uk
Feedback
Alternative Everything

Alternative Everything

Відкрити в Telegram
1 441
Підписники
Немає даних24 години
-27 днів
-530 день
Архів дописів
من أخطر الأخطاء المنهجية التي تورطتُ فيها ردحاً طويلا، هي معاملة تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم بالموضوعية المادية التي تستقرئ التفاعل بينهم استقراءً مفرّغاً تماما من أي ثوابت دينية وَ مبتسرا من الأعراف والتقاليد العربية. بحيث يُنظر لتاريخهم نظرة حداثية، نظرة توازنات سياسية محضة. وكل الذين سقطوا في فخ الواقعية المادية غاب عنهم التناقض النظري العميق الكامن في كونها تهدم كل الثوابت بينما هي لا تملك أية ثوابت. وهذا نوع من "الخارجية المنهجية" إن وُفّقت في التعبير، فخروج الخوارج على الصحابة رضوان الله عليهم كان في أصله أنهم وضعوا أنفسهم أنداداً لهم، وهي ندية لا تستقيم لا في الدين ولا في الرجولة ولا في السياسة ولا في أي مقام، فمقام الصحبة هو مقام اصطفاء، مقام {محمدٌ رسول الله، والذين معه}. وأما الإشكال القائل أن النظر لدولة الصحابة رضوان الله عليهم بهذا المنظور الاستثنائي يستلزم عدم الاستفادة من عصرهم وما حدث فيه من سياسات وفتوحات وصراعات، فهو إشكال وهمي لا حقيقي، إذ جل فقه المسلمين في كافة مناحي الحياة هو من تلك الفترة، وجل أحكام النزاع السياسي مستقاة من تاريخ الفتنة. الحقيقة أن ضرب استثنائية عصر الصحابة هو مجرد أداة لتجريد الصحابة من مقامهم الاستثنائي الحاكم على التاريخ، ومن ثم إنزالهم إلى مجرد وقائع وشخصيات تاريخية يمكن تفكيكها وتحوير مقاصدها ونواياها على قدّ كل ذي نظر أيّا كانت مرجعيته، ولم يستفد من ذلك تاريخيا سوى الخوارج والباطنية وطلائعهم المعاصرين من نُقاد الموروث يسارجية وقومجيين وملاحدة.

جاء في الصحيحين عن سيدنا الفاروق رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قدم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته، فألزقته ببطنها، فأرضعته. فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟» قلنا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». أتأمل أحيانًا وأنا أحادث طفلًا؛ يحدثني تارةً منشغلًا بما في يده، ثم يستلقي، ثم يقوم، ثم يحك أنفه، ثم يسرح بنظره بعيدًا متأملا ما أقول أو منشغلا عنه. فأرى الهوة بين ما أدركه أنا بالمعارف والتجارب، وبين براءته وبياض صفحاته. وأرى، وأنا أناوره الكلام، كيف يتمكن منّي عطفي عليه، ورحمتي به، ومداراة بساطته وفرط حركته، ومحاولتي لأن أفهمه وأُفهِمه. ثم أقيس ما بيني وبينه على ما بيني وبين الملك، جلّ وعلا — وله سبحانه المثل الأعلى — فإذا كانت هذه نظرة إنسان لإنسان بينهما بضع عشرات من السنين، فكيف بنظرة الرب السرمدي تبارك وتعالى إلى أحدنا؟ ليس هذا القياس على سبيل التشبيه أو التمثيل، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو تقريب للمعنى إلى الفهم، كما قارب سيدنا ﷺ رحمته تعالى برحمة الأم، مع بقاء الفارق الذي لا يُدرَك. إنني إذ أقول أن علمي أو قوتي أو فهمي في علم الله وقدرته كالعدم، فكأنني قد أعطيت ذلك وزنًا، إذ لا لغة ولا إدراك يمكن أن يحيط بفارقٍ كهذا. وإننا جميعًا، وما أوتينا من علم وقوة، والكون وكل ما فيه إزاء خالقنا تعالى، أقرب إلى العدم منا إلى الوجود، بل لو قلت أنّا عدمٌ محض، لما شعرت أن ذلك مجاز، بل هو أشعر في نفسي بالحقيقة من المجاز. وأتساءل أحيانًا، وأنا أقف بين يدي الملك أدعوه، أرفع يدي تارة، وترتخي تارة، وأقاوم حك وجهي تقديسًا للمقام تارة، ثم أعود فأحكه، وأسرح، ثم أستدرك، فأجمع ذهني مرة أخرى؛ هل ينظر إليّ تعالى كما أنظر أنا إلى ذلك الطفل الذي أحادثه؟ فيحلم على شرودي وشتاتي ويداري ضعفي؟ لا ينبغي أن يُفهم من هذا المعنى إسقاط وزن الإنسان، فقد شاء الله بحكمته المطلقة له أن يوجد، فخلقه وكرّمه، وخاطبه وكلّفه، وحمّله الأمانة وأُقام عليه الحجة؛ فصِغَرُه بالنسبة إلى عظمة خالقه لا يُسقط عنه قدره ولا مسؤوليته. ولا يُفهم من هذا المعنى إسقاط هيبة المقام، بل يجتمع في قلب المؤمن رجاء رحمة الله تعالى حد الشعور بالصغار والانعدام مع تعظيمه وشهود آياته في محراب الكون المهيب. ولستُ أختزل علاقة المؤمن بربه في صورة الطفل مع الكبير، ولا أعني إسقاط تكاليف الإيمان؛ فالمرء مؤاخذ بما يعي ويدرك. وقد قرأت أن رجلًا سأل فقيهًا: ما حجمي في ملك الله، وما قيمتي ليحاسبني أو يعفو عني؟ فقال له: أرأيت لو لم يكن في ملك الله إلا أنت، أما كان ما في السماوات والأرض مسخرًا لك؟ قال: بلى. قال: فلو بعث إليك رسولًا وأنزل كتابًا، أما كنت مطالبًا بالإيمان ومؤاخذًا بالكفر؟ قال: بلى. قال: أما كان لك ساعة وقيامة؟ قال: بلى. قال: فإنك في ملك الله وحدك كالناس أجمعين. أو قريبا من هذا المعنى. ولكن، هل يملك المؤمن إذا تأمل الحديث المتقدم، ثم تأمل جلال الخالق، إلا أن يخطر بقلبه معنىً كهذا؟ إنه، وإن كان في ملك الله كأنه الناس جميعًا، فهو في ملكوت الله كالعدم.

