uk
Feedback
علم النفس : مقالات - أبحاث

علم النفس : مقالات - أبحاث

Відкрити в Telegram

محتوى القناة: مقالات - دراسات - أبحاث - تحليل الشخصية - مقاييس - كتب ومحاضرات صوتية - إقتباسات. مكتبة علم النفس @Psychologybookss قنواتنا الفكرية ⬇️ @audiobooks_new دليل قنوات الكتب الصوتية @masmoo3 للتواصل @dan_mh

Показати більше

📈 Аналітичний огляд Telegram-каналу علم النفس : مقالات - أبحاث

Канал علم النفس : مقالات - أبحاث (@psychoanalysis_2021) у мовному сегменті Арабська є активним учасником. На даний момент спільнота об'єднує 39 868 підписників, посідаючи 678 місце в категорії Книги та 1 527 місце у регіоні Саудівська Аравія.

📊 Показники аудиторії та динаміка

З моменту свого створення невідомо, проект продемонстрував стрімке зростання, зібравши аудиторію у 39 868 підписників.

За останніми даними від 14 липня, 2026, канал демонструє стабільну активність. Хоча за останні 30 днів спостерігається зміна кількості учасників на 291, а за останні 24 години на 3, загальне охоплення залишається високим.

  • Статус верифікації: Не верифікований
  • Рівень залученості (ER): Середній показник залученості аудиторії становить 1.94%. Протягом перших 24 годин після публікації контент зазвичай збирає 1.47% реакцій від загальної кількості підписників.
  • Охоплення публікацій: В середньому кожен допис отримує 774 переглядів. Протягом першої доби публікація в середньому набирає 588 переглядів.
  • Реакції та взаємодія: Аудиторія активно підтримує контент: середня кількість реакцій на один пост – 19.
  • Тематичні інтереси: Контент зосереджений навколо ключових тем, таких як كِتَاب, مَكتَبَة, عَقل, مُخزِن, قَنَاة.

📝 Опис та контентна політика

Автор описує ресурс як майданчик для висловлення суб'єктивної думки:
محتوى القناة: مقالات - دراسات - أبحاث - تحليل الشخصية - مقاييس - كتب ومحاضرات صوتية - إقتباسات. مكتبة علم النفس @Psychologybookss قنواتنا الفكرية ⬇️ @audiobooks_new دليل قنوات الكتب الصوتية @masmoo3 للتواصل @dan_mh

Завдяки високій частоті оновлень (останні дані отримано 15 липня, 2026), канал підтримує актуальність та високий рівень охоплення публікацій. Аналітика показує, що аудиторія активно взаємодіє з контентом, що робить його важливою точкою впливу в категорії Книги.

39 868
Підписники
+324 години
+827 днів
+29130 день
Архів дописів
(لستة ربيع الكتب) - كتب دينية - كتب ثقافية - موسيقى - كتب صوتية - إقتباسات - علم النفس☄📚) ▪ راسلنا لإضافة قناتك للستة.. @dan_mh t.me/audiobooking0

فالمشي والحركة في النوم يمثلان الحلم الذي يحلمه صاحبهما، وهما دليل على قوة الحلم وأن العقل الباطن يسيطر على أعضاء الحركة ويُحدث في النفس من العواطف ما يبعث النشاط في أعضاء الجسم مع نوم العقل الواعي. وتمثيل الحلم بالحركة والمشي أكثر في الأطفال والصبيان منه في الرجال، وهذا يتَّسق مع ما ذكرناه من أن العقل الباطن أقوى في الطفل والصبي منه في الرجل؛ ولذلك فالحلم الذي يراه الرجل وهو نائمٌ وادعٌ يراه الطفل قويًّا يدفعه إلى الحركة والمشي. ولكن المشي في النوم يتَّسم بصفة أخرى غريبة، وهي أن النائم أحيانًا يمشي على حافَّة مستدقَّة فلا يقع، مع أنه لا يستطيع أن يمشي عليها وقت اليقظة، وعلَّة ذلك أنه يمشي بعقلٍ واحد هو العقل الباطن، فلا يتردد ولا يدخله الشك أو الخوف بأنه سيقع؛ لأن العقل الواعي الذي يبصِّره بالخطر نائم، فالعقل الباطن يسيطر على أعضاء الحركة سيطرة تامة ولا يشك فيما يفعل. وقبل أن أختم هذا الفصل أرى أن ألمِّح للقارئ بأن الجنون النفسي يحدث إذا طغى العقل الباطن طغيانًا عظيمًا بحيث: (١)يصير الكابوس الذي يحدث في النوم يحدث في اليقظة، فلا يستطيع «المجنون» أن يتكلم أو يتحرك، أو تتوهَّم الفتاة أن رجلًا قد انتهك عرضها في اليقظة. (٢)ينسى الشخص نفسه فيسير في الدنيا كالماشي في الحلم، ويؤدي أعمالًا يستغربها منه أصدقاؤه، وينساها هو إذا شُفي من ذهوله؛ وذلك لأن العقل الباطن قد طغى على عقله الواعي وصار يسيطر على أعضاء الجسم. 3 سلامة موسى

