• كُــنْ عَـزِيْزَاً بإسْلاَمِــكْ •
Відкрити в Telegram
قناة تهتم بنشر العلم الشرعي والسلاسل العلمية.. #أحاديث_رياض_الصالحين.. #فوائد_من_بطون_الكتب.. #فتاوى.. #مواعظ_قصيرة.. #قصص.. #أحاديث_وشرحها.. #رسائل_في_التربية.. #التقويم_الهجري.. #التذكير_بالورد_اليومي.. #تلاوات_خاشعة.. #سلاسل_علمية.. وغيرها..
Показати більше2 141
Підписники
Немає даних24 години
-107 днів
-4730 днів
Архів дописів
وفي "ألفية السيرة النبوية" للحافظ العراقي، قال فيه عن وصف أم معبد للنبي صلى الله عليه وسلم:
تقولُ فيهِ بِلِسَانٍ نَاعِتِ أبْلَجُ وجهٍ ظَاهرُ الوضَّاءَةِ
الخَلْقُ مِنْهُ لمْ تَعِبْهُ ثَجْلَهْ كَلاَّ ولَمْ تُزْرِ بهِ مِنْ صَعْلَهْ
أَدَعْجُ والأهدابُ فيها وَطْفُ مِنْ طولِها أو غَطَفٌ أوَ عَطْفُ
والجِيدُ فيهِ سَطَعٌ، وَسِيمُ والصَّوْتُ فيهِ صحل، قسيم
كيثف لِحْيةٍ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ أَحْلاه مِنْ قُرْبٍ لَهُ وأحسن
أجمله من بعد وأبهى يَعْلُوهُ إذْ ما يَتَكَلمُ الْبَهَا
كذاكَ يَعْلُوهُ الوقار إن صمت منطقه كخرز تحدّرت
فَصْلُ الكلامِ ليسَ فيه هَذرُ حُلوُ المَقَالِ ما عَرَاهُ نَزْرُ
لا بَائِنٌ طولا، ولا يُقْتَحَمُ مِنْ قِصَرٍ، فهْوَ عَلَيهِمْ يَعظُمُ
بِنَضْرَةِ المَنْظَرِ والمِقدَارِ تَحُفُّهُ الرِّفْقَةُ بائتِمَارِ
إنْ أُمِروا تَبَادَروا امْتِثَالا أو قالَ قَولاً أنْصَتوا إجْلالا
فَهْوَ لدَى أصحابِهِ مَحْفودُ أيْ: يُسْرِعونَ طَاعَةً، مَحْشودُ
ليسَ بعابِسٍ، ولا مُفنِّدِ بِذَاكَ عَرَّفَتْهُ أمّ معبد
ناعت: واصف. الأبلج: الأبيض الحسن الواسع الوجه. الثجلة: عظم البطن واسترخاؤه، الصعلة -بفتح الصاد وإسكان العين المهملة -: الدقة والنحول والخفة في البدن. الوطف: كثرة شعر الأهداب مع استرخاء وطول. الغطف والعطف والوطف بمعنىّ، وقول المصنف (أو) يشير إلى روايات أخرى فيها الغطف والعطف مكان الوطف. الجيد: العنق. السطع: الطول والارتفاع. الصحل: بحة في الصوت. قسيم - من القسامة - وهي: الحُسن والجمال. أزج - من الزجج - وهو: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد. أقرن - من القرن - وهو: التقاء الحاجبين. الخرز- جمع خرزة -: وهي التي تنظم في السلك ليتزين بها.
وصْف النبي صلى الله عليه وسلم بعيون بعض أصحابه:
مِن دلالات حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم، نقلهم لنا وصفه حتى كأننا نراه، ومما جاء في وصفه صلى الله عليه وسلم من بعض أصحابه:
عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال: (كان صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية، وَكنتُ إذا نظرتُ إليهِ قلتُ أَكحلُ العينينِ وليس بأَكحل). وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان رَبْعَةً من القوم (ليس بالطويل ولا بالقصير)، أزْهر اللون (أبْيضَ مُشرَبًا بحُمْرةٍ)، ليس بأبيض أمهق (شديد البياض) ولا آدم (أسود)) رواه البخاري. ويصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربًا بياضه حُمرة) رواه البيهقي. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا ً(مُتوسِّطَ القامةِ بيْن الطَّويلِ والقَصير)، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنه (عَريضَ أعْلى الظَّهرِ، شَعرُ رَأسِه طَويلٌ يَبلُغُ شَحْمةَ أُذُنَيه)) رواه البخاري.