[2/2] ثم مع تحول الإسقاطات لخطاب شوفيني مشترك، يفقد هذا الخطاب طابعه الانفعالي المؤقت، ويتحول إلى تصورات راسخة، فلا يعود الإنسان يرى في الآخر إلا ما أسقطه عليه، ولا يعود قادراً على تمييز ما إذا كان هذا الحكم نابعاً من واقع خارجي أو من ظل داخلي. وهنا يبلغ الطاعون ذروته، حين يتحول الوهم إلى مسلمات، ويصبح احتقار المقابل شعوراً منصفاً في نظر صاحبه. لا ينشأ هذا المسار عشوائيا، إذ ثمة مؤثرات موجهة تستدعي هذا الظل وتمنحه اتجاهاً، لكنها لا تنجح إلا بقدر ما تجد من صدى يتلقاها ويعيد إنتاجها. فالغاية هنا كشف العلل التي تسمح بهذا الاختراق، وتحميل كل إنسان المسؤولية تجاه نفسه، خصوصا النخب الصغيرة والمتوسطة الأقرب لوجدان الناس والتي بدأت تتداول مقولات ليست سوى مظلوميات ظلية متهافتة لواقع كُلّي لا يختلف في العمق في مشكلاته ولا فيما يحدق به. عندما تقف برهة لتحضر كلاما تقوله عن هؤلاء أو أولئك، فتثبّت أنك لست مدفوعا بحمية عمياء ضد أناس هم ليسوا في الغالب إلا منك وأنت منهم، في معركة كلامية لا طائل منها إلا مفاقمة التمزق في واقع يكتنفه التمزّق أكثر من أي شيء آخر.

الخطاب الشوفيني بوصفه طاعوناً نفسياً ——— [2/1] يستخدم يونغ لتحليل اللاواعي في الإنسان ما يسميه النماذج الأولية archetypes، وهي أنماط نفسية فطرية تتجلى اطّراداً فيما نعبر عنه بتصوراتنا وسلوكنا، أحد هذه النماذج الأولية هو الظل، إذ يمثل الظل كل ما يقمعه الإنسان ويكبته في نفسه، أي الجوانب التي يخجل منها ويرفضها في ذاته سواءً لكونها تمثل انحرافاً أخلاقيا أو ضعفاً أو نقصا ما. غير أن الظل لا يبقى متواريا في اللاواعي، بل يميل بطبيعته إلى الظهور عبر آلية نفسية، يسميها يونغ الإسقاط؛ حيث يميل صاحب الظل إلى نسبة ما هو مرفوض في ذاته إلى خارجها، فيتوهّم صاحب الظل علله في الآخر. والظل هنا ليس تفسيراً مختزلاً للسلوك بدوافع الغيرة أو الحسد كما في التشخيصات النفسية الشعبوية أو ما يسمى بعلم النفس العكسي، ولا مجرد توصيف لانفعالات سلبية عابرة، بل هو نمط أولي يفسر كيف يتشكل وعينا وسلوكنا تحت تأثير ما هو مكبوت أو مجهول داخلنا، وكيف يمكن أن تتشوه مدركات الإنسان وسلوكه حين يعجز طويلاً عن رؤية أو مواجهة إشكالاته النفسية، سواء النابعة منه أو التي يورطه فيها الواقع، وكيف يصير يسقط مناقصه على الآخرين ويضخمها ويهاجمها كتجلٍّ لكراهيتها في ذاته هو. وأخطر ما في الظل، أنه لا يُدرك في الذات إلا بعد أن يستنزف الإنسان طويلا في وهم الآخر الشرير. يرى كارل يونغ أن المجتمعات مثل الأفراد، لها عقل واعي وباطن لاواعي، وكما يتأثر الإنسان في وجوده بقدر من اللاواعي الفردي، فأيضاً هنالك لاواعي جمعي collective unconscious يؤثّر به ويحرّكه. ويرى أن هنالك طواعين نفسية psychic epidemics يتفشى خلالها وهم ما بين جماعة أو شعب؛ هذا الوهم يتخلّق من الأزمات الكبرى التي تثير في الناس مخاوف وتفرض عليهم حالة من الدفاعية الجماعية. وكما أن للفرد ظل، فإن للجماعة ظل مشترك كذلك يعتمل في الأزمات ويساهم في خلق طواعين نفسية أو يفاقم طواعين موجودة سلفا، وكلما خيّم الظل على جماعة كلما تضخم فيها الإسقاط، فلا يظل الإسقاط مجرد إدراكات مشوهة عن الآخر، بل يتحول لطابع دفاعي جماعي معلن. فالظل هنا نشأ عن شعور مشترك بين كل فرد في الجماعة، شعور بفجوة بين الصورة التي يحملها عن جماعته، كالقوة أو التفوق أو العراقة، وبين واقع ينازعه هذه الصورة ويشعره بالتشوش والتناقض والارتباك. هنا، يتدخل الخطاب الشوفيني بوصفه أداة إسقاط، فيحول الظل من مجرد شعور غامض إلى قضية جماعية وتصورات تعلنها جماعة ما بوصفها معبّرة عن وجدانهم وما يدينون به إزاء قضية أو جماعة أخرى، فيجد فيها أفراد الجماعة تسكيناً للغموض الذي يثقلهم وتبريراً يقيهم مواجهة أنفسهم. هنالك ميزة خطيرة في الخطاب الشوفيني لا تتوفر في أي طاعون نفسي آخر، وهي قدرته العالية رغم هشاشته على اختراق اللاواعي الجمعي بالتدريج، مهما كان الواعي حصيناً معرفياً وأخلاقياً، فبرغم أنه ينشأ عبر صراعات سقيمة تتولاها نخب تافهة وانتهازية، إلا أنه ينتهي بابتلاع حكماء الجماعة وعقلائها؛ ذلك أن كل خطاب يوجَّه ضد جماعة ما يؤجج حميتها، والحمية ليست مجرد تعصب عادي، فهي تتجلى عبر معناها الحرفي، إنها انفعال عصبي فائر، ولكونها فائرة فهي قادرة على التحميس والتأليب السريع، لذلك هي أسرع انفعالاً للواقع من العقل والحكمة اللذان باعثهما الترّوي والبرود. ومن يسمح لنفسه أن تنساق خلف خطابات الاستقطاب الشعبي والعرقي، تحت أي مبرر وبأي قدر، سيجدها في الأخير تهيم ضمن قطيع ضخم من الزومبي. فالشوفينية تجسيد حي وحقيقي لفكرة الزومبي، قطعان هائمة جائعة شرسة تتحرك بالغريزة لتنهش وتستمر في ذات الوجود الدوراني بلا غاية أو وجهة، فكما يهيم الزومبي مدفوعاً بجوع وهمي لا يميته بحثاً عن غذاء لن يشبعه، يهيم الشوفيني أيضا مدفوعا بالخوف من عدو وهمي لا يحاربه ويناضل ضده في معركة خيالية ذات مكتسبات خيالية، فبواعث الاثنين غريزية محضة، ومكتسباتهما وهمية. المفارقة، أنه كلما كان الآخر قريباً في الأصل، كان أمثل في استيعابه لإسقاطات الظل، لأن القريب من جماعة ما يشبهها بما يكفي ليحمل ظلها، ويختلف عنها بما يكفي لتنكره وتتمايز عنه، فيضخّم التشابه الإسقاط بدل أن يحجّمه، ويجعل الشوفينية أكثر حدةً. وفي ظل أجواء عامة يغلب عليها القلق أو الشعور بعدم الاستقرار تتسارع هذه العملية، ويصبح الخطاب الشوفيني وسيلة سهلة لتفريغ التوتر، لا لأنه يفسر الواقع تفسيراً دقيقاً، بل لأنه يمنح شعوراً سريعاً بالتماسك، نحن-مقابل-هم. ومع هذا التقسيم، يُعاد بناء العالم في الإدراك بطريقة مشوهة تُخفف العبء الداخلي، ولو بشكل مؤقت.

