VELYNOR
Відкрити в Telegram
211
Підписники
Немає даних24 години
-127 днів
-1030 днів
Архів дописів
210
"ما لِلهُمومِ الطَّارقاتِ ومالي
أسهرنَني ورَقدنَ عَن أوجالي
أرعى الثواقِبَ في الظلامِ كأنَّها
زَهرُ الحَدائِقِ أو نَثيرُ لَآلي".
- إيليَّا أبو ماضي.
210
قصيدة الشوق الأخير..💔💔
أيا سمراءُ، كم أمضيتُ عمري مُثقلاً
أجرُّ خطايَ، وفي فؤادي مأتمُ
وكم ناديتُ طيفَكِ في الدجى متوسلاً
فما عادَ إلا الصمتُ حين أكلَّمُ
أحنُّ إليكِ حنينَ أرضٍ جدباءَ
تنتظرُ الغيثَ الذي لا يقدمُ
وأشتاقُ شوقَ البحرِ للنهرِ الذي
غابَ عنهُ، فظلَّ موجُهُ يتألّمُ
إذا ذُكرَ اسمُكِ في المجالسِ خلسةً
أحسُّ بأنَّ القلبَ سوفَ يُحطَّمُ
وإن مرَّ طيفُكِ في المنامِ تعثرتْ
بقايا الروحِ، وانهمرَ التندُّمُ
أحببتُكِ الحبَّ الذي لو مسَّ النجومَ
لذابَ ضياؤها وتفحَّمَ الأنجمُ
أحببتُكِ حتى صارَ في صدري لهيبٌ
يبيتُ ويصحو، لا يلينُ ولا يرحمُ
أيا نارَ شوقي، كم شربتُ مرارتَكِ
وكم ذقتُ من جمرِ الحنينِ وأُكظَمُ
أأنساكِ؟ كيفَ النسيانُ يسكنُ مهجتي
وأنتِ بها منذُ اللقاءِ تخيَّمُ؟
لقد كنتِ عمري حين كانَ مُزهراً
وصرتِ جراحي حين ولّى الموسمُ
فإن حالَ بيني وبينَ وجهِكِ موطنٌ
ففي القلبِ ألفُ لقاءةٍ لا تُهزمُ
وإن متُّ يوماً فادفنوا بين أضلعي
حكايةَ حبٍّ بالشقاءِ مُختَّمُ
وقولوا: هنا قلبٌ أحبَّ فلم يزلْ
يحترقُ حتى آخرِ العمرِ ويحلمُ.
وحين انتهى من كتابة القصيدة، رفع بصره نحو السماء.
وكانت النجمة الأولى قد ظهرت.
فابتسم ابتسامةً هادئة، كأنما رأى شيئاً انتظره طويلاً.
ثم أسند رأسه إلى جذع الشجرة.
وأغمض عينيه.
ولم يفتحهما بعد ذلك أبداً.
وفي صباح اليوم التالي، وجده أهل الوادي راحلاً، وبين يديه تلك القصيدة.
ومنذ ذلك الحين، بقيت حكاية سمراء ونزار تُروى جيلاً بعد جيل، لا لأنها انتهت بالوصال، بل لأنها أثبتت أن بعض أنواع الحب لا يُقاس بما يناله العاشق، بل بما يحمله من وفاءٍ حتى آخر نبضةٍ في قلبه
210
المرحلة الخامسة والأخيرة: سنوات الرماد
مرت الأعوام...
عامٌ يتبعه عام، وخريفٌ يطارد خريفاً، بينما كان الوادي يشيخ ببطء، وتكبر الأشجار التي شهدت لقاءات العاشقين، وتتعاقب الأجيال التي تسمع الحكاية ولا تعرف مقدار النار التي اشتعلت في قلبَي صاحبيها.
أما نزار، فلم يعد ذلك الشاب الذي كان يجلس عند عين الماء منتظراً.
صار رجلاً ناحلاً، أنهكته الطرقات، وكسرت الأيام شيئاً من جسده، لكنها لم تستطع أن تنتزع سمراء من قلبه.
كان الناس يرونه يجوب الوديان وحيداً، يتكئ على عصاه، ويحدّث الريح كأنها رسولٌ قادمٌ من زمنٍ بعيد.