فما هي المهمة التي يؤديها لنا النوم؟ هي إراحة الكفايات الجديدة في الإنسان، وأجدُّ هذه الكفايات هو العقل الواعي؛ لأنها لما كانت جديدة فإن التعب يسرع إليها؛ ولذلك فإن كفاياتنا القديمة كلها لا تنام أو لا يصيبها النوم إلا بإغفاء بسيط، أو هو في الواقع تراخٍ، فنحن نهضم الطعام في نومنا، وقد تستيقظ غريزتنا الجنسية وقت النوم، وأيضًا عقلنا الباطن لا ينام؛ بدليل الأحلام التي نراها، وهذا الدليل يتَّسق وما نراه في الطبيعة من أن الحيوانات القديمة التي مضت عليها مدَّة طويلة جدًّا وهي لا تتطور لا تنام. مثال ذلك النملة والأرضة؛ فإنهما لا تنامان مثلما ننام نحن ثماني ساعات كل يوم، بل هي تقنع بمدة صغيرة جدًّا، بل بعضهم يعتقد أنها لا تنام البتَّة. وهنا يمكننا أن نقف ونتساءل: هل يستمرُّ الناس على النوم في المستقبل البعيد حين يكون العقل الواعي قد تأصَّل في النفس وصارت له فروع وجذور؟ والجواب عن ذلك أننا إذا لم تنشأ لنا كفايات جديدة غير هذا العقل الواعي، فالأرجح أننا نستغني عن النوم. أما إذا تطورنا ونشأت لنا كفايات جديدة فإنها تحتاج إلى النوم، وهذا الفرض الأخير هو الأرجح. ومما ذكرناه نستنتج جملة استنتاجات: فمن ذلك أن الأرق يمكن معالجته بأن نستسلم لخواطر لذيذة غير منبِّهة؛ لأن اللذة نفسها إذا اشتدَّت نبَّهت فأيقظت، ولكن نختار من الخواطر تلك التي تخطر في بالنا على غير وعيٍ منَّا في النهار ولا تكون مؤلمة أو منبِّهة؛ لأن هذه الخواطر هي من العقل الباطن، فإذا استسلمنا لها كان ذلك منَّا بمثابة إنامة العقل الواعي وإيقاظ العقل الباطن: عقل الأحلام، فيطغى على وعينا وننام. وأحلامنا كلها وقت النوم هي من نشاط العقل الباطن؛ وهي لذلك غير واعية، لا نعي بها عند اليقظة إلا إذا حدث حادث أذكرنا في النهار ببعض تفاصيلها فنذكرها، كما أننا نستطيع تذكرها وقت الاستيقاظ عندما يكون العقل الباطن متنبِّهًا بعض التنبُّه، ولكننا نذكر الكابوس للألم المنبِّه الذي يحدث في نفوسنا. وأحيانًا يحدث أن النائم يمشي ويؤدِّي أعمالًا إذا استيقظ نسيها كلها أو تذكرها كما يتذكر الإنسان الحلم، فما تجب ملاحظته هنا أن المشي في النوم هو تمثيل للحلم؛ أي إنه تأكيد للحلم بالفعل، فأنا أحلم مثلًا أني انتقلت من غرفة إلى غرفة ولا أتحرك، ولكن آخر غيري يمثل هذا الحلم فيقوم وهو نائم وينتقل من غرفة إلى غرفة، ومن الناس من يحلم أنه يتكلم وهو لا يتكلم بالفعل، ولكن غيره يحلم أنه يتكلم ثم يتكلم بالفعل. 2

النوم من يتأمل النوم لأول وهلة يظن أنه عمل فسيولوجي محض أولى أن يكون البحث فيه من اختصاص الطبيب، وأنه يكاد لا يكون له أدنى علاقة بالنفسلوجية. ولكن إذا نحن تعمَّقنا في بحثه ألفينا فيه من الصفات الذهنية ما هو أحرى بأن يتعلق بالنفسلوجية منه بالطب؛ ففيه الأحلام، وفيه الكابوس، وفيه المشي والحركة، ثم فيه الاستعداد للإيحاء. وليس النوم نتيجة الإعياء فقط، فإنه نتيجة الإيحاء أيضًا؛ فنحن لكي ننام نحتاج عادة إلى جملة أشياء توحي إلينا النوم، مثل الظلام ونزع الملابس العادية والسكون والانطراح على الفراش، وقد ننام أحيانًا ونحن لا نشعر بأي تعب، كما أننا قد نشعر بالتعب ثم مع ذلك لا ننام. ومما يقوم دليلًا على أن في النوم عنصرًا كبيرًا من الإيحاء أننا نميز وقت النوم بين الأصوات، فصوت الترام بل صخبه لا يوقظنا ولكن نقرة ضعيفة من الخادم على الباب تنبَّهنا، وقد يكون نوم الأم ثقيلًا ومع ذلك إذا بكى طفلها بكاء ضعيفًا استيقظت له، ثم هناك أيضًا مشابهة بين نوم الاستهواء والنوم الطبيعي، فقد نستهوي شخصًا فينام ونطلب منه أن يستيقظ في ساعة نعيِّنها له فيستيقظ، وكذلك النائم يمكنه قبل النوم أن يوحي إلى نفسه الاستيقاظ في ساعة معينة فيستيقظ. على أن النائم بالاستهواء أطوع للإيحاء في هذه الحالة من النائم نومًا طبيعيًّا، ولكن الفرق بين الاثنين هو فرق في الدرجة وليس في النوع، ومما يزيد المشابهة بين النومين أن الشك في الحالتين يمنع النوم، فإننا إذا أصابنا سهاد ثم شككنا في أننا سننام زال عنَّا النوم الطبيعي. وكذلك إذا شككنا في قوة الرجل الذي يستهوينا لم يستطع إنامتنا ولو تكلفنا نحن هذا النوم واجتهدنا في جلبه، بل الاجتهاد في جلب النوم هو باختبار كل واحد منَّا أضمن طريقة لمنعه. وهذه الملاحظة الأخيرة تبصرنا بمعنى النوم؛ إذ هو في الواقع طريقة يستجمُّ بها العقل الواعي قوته؛ لأنه لما كان أحدث عقولنا فهو أقلُّها استقرارًا وتأصُّلًا في نفوسنا وأسرعها تعبًا وإعياء من العمل، فهو يحتاج إلى الاستجمام والراحة أكثر من غيره؛ أي أكثر من عقولنا القديمة؛ ولذلك فإننا إذا جعلنا الوعي طريقة لجلب النوم فإننا بهذا الوعي نفسه نمنع النوم؛ لأن النوم هو إزالة الوعي، فإذا اجتهدنا في جلب النوم أيقظنا وعينا؛ ولذلك لا ننام. 1

(لستة ربيع الكتب) - كتب دينية - كتب ثقافية - موسيقى - كتب صوتية - إقتباسات - علم النفس☄📚) ▪ راسلنا لإضافة قناتك للستة.. @dan_mh t.me/audiobooking0

(لستة ربيع الكتب) - كتب دينية - كتب ثقافية - موسيقى - كتب صوتية - إقتباسات - علم النفس☄📚) ▪ راسلنا لإضافة قناتك للستة.. @dan_mh t.me/audiobooking0

(لستة ربيع الكتب) - كتب دينية - كتب ثقافية - موسيقى - كتب صوتية - إقتباسات - علم النفس☄📚) ▪ راسلنا لإضافة قناتك للستة.. @dan_mh t.me/audiobooking0