أم مَعْبَد تصف النبيَّ صلى الله عليه وسلم:
روى البيهقي والحاكم والطبراني وغيرهم عن حُبيش رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة، وخرج منها مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فُهيرة رضي الله عنه ودليلهما الليثي عبد الله بن أُرَيْقِط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة (كهلة كبيرة السن)، جلدة (قوية وعاقلة)، تحتبي (تجلس وتضم يديها إحداهما إلى الأخرى على ركبتيها)، بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحماً وتمراً، ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم مُرْمِلين (نفذ زادهم)، مُسنتين (داخلين في جدب ومجاعة وقحط)، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر (جانب) الخيمة، خلّفها الجَهْد (المشقة والهزال)عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي، إنْ رأيتَ حلبا (لبنا في الضرع، فاحلبها)، فدعا بالشاة فاعتقلها (وضع رجلها بين ساقه وفخذه)، ومسح ضرعها وسمّى الله - وفي رواية: ودعا لها في شائها -، فتفاجّت (فتحت ما بين رجليها كما هو شأن الغنم إذا حلبت)، ودرّت، ودعا بإناء يربض (يشبع ويروي) الرهط (الجماعة)، فحلب فيه ثجّا (كثيرا)، وسقى القوم حتى رووا، وسقى أم معبد حتى رويت، ثم شرب آخرهم، وقال: ساقي القوم آخرهم شربا، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللا بعد نهل (النهل: الشربة الأولى، والعلل: الشربة الثانية)، ثم حلب فيه آخرا، وغادره عندها ثم ركبوا، وذهبوا.. فقلما لبث أن جاء أبو معبد زوجها يسوق أعنزا عجافا (هزالا)، يتساوكن هزلا (يتمايلن في مشيتهن من الهزال والضعف) لا نقي بهن (مخهن قليل)، فلما رأى اللبنَ أبو معبد عَجِبَ، وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنّى لك هذا؟! والشاء عازب (بعيدة المرعى)، حيال (ليس بها حمل) ولا حلوب (ذات لبن) بالبيت، فقالت: لا ـ والله ـ، إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك فمِنْ حاله كذا، وكذا (كناية عما رأته)، فقال: صفيه يا أم معبد، فقالت:
رأيتُ رجلا ظاهر الوَضَاءَة (الحُسن والبهجة)، أبْلج الوجه (مشرقه)، حَسن الخَلْق، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ (عظم البطن)، وَلَمْ تُزْرِيه صُعْلَةٌ ( صغر الرأس)، وسيم قسيم (حسن جميل)، في عينيه دَعَجٌ (شدة سواد العينين)، وفي أشفاره (رموش عينيه) وَطَفٌ (طول وغزارة )، وفي صوته صَحَل (بحة خفيفة فليس في صوته غلظ)، أحور(شدة بياض العينين، وشدة سواد سوادهما)، أكحل (سواد في أجفان العينين)، أَزَجُّ (دقيق الحاجبين في طول)، أَقْرَنُ (مقرون الحاجبين)، شديد سواد الشعر، في عنقه سطح (ارتفاع وطول)، وفي لحيته كثاثة (غزارة من غير دقة)، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن (كلامه متناسق، ومتصل بعضه ببعض، فأشبه في تناسقه الدُرر)، حلو المنطق، فصْل (يفصل الحق من الباطل)، لا نزر(قليل)، ولا هذر (كثير الكلام، فهو وسط بين هذا وذاك)، أجهر الناس (أرفعهم صوتا من غير إفراط مع الوضوح)، وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب (أفردت الضمير حملا على لفظ الناس)، رَبْعة (ليس بالطويل ولا بالقصير) لا تشنؤه من طول (لا يٌبغض لفرط طوله)، ولا تقتحمه (لا تتجاوزه إلى غيره ازدراء له وإعراضا) عين من قِصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به (يحيطون به)، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره (تسابقوا إلى امتثاله)، محفود (مخدوم)، محشود (يجتمع الناس له)، لا عابس (مقطب الوجه)، ولا مفنّد( يكثر من اللوم)). وفي رواية قالت: (أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُه وَأَجْمَلُه مِنْ قَرِيب).
لقد حلت البركة والخير على أم معبد وأهلها ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا في شدة وضيق، وجدب وقحط أوشكوا منه على الهلاك، وفي هذه القصة ـ وفي حلبه صلى الله عليه وسلم للشاة المجهدة وإدرار اللبن منها ـ معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودليل من دلائل نبوته، مما جعل أبا معبد عند مشاهدته لذلك يقول كما ذكر ابن القيم في "زاد المعاد": "قال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممتُ أن أصحبه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلا".
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف: شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
النبيُّ صلى الله عليه وسلم كأنَّك تَرَاه
في طريق الهجرة النبوية مِن مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأم مَعْبَدٍ في قديد (مكان بعيد عن الطريق) حيث مساكن خزاعة، وكان له معها قصة تناقلها الرواة وأصحاب السِيَر، وأبرز ما فيها وصف أم معبد رضي الله عنها الدقيق للنبي صلى الله عليه وسلم رغم قِصر مدة رؤيتها له.. وأم مَعْبَد هي عاتكة بنت كعب الخزاعية، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وممن روى قصتها بطولها الطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك وابن هشام في السيرة النبوية، والبيهقي في دلائل النبوة، وقال عنها ابن كثير:
"وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا". وقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه "الإصابة" أم معبد مِن جملة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: "أم معبد الخزاعية التي نزل عليها النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا هاجر، مشهورة بكنيتها، واسمها عاتكة بنت خالد".
4 ـ رفقه بشاب يستأذن في الزنا:
عن أبي أُمَامة رضي الله عنه قال: (إن فتى شابا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ مَهْ (أي: اسكت وانزجر)، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) رواه أحمد. رواه أحمد. وفي رواية أخرى: وقال: (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه - الزنا -). في هذا الموقف النبوي مع هذا الشاب الذي يستأذن في الزنا أساليب كثيرة منها: الرفق واللين مع المخطئ، وعدم ترويع السائل الجاهل، وطلب دنو السائل واقترابه، ومنها: الإقناع العقلي، والدعاء للسائل والمخطئ، وهذا ما يغفل عنه الكثير من الآباء والدعاة والمربين، فالدعاء للعاصي في مواجهته يشعره بحرص الداعي عليه، وحبه له، ورغبته في هدايته، مما يصلح مِن أمره ويقرِّبه إلى الله عز وجل..
لا شك أن الواقع في الخطأ والإساءة له حق علينا، يتمثل في نصحه وتوجيهه، بحكمة ورفق، فالله عز وجل يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة والعنف، وسيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه وحياته مليئة بمواقفه التربوية والمضيئة بالرفق مع العصاة والمخطئين، والتي ينبغي أن نقتدي بها في دعوتنا للناس وتعاملنا مع الآخرين، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة في رفقه وفي أخلاقه كلها، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب:21) . قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف: وإنك لعلى خلق عظيم
https://www.islamweb.net/ar/article/237232
لقد عظّم النبي صلى الله عليه وسلم شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا، لكي تعمل أمته به في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل والمُرَبين، فإنهم أوْلى الناس بالرفق في دعوتهم وتعليمهم وتربيتهم، وفي جميع أحوالهم. والرفق يدخل في تعامل الإنسان مع زوجته وأولاده، وأهله وأقاربه، وأصحابه وجيرانه، بل ومع المخطئين والمسيئين.. ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم في رفقه بمن أخطأ وأساء كثيرة، ومنها:
1 ـ رفقه مع مَن تكلم في الصلاة:
عن معاوية بن الحكم السُلمي رضي الله عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إذ عطس رجل من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم (أسرعوا في الالتفات إلي، ونفوذ البصر فيَّ)، فقلتُ: واثكل أمياه (الثُّكل فقدان المرأة ولدَها، وحزنُها عليه لفقدِه، والمعنى: وَافَقْدَها لي فإنِّي هلكتُ)، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني (ما انتهرني ولا عَبَس في وجهي) ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "فيه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعليم مِن الرفق بالجاهل". وقال النووي: "فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخُلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه".