وكلما سأله أحدهم:
— أما زلت تذكرها؟
ابتسم ابتسامةً يختلط فيها الألم بالوفاء، وقال:
— وهل ينسى القلب نبضه؟
وفي القرية البعيدة، كانت سمراء تعيش حياةً هادئة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في داخلها مقبرةً من الأحلام.
كانت تؤدي واجباتها، وتخفي أوجاعها، لكن كلما أقبل الليل وهدأت الأصوات، كانت تعود بقلبها إلى تلك العين القديمة.
إلى ذلك المساء الأول.
إلى ذلك الفتى الذي منحها عمره كله ولم يطلب سوى أن تبقى قريبة.
ومع مرور السنين، صار الحنين بينهما أكبر من المسافات.
وأقوى من الزمن.
وأشد من الموت نفسه.
حتى إن الناس نسوا ملامحهما، لكنهم لم ينسوا حكايتهما.
وأصبح العاشقون إذا مرّوا بالوادي قالوا:
هنا احترق قلبان دون أن يجتمعا...
وهنا ترك الشوق رماده فوق التراب.
وفي آخر أيامه، عاد نزار إلى عين الماء.
جلس تحت شجرة الصفصاف التي شهدت أول لقاء.
وكان الغروب يسكب آخر خيوطه الذهبية على الوادي.
أغمض عينيه.
وكأن العمر كله عاد إليه دفعةً واحدة.
رأى سمراء تقترب كما كانت أول مرة.
ورأى ابتسامتها.
وسمع ضحكتها التي غلب عليها الزمن ولم يغلبها النسيان.
فابتسم.
ثم أخرج من جيبه ورقةً صفراء قديمة، وكتب آخر قصيدة في حياته.
قصيدةً لم تكن شعراً فقط...
بل كانت قلباً يحترق للمرة الأخيرة.
210
المرحلة الرابعة: ليلة الزفاف والوداع الأخير
هبَّ الخريف على الوادي ثقيلاً، كأن السماء قد ارتدت ثوب الحداد، وكأن الأشجار قد أدركت أن حكايةً كانت تُزهر بين أغصانها قد أوشكت أن تُوارى تحت تراب الفراق.
وفي صباحٍ كئيبٍ امتزج فيه ضوء الشمس بشحوب الغيوم، انتشر الخبر في أرجاء القرية:
لقد حُدِّد موعد زفاف سمراء.
كان الخبر كالسهم النافذ في صدر نزار.
لم يبكِ.
لم يصرخ.
بل سكنه صمتٌ مرعب، ذلك الصمت الذي يسبق انهيار المدن العتيقة، ويأتي قبل انطفاء آخر شمعةٍ في قلب عاشقٍ أنهكه الانتظار.
خرج إلى الوادي الذي شهد أول لقاء، ومضى حتى بلغ عين الماء.
جلس عندها طويلاً، يحدّق في انعكاس وجهه على سطحها، فلم يعرف الرجل الذي ينظر إليه.
فقد غزا الشحوب ملامحه، وأكل السهر من عينيه، وصار قلبه أشبه بطائرٍ مكسور الجناحين، يحاول الطيران في سماءٍ أغلقت أبوابها.
وفي تلك الليلة، وصلت إليه رسالةٌ خفية.
كانت من سمراء.
لم تحمل سوى كلماتٍ قليلة:
تعال الليلة إلى العين القديمة... فلعلها آخر مرةٍ يجمعنا فيها القدر.
وحين أقبل الليل، كان القمر ناقصاً، كأنه هو الآخر فقد شيئاً من ضيائه.
جاء نزار.
وجاءت سمراء.
لكنها لم تكن سمراء التي عرفها.
كانت شاحبة الوجه، مكسورة النظرات، تحمل في عينيها حزناً يكفي ليغرق الوادي بأسره.
وقفا طويلاً دون كلام.
فبعض الأحزان لا تتسع لها الكلمات.
وبعض الفراق أكبر من أن تصفه اللغة.
قال نزار بصوتٍ اختنق بالألم:
— أحقاً سيرحلون بكِ بعيداً؟
أطرقت سمراء رأسها، وقالت:
— ليس كل من يسير إلى بيته يعود إلى وطنه يا نزار...
إنهم يزفون جسدي، أما قلبي فقد بقي هنا، عند هذه العين، يوم نظرت إليَّ لأول مرة.
فارتجف قلبه، وقال:
— فلنهرب.