يقول لنا التاريخ الجيوسياسي لفلسطين منذ عصور ما قبل الميلاد إلى عصرنا هذا أمرًا جوهريًا ينبغي ألا ننساه أو نتناساه، وهو أن حُكم بيت المقدس طالما كان التتويج للهيمنة على أقاليم الهلال الخصيب وما حولها، أي أنه المنتهىٰ لا المبتدىٰ.

مرحلة العشرينات في هذا العصر هي مرحلة الالتحام بالذات، مرحلة أن تنظر لنفسك بعين نفسك، أن تشعر في كل سنة منها أنك كبرت لا سنة واحدة بل سنتين وثلاث، تشعر بذاك شعوراً حقيقياً تحسه يسري في كل ما تكابده من مواقف وخواطر وأفكار. وأخطر ما في العشرينات أنها منحنى الفتوة الصاعد، أي أن المسؤولية والاعتداد بالذات والاستقلالية في النظر للأمور وكل سمات الرجولة النفسية والجسدية تبدأ تتأجج وتفرض نفسها على الإنسان وتظهر عليه. ولأنها كَذا، عالية التوتر، فإن ذكرياتها ومواقفها وأزماتها، إن لم تنعجن بالذات، فستنعجن بالنظرة للذات، وكل ما يجره الإنسان من عشريناته، سيرافقه لسنوات طويلة، فليست الثلاثينات سوى ظل العشرينات. وقد يُقال أن كل عقد في العمر هو ظل الذي قبله، لكن إن كان الإنسان يعذر نفسه على طيشه وحماقاته في عقده الثاني لكونه لم يستوِ بعد، فإن قدرته على معذرتها تتضاءل كلما كبر ولربما اختفت هذه القدرة في بعض مراحل العمر وزواياه، ذلك لأن كل فعل أو رد فعل كان قد صدر بوعيٍ حذر وإرادة فتيّة يصعب معها أن تُتّهم النوايا في وضوحها وإصرارها. وإن كان من وصايا تجنّبه تكاليف العشرينات، فهو أن يعلم أن كل ما يفعل، واعيا به كان أو أرعناً، قاصدًا أو مستهتراً، يرتدّ على نفسه وهمّته، وأن الأخذ من الآن هو أخذٌ من المستقبل، وأنْ لا شيء يمضي سُدىً، فعبثه بسريرته وخباياه هو تخريبٌ لصفاءِ نظره لنفسه والناس والقضايا والوجود برمّته، وإرباؤه بها عن مواطن الخنا والريبة يزيده صفاءً وحكمة. فلا يستنزف فتوّته في لهوٍ أو عشق وصبابة، وأن يعرف أنه بقدر ما يصّعَّد فيما يُحسن من عمل أو صنعة بقدر ما يفرّغ نفسه مستقبلاً لأمور أجلّ، فالجِد كل الجد في الكسب والترقّي مجالات الاختصاص هو مناط العشرينات، وليجهد أن يتزوج مهما بدا الأمر صعباً ومتعسّرًا، فالزواج يسكّن النفس ويغلق عليها كثيرا من أبواب العبث ويؤجج فيها المسؤولية والرجولة. إن من الأسلم للإنسان أيّاً كان سنّه أن يعذر نفسه حالما يدرك مثالبها، والإنسان السويّ يُهدَى آخراً لعذرِها مهما طال عذلهُا، ولا مدى ولا عمر ولا حال تقف عنده رحمات المولى وهداياته، والكل قد أصابه شيء من غبار العالم ووحله، لكنّه يوفّر على نفسه الكثير من اللوم والانهيارات عندما يأخذ عمره بجد ويحذر من أن يضخّم عليها في مصارع الحق أو عند شيبتها هامش العار والندم.

لا أمعن صقلاً للنفس من الفقد، إنه التجربة الحق إذا ما كان الحديث عن تحولات الإنسان؛ والفقد مراتب، فليس الفقد بالهجر أو السَّأْم مثل الفقد عنوةً بالموت، فإن كان الأول يحطّم في النفس حواجبها عن حقائق الحياة، فإن الآخر يحطم فيها حواجبها عمّا وراء الحياة. إنَّ موتَ صفيٍّ أو حبيب هو اللحظة التي يمتد فيها البرزخ إلى جوف الدنيا ويتلاحم بها تلاحم الغروب بالأفق، اثنان، لكنهما واحد. وبذا تتأجج حياة الإنسان، إذ لم يعد حيّاً في وجودٍ واحد، بل في وجودين معاً، يحس هذا ويشعر بذاك. وحده الفقد بالموت يجعل ما وراء الدنيا أمراً مدرَكاً بالقدر الذي يبعث في الحياة معناها الحقيقي، معنى أنها ليست سوى غشاء أحلام يتلاشى طبقة طبقة كلما اقتربنا من الموت؛ أو على الأقل، بالقدر الذي يحجّم فيها الأوهام لأحقر ما يمكن، ويضعُ النفس موضعَ الحق مهشّماً فيها كل ما غذاؤه الأنانية والغطرسة من مزاعم ومطامح وآمال.