2 ـ رِفقه بِمَن بال في المسجد:
مِن طبيعة الإنسان التي خُلق عليها الخطأ والنسيان، ولا أحد في هذه الحياة مهما علا شأنه يخلو من خطأ، فلا عِصمَةَ لأحَدٍ إلَّا الأنبياء والرسل، ولذلك كان على الإنسانِ إذا وَقَعَ في خَطَأٍ أو مَعصيةٍ أنْ يُبادِرَ بالعَودَة والتَّوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون) رواه الترمذي. والمخطئ أحيانا لا يشعر أنه أخطأ، فينبغي أن نزيل الغشاوة عن عينيه ـ برفق ـ ليعلم أنه أخطأ. عن أبى هريرة رضي الله عنه: (دخلَ أعرابِيٌّ المسجِد، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جالِس، فصلَّى، فلما فرغَ (انتهى من صلاته) قال: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ولَا ترحمْ معنا أحدًا، فالتفَتَ إليهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: لقدْ تَحَجَّرْتَ واسعًا، فلم يلبثْ أنْ بالَ في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي صلى اللهُ عليه وسلّم: أهْريقوا عليْهِ سَجْلًا مِنْ ماءٍ، أوْ دلْوًا مِنْ ماء، ثُمَّ قال: إِنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرين ولَمْ تُبْعَثوا مُعَسِّريْن) رواه الترمذي.
(لقد تَحجَّرتَ واسِعًا) أي: منَعتَ وضيَّقتَ أمرًا جعَل اللهُ فيه السَّعةَ، ألَا وهو رحمة اللهِ عزَّ وجلَّ الَّتي تشمَلُ كلَّ عبادِه الموحِّدين.. قال ابن حجر: "وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا". وقال النووي: " وفيه الرّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ ولا إيذاء، إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافاً أو عناداً، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما".
3 ـ رفقه وحِلمه بالأعرابي الذي جذبه مِن ملابسه:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نَجْرَاني (نَوعٌ مِنَ الثِّياب نِسْبَة إلى نَجْران باليمن) غليظ الحاشية (غليظُ الجانب)، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة (فأمسكه من ثوبِه بشِدَّة)، حتى نظرتُ إِلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا مُحمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء) رواه البخاري. قال النووي: "فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله.. وفيه كمال خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وحلمه وصفحه الجميل".
مواقف نبوية في الرِفْقِ مَع المُخْطِئ
الرِفْقُ هو لِين الجانب بالقول والفعل، والتلطف في اختيار الأسلوب والكلمات، والأخذ بالأسهل الذي لا يتعارض مع الشرع، وترك التعنيف والشدة مع الناس وإن كانوا مخطئين.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقًا، ليِّنَ الجانب في القول والفعل، يدعو إلى الرفق في الأمر كله، ويُثني على من يتصف به، ويبين عظيم ثوابه، ويأخذ بالأيسر رفقا بأمته، وقد وصفه الله عز وجل بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(آل عمران:159).
قال ابن كثير: "يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، مُمْتنَّاً عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجْرِه، وأطاب لهم لفظه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم. قال قتادة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} يَقُولُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.. وقال الحسن البصري: هذا خُلُق مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به. وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التَّوْبة:128)". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفقَ لا يكون في شيء إلا زانه (أَكمَلَه وزيَّنه)، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه (عابَه وجَعَله قَبيحًا)) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يحبُّ الرفقَ في الأمرِ كلِّه) رواه مسلم.
مُيَسِّرين ولَمْ تُبْعَثوا مُعَسِّريْن) رواه الترمذي.
(لقد تَحجَّرتَ واسِعًا) أي: منَعتَ وضيَّقتَ أمرًا جعَل اللهُ فيه السَّعةَ، ألَا وهو رحمة اللهِ عزَّ وجلَّ الَّتي تشمَلُ كلَّ عبادِه الموحِّدين.. قال ابن حجر: "وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا". وقال النووي: " وفيه الرّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ ولا إيذاء، إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافاً أو عناداً، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما".
3 ـ رفقه وحِلمه بالأعرابي الذي جذبه مِن ملابسه:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نَجْرَاني (نَوعٌ مِنَ الثِّياب نِسْبَة إلى نَجْران باليمن) غليظ الحاشية (غليظُ الجانب)، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة (فأمسكه من ثوبِه بشِدَّة)، حتى نظرتُ إِلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا مُحمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء) رواه البخاري. قال النووي: "فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله.. وفيه كمال خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وحلمه وصفحه الجميل".
4 ـ رفقه بشاب يستأذن في الزنا:
عن أبي أُمَامة رضي الله عنه قال: (إن فتى شابا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ مَهْ (أي: اسكت وانزجر)، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) رواه أحمد. رواه أحمد. وفي رواية أخرى: وقال: (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه - الزنا -). في هذا الموقف النبوي مع هذا الشاب الذي يستأذن في الزنا أساليب كثيرة منها: الرفق واللين مع المخطئ، وعدم ترويع السائل الجاهل، وطلب دنو السائل واقترابه، ومنها: الإقناع العقلي، والدعاء للسائل والمخطئ، وهذا ما يغفل عنه الكثير من الآباء والدعاة والمربين، فالدعاء للعاصي في مواجهته يشعره بحرص الداعي عليه، وحبه له، ورغبته في هدايته، مما يصلح مِن أمره ويقرِّبه إلى الله عز وجل..