لنأخذ من الطرق البعيدة ملاذاً، ومن السماء سقفاً، ومن الحب وطناً.
ابتسمت ابتسامةً موجوعة وقالت:
— نحن يا نزار أبناء زمنٍ لا يرحم العاشقين.
وفي زمننا، تُكسَر القلوب كي تبقى العادات واقفة.
ثم أخرجت من ثوبها القصائد التي كتبها لها، وربطتها بخيطٍ حريري، وسلمتها إليه.
وقالت:
— احتفظ بها...
فهي كل العمر الذي عشته حقاً.
فأخذها وهو يرتجف، وأنشد:
إذا ما افترقنا فاذكريني فإنني
زرعتُ هواكِ بكلِّ نبضٍ في دمي
وإن مرَّ طيفي في المساءِ فاعلمي
بأنَّ اشتياقي لم يمتْ رغمَ الألمِ
وإن ضاعَ دربُ العمرِ بينَ قبائلٍ
فأنتِ اتجاهُ الروحِ، أنتِ منازلي
فأجهشت سمراء بالبكاء لأول مرة، ثم قالت:
أحببتُكَ الحبَّ الذي لو ذاقَهُ
صخرُ الجبالِ لأصبحَ الصخرُ باكيا
لكنَّ هذا الكونَ أقسى من هوى
يأتي جميلاً ثم يمضي شاكيا
وساد الصمت.
صمتٌ يشبه الموت.
ثم تقدمت سمراء خطوةً أخيرة، ووضعت يدها فوق صدره.
وقالت:
— إذا سألوك يوماً عن سمراء...
فقل لهم:
كانت امرأةً أحبّت حتى احترقت، ثم مضت تحمل رماد قلبها في صمت.
ثم استدارت.
ورحلت.
ورحل معها الربيع.
ورحل معها النور.
وبقي نزار واقفاً عند عين الماء حتى انبلج الفجر، كأن قدميه قد تجذرتا في الأرض.
وفي الليلة التي زُفّت فيها سمراء إلى بيتٍ لم يختره قلبها، كان نزار وحيداً فوق التلة المطلة على الوادي.
والنار مشتعلة أمامه.
ينظر إليها طويلاً، وكأنه يرى قلبه يحترق فيها.
ثم أنشد بصوتٍ تخالطه الدموع:
أيا نارُ، خذي ما تبقّى من فؤادي
فما عادَ في الأحشاءِ شيءٌ يُصانُ
لقد كنتُ أرجو الوصلَ حتى إذا انقضى
زمانُ الهوى، صارَ الرجاءُ دخان.
أُحبُّها حبّاً إذا الريحُ مرّتْ
سمعتُ بقلبي من حنينٍ طوفانُ
وأحملُ في صدري جحيماً من الأسى
كأنَّ ضلوعي للحريقِ مكانُ
فيا ليتَ نارَ الشوقِ تُفني بقاياي
فإنَّ احتراقي في هواها أمانُ
سأمضي وأحملُ اسمَها في جوانحي
كما يحملُ المصلوبُ آخرَ إيمانِه
فإن لم تجمعِ الدنيا شتاتَ قلوبِنا
فسوفَ يجمعُنا الحنينُ في زمانٍ لا زمانَ فيه.
وهكذا انتهت ليلة الوداع...
لكن الحكاية لم تنتهِ بعد.
فالعاشقون الحقيقيون لا يموتون حين يفترقون، بل تبدأ حياتهم الأخرى داخل الذكريات، ويصبح الشوق لهم وطناً، والنارُ رفيقاً، والحنينُ قدراً لا خلاص منه.
210
المرحلة الثالثة: بوادر العاصفة
ما إن أقبل الصيف حتى تبدّل وجه الوادي، وكأن الطبيعة نفسها قد شعرت بأن شيئاً عظيماً يوشك أن ينكسر.
لم تعد سمراء تأتي إلى عين الماء كما كانت، ولم يعد نزار يجد في المساءات تلك الطمأنينة التي ألفها. صار ينتظر الساعات الطوال، فلا يرى إلا انعكاس القمر على الماء، ولا يسمع إلا صدى أنفاسه المتعبة.
وكان الحب الذي بدأ همساً بين قلبين، قد أصبح حديث المجالس، تتناقله الألسنة كما تتناقل الرياح أوراق الخريف.