هنالك لحظات يقف فيها المؤمن أمامَ آيات الكون، فتتنزّل عليه رحمة من لدن الملك تبارك وتعالى، تكشف عن بصيرته حُجُبَ الاعتياد، وتحيلُ صدرَه فضاءً يجري فيه الجلال مجرى النَّفَّس، ثم يتأجج ما يجد، فلا تسكّنه الزّفَراتُ إلا تسبيحاً، فما يفتأ أن يزداد ما يراه جلالا. هذه اللحظات، التي تأتي خاطفةً في الغالب، هي اصطفاءاتُ رحمةٍ من الودود، ينتشلُ بها العبد من غمراتِ الحياة ويرفعه عالياً إلى مقامات الملكوت، ويذيقُه شيئاً خالصاً من لذَّةِ الإدناء، كأنَّ ذا الجلال والإكرام يستخلصه لنفسه من كل الوجود في لحظةٍ خاطفة تذكيراً له بالأصل، بالمسكن الحق، بذاته تقدّس وتبارك وتعالى؛ وهو يأخذُه بها على حين غفلة دون أن يتكلّفها أو يستشرفها، لتكونَ ألذّ وأمعنَ اجتذاباً من الدُّنيا ونوازعها.

يصف الجيوستراتيجي جورج فريدمان شخصية الولايات المتحدة بأنها مراهقة، إذ أن المراهق يتسم بالثقة المفرطة والشعور الدائم بالقلق؛ والمراهقة في هذا السياق، ليست حالة نفسية فردية، بل مرحلة سياسية–حضارية تكون فيها الدولة قوية جداً لكنها قلقة وغير مستقرة من الداخل، إذ تملك الولايات المتحدة قدرة هائلة على الفعل، لكنها لا تملك الخبرة الحضارية الطويلة التي تمنح قراراتها توازناً ثابتاً، فيظهر سلوكها الخارجي مزيجاً من الحسم والاضطراب، وهذا التداخل بين القوة الكبيرة والقلق العميق هو ما يقصده فريدمان بوصف المراهقة. يربط فريدمان هذه المراهقة بالمرحلة الأولى من المراحل التاريخية للدول: البربرية (تليها الحضارة ثم الانحلال)؛ فالبربرية هنا لا تعني الهمجية، بل تصف مرحلة حضارية يَعتبرُ فيها أصحابُ حضارةٍ ما أعرافهم وقيَمَهم مسلّمات كونية الخارج عليها خارج على نواميس الكون، إما أن يُستتاب أو يُقتل. بذلك يمكن اعتبار المراهقة طوراً من أطوار المرحلة البربرية. هذا التشخيص لا يصدر عن تأمل مرسل أو انفعالي، بل عن استقراء جيوسياسي أكاديمي معتبر، وهنا تكمن خطورته. فالنظام الدولي الحديث حالة طارئة على التاريخ، الاكتفاء برصده بالمنظور الكلاسيكي لصعود وهبوط الإمبراطوريات يُعد قصورا منهجياً، بل هو منظومة وحدات متداخلة تتجاذب بعضها البعض صعودا وهبوطا. لذا، فتشخيص أمريكا ينسحب إلى حد كبير على كل قوى هذا النظام. العالم اليوم لا تقوده قوى ذات شخصية حضارية واضحة؛ فمعظم القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية أُعيد إنتاجها أيديولوجياً وسياسياً بوصفها قوى جديدة أكثر من كونها جزءاً من تسلسل حضاري. وبهذا، نحن أمام عالمٍ من القوى الطارئة، أو «المراهقة» بتعبير فريدمان؛ عالم لا تديره عقول واتجاهات حضارية حقيقية، بل مسرح تتصارع فيه قوى متخبطة وجودياً لم تكتمل تجربتها الحضارية بعد، إن كان لها أي روح حضارية حقيقية، إنهم مراهقون بربريون يتنازعون شكل العالم القادم.

"الكذبة تلف نصف العالم قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها." - مارك توين ——— قبل عشر سنوات، ظهرت نظرية صُنِّفَت مؤامراتية، اسمها الإنترنت الميّت Dead Internet Theory، تقول إن معظم المحتوى على الشبكة لم يعد من إنتاج بشر حقيقيين، بل من روبوتات تولّد مشاركات وتعليقات ومحتوى وهمي لأهداف سياسية أو استخباراتية أو تسويقية إلخ، وكان لأصحابها أدلّتهم. وكالعادة، انبرى الواقعجيون وسخروا منها واعتبروها أحد أشكال بارانويا المؤامرة؛ اليوم، بعد التطور الهائل المتصاعد أُسيّاً في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبيّن أن أصحاب نظرية الإنترنت الميت كانوا - على الأرجح من دون قصد - يستشرفون واقعًا قريبًا، عالمًا رقميًا مكتظًا بالمحتوى المصطنع، أجساد وأصوات وصور بشرية وطبيعية لكنها بلا أصل إنساني أو طبيعي. في العقود الماضية، كانت الأكاذيب تُروَّج عبر الدعاية أو الإعلام أو الإشاعات، وكانت مناورة الكذب ممكنة ولها نطاق عقلاني وآليات عقلانية، وكانت هذه المناورة تحتّم أن ينقسم الناس لفريقين، فريق الحقيقة وفريق الكذب، ويخوضون معارك فكرية وعلمية بالبراهين والأدلّة؛ أما اليوم، وبالتدريج، يصبح كشف الكذب مستعصياً بدون أنظمة الكذب نفسها، أي أن تقنيات الكذب صارت هي السبيل الوحيد لكشف الكذب، وبالتالي فإن النضال في سبيل الحقيقة، على الأقل في سياق الإنترنت، يصير بالتدريج أشبه بإخماد النار بالقش، عملية عبثية لا نهائية. تُنتَج الأكاذيب اليوم وتُضَخ آليًا بسرعة وبطُرُق تفوق قدرة الإنسان على التمييز، ناهيك عن أن يكون له طاقة بمجاراة هذا الطوفان المخيف من الزيف. لقد صارت تقنيات توليد النصوص والصور والفيديو قادرة على بناء سرديات وروايات متكاملة بوجوهٍ وأصوات لا وجود لها في الحقيقة، وبقوة اختلاق ترعب الراصد بتطورها السريع الذي يضاهي الحقيقة أكثر كل يوم. لقد أصبحنا أمام إنترنت ميّت بالفعل، ليس بالضرورة لأن معظم محتواه متولّد من روبوتات وبرمجيات، بل لأن الحدود فيه بين ما هو حقيقي وما هو مختلق تختفي شيئاً فشيئاً. اليوم تكاد لا تتصفح الإنترنت بشكل عابر دون أن تتساءل أكثر من مرة "هذا حقيقي أم مخلّق بالذكاء الاصطناعي". كل هذا، والذكاء الاصطناعي ما زال يُعتبر في المهد.