(لستة ربيع الكتب) - كتب دينية - كتب ثقافية - موسيقى - كتب صوتية - إقتباسات - علم النفس☄📚) ▪ راسلنا لإضافة قناتك للستة.. @dan_mh t.me/audiobooking0

شاطئ هادئ الصحة النفسية خط متصل يمتد من امتلاك صحة نفسية جيدة في طرف إلى المعاناة من اضطراب نفسي في الطرف الآخر، ويختلف موقع الأشخاص على هذا الخط المتصل خلال مسيرة حياتهم. طرف الصحة النفسية يُمثّل بتعريف منظمة الصحة العالمية بأنه “حالة من الصحة يدرك من خلالها الشخص قدراته ويستطيع التعامل مع ضغوط الحياة العادية ويستطيع العمل بشكل منتج ومكتمل ويكون قادرًا على المساهمة في مجتمعه”. فالشخص الذي لديه صحة نفسية جيدة سليم في مشاعره وتفكيره وإدراكه وسلوكه، ويقوم بأداء جيد في العمل والدراسة ولديه علاقات إيجابية مع الناس من حوله. وأما طرف الاضطراب النفسي بتعريف الدكتور نبيل القط في “حكايات التعب والشفاء” فهو “نوع من الاضطراب في الوجدان أو في التفكير أو في السلوك يؤدي إلى ضغط نفسي، يتعرض له الإنسان، أو إلى إعاقته عن القيام بأنشطته اليومية، أو زيادة في تعرضه للمشكلات، أو معاناة في حياته العادية”. السلام النفسي ليس معناه أن تتحول حياتك إلى نعيم دائم، بل يعني فقط القدرة على الوصول إلى حالة من السكينة الذهنية وسط فوضى الحياة العارمة، أن تمتلك شاطئًا نفسيًّا هادئًا تتردد إليه متى شئت. سرد السير الذاتية لذيذ لكاتبها ولقارئها، لأن استحضار الأفراح استذكار للحظات الجميلة واستئناس بها، وكذلك استحضار الآلام والأحزان بعد نهايتها تذكيرٌ بنعمة مجاوزتها. سيُفتح الباب ما دمت تطرق، سيُشع الضوء ما دمت تعمل، اليأس هو الموت. وتذكّر أن “لكل ليل قمر”، كما يقول التبريزي، “حتى ذلك الليل الذي بداخلك”. وأن لكل نهار شمس، حتى وإن اختبأت خلف الغيوم. الميزة الوحيدة للاكتئاب هي أنه مرضٌ يمكن قهره. وأن الغالبية العظمى من المرضى النفسيين يتعافون حتى حينما يكون المرض في أبشع أشكاله، ويعيشون بعد ذلك حياة لا تقل سعادة عن حياة نظرائهم ممن لم يتعرضوا للمرض 13

أثناء أزمة كورونا تزايد أعداد الخائفين بتضاعف أعداد المصابين من هذا الوباء، حظر التجوال الذي كان عقابًا للآخرين كان الوضع المثالي الذي ينتظره مينا؛ فتجسّد الخوف ماديًّا في الخارج يجعله يخفف حدته في الداخل، ومشاركة المخاوف تخفف من وطأتها وتشعر بالونس والتضامن. سبعة عشر عامًا بصحبة القلق الحاد أكسبت مينا العديد من الاستراتيجيات العلاجية، وغيّرت الكثير من القناعات الداخلية، واستطاع اكتساب معرفة ذاتية، وقدرة على السيطرة على الذات وتهدئة القلق، وتخلص من نوبات الفزع وبعض النوبات الجانبية. ما كان يُصبّر مينا على ما هو فيه ترقّب النهاية التي يوقن أنها قادمة، مؤمنًا أن “حالة النجاح ستغيّر معنى كل تاريخ الماضي، تاريخ كل تلك المحاولات الفاشلة”. حتى لا تصبح الأيام أصعب عند المرضى النفسيين ليس “الآخرون هم الجحيم” كما هم عند سارتر، بل كل شخص صار جحيم نفسه، وناره مستعرةً بداخله. وحتى لا تصبح الأيام أصعب كتبت وفاء خالد تجربتها مع الاكتئاب على شكل نصائح مباشرة بدون استعطاف القارئ، مستذكرة “حين تصبح الأيام أصعب” كما هو عنوان كتابها، واضعةً “دليلًا مبسطًا لحيل التعامل مع الاكتئاب بشكل يومي” كما في العنوان الفرعي. أهمية الكتاب تكمن في تجربته المماثلة لنا، لكثير من تجاربنا، تجربة صريحة تتكلم عن تقدم الأخبار الجيدة والأخبار السيئة لكل مريض نفسي، ويؤكد أهمية الكتاب تصديره بكلمة من الأخصائي النفسي أسامة الجامع وتصريحه بأنه “كتاب يستحق وبفخر أن يوضع في المكتبة العربية، كصوت مفعم بالقوة، ليقول لليائسين هناك أمل وأنا أمامكم، وهذه قصتي”. أفضل وقت لطلب المساعدة من الطبيب أو الصديق برأي وفاء هو عندما تشعر أنك على وشك الدخول إلى نوبة اكتئاب أو في بدايتها. فتوقُّعُ المطر يجعلك تحمل معك مظلة. وتنبَّه من إغراقِ مَن حولك بمشاكلك النفسية، وهذا لا يعني الإخفاء عنهم، فقط “تذكر أن صديقك ليس معالجك النفسي. فلا تثقل صديقك أكثر مما يحتمل واحتفظ بأثقل أفكارك ومشاعرك للمعالج. وإلا أصبحتما شخصين مكتئبين بدلًا من واحد”. تصحيح التصوّرات وإزالة الوصمة تجاه الأمراض النفسية لا يعني إسباغ المدائح عليها وإبراز مزاياها وفضائل بعض المصابين بها؛ فهذا ينقل التطرف من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين، المطلوب هو الاتزان وإنزال الأمور منازلها، وبيان طبيعية أمراض النفس كما هي أمراض الجسد. لا شيء أخلاقي في تجميل الاكتئاب، ولا شيء جيّد يتأتّى من مديحه أو تبجيله أو اعتباره ظرفًا امتيازيًّا. 12

