهرًا، فإنّ ما جاز أن يكون مهرًا جاز أن يكون بدلًا للخُلع. ومن شروطه: الصيغة وهي الإيجاب والقبول من كلا الطرفين، ويجب أن تكون باللفظ، فإن تعذَّر اللفظ كانت بالإشارة المُفهِمة، وأفضل صورة قالها الفقهاء لصيغة الخُلع هي قول الزوج لزوجته: «مَتَى ضَمِنْتِ لِي أَلْفَ دِينَارٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ»، فتقول: «ضَمِنْتُ لَكَ أَلْفَ دِينَارٍ»، أو أن يقول: «طَلَّقْتُكِ بِأَلْفِ دِينَارٍ»، فتقول: «قَبِلْتُ». ونقول إنّ كل ما دفعه الزوج بين يدي الزواج بنيّة المهر، فهو منه، سواء كان لباسًا أو غيره من المتاع، وللمرأة أن تجعله عوضًا عن الخُلع.
2 459
(إرشاد السائل: ع١٨/س٣٤) هل طلب بني إسرائيل من موسى جعل إله لهم لا يكون شركًا إلا إن استحسَنوه؟ نرجو منكم شرح المسألة، جزاكم الله خيرًا.أقول لقد تكلّمنا على هذه الشبهة–التي يستمسك بها من يَعذُر بالجهل، فيُحكّمها على الأصول البيّنات المُحكَمات في الكتاب والسنّة، الدالّة على عدم العذر بالجهل في الشرك الأكبر–في (إرشاد السائل: ع١٦/س٢٥)، ونقول إنّ طلب بني إسرائيل شركٌ بالله عز وجل وكُفر به، كما أخرج عبدُ بن حُمَيد وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال: «يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! قَوْمٌ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَقْطَعَهُمُ الْبَحْرَ، وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ، وَأَرَاهُمُ الْآيَاتِ الْعِظَامَ، ثُمَّ سَأَلُوا الشِّرْكَ صَرَاحِيَةً». فليس في هذا النصّ ذِكر حُكم أصحاب المقالة، وقد ورد في غير هذا النصّ ما يقطع بحُكم الفاعلِين وأنّهم مشركون بفعلهم أو مقالتهم، ولا يُعذَرون بجهلهم. وليس معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، عُذْرٌ بالجهل؛ لأنّ الجهل قرين الشرك، كما ورد في النصوص المتوافرة. وقد ورد هذا الوصف: ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، في كتاب الله لوصف الأقوام المشركة، كما قال نوح لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. وكما قال لوط لقومه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وهود لمّا قال لقومه: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. ففي هذه الآيات، قد وصف الأنبياء أقوامهم بالجهل، وهو قرين الشرك، وما كان شركهم إلا لجهلهم بحقّ الله عز وجل، فكان الجهل مناطًا لكُفرهم، كما ورد في آيات كثيرة وذكرناه مفصّلًا في غير هذا الموضع.
2 459
(إرشاد السائل: ع١٦/س٢٥) ما التفصيل في قصة طلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا، كما ورد في سورة الأعراف، فهناك من يستدلّ بها على العذر بالجهل في الشرك الأكبر؛ لأنّ موسى لم يكفّرهم؟أقول لعلّ السائل يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وهذه الآية ممّا يستدل به الجهمية على مشروعية العُذر بالجهل في الشرك الأكبر، فيضربون النصوص بعضها ببعض كفِعل الزنادقة وأهل البدع في نصرة باطلهم، ونقول إنّه لم يُتطرَّق في الآية إلى ذِكر حُكم الفاعلِين–أصحاب المقالة–بل ذكَر الله عز وجل قُبح الفِعل وشناعة القول، سواء ممّا وقع من القوم الذين يعكفون على الأصنام، أو ممّن سأل موسى مسألة الشرك أن يجعل لهم إلهًا كما لهم آلهة–والتي هي مقالة شرك–كما أخرج عبدُ بن حُمَيد وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال: «يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! قَوْمٌ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَقْطَعَهُمُ الْبَحْرَ، وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ، وَأَرَاهُمُ الْآيَاتِ الْعِظَامَ، ثُمَّ سَأَلُوا الشِّرْكَ صَرَاحِيَةً». وقد ورد في غير هذا النصّ ما يقطع بحُكم الفاعلِين، وأنّهم مشركون بفعلهم أو مقالتهم، ولا يُعذَرون بجهلهم. وليس معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، عُذْرٌ بالجهل؛ لأنّ الجهل قرين الشرك، كما ورد في النصوص المتوافرة، وبيّنا ذلك في رسالة «مُذَكِّرَةٍ فِي الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ». قال الطبري: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَطَعْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ بَعْدَ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَيْنَاهُمُوهَا، وَالْعِبَرِ الَّتِي عَايَنُوهَا عَلَى يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى، فَلَمْ تَزْجُرْهُمْ تِلْكَ الْآيَاتُ، وَلَمْ تَعِظْهُمْ تِلْكَ الْعِبَرُ وَالْبَيِّنَاتُ، حَتَّى قَالُوا مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ مِنَ الْحُجَجِ مَا يَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا الْبَهَائِمُ، إِذْ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، يَقُولُ: يَقُومُونَ عَلَى مُثُلٍ لَهُمْ يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ: ﴿اجْعَل لَّنَا﴾ يَا مُوسَى ﴿إِلَٰهًا﴾، يَقُولُ: مِثَالًا نَعْبُدُهُ، وَصَنَمًا نَتَّخِذُهُ إِلَهًا، كَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا. وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. وَقَالَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وَوَاجِبَ حَقِّهِ عَلَيْكُمْ، وَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ». ولا شكّ أنّ قوم موسى كان أول شأنهم–في عبادة العجل–مقالة الشرك، وقد عبدوه بعد ذلك، فهل عذَرهم الله بالجهل؟! عن ابن جريج: ﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، قال: «تَمَاثِيلُ بَقَرٍ. فَلَمَّا كَانَ عِجْلُ السَّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْبَقَرِ، فَذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ شَأْنِ الْعِجْلِ». قال الرازي: «اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنْوَاعَ نِعَمِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ–بِأَنْ أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ–أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ الْعُظْمَى وَهِيَ أَنْ جَاوَزَ بِهِمُ الْبَحْرَ مَعَ السَّلَامَةِ. وَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى فِي سَائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهُمْ فِي الْبَحْرِ مَعَ السَّلَامَةِ–وَذَلِكَ بِأَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسَى الْبَحْرَ بِالْعَصَا، وَجَعَلَهُ يَبَسًا–بَيَّنَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا شَاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِهِمْ جَهِلُوا وَارْتَدُّوا وَقَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا شَاهَدُوا الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شَاهَدُوا أَنَّهُ تَعَالَى أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، وَخَصَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْوَاعِ السَّلَامَةِ وَالْكَرَامَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ وَالْمَقَامَاتِ يَذْكُرُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْفَاسِدَ الْبَاطِلَ، كَانُوا فِي نِهَايَةِ الْجَهْلِ وَغَايَةِ الْخِلَافِ».