photo content

photo content

مسألة القدر مساحة مليئة بالألغام، وأكثر الناس يتراجع عن مجرد التفكير فيها خوفًا، وقلّما تأملها الإنسان بهاجسه دون أن يتخبّط ويشطح ويتزندق. لذا، فالطارق الأول عندما يهجس الإنسان بأفكار القدر، هو خاطرٌ خفيّ يلامس سطح الوعي، يقول له إنك مسيّر، ولا جدوى من التفكير. ولعل هذا الخوف هو من الألطاف الإلٰهية التي تردع الإنسان عن إشكالات نفسية خطيرة، وتضطره إلى التسليم. أنا هنا لا أخوض في ماهية القدر، بل في حقيقته، ولا في مسألة الإرادة، ولا في “إن كان، فما الجدوى؟”، إنما في أثر هذه الحقيقة على الإرادة. هنالك فكرة تُهمَل دائمًا في الكلام عن القدر، رغم أنها جوهره، وهي تحلّ معضلته دون أن تضطر الإنسان للخوض في تفاصيل عقدية وغيبية؛ هذه الحقيقة هي أن القدر ضرورة الضرورات؛ فهو نظام الأشياء، وهو الذي يعطي الوجود بكل ما فيه من حركات وسكنات معانيه. والأهم، أن القدر هو روحُ اليقين والسكينة. فبدون القدر يكون الوجود فوضى لانهائية من الاحتمالات. وبذلك، كل فَوْتٍ وكل خسارة تهوي بالإنسان في فراغٍ بلا قاع من الندم والحسرة، لأنه بدون هذا النظام يكونُ وحده المسؤول عن خلق نظام وجوده الخاص، ووحده المسؤول عن الإحاطة بكل الاحتمالات في كل موقف وحدث، وبالتالي هو وحده المسؤول عن خساراته وما فاته. فالقدر ضرورة حتى تترتّب الأشياء والأحداث فتتكامل، وبدونه تتراكب وتتصادم، وتتمزق حياة كل واحدٍ وهو يصارع في فراغ الاحتمالات. وعندما يسلّم الإنسان بأن هنالك نظامًا يحكم الأشياء، وأنه ساعٍ ضمن هذا النظام، وأن الفوْت والخسارة هي من أصل هذا النظام، وأن كل ما انتهى إليه أمرُه في شأنٍ من الشؤون هو أكفأ ما يصلح به وجوده، فإنه يسكن، وتتحول خساراته إلى مكاسب، لعلمه أن هذا النظام موضوع بحكمة ولغايةٍ. والأهم، أنه نظامٌ تحرّكه الرحمة والعناية التي تحيط الوجود، وبالتالي هو خيرٌ في مآلاته، وإن بدا في ظاهره وأطواره غير ذلك. القدر، في حقيقته، لا يُلغي حرية الإنسان بل يهبها معناها. فلو لم يكن هنالك قدر، لكانت حرية الإنسان تخبّطاً. إن حرية الإنسان تكتسب قيمتها من كونها تجري داخل نظامٍ محكم له مقاصد وغايات ومآلات. فَمَثَلُ الإنسان داخل القدر وخارجه، كمَثَلِ مُسافِرَيْن كِلَيْهِمَا بلا وجهة، لكن الأول يتلمّس غاية، فكلُّ مكانٍ يصله يدنيه أكثر منها ويورثه شعوراً بالاقتراب، أما الثاني لا غاية له فهو هائم بلا نهاية. وهكذا، فإن القدر لا يلغي الإرادة، بل هو الإطار الذي يمنحها معنى، لأنه يحوّلها لاختيارات في طريقٍ مرسوم سَلَفاً، لا في العبث. والقدر بهذا المعنى لا يجعل الإنسان يستسلم للجمود، بل يمدّه بالثقة، ويحرّره من إتلاف نفسه بالحسرة والترقّب؛ فسر الطمأنينة ليس معرفة الأسباب، بل الثقة بأن وراء الأسباب حكمة لا يعتريها نقص أو أدنى هامش للخطأ. ولعل أهم ما في هذا المعنى أنه يورث الإنسان العزّة والرحمة؛ فلا يطلب الدنيا إلا من موقع المتخلّي، فلا يظلم ولا يتزلّف ولا يتملّق؛ وهو لا يرى في أحوال الناس إلا تجلّيًا لأقدار الله تعالى، فيرحم ويصفح ويتجاوز ويأخذ بأيديهم ولا ييأس منهم، فلأن الله تعالى هو واضع القدر فهو نظامٌ للخير، وكل محاولةٍ وسعيٍ ضمن هذا النظام مآلها الخيْر حتماً، ولو لم تكن في أصلها خيّرة ولو لم تصدر عن نيّة خيّرة. وهكذا يرى الإنسان نفسه جزءًا من الرحمة الجارية في الخلق، فيسعى في الخير لا طلبًا لنتيجةٍ بعينها، بل تحقيقًا لسنّة الخير في نفسه ثم في الوجود. فمن أيقن أن القدر رحمة، صار رحيمًا، ومن أيقن أنه عدل، صار عادلًا، ومن أيقن أنه حكمة، صار حكيمًا. فالقدر بقدر ما هو تسكين للإنسان هو تحريكٌ له في هذه القِيَم، فهو يتلمّسها في كل ما يجري عليه. وحين يفهم الإنسان القَدَر بهذا المعنى لا يعود يسأل "لماذا؟" بل يتساءل كيف يكون جزءًا من الحكمة الجارية في مساراته، عندها، لا يعيش القدر قيداً، بل طريقاً منسوجاً بالعناية، لا يمشي فيه مجبرًا، بل مُؤْتَمَناً. كل طريق تمضيه قد صِيغ بحكمةٍ بالغة لغاية خير، فاعلم أنك واصلٌ لما كُتِبَ لك، فلا يُمزّقنك خوفٌ أو حسرةٌ أو ترقّب، وتلمّس ألطاف الرحمن فيما أجرى عليك، تجدُ لها شواهدَ جَلِيّة كأنما أُوحِيَت إليك وَحْياً. فتدارك وأصلح ما تستطيع ما دمت تستطيع، «واسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، وما عداه، فسلّم، فإن المآل خير، وإنَّكَ بالِغُه على أية حال.