وذات مساء، دخل والد سمراء عليها، فرآها تضم إلى صدرها قصاصةً من الورق، وقد غلبتها دموعها.
فانتزعها من يدها.
وكان فيها بيتٌ من شعر نزار:
وإن حالَ بينَ القلبِ والقلبِ ألفُ بابٍففي الأرواحِ بابٌ لا يُغلقُ أبداً.
فاشتد غضبه، وأطبق الصمت على الدار كأن مصيبةً قد حلّت بها.
ومنذ ذلك اليوم، أُغلقت الأبواب.
ومُنعت سمراء من الخروج وحدها.
وصار لكل خطوةٍ منها رقيب.
أما نزار، فقد وقف عند العين القديمة ليالي متتابعة، ينتظر، فلا تأتي.
ينتظر، فلا يسمع إلا صوت الماء يواسي وحدته.
حتى قال في إحدى لياليه:
أما آنَ للريحِ أن تحملَ السلامَ؟أما آنَ للنجومِ أن تُخبرني: هل ما زالت تذكرني؟
فإني أقيمُ على انتظارِكِ خاشعاًكأنّي على بابِ السماءِ أدعو القدر.
وذات فجرٍ شاحب، جاءت عجوزٌ كانت تعرف سرّ العاشقين، وهمست لنزار:
— يا بني، لقد اشتد الأمر، وقد عزم أهلها أن يزوّجوها لرجلٍ من قومها، صاحب جاهٍ ومال.
شعر نزار أن الأرض تميد تحت قدميه.
ولأول مرة أدرك أن الحب وحده لا يكفي أمام قسوة الأعراف.
رفع رأسه إلى السماء، وقال اقسى ابيات من الشعر :
يا ربُّ، ما ذنبُ القلوبِ إذا هوَتْ؟
أيعاقَبُ النورُ لأنَّهُ قد أشرقَا؟
ما اخترتُ دربَ العشقِ إلا طائعاً
لكنَّ دربَ العشقِ كانَ مُحرقَا.
وفي الجهة الأخرى، كانت سمراء تعيش سجناً من الصمت.
كل نافذةٍ كانت تُغلق في وجهها، وكل طريقٍ كان يُبعدها عن نزار، كان يترك في قلبها ندبةً جديدة.
وفي ليلةٍ ممطرة، جلست قرب نافذتها، تحدّث القمر الذي طالما شهد لقاءاتهما، وقالت:
يا قمراً شهدَ الوصالَ بأعينٍ
هل جئتَ تبكي اليومَ مثلَ العاشقين؟
إن كانَ في الدنيا لقاءٌ بعدَ هذا
فاجعلْهُ حلماً، فالواقعُ للفاقدين.
ومع مرور الأيام، أصبح اسم نزار محرماً في بيتها.
وأصبحت سمراء تُخفي دموعها خلف ابتسامتها، وتبتلع حنينها كما يبتلع المسافر غصص الطريق الطويل.
أما نزار، فقد هجر مجالس الناس، وصار يجوب أطراف الوادي وحيداً، يناجي الصخور والأشجار التي شهدت أيام لقائهما.
وكان كلما مرّ بعين الماء، جلس عندها، ومدّ يده إلى سطحها، كأنه يحاول أن يلمس صورةً ضاعت في الأعماق.
ثم أنشد بصوتٍ كسير:
هنا كانتِ الأقدامُ تتركُ ظلَّها
وهنا تبادلنا السكوتَ فأنطقَا
وهنا رأيتُ العمرَ يولدُ مرةً
واليومَ أراهُ على يديَّ تمزَّقَا
فإنْ كانَ هذا الحبُّ ذنباً في الورى
فما أجملَ الذنبَ الذي قد أرهقَا.
لكن القدر لم يكن قد كشف بعدُ عن أشد فصوله قسوة.
فقد كان الخريف يقترب.
وكان معه يقترب اليوم الذي ستُزفُّ فيه سمراء إلى رجلٍ لم يسكن قلبها يوماً.
أما نزار، فقد بدأ يشعر أن نار الشوق التي كانت تدفئ روحه، قد تحولت إلى لهبٍ يأكل قلبه ببطء.
وكانت تلك بداية الاحتراق.