لا شك أن الواقع في الخطأ والإساءة له حق علينا، يتمثل في نصحه وتوجيهه، بحكمة ورفق، فالله عز وجل يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة والعنف، وسيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه وحياته مليئة بمواقفه التربوية والمضيئة بالرفق مع العصاة والمخطئين، والتي ينبغي أن نقتدي بها في دعوتنا للناس وتعاملنا مع الآخرين، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة في رفقه وفي أخلاقه كلها، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب:21) . قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف: وإنك لعلى خلق عظيم
https://www.islamweb.net/ar/article/237232
مواقف نبوية في الرِفْقِ مَع المُخْطِئ
الرِفْقُ هو لِين الجانب بالقول والفعل، والتلطف في اختيار الأسلوب والكلمات، والأخذ بالأسهل الذي لا يتعارض مع الشرع، وترك التعنيف والشدة مع الناس وإن كانوا مخطئين.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقًا، ليِّنَ الجانب في القول والفعل، يدعو إلى الرفق في الأمر كله، ويُثني على من يتصف به، ويبين عظيم ثوابه، ويأخذ بالأيسر رفقا بأمته، وقد وصفه الله عز وجل بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(آل عمران:159).
قال ابن كثير: "يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، مُمْتنَّاً عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجْرِه، وأطاب لهم لفظه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم. قال قتادة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} يَقُولُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.. وقال الحسن البصري: هذا خُلُق مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به. وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التَّوْبة:128)". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفقَ لا يكون في شيء إلا زانه (أَكمَلَه وزيَّنه)، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه (عابَه وجَعَله قَبيحًا)) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يحبُّ الرفقَ في الأمرِ كلِّه) رواه مسلم.
لقد عظّم النبي صلى الله عليه وسلم شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا، لكي تعمل أمته به في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل والمُرَبين، فإنهم أوْلى الناس بالرفق في دعوتهم وتعليمهم وتربيتهم، وفي جميع أحوالهم. والرفق يدخل في تعامل الإنسان مع زوجته وأولاده، وأهله وأقاربه، وأصحابه وجيرانه، بل ومع المخطئين والمسيئين.. ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم في رفقه بمن أخطأ وأساء كثيرة، ومنها:
1 ـ رفقه مع مَن تكلم في الصلاة:
عن معاوية بن الحكم السُلمي رضي الله عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إذ عطس رجل من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم (أسرعوا في الالتفات إلي، ونفوذ البصر فيَّ)، فقلتُ: واثكل أمياه (الثُّكل فقدان المرأة ولدَها، وحزنُها عليه لفقدِه، والمعنى: وَافَقْدَها لي فإنِّي هلكتُ)، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني (ما انتهرني ولا عَبَس في وجهي) ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم. قال القاضي عياض: "فيه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعليم مِن الرفق بالجاهل". وقال النووي: "فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخُلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه".
2 ـ رِفقه بِمَن بال في المسجد:
مِن طبيعة الإنسان التي خُلق عليها الخطأ والنسيان، ولا أحد في هذه الحياة مهما علا شأنه يخلو من خطأ، فلا عِصمَةَ لأحَدٍ إلَّا الأنبياء والرسل، ولذلك كان على الإنسانِ إذا وَقَعَ في خَطَأٍ أو مَعصيةٍ أنْ يُبادِرَ بالعَودَة والتَّوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون) رواه الترمذي. والمخطئ أحيانا لا يشعر أنه أخطأ، فينبغي أن نزيل الغشاوة عن عينيه ـ برفق ـ ليعلم أنه أخطأ. عن أبى هريرة رضي الله عنه: (دخلَ أعرابِيٌّ المسجِد، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جالِس، فصلَّى، فلما فرغَ (انتهى من صلاته) قال: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ولَا ترحمْ معنا أحدًا، فالتفَتَ إليهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: لقدْ تَحَجَّرْتَ واسعًا، فلم يلبثْ أنْ بالَ في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي صلى اللهُ عليه وسلّم: أهْريقوا عليْهِ سَجْلًا مِنْ ماءٍ، أوْ دلْوًا مِنْ ماء، ثُمَّ قال: إِنَّما بُعِثْتُم
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : إذا لم تستح فاصنع ما شئت
➢ عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : *( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت )* رواه البخاري .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
الحياء زينة النفس البشرية ، وتاج الأخلاق بلا منازع ، وهو البرهان الساطع على عفّة صاحبه وطهارة روحه ، ولئن كان الحياء خلقا نبيلا يتباهى به المؤمنون ، فهو أيضا شعبة من شعب الإيمان التي تقود صاحبها إلى الجنة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ) رواه أحمد والترمذي .
والحق أن الحياء رافد من روافد التقوى ؛ لأنه يلزم صاحبه فعل كل ما هو جميل ، ويصونه عن مقارفة كل قبيح ، ومبعث هذا الحياء هو استشعار العبد لمراقبة الله له ، ومطالعة الناس إليه ، فيحمله ذلك على استقباح أن يصدر منه أي عمل يعلم منه أنه مكروه لخالقه ومولاه ، ويبعثه على تحمّل مشقة التكاليف ؛ ومن أجل ذلك جاء اقتران الحياء بالإيمان في غيرما موضع من النصوص الشرعية ، في إشارة واضحة إلى عظم هذا الخلق وأهميته .
وقد عُرف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق واشتُهر عنه ، حتى قال عنه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ذلك : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ) ، وهكذا نشأ الأنبياء جميعا على هذه السجيّة ، فلا عجب إذا أن يصبح الحياء هو الوصية المتعارف عليها ، والبقية الباقية من كلام النبوة الأولى ، والتي يبلغها كل نبي لأمته .