(8) في التانترا الهندوسية، يُمثَّل الوجود بوحدة قوتين: شيفا وشاكتي؛ فشيفا هو الوعي الصافي، السكون والعقل الكوني، بينما شاكتي هي الطاقة الخلّاقة المتحركة التي تُحيي هذا الوعي وتمنحه شكله في العالم. أما في القبّالة اليهودية، فيقابل هذه الثنائية رمزان آخران هما تيفيرت وشيخينة؛ تيفيرت يمثل الجانب الإلهي الذكوري، النظام والعقل والتوازن، وشيخينة تمثل الحضور الإلهي الأنثوي في العالم، أي الروح التي تسكن الخلق. اتحاد هذين الجانبين في كلتا العقيدتين هو رمز اكتمال الوجود وتوازنه (9) بعد أن كان العالم قائم على الثوابت، صار قائم على التحول الذي هو أساس الأفكار التقدمية. (10) في التانترا، تُفهم الطاقة الحيوية على أنها القوة الكونية الكامنة في الإنسان، تُسمّى «برانا» أو «كُنداليني»، وهي تيار الحياة الذي يتوزع في الجسد والعقل والروح عبر ما يُعرَف بالتشاكرات، وتسكن في أصل الجسد كطاقة غريزية، ويُنظر إلى الممارسة الروحية كترويضٍ لها لا لقمعها كما في البوذية مثلا؛ إذ تُوجَّه بالصمت والتنفس والتأمل لتصعد من الجذر نحو الرأس، متحوّلة من طاقة جسدية إلى وعي صافٍ واتحاد كوني. (11) قدّمت الهندوسية، عبر اليوغا والتأمل، الروحانية التي كان الغرب يبحث عنها بعد ورطته الأخلاقية؛ قدمت له روحانية بلا عقيدة، وطمأنينة بلا التزام. لم يعد الخلاص فيها مرتبطًا بإيمان أو طقس، بل صار تجربة ذاتية يمكن ممارستها على حصيرة في صالة الرياضة أو ضمن برنامج على الشاشة. وتحوّل التأمل من سعي إلى معرفة الذات الإلهية إلى تقنية لضبط النفس وتهدئة الأعصاب، ومن عبادة لله إلى علاج نفسيّ خفيف. وهكذا وجد الغربي في اليوغا ديانة بلا إله، تمنحه السكينة دون مساءلة الضمير، وتسمح له بأن يعيش قلقه الوجودي لكن في وضعية اللوتس.