وبداية المأساة التي ستجعل اسم سمراء ونزار يُروى بين الناس كما تُروى حكايات العاشقين الذين لم يجمعهم الوصال، بل خلّدهم الفراق.
210
المرحلة الثانية: العهد تحت القمر
مضت الأيام بعد اللقاء الأول بطيئةً على قلب نزار، ثقيلةً كأنها أعوام، فما عاد يرى في الوادي أشجاره ولا يسمع خرير مياهه، بل كان يرى وجهاً واحداً، ويصغي إلى صوتٍ واحد، ويحمل في صدره اسماً واحداً.
أما سمراء، فقد كانت تُخفي في أعماقها اضطراباً لم تعرفه من قبل، وكلما اقترب المساء وجدت نفسها تسير نحو عين الماء ذاتها، كأن خطواتها لم تعد تملك أمرها، وكأن قلبها صار يُقاد بخيوطٍ خفية لا تراها العين.
حتى جاء مساءٌ من أمسيات الربيع، وقد اكتمل البدر في عليائه، وانسكب ضوءه الفضي فوق الوادي حتى بدا كأنه بحرٌ من نور.
وكان نزار ينتظر.
لا يدري أهي ستأتي أم أن الشوق قد خدعه مرةً أخرى.
وفجأةً لمحها.
كانت تمشي بين الأشجار كأنها نسمةٌ هبطت من السماء، يرافقها صمت الليل، ويكللها نور القمر.
اقتربت.
فوقف نزار كأنما يقوم للصلاة.
ولأول مرة اجتمعت عيناهما دون خوف، ودون أن يفرّ أحدهما من الآخر.
قال نزار بصوتٍ خافت:
— أأنتِ حقيقةٌ أم أن الشوق قد صار يصنع لي الأوهام؟
ابتسمت سمراء ابتسامةً مرتجفة وقالت:
— بل أنا قلبٌ ضلَّ طريقه حتى وجده عندك.
فأطرق نزار برأسه، وأحسّ أن الدنيا كلها قد ضاقت حتى لم يبقَ فيها سوى ذلك الموضع الصغير تحت القمر.
وكانت تلك الليلة بداية عهدٍ جديد.
عهدٍ لا يشهد عليه الناس، بل تشهد عليه النجوم، وتحفظه الرياح، وتباركه السماء.
فقال نزار:
أُشهدُ البدرَ الذي قد لاحَ في أفقِ السما
وأُشهدُ الليلَ الذي أخفى حديثَ العاشقينا
أنّي وجدتُكِ موطني، ووجدتُ فيكِ قصيدتي
فصرتُ بعدكِ لا أرى في الكونِ إلا الياسمينا
فأجابته سمراء وعيناها تغرقان في ضوء القمر:
يا نزارُ، وإن تباعدَ بيننا دربُ المدى
فالقلبُ يعرفُ من أحبَّ وإن توارى السائرونا
ما كنتُ أعلمُ أنَّ للحبِّ ارتعاشاً كالندى
حتى رأيتُكَ فاستفاقَ بمهجتي العمرُ الدفينا
ومنذ تلك الليلة أصبح القمر رسولاً بينهما.
إذا أطلّ البدر، خرج نزار إلى الوادي ينتظرها.
وإذا غابت النجوم، عادت سمراء إلى دارها تحمل في قلبها ما يكفي من الحنين لتعيش شهراً كاملاً.
وكان نزار يخطّ أشعاره على الصخور، ويتركها قرب العين، فتأتي سمراء فجراً فتقرأها، ثم تخبئها في صندوقٍ صغير من خشب الزيتون.
ومن بين تلك القصائد:
قالوا الهوى بحرٌ، فقلتُ وإنما
بحرُ الهوى عينانِ في وجهِ الحبيبة
إن مرَّ طيفُكِ في المساءِ تفتحتْ
في القلبِ ألفُ حديقةٍ ورطيبة
ما الحبُّ إلا أن أراكِ بعينِ من
يرجو النجاةَ، ويستطيبُ مصيبة
غير أن الأقدار، إذا منحت العاشقين لحظاتٍ من النعيم، فإنها كثيراً ما تُعدُّ لهم من خلف الستار امتحاناً عسيراً.
فقد بدأت الأعين تراقب.
وبدأت الهمسات تنتشر بين البيوت.
وأخذت الألسن تلوك أسماء العاشقين في المجالس.