جاء بعد ذلك طبيب الأسنان السعودي معن السلطان وكتَب عن “وجد لا ينام”، واصفًا معاناته مع الاكتئاب أثناء ابتعاثه إلى نيويورك لاستكمال الدراسات العليا، ولكن بأسلوب يمزج الخيال بالواقع، ويحاكي التجارب النفسية الأخرى بأسلوبه الذي حرص فيه على الرسالية واستهداف التوعية بالمرض النفسي وكيفية التعامل معه. “كنت غارقًا في اللاوعي لسنوات عديدة، وحدها النوبة أيقظتني”، كثيرًا ما تعيدنا الأمراض إلى ذواتنا فنعيد تقييم تاريخنا بالكامل. سيرة معن خيار جيد لبداية القراءة في هذه السير، وخيار جيد للإهداء للمرضى النفسيين وذويهم، فالتحفيز الإيجابي المباشر والتشجيع على الحياة أكثر وضوحًا من بقية السير، ومن ذلك قوله: “أيها الإنسان؛ لا أحد يعرف المعارك التي خضتها للوصول إلى مبتغاك، كما أن أحدًا لا يعرف كم مرة سقطت ثم نهضت، ولا أحد يعرف مقدرتك وشجاعتك لخوض تجربة جديدة، إلا أنّك تعرف. وليس المهم أن يعرف أحد، المهم فقط أن تستمر أنت في معرفة قدرتك الكامنة وتتبعها للوصول”. هامش الهامش جمع الكاتب المصري مينا ناجي كتابات متفاوتة وأصدرها في كتاب بعنوان “33 عن الفقد والرُهاب”. الرقم هو عمره عند نشر الكتاب، والكلمتين هي التجربتين الأكثر حظًّا فيه، والتي يعنينا منها رحلة معاناته مع الرهاب، يمكن توصيفه بالقلق الحاد من الوجود في بيئة غير آمنة أو في مواقف لا يمكن أو من الصعب الهروب منها. هذه “المواقف” ربما تتضمن الأماكن المفتوحة، الأنفاق، الجسور، وسائل النقل العامة، المسارح، السينمات، مراكز التسوق والأماكن المزدحمة، إلخ.. وفي الحالات المتطرفة، مجرد التواجد خارج البيت. فقد كان “الخروج من البيت هو المهمة الأكثر صعوبة ورعبًا في العالم”. يحكي مينا عن بدايات ملاحظته لحالته، والردّ الذي جاءه من أول شخص أخبره بها، وهو المرشد الروحي في الكنيسة القبطية التي ينتمي لها في مصر، كان صادمًا ومعززًا للمرض بدل أن يساهم في علاجه، فقد أخبره بأن المرض حالة صحيّة تساهم في تخفيف غرور الإنسان بنفسه وتؤكد احتياجه لربّه. لم يكن مينا بحاجة لهذه الكلمات في هذه المرحلة، كان يبحث عن الفهم، عن التوصيف الأدق لحالته، عن القوة لمواجهة الحياة في الخارج، والتي لا يمكن لشاب من أسرة متواضعة الحال الاستغناء عنها والانكفاء على الذات في المنزل. وهذا يؤكد ما ذكرته سابقًا من أن الحالة المرضية لا ينبغي مشاركتها مع كل أحد، ما لم نملك النفسية القوية القادرة على مواجهة ردات الفعل السلبية. 11

ثلاثون عامًا عاشتها جاميسون مع ثنائي القطب جعلتها تُدرك كل القيود والاحتمالات التي تأتي معه، ومع كل المزايا الناتجة عن هذا المرض إلا أنها ترفض التخلي عن علاجها أو الإخلال بالوصفة الدوائية الخاصة بها، وتؤكد في ختام سيرتها العظيمة أن الحب هو الجزء الاستثنائي في أسوارها التي تحتمي بها من موجات المرض، فهو يساعدها على صد الرعب والوحشة، ويسمح في نفس الوقت بدخول الحياة والجمال والقدرة على البقاء. “هذا كتاب عن الحب: الحب كعامل مؤازر، والحب كعنصر مجدد، والحب كأداة حماية. بعد كل ما بدا أنه موتٌ في عقلي أو قلبي، عاد الحب ليُعيد خلق الأمل ويسترد الحياة”. غواية الكتابة من أوائل السير الذاتية السعودية التي عالجت المرض النفسي كان كتاب عمر الرديني الذي يعاني من ثنائي القطب “غوى”، يفصح عن دوافع تدوين سيرته بأنها “محاولة خجولة لممارسة النور؛ لأني أؤمن بأنه من الواجب علينا في الحياة أن نسير وفي أيدينا مصابیح حرة نُنير بها دروب الآخرين المقيدة، هل أخبركم عن أحلامي؟ أحلم أن أصل لأبعد نقطة في الظلام؛ لأنيرها قبل وصولكم إليها”. كانت البداية مع المعالج الشعبي في حارات المدينة المنورة الذي يُعتقد أنه قادر على فك المس وإخراج الجن، لكنه زاد الطين بلة. يسهب عمر في وصف التطور المرضي وزيارات المستشفيات والمصحات النفسية ومشاعره تجاهها ومعاناته معها، ومع الكلمات التي تُرمى من بعيد عليه مثل (الله لا يبتلينا)، “من جرب الهوس سيعلم أن كل كلمةٍ محفزةٌ كزيتٍ يزيدُ النار اشتعالًا”، ويتحدث بلسان المرضى النفسيين بأكملهم، يشرح معاناتهم ويصف متطلباتهم، “نبحث عمن يساعدنا دون توبيخنا”، “نطالب أن نحترم كبشر”، “لا أطلب الشفقة من أحد، نريد العيش بسلام كالآخرين”. مما ساعده في تجاوز اللحظات الحرجة وتخطي الكثير من الصعاب كانت كتب الفلسفة والأدب، فقد كانت “الكلمات التي أقرأها بمثابة ضماد جروح عقلي”، وقد استطاع عمر أن يجعل من إتمامه لقراءة كتابٍ مهم جزءًا من رحلته العلاجية وجرعة دسمة لاستعادة الثقة في النفس. “الحياة قرار. وأنا اتخذته”، بهذه الكلمة ينهي هذه السيرة. ولأن “الكتابة هي العقار السري الذي أدمنه، الكلمات كانت دموعي الحقيقية”، يستكمل عمر الرديني الحديث عن صراعه مع المرض النفسي في «جنون لذيذ»، يغلبه تارة ويكسره المرض تارات، لكنه مؤمنٌ بالعلاج بالكتابةِ التي يُجيدها، بل يبرع فيها. عمر رجل شجاع لا يختبئ خلف تجارب الآخرين ولا خلف تشبيهات المثقفين، وكما يقول وليم فوكنر: “العمل العظيم لا يكتبه إنسان خائف”. نلحظ بين السيرتين مجموعة من الفوارق، من أبرزها أن الأولى هي سيرة وصفية، مباشرة، مندفعة، مطالِبة، أما السيرة الثانية فهي سيرة استعاديّة، تأمليّة، أكثر أدبًا وإبداعًا بالأسلوب والأوصاف. كلا السيرتين متقاربة الحجم، تطول الثانية بطول المدة التي تتناولها، فقد صدرت بعد قرابة الخمس سنوات من الأولى، ولم تكن مقصورة عليها، بل تعود إلى البدايات بعين الآن، وتؤكد على بعض المواقف وتعدّل بعض الانطباعات. سيرة عمر نموذج للاعترافات التي يعيبُ كثيرٌ من النقاد غيابَها عن السير الذاتية العربية، فهي اعترافات خاصة يتحرج المرء أن يخرجها، لكن لأن أولئك النقاد لا يبحثون إلا عن الاعترافات الجنسية لا يلتفتون لمثل هذه المكاشفات الجريئة. 10