هذه "الخنثوية الوجودية" كانت رمزًا لتكامل الكون، أي لوحدة الوجود، لكنها تحولت في زمن العولمة إلى أيديولوجيا للهوية السائلة التي تنفي الحدود بين الأجناس والطبقات، وتقدّس التحوّل بوصفه تسامياً فوق الواقع وانسجامًا مع "الطاقة الكونية". من هنا تصاعدت ثقافة التماثل والتجاوز لكل الفوارق، حتى الجسدية منها، حتى صار "التحول" (9) شعارًا إنسانيًا جديدًا يعبّر عن وحدة الوجود بلغة بيولوجية. لم تعد الخنثوية مبدأً رمزيًا، بل صارت صناعة واقعية؛ فالهند، موطن التانترا، أكبر منتج عالمي لهرمونات التحوّل الجنسي، وإسرائيل، وريثة القبّالة، من أبرز مطوّريها تكنولوجيًا. وكما تسعى التانترا لترويض الطاقة الحيوية (10)، تسعى هذه الصناعة لترويض الهوية الجسدية، وكما تُصلح القبّالة توازن الوجود، يُعاد توازن الجسد وفق ذات المعتقد. بذلك يتحقق ما وراء الطب والاقتصاد من وحدة باطنية، خلق عالم واحد بجنس واحد بشخصية واحدة بدين واحد. في النهاية، تمنح القبّالة الاقتصاد منطقه التقني الإصلاحي، وتمنح التانترا الثقافة وجهها التأملي المتسامح. الأولى تصنع البنية، والثانية تصنع التكيّف معها (11). ومن تزاوجهما يولد الإنسان أحادي البعد الذي وصفه ماركوز: كائنٌ يعمل في نظام لا يراه، ويهدأ في عالمٍ ينهار، يتأمل ليواصل الإنتاج، ويصلح ليُبقي العجلة دائرة بلا نهاية. هوامش: (1) التانترا والقبّالة فلسفتان باطنيّتان تنطلقان من الإنسان في فهم العلاقة بينه وبين الإله أو الكون. فالتانترا، في الفلسفة الهندوسية، ترى أن كل ما في الوجود طاقة واحدة، وأن الخلاص يتحقق حين يعي الإنسان هذه الطاقة ويضبطها بالتأمل والتنفس وضبط الحواس حتى ترتقي من الغريزة إلى الوعي. أما القبّالة، في التصوف اليهودي، فتصف الخلق بأنه انحدار للنور الإلهي عبر مراتب من الوجود، وكلما ابتعد النور عن المراتب العليا احتاج إلى إصلاح. ومن هنا تُكلّف الإنسان بإعادة الانسجام بين المراتب الدنيا والعُليا عبر العمل والنية. كلتاهما تسعيان إلى الاتحاد بالمطلق، التانترا بالتسامي داخل الذات، والقبّالة بالفعل والإصلاح في العالم. (2) قصة الخلق في الفلسفة القبالية تقول أن الإله انكمش على نفسه ليخلق فراغاً يفيض فيه الكون. تشكلت ضمن هذا الفراغ، عدة مستويات، كل مستوى منها يحوي أوعية لاستيعاب النور الإلهي الذي فاض، كانت الأوعية السفلية ضعيفة لم تتحمل النور، فتكسّرت، ونشأ من هذا التكسّر العالم المادي ومظاهره من نقص وظلام إلخ. وبالتالي فالإنسان له دور في إصلاح هذا التكسّر من خلال إصلاح العالم. (3) البيروقراطية الرأسمالية وُلدت من منطق يرى أن الخطأ ليس عطبًا بل فرصة. فكل خلل في النظام يُعامل بوصفه مرحلة في دورة الإصلاح، لا علامة على السقوط. كما يُعيد القبّالي توزيع النور حين يختل توازنه، تعيد البيروقراطية الحديثة تنظيم السوق أو المؤسسة حين تتعرض للأزمة، فتُحوّل الانهيار إلى وسيلة بقاء. هكذا صار الفشل جزءًا من آلية التقدم نفسها، والأزمة طقسًا ضروريًا لاستمرار النظام، لا تهديدًا له. (4) حتى في الأديولوجيات هنالك تقدم دائما، هنالك ما قبل الإنسان ثم الإنسان ثم ما بعد الإنسان، وما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة، وما قبل الواقعية والواقعية ومابعد الفن.. إلخ. (5) الـ mindfulness أو الوعي الذهني أو الإدراك الكامل، أو التركيز الكامل؛ هو أسلوب تأمل يقوم على التركيز الكامل في اللحظة الحاضرة، دون حكم أو مقاومة، بحيث يراقب الإنسان أنفاسه وأفكاره ومشاعره بهدوء ليصل إلى صفاء داخلي. في أصله ممارسة بوذية تهدف إلى التحرر من التعلق والمعاناة، لكنه في العالم الحديث تحوّل إلى تقنية نفسية تُدرَّس في الشركات وبرامج التطوير الذاتي. استعملت النيوليبرالية هذا المفهوم كأداة للسيطرة الناعمة لا للتحرر، فبدل أن يهدئ الإنسان من ضغط النظام، صار يُعاد تشكيله ليهدأ في داخله بينما يستمر النظام كما هو. هكذا غدا التأمل وسيلة للتكيّف لا للمراجعة، تُخمد الغضب بدل أن تفهم أسبابه، وتُعيد الموظف إلى عمله أكثر طاعةً وهدوءًا. للاستزادة أنصح بكتاب «حكم السعادة». (6) النظام عند القبّالي يُصلح بأدوات النظام نفسها، لا بالتمرّد على النّظام، لأنه يؤمن أن الكون منظم بطبقات، وكل خلل فيه يُعالج بإعادة الترتيب لا بالتمرّد، أو بمصطلح عقدي، الإلحاد، فالإصلاح عنده من داخل البنية، عبر الطاعة والانضباط، لا من خارجها. وهو بذلك عكس الهندوسي الذي لا يكترث أصلا لوجود نظام من عدمه، فغايته الانسجام حتى مع الفوضى. (7) في الفلسفة الهندوسية والبوذية، الكارما ليست ثوابًا ولا عقابًا، بل قانون توازن كوني؛ فكل فعل أو نية يُطلِق أثرًا يعود على صاحبه وفق طاقته، لا لأنه خير أو شر، بل لأنه أحدث اضطرابًا أو انسجامًا في نسيج الوجود. الكارما ليست عقاباً ولا ثواباً، بل توازنات طاقيّة.