وللحياء صور متعددة ، فمنها : حياء الجناية ، ومعناه : الحياء من مقارفة الذنب مهما كان صغيراً ، وذلك انطلاقا من استشعار العبد لمخالفته لأمر محبوبه سبحانه وتعالى ، ومن هذا الباب اعتذار الأنبياء كلهم عن الشفاعة الكبرى حينما يتذكرون ما كان منهم من خطأ - وإن كان معفوا عنه - ، وكان الإمام أحمد بن حنبل يكثر من قول :
إذا ما قــــال لــي ربي أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي وبالعـصيــان تأتينــــي
فـما قـولي لـه لــمـــــــا يعاتـبـنــي ويُقـصـيـني
وهناك نوع آخر من الحياء ، وهو الحياء الذي يتولد من معرفة العبد لجلال الرب ، وكمال صفاته ، ويكون هذا الحياء دافعا له على مراقبة الله على الدوام ؛ لأن شعاره هو قول القائل : " لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى عظم من عصيته " .
ويمكن أن يُضاف نوع ثالث ، وهو حياء النساء ، ذلك الحياء الذي يوافق طبيعة المرأة التي خُلقت عليها ، فيزيّنها ويرفع من شأنها ،واستمع إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ تقول : " كنت أدخل بيتي الذي دُفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ، فأضع ثوبي – أي أطرحه - فأقول : إنما هو زوجي وأبي ، فلما دُفن عمر معهم فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليّ ثيابي ؛ حياء من عمر " .
فإذا اكتمل الحياء في قلب العبد ، استحيا من الله عزوجل ومن الناس ، بل جرّه حياؤه إلى الاستحياء من الملائكة الكرام ، ولهذا جاء في الحديث : ( من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) رواه مسلم .
لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم الحياء في سلوكيات عملية ، تدرّب المرء على هذا الخلق النبيل ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استحيوا من الله حق الحياء ) ، قلنا : يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله ، قال : ( ليس ذاك ، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، ولتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) رواه الترمذي ، وهذا التصوير النبوي لخلق الحياء ، يدلّنا ويرشدنا إلى أسباب وصول أمتنا لهذا المستوى من الذلّ والمهانة ، إننا لم نستح من الله حق الحياء ؛ فأصابنا ما أصابنا ، ولو كنا على المستوى المطلوب من خلق الحياء ، لقدنا العالم بأسره ، فالحياء ليس مجرّد احمرار الوجه وتنكيس الرأس ، بل هو معاملة صادقة ، وإخلاص تام في حق الخالق والمخلوق .
ولعل مما يحسن التنبيه إليه في هذا الباب أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بحجة الحياء من الناس - قصور في الفهم ، وخطأ في التصوّر ؛ لأن الحياء لا يأتي إلا بخير ، والنبي صلى الله عليه وسلم على شدة حيائه ، كان إذا كره شيئا عُرف ذلك في وجهه ، ولم يمنعه الحياء من بيان الحق ، وكثيرا ما كان يغضب غضبا شديدا إذا انتُهكت محارم الله ، ولم يخرجه ذلك عن وصف الحياء .
وبعد: فهذه جولة سريعة مع خلق الحياء ، عرفنا فيها معالمه وفضائله ، وصوره وجوانبه ، وجدير بنا أن نحرص على هذا الخلق النبيل ، وأن نجعله شعار لنا حتى نلقى ربنا الجليل .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
https://www.islamweb.net/ar/article/75077
وللاستقامة ثمار عديدة لا تنقطع ، فهي باب من أبواب الخير ، وبركتها لا تقتصر على صاحبها فحسب ، بل تشمل كل من حوله ، ويفهم هذا من قوله تعالى : { وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا } ( الجن : 16 ) ، وتستمر عناية الله بعباده المستقيمين على طاعته حتى ينتهي بهم مطاف الحياة ، وهم ثابتون على كلمة التوحيد ، لتكون آخر ما يودعون بها الدنيا ، كما قال الله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ، نزلا من غفور رحيم } ( فصلت : 30-32 ) .
وإذا أردنا أن تتحقق الاستقامة في البدن فلا بد من استقامة القلب أولا ، لأن القلب هو ملك الأعضاء ، فمتى استقام القلب على معاني الخوف من الله ، ومحبته وتعظيمه ، استقامت الجوارح على طاعة الله ، ثم يليه في الأهمية : استقامة اللسان ، لأنه الناطق بما في القلب والمعبّر عنه ، نسأل الله أن يهدينا إلى صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
https://www.islamweb.net/ar/article/70177
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
حديث : قل آمنت بالله ثم استقم
عن أبي عمرو سفيان بن عبد الله الثقفي ، رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك ، قال : ( قل آمنت بالله ، ثم استقم ) رواه مسلم في صحيحه .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
إن غاية ما يتطلع إليه الإنسان المسلم ، أن تتضح له معالم الطريق إلى ربّه ، فتراه يبتهل إليه في صلاته كل يوم وليلة أن يهديه الصراط المستقيم ، كي يتخذه منهاجا يسير عليه ، وطريقا يسلكه إلى ربه ، حتى يظفر بالسعادة في الدنيا والآخرة .
ومن هنا جاء الصحابي الجليل سفيان بن عبدالله رضي الله عنه ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وانتهز الفرصة ليسأله عن هذا الشأن الجليل ، فجاءته الإجابة من مشكاة النبوة لتثلج صدره ، بأوضح عبارة ، وأوجز لفظ : ( قل آمنت بالله ، ثم استقم ) .
إن هذا الحديث على قلة ألفاظه ، يضع منهجا متكاملا للمؤمنين ، وتتضح معالم هذا المنهج ببيان قاعدته التي يرتكز عليها ، وهي الإيمان بالله : ( قل آمنت بالله ) ، فهذا هو العنصر الذي يغير من سلوك الشخص وأهدافه وتطلعاته ، وبه يحيا القلب ويولد ولادة جديدة تهيئه لتقبل أحكام الله وتشريعاته ، ويقذف الله في روحه من أنوار هدايته ، فيعيش آمنا مطمئنا ، ناعما بالراحة والسعادة ، قال الله تعالى مبينا حال المؤمن : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } ( الأنعام : 122 ) ، فبعد أن كان خاوي الروح ، ميّت القلب ، دنيوي النظرة ، إذا بالنور الإيماني يملأ جنبات روحه ، فيشرق منها القلب ، وتسمو بها الروح ، ويعرف بها المرء حقيقة الإيمان ومذاقه.