من أول زيارة للمعالج النفسي “ببطء تدفق إشعاع دقيق، دقيقٌ جدًا، من الضوء إلى عقلي الخائف والمظلم”، وخلال السنوات العديدة اللاحقة وبزيارات أسبوعية، “لقد أبقاني على قيد الحياة أكثر من ألف مرة… لقد شاهدني من بداية إلى نهاية كل وجهٍ تقريبًا من وجوه حياتي السيكولوجية والعاطفية”. أكثر ما أكّدت عليه جاميسون هو أهمية الالتزام بالدواء الموصوف للمريض النفسي، فلا تكفي جلسات العلاج النفسي مع هذا الاضطراب دون أدوية طالما أن السبب الأساسي هو اضطرابات بيولوجية تحتاج إلى أدوية تعيد توازنها. وتشرح دوافع رفضها للأدوية وآثار انقطاعاتها القاسية جدًا، والذي يعود جزء أساسي منه إلى إنكارها الاعتراف بأن ما لديها مرضٌ حقيقي. وسبب آخر يتكرر كثيرًا في الكتاب، وهو ما يساعدنا في فهم سلوكيات كثير من مرضى ثنائي القطب في رفضهم التعامل الجاد مع أمراضهم والتلكؤ في طلب العلاج، هو ما صرّحت به جاميسون من إدمانها الإثارةَ التي تأتي مع موجة الهوس وما ينتج عنها من سلوكيات ترى أنها أكثر حيوية وإنتاجًا وقوة وودًّا وابتهاجًا. وسبب مهم أيضًا في امتناعها عن تناول الدواء هو رعبها الشديد من فشل مفعوله معها، فقد كانت في داخلها تُرجئه كحلٍّ أخير حتى لا ترى أسوأ مخاوفها تتحقق. بعدما قصّت رحلتها مع المرض النفسي في ثلثي سيرتها الذاتية، اختارت جاميسون “ترياق الحب” عنوانًا للفصل الثالث الذي تؤكد فيه على أن الحب وإن لم يكن كافيًا لعلاج أمراضنا، فهو مؤثر جدًا في تقبّلها، وفي إقناعنا أن في الحياة ما يستحق العيش. الحب عكّازاتنا التي لا تشفي كسورنا، لكننا لا نقوى السير بدونها. تُهان قصة الإنسان عندما تُحكى للشخص الخطأ. دخل أكثر من شخص حياة جاميسون وهي تصارع المرض، قصّت أخبارهم وردود أفعالهم تجاه إبلاغهم بمرضها، بعضهم تفهّم مرضها وبعضهم أساء لها من حيث هو يريد الإحسان وبعضهم كان صلف الأخلاق قليل المروءة صرّح بنفوره منها مباشرة بعد الخبر، مما ولّد لديها شعورًا بالنفور من إخبار الآخرين بمرضها إلا عند الضرورة القصوى، وفي أخبارها وانطباعاتها دروس في كيفية التعامل مع المرضى النفسيين وضرورة عدم تحقير أوجاعهم، فألم تهميش الألم أكثر ألمًا من الألم نفسه. الحب يقتل أسئلتك المتشككة في أحقيتك بالحياة، بالسعادة، بالعيش الهنيء، كما يقتل أرق أسئلتك تجاه ذاتك. في الفصل الأخير من الكتاب تناقش مشكلة التسمية، هل الأفضل تغيير صفة الجنون لاسمٍ أكثر لباقة؟ هذا ما تدعو إليه المنظمات الطبية والحركات الاجتماعية المعززة للصحة النفسية، لكنها ترى أن تغيير المصطلح ليس كافيًا لحل أزمة وصمة العار الملاصقة للأمراض النفسية، وكذلك “ليس ثمة مصلحة للمريض أو أي فردٍ في العائلة في استعمال لغةٍ أنيقة ومعبرة إذا كانت أيضًا غير دقيقة وغير موضوعية”، مع إقرارها أن من حق المرضى أن يختارون المصطلح الذي يرتاحون إليه. 9