الهندوسية واليهودية، تمازج عقدي أديولوجي عولمي. —— في العالم الحديث، هنالك تياران روحيان متناقضان في الظاهر متكاملان في الجوهر، بتخادمان سلطوياً في إدارة العالم، القبّالة اليهودية والتانترا الهندوسية (1). في الظاهر، تدعو القبّالة إلى الالتحام بالعالم عبر العمل والإصلاح، أما التانترا فتدعو للاستغراق في الذات عبر التأمل والانفصال العالم. لكن، حين امتزج الاثنان في واقع العولمة، صارا جناحي النظام النيوليبرالي، فالقبّالة تمثل بُعده البيروقراطي الصارم، والتانترا تمثل وجهه الإنساني المتسامح؛ أحدهما يدير العالم بالأرقام والتنظيم، والآخر يبرره بخطاب الوحدة والتعايش. والغاية العقدّية لكليهما، رغم الاختلاف الظاهر، هو الاندماج بذات عُليا يمتزج فيها الكون بكل تناقضاته، والنتيجة الواقعية هي تثبيت النظام العالمي. في القبّالة، العالم ليس خطيئة تُنكر ويُزهَد فيها، بل مشروع دائم للترميم؛ فالإنسان مدعو لإصلاح "التكسّر" الكوني (2) عبر النية والعمل. وبإسقاط هذه الفكرة على المنظومة الحديثة، صارت "النية" هي "الخطة" و"الإصلاح" هو "الإجراء"، فولدت بذلك البيروقراطية الرأسمالية التي ترى في كل خلل فرصة لإعادة التنظيم (3). وكما تقسّم القبّالة الوجود إلى طبقات من النور والظل، لكل طبقة منها قواعدها ومسالكها للصعود الروحي، تقسم البيروقراطية المؤسسات إلى طبقات وإجراءات وقوانين صارمة للصعود المؤسسي والطبقي. وعلى النقيض، تبشّر التانترا واليوغا بأن الخلاص لا يأتي من إصلاح العالم بل من تجاوزه بالانسحاب إلى الداخل والبحث عن التوازن مع الكون. فهي تزرع في الفرد نزعة الانسحاب والتجاوز transcendence، فتنتج إنساناً متكيّفاً، يرى الاضطراب اختبارًا للسلام الداخلي لا دعوة للتمرّد. استوعبت النيوليبرالية الاتجاهين معًا، فأخذت من القبّالة مبدأ "الإصلاح الدائم"، أو "التقدم والتقدمية" بالاصطلاح العولمي، الذي صار منطق السوق والمؤسسات، والأديولوجيات (4)، وأخذت من التانترا فلسفة الهدوء الذهني التي تحوّلت إلى ثقافة الـmindfulness وبرامج التعافي في الشركات (5). الأول يمنح النظام صلابته الإدارية، والثاني يكيّفه. وهكذا يُعاد بناء العالم من الخارج، ويُعاد تشكيل الإنسان من الداخل، في دورة لا تنتهي من الإصلاح التقني والانضباط النفسي. من منظور بنيوي، يمثّل القبّالي روح رأس المال البيروقراطي؛ عقلًا طبقيًا صارمًا يؤمن بأن الخلاص يتحقق بالنظام لا بالعفوية، وبالتحكم لا بالانفلات؛ ففي التصور القبّالي يتنزّل النور الإلهي عبر مستويات متعددة يترقى فيها الإنسان بالطاعة والانضباط، وكلما اختلّ توزيع هذا النور حدث الكسر الذي يحتاج إلى إصلاح، وتحول هذا المنطق الروحي في العصر الحديث إلى منطق اقتصادي، "فالبركة" أو الثروة تتدفق من الأعلى إلى الأدنى في سلسلة من المستويات التي لا يجوز تجاوزها إلا بالطاعة والانضباط. إن الثروة، مثل النور، تُرى بوصفها طاقة يجب ضبط تدفقها وإعادة توزيعها باستمرار حتى لا ينهار النظام. والقبّالي لا يثق بالفوضى ولا بالمبادرات الارتجالية (6)، ويؤمن بأن كل خلل يُعالج بإعادة التنظيم كما تُعاد في تصوره الباطني هندسة النور بين المستويات لتحقيق التوازن الكوني. وهكذا صار رأس المال الحديث امتدادًا دنيويًا لعقيدته، نظام مالي وإداري يسعى إلى خلاص أرضي عبر مستويات قانونية وإجرائية. في المقابل، يمثّل الهندوسي روح الصوفي المسالم المستغرق في ذاته، الفارّ من التاريخ إلى داخل ذاته، الذي يرى في العالم تجليًا لا ينبغي مقاومته بل تأمّله. فهو لا ينازع البيروقراطية بل يتأملها، ولا يرفض الطبقية بل يراها توازناً كونياً، ولا يثور على التفاوت بل يسميه كارما (7). ومن ثم صار الوجه الناعم للعولمة، يعظ بالوحدة والتسامح في نظام صارم يرفض الوحدة والتسامح في مستوياته العُليا. وهكذا يتكامل القبّالي الممسك بمفاتيح السوق مع مروّجه الدعائي الهندوسي، الأول يكتب القواعد، والثاني يُدرّب النفوس على التكيّف معها. يتجسّد هذا المزيج في ظاهرة صعود المدراء الهنود إلى قمم الشركات العابرة للقارات؛ فالمدير الهندي ابن ثقافة لا تعرف الخطيئة، بل الكارما، ولا ترى تضادّاً بين الخير والشر، بل ترا فيهما طاقات كونية يوازن بعضها بعضاً. وهكذا يستمد قدرته على التكيّف مع كل سياق، وعلى إدارة الخلافات دون أن يتورّط في منظومة أخلاقية تضطره للصدام أو للاستغراق في اعتبارات إنسانية تعطل التقدّم والإصلاح البيروقراطي الصارم. يقابله في الطرف الآخر المدير ذو النزعة الغربية–القبّالية الذي يجسّد روح التنظيم والسيطرة والتحديث المستمر. وبذلك صار الاثنان معاً يمثلان العقل والروح للنظام العولمي. على متسوى أعمق، يتجلّى عمق العلاقة بين القبّالة والتانترا في رؤيتهما المشتركة للذكورة والأنوثة، فالإله عندهما ليس ذكرًا محضاً أو أنثى خالصة، بل امتزاج الاثنين؛ شيفا وشاكتي في الهندوسية، وتيفيرت وشيخينة في القبّالة (8).

• فخر الدين الرازي — مفاتيح الغيب. ——— ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ، إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّ
• فخر الدين الرازي — مفاتيح الغيب. ——— ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ، إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى ويَتَسَهَّلُ دُونَها، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّطِيفَ هُنا بِمَعْنى العالِمِ بِخَفايا الأُمُورِ المُدَبِّرِ لَها والمُسَهِّلِ لِصِعابِها ولِنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا سَهَّلَ أسْبابَهُ؛ أطْلَقَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ اللَّطِيفَ لِأنَّ ما يَلْطُفُ يَسْهُلُ نُفُوذُهُ، […] اللَّطِيفُ ضِدَّ الكَثِيفِ، ويُعَبَّرُ بِاللَّطِيفِ عَنِ الحَرَكَةِ الخَفِيفَةِ وتَعاطِي الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ، فَوُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِعِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ ورِفْقِهِ بِالعِبادِ. • محمود الآلوسي — روح المعاني.

«يجب عَدُّ العرق موجودًا دائمًا محررًا من الزمان، ولا يتركب هذا الموجود الدائم من الأفراد الأحياء الذين يتألف منهم في زمن معين فقط، بل يتركب أيضًا من سلسلة الأموات الذين كانوا أجدادًا له، ولا بد من الامتداد إلى العرق في الماضي وفي المستقبل معًا لإدراك معناه الحقيقي، وإذ كان الأموات أكثر من الأحياء بما لا يُحصى فإنهم أقوى من الأحياء بما لا يُحصى، والأموات يسيطرون على دائرة اللاشعور الواسعة؛ تلك المِنْطقة الخفيَّة التي يصدر عنها جميع مظاهر الذكاء والأخلاق، والشعب مسيَّر بأمواته أكثر مما بأحيائه، وبالأموات وحدهم يقوم العرق، والأموات في القرن بعد القرن هم الذين أوجدوا أفكارنا ومشاعرنا، ومن ثمَّ جميع عوامل سيرنا، والأجيال الغابرة تفرض علينا أفكارها فضلًا عن مزاجها الجثماني، والأموات وحدهم هم سادة الأحياء بلا جدال، ونحن نحمل وزر خطايا الأموات ونقتطف ثمرة فضائلهم.» • غوستاڤ لوپون — السنن النفسية لتطور الأمم، الفصل الأول: روح العروق

photo content