فإذا ذاق الإنسان حلاوة الإيمان ، وتمكنت جذوره في قلبه ، استطاع أن يثبت على الحق ، ويواصل المسير ، حتى يلقى ربّه وهو راض عنه ، ثم إن ذلك الإيمان يثمر له العمل الصالح ، فلا إيمان بلا عمل ، كما أنه لا ثمرة بلا شجر ، ولهذا جاء في الحديث : ( ثم استقم ) فرتّب الاستقامة على الإيمان ، فالاستقامة ثمرة ضرورية للإيمان الصادق ، ويجدر بنا في هذا المقام أن نستعرض بعضاً من جوانب الاستقامة المذكورة في الحديث .
إن حقيقة الاستقامة ، أن يحافظ العبد على الفطرة التي فطره الله عليها ، فلا يحجب نورها بالمعاصي والشهوات ، مستمسكا بحبل الله ، كما قال ابن رجب رحمه الله : " والاستقامة في سلوك الصراط المستقيم ، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها : الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات كلها " ، وهو بذلك يشير إلى قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( الروم : 30 ).
وقد أمر الله تعالى بالاستقامة في مواضع عدة من كتابه ، منها قوله تعالى : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } ( هود : 112 ) ، وبيّن سبحانه هدايته لعباده المؤمنين إلى طريق الاستقامة ، كما قال عزوجل : { وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } ( الحج : 54 )، وجعل القرآن الكريم كتاب هداية للناس ، يقول الله تعالى في ذلك : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } ( إبراهيم : 1 ).
ولئن كانت الاستقامة تستدعي من العبد اجتهاداً في الطاعة ، فلا يعني ذلك أنه لا يقع منه تقصير أو خلل أو زلل ، بل لا بد أن يحصل له بعض ذلك ، بدليل أن الله تعالى قد جمع بين الأمر بالاستقامة وبين الاستغفار في قوله : { فاستقيموا إليه واستغفروه } ( فصلت : 6 ) ، فأشار إلى أنه قد يحصل التقصير في الاستقامة المأمور بها ، وذلك يستدعي من العبد أن يجبر نقصه وخلله بالتوبة إلى الله عزوجل ، والاستغفار من هذا التقصير ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : ( استقيموا ولن تحصوا ) رواه أحمد ، وقوله أيضا : ( سددوا وقاربوا ) رواه البخاري .
والمقصود منه المحاولة الجادة للسير في هذا الطريق، والعمل على وفق ذلك المنهج على قدر استطاعته وإن لم يصل إلى غايته، شأنه في ذلك شأن من يسدد سهامه إلى هدف ، فقد يصيب هذا الهدف ، وقد تخطئ رميته ، لكنه بذل وسعه في محاولة تحقيق ما ينشده ويصبو إليه .
*📚 حـــــــديث اليـــــــوم 📚*
➢ عَنْ عَبدِالله بُنُ عُمَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَال؛(أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، بيْنَما هو قَائِمٌ في الخُطْبَةِ يَومَ الجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ مِن أصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أيَّةُ سَاعَةٍ هذِه؟ قَالَ: إنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أنْقَلِبْ إلى أهْلِي حتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أزِدْ أنْ تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ: والوُضُوءُ أيضًا، وقدْ عَلِمْتَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ.).
المصدر :صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 878
——————————
*📘 #شــــــرح_الـحــديـث 🖌*
الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ مِن أبرزِ خصائصِ هذه الأمَّةِ، ومِن أسبابِ خَيرتِها، وقد أَهلكَ اللهُ أُمَمًا قبْلَ ذلك؛ لِتركِها الأمرَ بِالمعروفِ والنَّهيَ عَنِ المنكرِ؛ فكلُّ مسلمٍ مأمورٌ بأنْ يأمرَ بِالمعروفِ ما استطاعَ، وينهى عَنِ المنكَرِ ما استطاعَ؛ ولَمَّا كان عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مِن أشدِّ النَّاسِ في الحقِّ، لم يكنْ يَتركُ الأمرَ بالمعروفِ حيثُما كان، وفي هذا الحديثِ يَروي عبدُ الله بنُ عُمرَ أنَّ أباهُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه في خِلافتِه كان قائمًا يَخطُبُ الجُمعةَ، فدخَل رجُلٌ مِنَ المهاجرينَ الأوَّلينَ، وهو عثمانُ بنُ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه -كما في رواية الموطَّأِ- فلمَّا رأى عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه جاءَ متأخِّرًا قال له: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! إنكارًا عليه لِتأخُّرِه، فأجابه عثمانُ رَضيَ اللهُ عنه: بأنَّه شغلَتْه بعضُ الأمورِ فلمْ يرجعْ بيتَه حتَّى سمِعَ الأذانَ، فتوضَّأَ سريعًا ولم يَغتسلْ حتَّى يُدرِكَ الجمعةَ، فقال له عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: «والوضوءَ أيضًا، وقد علِمْتَ أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يأمرُ بِالُغسلِ!» وهذا إنكارٌ ثانٍ مِن عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه على عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه، والمعنى: وترَكْتَ الغُسلَ أيضًا لِلجُمعةِ، واقتصَرْتَ على الوُضوءِ؟! ألم يَكفِكَ أنْ أخَّرْتَ الوقتَ وفَوَّتَّ فضيلةَ السَّبْقِ حتَّى أتبعْتَه بتَركِ الغُسلِ والقناعةِ بالوُضوءِ، وقد سمِعتَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمُرُ بِالغُسلِ يَومَ الجُمعةِ! والأمرُ بالغُسلِ يَومَ الجُمعةِ مِن الأدبِ في الحُضورِ إلى المساجِدِ والجَماعاتِ، وهو إرشادٌ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى عمَلِ الأَولى والأفضَلِ في مِثلِ هذه المُناسَباتِ.وفي الحديثِ: الأمرُ بِالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ، ولو كان أمامَ النَّاسِ. وفيه: تفقُّدُ الإمامِ رَعيَّتَه، وأمْرُه لهم بمصالحِ دِينِهم، وإنكارُه على مَن أخَلَّ بِالفَضلِ. وفيه: أنَّ الأمرَ بِالمَعروفِ والنَّهْيَ عن المُنكَرِ في أثناءِ الخُطبةِ لا يُفسِدُها. وفيه: الحثُّ على التَّبكيرِ للجُمعةِ.وفيه: مشروعيَّةُ الوُضوءِ للجُمعةِ، وبيانُ أنَّ الغُسلَ أفضَلُ.