حكَت في الفصل الأول قصةَ طفولتها، وتاريخ أسرتها المليء بالأمراض النفسية، وبدايات دخولها إلى النفق المظلم منذ المراهقة، ومع كل ما مرّت به من صعاب في حياة والدها العسكرية وعلاقات أسرية متفككة واضطرابات عاطفية، كانت “السنوات الطويلة والمهمة للطفولة والمراهقة في معظمها سنوات سعيدة بالنسبة لي، وزودتني بقاعدة صلبة من الدفء والصداقة والثقة بالنفس. لقد كانت بمثابة تعويذةٍ جبارة، وقوةٍ فعّالة مضادّة للاكتئاب المستقبلي”. نكبر أسرع من الآخرين بآلامنا وأحزاننا التي نُخفيها عنهم؛ فتُنضجنا. دخلت جاميسون كلية الطب لكنها لم تستطع إكمال سنواتها الطوال مع ما تمر به من حالة نفسية لا يعلم بها أحد، فقررت التحويل إلى دراسة علم النفس لتكتشف مصيرها وكيفية التعامل معه. كانت طريقتها الوحيدة لتخفيف اهتياجها أن تركض على امتداد الشاطئ، أو أن تذرع غرفتها ذهابًا وجيئة كدُبٍّ قطبي في حديقة الحيوان. لم تكن تعلم ما الذي يجري لها، لكن لم يدر في خلدها البتة أنها مريضة. وبعد سماع محاضرة عن مرض الاكتئاب، ذهبت إلى خدمات الطلاب الصحية وفي نيتها طلب مقابلة طبيب نفسي، وصلت إلى العيادة، ثم جلست هناك كالمشلولة، لم تقو على الدخول وطلب المساعدة، كانت تشعر بالخوف والعار، حتى انتهت الساعة انهمرت فيها الكثير من الدموع، ومضت. أنهت الفصل الأول بمناقشة رسالتها للدكتوراة وتعيينها في الجامعة، وافتتحت الفصل الثاني قائلة: “لم أستيقظ في أحد الأيام لأجد نفسي مجنونة”، وبدأت تسرد رحلتها مع المرض بتفصيل وانسيابية مرعبة تخالف رعونة أيامها في الواقع، معاناتها الشخصية ثم دراستها الأكاديمية مكّناها من التعبير الأدق عن الحالة المرضية والدخول إلى عقل ثنائي القطب والتجول فيه ليس على ضوء قنديل زيت، بل بإضاءة حفلة زواج. آثار المرض تختلف من شخص لآخر في جزء منها، وتشترك في الكثير من آلامها، وندرك من سيرة جاميسون -وسيرة الرديني القادمة أيضًا- كيف كان “الانهماك في فورة شراء مفرطة” جزءًا كلاسيكيًّا من الهوس، حتى كاد أن يورطها بقضايا مع البنوك التي استنزفت أموال بطاقاتها الائتمانية على أشياء تندم عليها بعد استيقاظها. زادت صعوبة زيارة الطبيب النفسي بعد تعيينها أستاذةً جامعية، فالنظرة المجتمعية والأكاديمية لا ترحم المصاب بمرض نفسي، فكيف ستسمح له بمعالجة مرضاهم. لكنها قررت الذهاب عندما بدأت تتعب من كل فرص بناء الشخصية على حساب الطمأنينة، والثبات، والحياة الطبيعية. “لم أكن مريضةً فقط عندما اتصلت لأول مرة لطلب موعد، لقد كنت أيضًا أشعر بالرعب والإحراج العميق. لم أذهب من قبل إلى طبيب نفسي أو أخصائي نفسي. لم يكن لدي خيار. لقد فقدتُ عقلي تمامًا وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإذا لم أحصل على مساعدة، طبية فمن المحتمل جدًا أن أفقد عملي، وزواجي المتقلقل، بالإضافة إلى فقدان حياتي”. 8

تُعدُّ الأوهام على طول تأريخها أعراضًا للجنون، وقد كانت ولا زالت معضلة الأطباء، يبحثون في تصنيفها والبحث في بداياتها ومحاولة تقنينها وإرجاعها إلى أوهام محددة، ستدخل إلى تلك الأوهام بنفسك حالَ قراءة هذا الكتاب، كيف يفكّر صاحبها، وما هي التأويلات التي تطرأ عليه عند كل تصرّف ومع كل نظرة، والتي يغلب عليها السلبية والتآمرية. وإذا أردت تصوّر شيء من داخل هذا العقل، فقد وصف ستايرون حال اشتداد اضطرابه “بأن عقلي نفسه يشبه لوحة تحويل مکالمات هاتفية عتيقة في بلدة صغيرة، وقد راحت مياه الفيضان تغمرها شيئًا فشيئًا: ولذلك أخذت الدوائر الطبيعية تغرق واحدة تلو أخرى، مما كان يؤدي بوتيرة بطيئة إلى انقطاع الاتصال عن بعض وظائف الجسم، وكذلك بجميع وظائف الغريزة والعقل تقريبًا”، أما كليفورد فيشبّه حاله “كما لو أن أعصابي قد تمزقت إلى عدد من الحزم المطاطية الدقيقة التي تمددت إلى ما بعد حدودها المرنة”. أغدق ستايرون الثناء والامتنان على زوجته لرفقتها وصبرها عليه في لحظات اكتئابه، ويؤكد كليفورد “أن كل ما يحتاجه المريض العقلي هو صديق!”.‏ لا يمكن إغفال أهمية الدعم الشخصي للأقارب والأحبة في مسيرة التعافي، ومع أن الشعور اللحظي عند تلقي الدعم قد يعتريه كره وسلبية من المريض، إلا أنه مهم في التأكيد له بعظيم الامتنان لوجوده ونفي بعض الأوهام المتكررة كالشعور بالفقد والتخلي من قبل الجميع، وخاصة الدعم الآتي من زملاء المرض، وهو ما يؤكده ستايرون بأن على الأصدقاء والمحبين “أن يغدقوا على المكتئبين حبًّا جمًّا حتى يقتنعوا بأهمية الحياة، والتي تتعارض غالبًا مع إحساسهم بانعدام القيمة، وقد أنقذ هذا الحب أعدادًا هائلة من ضحايا المرض من الانتحار”. على الرغم من أن النظرة الشائعة للمرض النفسي تراه معيبًا، إلا أنه يُصوَّر في بعض الأحيان على أنه نعمة. وبطبيعة الحال لا نرغب بالإعلاء من شأن المرض النفسي والاحتفاء به حدّ التقديس وإضفاء الأولوية له على السواء، لكننا بكل تأكيد نرغب بإعطائه الحق الطبيعي باعتباره مرضًا كالمرض الجسدي، والقبول وعدم النبذ، وإزالة النظرة شديدة السلبية تجاهه، لكي يستطيع كل مصاب به أن يعيش حياته دون نظرات تُفاقم من أزمته أو سلوكيات تقلّص من رغبته في الحياة. صخب الصمت “خلال شهر واحد من توقيع أوراق اعتمادي أستاذةً للطب النفسي في جامعة كاليفورنيا كنت في طريقي -بحقٍّ- إلى الجنون”، بهذه الجملة بدأت الدكتورة كاي ردفيلد جاميسون حكاية سيرتها الذاتية عن الهوس والاكتئاب والجنون في كتابها “عقلٌ غير هادئ” الذي يُعد من أهم السير الذاتية في مجال الصحة النفسية. ليس من الضروري أن نُجمّل الوحش الذي نريد الانتصار عليه، يكفي أن نفهمه حق الفهم وندرك حقيقة قبحه ومكامن خطره. وهو ما لجأت إليه جاميسون بعد تيقّنها من الإصابة بذهان الهوس الاكتئابي، أو ما بات يُسمّى الآن بثنائي القطب، راحت تتعرّف على المرض أكثر، “كان يجب عليّ أن أعرفه بجميع أمزجته وجميع أقنعته، أن أفهم قواه الحقيقية والمتخيلة”، وهو المرض الذي ينتقل صاحبه بين طرفين، الأول الهوس الحاد الأشبه بنشوة غير منضبطة، والآخر الاكتئاب الحاد الأشبه بانقطاع الكهرباء في الصحراء، وقلّما يكون بينهما دون مساعدة الأدوية. 7

