#مقال_اليوم:
سلسلة #مقالات:
2️⃣قناع الثقافة وجوهر الاستبداد: تفكيك صراع التيارات التسلطية مع الدولة الحديثة والعولمة
يتخذ الصراع الذي تخوضه التيارات الثيوقراطية والقومية الإمبراطورية في ظاهرها طابعًا ثقافيًّا وأخلاقيًّا حادًّا ضد "
العولمة العلمانية"، غير أن التدقيق في عمق هذا الخطاب يكشف عن كونه مجرد ستار يخفي صراعًا بنيويًّا وعميقًا ضد "
منظومة الدولة الحديثة" وقواعدها القانونية والمؤسسية، التي تشكل بطبيعتها قيدًا مانعًا أمام النزعات التسلطية والتوسعية لهذه التيارات.
وفيما يلي تفكيك لأبعاد هذا الصراع ومقاصده الحقيقية:
1️⃣
تفكيك المركزيات الشمولية وسيادة القانون
ترتكز "
العولمة والأنظمة المعاصرة" على محددات راسخة تتمثل في [
1]
الدولة الوطنية، و[
2]
سيادة الحدود الجغرافية، و[
3]
حكم المؤسسات وفقًا لسيادة القانون.
هذه الركائز تتناقض جوهريًّا وتناهض بطبيعتها المشاريع التوسعية الشمولية العابرة للحدود.
من هنا، تجد النماذج الثيوقراطية والقومية الإمبراطورية في المنظومة الدولية والقانون الدولي عائقًا صلبًا أمام بسط وصايتها واستباحة سيادة الجوار الجغرافي.
ولتجاوز هذا العائق، تعمد هذه الأنظمة إلى تصوير الصراع على أنه "
معركة مقدسة" ضد التغريب والغزو الثقافي، بهدف حشر أطماعها التوسعية السياسية والعسكرية ضمن إطار أخلاقي مقبول لدى جماهيرها.
2️⃣
توظيف "الشيطنة" لضبط الجبهة الداخلية
تمثل فزاعة "
العولمة العلمانية" أداة تعبئة حيوية تستخدمها هذه التيارات لضبط وترهيب المجتمعات الخاضعة لسلطتها.
عبر آلة إعلامية وأيديولوجية ضخمة، يتم ربط أي مظاهر للانفتاح الثقافي بالانحلال الأخلاقي وفقدان الأصالة الوطنية أو الدينية.
هذا التأطير يمنح السلطة السلطوية مبررات "
أخلاقية" لقمع المطالبات الشعبية بالحقوق والشفافية والديمقراطية، وتخوين المعارضين السياسيين والمطالبين بالإصلاح عبر وصمهم بالعمالة للغرب.
والأهم من ذلك، يتم استخدام هذه "
المعركة الكونية المفترضة" كذريعة جاهزة لتبرير التدهور المعيشي المستمر وحالة الفقر، بوصفها "
ثمنًا حتميًّا" وصبرًا ضروريًا للمواجهة.
3️⃣
ازدواجية السلوك: اعتماد على التقنية وتسقيط للقيم
يكشف سلوك هذه الحركات عن ازدواجية صارخة ومعيارية نفعية؛ فهي لا ترفض منطق السيطرة والهيمنة الدولية بحد ذاته، بل تسعى جاهدة إلى إحلال مركزيتها الشمولية الخاصة محل المنظومة العالمية السائدة لتصبح هي "
المهيمن".
تتجلى هذه الازدواجية في الاعتماد الكلي والحيوي لهذه الأنظمة على أدوات العولمة المادية، بدءًا من التقنيات المتقدمة وشبكات السلاح، وصولًا إلى النظام المالي والأسواق المالية العالمية لبيع مواردها.
وفي مفارقة عجيبة، تستغل هذه الأنظمة ثمار العولمة المادية لتقوية سلطتها، في حين تستمر في تسقيط [
1]
القيم المدنية و[
2]
مبادئ الحُكم الرشيد و[
3]
حقوق الإنسان التي قامت عليها تلك النظم بدعوى "
الخصوصية الثقافية".
4️⃣
التنصل من استحقاقات الإدارة الرشيدة
يوفر هذا الصراع المفتعل والمبالغ فيه مع "
العلمانية" ستارًا سياسيًا وأيديولوجيًا كثيفًا لحجب الإخفاقات الهيكلية الذريعة للسلطة.
وعبر تأجيج
الشحن الميثولوجي (الأسطوري) المستمر، يتم الهروب من استحقاقات التخطيط التنموي الواقعي.
ونتيجةً لذلك، تُهدر مقدرات الشعوب وثرواتها الوطنية الهائلة في تمويل صراعات خارجية عبثية وتغذية التمدد العسكري غير المدروس، بدلًا من توجيهها لصالح البناء المجتمعي، وتطوير الاقتصاد المنتج، وتحقيق الاستقرار المؤسسي الذي يخدم رفاهية الإنسان.
خاتمة:
في نهاية المطاف، يتبدى العداء للعولمة في سرديات هذه التيارات كذريعة نفعية بحتة، هدفها الأوحد هو تأبيد الاستبداد واحتكار ثروات الشعوب، عبر التستر بمظلوميات الماضي وشيطنة الآخر، للهروب من استحقاقات الحاضر ومتطلبات الحُكم الحديث الرشيد.
رابط سلسلة #المقالات:
https://drive.google.com/file/d/1DJwoFz-7wOYcyVcyHu47AWcCVB2acR6p/view?usp=drivesdk