*📚 مصدر شرح الحديث: الدُّرر السَّنيّة.*
جبريل! اذهبْ إلى محمدٍ فقلْ: إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوءُك) رواه مسلم. قال النووي: "هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد، منها: بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها: استحباب رفع اليدين في الدعاء، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا بما وعدها الله تعالى بقوله: سنرضيك في أمتك ولا نسوءك، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها، ومنها: بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه به صلى الله عليه وسلم".
ومع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في صلاته بالمغفرة، فقد خبّأ أعظم دعواته ـ وهي الدعوة المستجابة لكل نبي ـ، وادَّخَرَها للشفاعة العظمى لأمته يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه سلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) رواه البخاري.
الكاتب: إسلام ويب، شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
https://www.islamweb.net/ar/article/229012
دعاء النبي لأمته في كل صلاة
لم يكن حب النبي صلى الله عليه وسلم قاصراً على أصحابه، بل كان حبه ممتدا لجميع أمته، ولم يُؤْثَر عن نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذلك الحب الشديد لأمته كما أُثِر عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(التوبة:28). قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم". وقال السعدي: "أي شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم، ولهذا كان حقّه مُقَدَّماً على سائر حقوق الخَلق، وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره".
وصور ومظاهر حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كثيرة، منها: شفقته عليها، ورحمته بها، وشفاعته لها، وتخفيفه وتسهيله عليها في أحكام الشريعة، وتركه أشياء مخافة أن تُفْرَض عليها، ونحره الأضاحي بدلاً عن فقرائها، ومنها: تمنِّيه رؤيته صلى الله عليه وسلم من جاء بعده من أمته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة, فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ودِدْتُ أنِّي قد رأيْتُ إخواننا، فقالوا: يا رسول الله, ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم (متقدمهم) على الحوض) رواه مسلم. قال النووي: "والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (وددت أنا قد رأينا إخواننا) أي: رأيناهم في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض: وقيل المراد تمني لقائهم بعد الموت، قال الإمامالباجي: قوله صلى الله عليه وسلم: (بل أنتم أصحابي) ليس نفيا لأخوتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات:10)".
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في كل صلاة:
من عظيم وجميل صور حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: دعاؤه لها في صلاته، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (لما رأيتُ من النبي صلى الله عليه وسلم طِيب نفس قلت: يا رسول الله، ادع الله لي، فقال: اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ، فضحكت عائشة رضي الله عنها حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرُّك دعائي؟ فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والله إنها لدعوتي لأمَّتي في كل صلاة) رواه ابن حبان وحسنه الألباني.
وفي هذا الحديث الكثير من الفوائد، منها: فضل عائشة رضي الله عنها، فقد دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بمغفرة ما تقدم من ذنبها وما تأخر. ومنها: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأمة، وذلك لدعائه لها في كل صلاة كان يصليها. ومنها كذلك: مشروعية أن يتعوّدَ المسلمُ الدعاءَ لجميع المسلمين بالمغفرة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌلِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب:21)، قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".
وعن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأكلتُ معه خبزا ولحما، ـ أو قال: ثريدا ـ قال: فقلت له (قال عاصم لعبد الله بن سرجس): أسْتَغْفَرَ لك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}(محمد: 19)) رواه مسلم. قال الماوردي: "{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنوب. {وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي استغفر لهم ذنوبهم".
وقد بوَّب النووي في صحيح مسلم باب: "دعاء النبي لأمته وبكائه شفقة عليها"، وذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيمَ عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}( إبراهيم:36)، وقال عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}( المائدة:118)، فرفعَ يديه وقال: اللهمَّ! أُمَّتي أُمَّتي، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد، - وربُّكَ أعلم -، فسَلهُ ما يُبكيك؟ فأتاهُ جبريل عليهِ الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا
للعلم منزلته في بناء الأفراد والمجتمعات، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على العلم وبيان فضله ومنزلة العلماء وطلاب العلم كثيرة، ومما لا شك فيه أن هذا الفضل للعلم والمتعلمين يشمل عامة المسلمين، رجالاً ونساء، كباراً وصغارا، إذِ الخطاب النبوي شامل للجميع، وهذا الفضل لا يختص بالعلم الشرعي فحَسْب، بل إنَّ هذا الفضل يتفاوت ويمتدُّ إلى كل علم يعود على المسلم والمجتمع والأمة بالهداية إلى الحقِّ والرَّشادِ، والقوة في مواجهة الأعداء، والنَّفعِ في أمورِ الدُّنيا والآخرة، ما لم يتعارض مع مقاصد الإسلام وشريعته، وهَدْي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. وقد سُئِل الشيخ ابن عثيمين: "قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به) هل المراد به العلم الشرعي أم العلم الدنيوي؟ فأجاب: الظاهر أن الحديث عام، كل علم ينتفع به فإنه يحصل له الأجر، لكن على رأسها وقمتها العلم الشرعي". والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من العلم الذي لا ينفع، فعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذهِ الدعواتِ: (اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يُسمع، ونفسٍ لا تشبع. ثم يقول: اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من هؤلاء الأربع) رواه النسائي وصححه الألباني.
https://www.islamweb.net/ar/article/228949
الكاتب: إسلام ويب
التصنيف: شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم
الاهْتِمام النبويّ بالعِلم
العِلْمُ نورٌ للعُقولِ، وضِياءٌ للمجتمعات، والإسلام دين العِلم، فأول آية نزلت من القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالقراءة، وفي ذلك إشادة بالعلم وفضله، وبيان لقيمته ومنزلته في الإسلام، قال الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(العلق:1 ـ 5). وللعلماء في الإسلام منزلة كبيرة، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(المجادلة:11). ولأهمية العلم أمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يطلب المزيد منه، فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه:114). وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: "اللهم رب زدني علماً وإيماناً ويقينا".
وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على السعي في طلب العِلْم النَّافِع، لِمَا فيه من إقامةٍ للدِّين، وإعْمارٍ الأَرْضِ، وبيَّن فضل العلم، ومنزلة العالم وطالب العلم، بل وجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم. والسيرة النبوية زاخرة بالمواقف والأحاديث الدالة على ذلك، ومنها:
1 ـ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم لَيَسْتَغْفِر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثُوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثُوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود وصححه الألباني.
(وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم) قال الخطابي: "يحتمل ثلاثة معاني: الأول: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيمًا لطالب العلم.. الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلماء وترك الطيران".
2 ـ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (ذُكِرَ لرَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجُلان، أحدهما عابدٌ، والآخَرُ عالِمٌ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثمَّ قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّه وملائِكتَه وأَهل السَّماوات والأرضِ، حتَّى النَّملةَ في جُحرِها، وحتَّى الحوتَ ليصلُّون على معلِّمِ النَّاسِ الخير) رواه الترمذي وصححه الألباني.
قال الطيبي: "الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الغير الدعاء وطلب الخير".
3 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أوْ علمٍ يُنتفَع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
4 ـ عن صفوان بن عسّال رضي الله عنه قال: (أتيتُ النبيَّ وهو في المسجدِ مُتَّكيءٌ على بُرْدٍ له أحمر، فقلتُ له: يا رسول الله! إني جئتُ أَطلبُ العلم، فقال: مرحبًا بطالب العلمِ، إنَّ طالبَ العلمِ تحفُّه الملائكةُ وتُظلُّه بأجنحَتِها) رواه الطبراني وحسنه الألباني.
5 ـ روى أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (أنَّ رجلًا أصابه جُرْحٌ في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصابه احتلامٌ فأُمِرَ بالاغتسالِ فمات، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه (أي تسببوا بقتله حين أفتوه بجهل) قتلهمُ الله، ألم يكنْ شفاء العِيِّ السؤال). وفي رواية: (فإنَّما شفاءُ العيِّ السُّؤال). أي: لا شِفاء لداءِ الجهل إلَّا بالعِلم والتعلُّم، قال ابن القيم: "فدعا عليهم لما أفتوا بغير علم".
6 ـ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
قال المناوي في "فيض القدير": "قد تباينت الأقوال وتناقضت الآراء في هذا المفروض في نحو عشرين قولاً، وكل فرقة تقيم الأدلة على علمها، وكل لكلٍ معارض، وبعض لبعض مناقض، وأجود ما قيل قول القاضي: ما لا مندوحة عن تعلمه كمعرفة الصانع (الله عز وجل) ونبوة رسله، وكيفية الصلاة ونحوها، فإن تعلمه فرض عين". وقال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله": "قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض مُتَعَيَّن على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع".
ثم بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربّه - شيئا من مظاهر الكمال الذي يتصف به الله جل وعلا ، مبتدئا بالإشارة إلى استغناء الله عن خلقه وعدم احتياجه لهم ، كما قال تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } ( فاطر : 15 ) ، فالله تعالى غني حميد ، لا تنفعه طاعة عباده ، ولا تضره معصيتهم ، بل لو آمن من في الأرض جميعا ، وبلغوا أعلى مراتب الإيمان والتقوى ، لم يزد ذلك في ملك الله شيئا ، ولو كفروا جميعا ، ما نقص من ملكه شيئا ، لأن الله سبحانه وتعالى مستغن بذاته عن خلقه ، وإنما يعود أثر الطاعة أو المعصية على العبد نفسه ، وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد هذه الحقيقة ويوضحها ، قال الله عزوجل : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } ( الأنعام : 104 ) ، فمن عرف حجج الله وآمن بها واتبعها ، فقد بلغ الخير لنفسه ، ومن تعامى عن معرفة الحق ، وآثر عليها ظلمات الغواية ، فعلى نفسه جنى ، وأوردها الردى .
وبالرغم من ذلك فإن نعم الله سبحانه مبثوثة للطائع والعاصي على السواء ، دون أن يجعل تلك المعاصي مانعا لهذا العطاء ، وهذا من كرم الله تعالى وجوده ، وهي أيضا مظهر من مظاهر سعة ملك الله تعالى ، فإن الله لو أعطى جميع الخلق ما يرغبون ، لم ينقص ذلك من ملكه شيئا يُذكر.
ولما كانت الحكمة من الخلق هي الابتلاء والتكليف ، بيّن سبحانه أن العباد محاسبون على أعمالهم ، ومسؤولون عن تصرفاتهم ، فقد جعل الله لهم الدنيا دارا يزرعون فيها ، وجعل لهم الآخرة دارا يجنون فيها ما زرعوه ، فإذا رأى العبد في صحيفته ما يسرّه ، فليعلم أن هذا محض فضل الله ومنّته ، إذ لولا الله تعالى لما قام هذا العبد بما قام به من عمل صالح ، وإن كانت الأخرى ، فعلى نفسها جنت براقش ، ولا يلومنّ العبد إلا نفسه.
《 شرح أحاديث الأربعين النووية 》.