دخل مستشفى الأمراض العقلية وهو في الرابعة والعشرين من عمره وأمضى هناك سنواته الثلاث مصارعًا مرضه العقلي، وبعد خروجه نقل لنا الكاتب الأمريكي كليفورد وتنجام بيرز في سيرته الذاتية قصة “العقل الذي وجد نفسه”. نستمع فيها إلى صدى الحروب الكثيرة التي كانت رحاها تدور في عقله وانتهت بمحاولات كثيرة فاشلة في الانتحار وتجارب ناجحة في تذوق مرارة اليأس والألم والسير في حياة بلا هدف أو غاية. أطلق هذا الكتاب صرخة فزع مع صدوره سنة 1904م وفتح النافذة لطرح أسئلة كثيرة تتعلق بالصحة العقلية للإنسان، ونقد الكثير من مؤسسات الصحة الحكومية والخاصة التي تنقّل بينها، انتهت بتأسيس حركة الصحة النفسية في أمريكا والتي لاقت ترحيبًا كبيرًا من أكبر علماء النفس في الولايات المتحدة الأمريكية تلك الفترة، مثل الفيلسوف وعالم النفس ويليام جيمس الذي قدّم للكتاب وأغدق عليه الثناء، ولكن رغم ذلك لم تنجح رؤى كليفورد في تخليص عقله من نيران حروبه التي كان يخوضها مع ذاته فانتهى به الأمر نزيلًا مرة أخرى في مستشفى الأمراض العقلية ليموت هناك تاركًا الكثير من الأسئلة معلقة حتى الآن. لم يكن كليفورد سوى طفل عادي يُعاني من قلق زائد، زاد هذا القلق مع إصابة أخيه بالصرع دون مقدّمات؛ مما زاد من أسئلة القلق في عقله، فإذا أصيب أخوه دون سبب فما المانع من إصابته هو؟ عانى أخوه ست سنوات من الصرع، وعانى معه كليفورد بسبب الخوف عليه يُصرع بالشارع برفقته، خوفه من المرض أمرضه. بدأت معاناته بالكلية، تخرج واشتغل بمصلحة الضرائب، ثم كاتب في شركة، حتى قرر أن يستقيل ويريح عقله ويذهب لمزرعة بالجبال. بعد محاولته الانتحار أُدخل المستشفى وزادت الأوهام حتى بات يُفسّر كل سلوك ضده. وضعوا القضبان على شباك الغرفة، حلقوا شعر ساقه التي أُصيبت ليضعوا الجبس، ففسرها بعلامة خزي كمعاملة بعض القبائل في البلدان البربرية، يقول وهو يتحدث عن مخاوفه في تلك المرحلة: “كان الخوف بالتأكيد عبثيًّا، لكن في قاموس اللاعقلانية لا توجد كلمة عبثي”. “كانت رغبتي الوحيدة هي الكتابة”، يقول كليفورد، “كانت أصابعي راغبة بشدة في الإمساك بقلم. كانت رغبتي قي الكتابة لا تقاوم، مثل رغبة ثمل في جرعة شراب. وكان فعل الكتابة يمنحني متعة السّكرِ المتألفة من امتزاج عواطف يصعب تفسيرها”. بقي الكتاب وفيًّا لصاحبه لأنه كُتب بجنون كاتبه لا بيقظته، فجعل من اليأس مدخلًا للكتابة ومن الأمل نافذة للقراءة ومن العقل محترفًا يعرف جيدًا كيف يقود ضحاياه، تمامًا مثلما قاد كليفورد إلى كتابة هذا الكتاب ليكون ضحيته الأولى. 6

يكتب ستايرون ليوثّق تجربته، ولكي يقوّي الآخرين على مواجهة آلامهم. عندما نكتب نكتب لنتأكد من سلامة العقل، لنحافظ على ما تبقى لنا منه، حتى لا تتخطّفه مخالب الأيام القاسية. افتتح الروائي المصري وجيه غالي يومياته بعنوان “على طريق الجنون” وكتب تحته: “على طريق الجنون، بما أنّ هذا ما أبدو ماضيًا فيه، لعله سيكون من الأفضل أن أدوّن يوميّاتي… ولو كان ذلك فقط من أجل التشبُّث بمسحة من سلامة العقل”. عبثية اللاعقلانية أحدثت أطروحة الأخوين جويل وإيان غولد دويًّا في أوساط الطب النفسي، وهي التي تقول بأن الجنون تُبلوره ثقافة المجتمع، وأنه ليس صحيحًا ما يقال من أن المرضى النفسيين لا يمثلوننا وكأنهم (آخر)، بل يؤكدان على أن المرض العقلي مجرد نسخة هشّة من السواء العقلي، وأن الحد الفاصل بين السواء والجنون رفيعٌ جدًّا. قد نجد ضعفًا وراثيًّا هنا، وصدمة نفسية في الطفولة هناك، فتتبدل بهذا النسق الأدوار. ففي كل واحد منّا مواضع ذهانيّة وأخرى غیر ذهانيّة، لكن التحدي يتمثل في الحفاظ على الجنون في وضعه الحرج وصورته الهشة، ومراقبة الجوانب الأكثر عقلانية فينا. قد لا يتطلب الأمر الكثير لنقول إنّ فلانًا -بمن فيهم أنا وأنت- على شفا حفرة من الجنون. كان كتابهما “عقول مرتابة: دور ثقافة المجتمع في فهم الجنون” رحلة صعبة في أوهام الجنون، مبتدئًا بجزء أول تحت عنوان “سبات العقلانية” تضمّن تأريخًا وجيزًا في الجنون، ثم مائة عام من الأوهام، وجاء الجزء الثاني ليبحث “الحياة الاجتماعية للجنون”، ويوضّح خطأ اعتماد الطب النفسي على التحليل البيولوجي للأمراض النفسية، خاتمين الكتاب بتطلعاتٍ لمستقبل أفضل في الطب النفسي. ويُلخّص مطالبة الكتاب قولهم في ختامه: “حاولنا في هذا الكتاب تقديم دليل جلي على أن الأوهام هي أعراض نظام الإدراك المعرفي الذي يهدف اكتشاف التهديدات الاجتماعية وتحفيز الفرد للوقوف إزائها، بمعنى أن المناطق الدماغية التي تقوم بوظيفة نظام الارتياب لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى الجانب الاجتماعي. إذا كنا على حق، فإن نظرية الأوهام المستقبلية قد تكون نظرية بيولوجية بحتة لو استطعنا ترجمة التوصيف الاجتماعي لنظام الارتياب في مصطلحات بيولوجية”. اعتمدا في تأليف الكتاب على الكثير من الحالات التي عايشوها، وكذلك على العديد من السير الذاتية لمرضى الجنون، وإن كنت أختلف معهم في تحديد الأعرف بحال المرض النفسي، فبينما يرونَه الطبيب النفسي الذي جالَس الكثير من المرضى واستمع لهم وكوّن خلفية جيدة، إلا أنني أرى المريض الذي امتلك قدرًا من المعرفة والاستبصار سيكون أكثر فائدة في وصف -وليس تشخيص- حالته المرضية أكثر من الطبيب النفسي، وهذا هو حال السيرة التالية. 5

غرق البهجة كتَب الروائي الأمريكي وليام ستايرون تجربته الشخصية مع المرض النفسي واصفًا معاناته وشكل حياته تحت وطأة الاكتئاب بـ”ظلام مَرئيّ”؛ مُستوحيًا ذلك من الشاعر الإنجليزي جون ميلتون حين قال: “لا ضوء، فقط ظلام مرئي”، مؤكدًا على أن ‏الاكتئاب شبح أسود، ظلام يُخيِّم على كلّ تفاصيل حياتك. ‏وصل ستايرون إلى مرحلة صعبة عند وصوله باريس لتسلّم جائزة عريقة، وبينما هو يُلقي خطابه بهذه المناسبة كان شبح الاكتئاب قد استولى على عقله، فصار كما عبّر الشاعر: “على وجهِه عُرسٌ، وفي القلب مَأتَمُ”، في الوقت الذي يُنتظر من الجائزة أن تُعلي تقديرَه لذاته، إذ بانعدام تقدير الذات يستفحل ويتفاقم. يبدأ بعد هذه الحادثة باستعادة تاريخه المرضي من البداية إلى النهاية، محاولًا اكتشاف مسبباته، وهو ما أوصله إلى التحليل الأسهل بأنه نتيجة اضطراره التوقف عن شرب الكحول التي أصبحت تسبب له الغثيان. لكنه يعاود في نهاية الكتاب التفكير بالمسببات الأساسية القديمة، ويُرجعها إلى ما بات يُعرف بـ”الحداد الناقص” وهو عدم التطهر الكافي من حالات الفقد، وخاصة فقد الأم في الصغر، مما يورث عبئًا لا يُطاق، وهو عبء مشحون بمشاعر الغضب والذنب وليس الحزن الدفين فقط، والذي يتحول إلى بذور لإهلاك النفس. لا يرى ستايرون في كلمة “الاكتئاب” التعبير الأنسب لطبيعة المرض القاتل، ويحاول جاهدًا اقتراح كلمات بديلة لكنه في النهاية يقبل بها حتى تتكرم اللغة بوصف أدق. يؤمن أن العصر الحديث قد ساهم في تحسين المصطلحات التي يوصم بها المرضى النفسيين، إلا أنه في لحظة مصارحة مع القراء يقول: “لا تدعوا الشك يساوركم لحظة في أن الاكتئاب، في شكله الحاد، ما هو إلا جنون”، وهو ما دفعه لوضع “مذكرات الجنون” كعنوان فرعي لسيرته الذاتية. يحكي أيضًا عن تجاربه السيئة مع المعالج النفسي الذي كاد أن يودي به إلى الانتحار بسبب إصراره على العلاج الدوائي واقتراحه على ستايرون عدم الذهاب إلى المستشفى، وخطئه في اقتراح أدوية لا تناسب سنّه ولا حالته المرضية، والتي استطاع تداركها بعد دخول المستشفى. مما يؤكد أهمية زيارة أكثر من معالج والتأكد من صحة التشخيص وسلامة التوصيف العلاجي خاصة مع تفاقم الأعراض. وصل الحال بستايرون إلى التفكير الجاد بمحاولة الانتحار، ذهب إلى المحامي محاولًا كتابة وصيته، ليكتشف “أن كتابة رسالة انتحار هي أصعب مهمة تصديت لها في مجال الكتابة”، وفي إحدى الليالي التي سبقته زوجته فيها إلى السرير وظلّ سهرانًا يشاهد إحدى مسرحياته، أدرك أنه لا يقوى على التخلي عن حياته مهما سيطرت عليها المآسي والصعوبات، فأيقظ زوجته لتذهب به إلى المستشفى. يخبر ستايرون عن شعور المكتئب عندما تنهال عليه وصايا التماسك والحفاظ على حبل الحياة، ويُشبّه هذه الوصايا بوصية الواقف على الشاطئ للغريق الذي يتخبط في البحر بالابتسام والابتهاج! 4