وكان والد سمراء رجلاً شديداً، يرى أن القلب لا يُستشار في أمر الزواج، وأن العاطفة ريحٌ عابرة، بينما النسب والمكانة هما الباقيان.
ولم يكن نزار يملك إلا قلبه.
وكان ذلك، في نظر الناس، فقراً لا يُغتفر.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان نزار ينتظر سمراء عند عين الماء، جاءه شيخٌ من القرية وهمس:
— احذر يا بني، فإن العيون قد كثرت، وما عاد للقمر أن يستر العاشقين كما كان يفعل.
فعاد نزار إلى منزله مثقلاً بالخوف لأول مرة.
وخاطب الليل قائلاً:
أيا ليلُ، هل تُبقي لنا من وصلِنا
ركناً نلوذُ به إذا ضاقت بنا الدنيا؟
فإنَّ الهوى إن صارَ ذنباً عندهم
فإني رضيتُ بأن أُعاقَبَ بالهوى.
وفي تلك الليلة، أحست سمراء بأن الريح تحمل إليها نذيراً خفياً، وأن الفجر القادم لن يكون ككل الفجر.
ولم تكن تدري أن أيام الصفاء قد أوشكت على الرحيل، وأن القدر بدأ ينسج بخيوطه السوداء أول فصول الفراق.
210
سمراء الوادي ونزار التائه
المرحلة الأولى: ميلاد الحكاية
لم يكن الوادي يومئذٍ يشبه سائر الأودية، فقد كانت السماء تميل فوقه برفقٍ كأنها أمٌّ تحتضن طفلها الأخير، وكانت الرياح إذا مرّت بين سفوحه حملت معها عبق الشيح والزعتر وأصداء حكايات العاشقين الذين مرّوا من هنا ثم ابتلعتهم السنون.
وفي ذلك الوادي وُلدت سمراء.
ولم تكن فتاةً كغيرها من الفتيات؛ بل كانت آيةً من الجمال إذا أقبلت أشرقت الطرقات، وإذا تبسمت حسبها الناس فجراً تسلل إلى الأرض قبل موعده.
عيناها ليلتان من ليالي البادية، وشَعرُها موجةٌ سوداء تسكب الظلال على كتفيها، وصوتها رقّة ماءٍ ينساب بين الصخور العتيقة.
وكان الناس يقولون:
ما خُلقت سمراء إلا لتكون فتنةً للقلوب، وامتحاناً للعاشقين.
وفي الجانب الآخر من الوادي، نشأ نزار.
شابٌّ نحيل القوام، واسع الروح، تكسوه هيبة الصمت، ويحمل بين ضلوعه قلباً لا يعرف سوى الشعر وطناً، ولا يجد في الدنيا ما يستحق الحياة إلا كلمةً صادقة أو نظرةً من محبوب.
وكان يعتزل الناس ساعاتٍ طويلة، يجالس القمر، ويخاطب النجوم كأنها أصدقاء طفولته.
وكان ينشد:
ولدتُ وقلبي في القصائدِ هائمٌ
أطوفُ بأوديةِ الهوى متحيِّرا
أفتّشُ عن روحٍ تشابهُ روحي
فألقى الليالي دونها متحسِّرا
حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
كان المساء ينسدل على الوادي بثوبه البنفسجي، وكانت عين الماء القديمة تعكس صورة القمر الوليد، حين جاءت سمراء تحمل جرّتها، تمشي بخطواتٍ خجولة كأنها تخشى أن توقظ السكون.
وفي اللحظة نفسها، كان نزار يجلس قرب العين، يخطّ أبياتاً على الرمل.
رفع رأسه.
فرآها.
وتوقّف الزمن.
وخُيّل إليه أن الأرض قد نسيت دورانها، وأن النجوم قد انحنت لتشهد ميلاد قصةٍ ستبقى حيّةً ما بقي الشوق يسكن القلوب.
أما سمراء، فقد شعرت بنظرةٍ لم تعرفها من قبل؛ نظرةٍ لم تكن كسائر النظرات، بل كانت كأنها دعاءٌ قديمٌ استجابته السماء.
ومضت دون أن تتكلم.
لكنها حين ابتعدت، التفتت إليه لحظةً واحدة.
وكانت تلك الالتفاتة كافيةً لأن تهدم حصون قلبه كلها.
فعاد إلى منزله تلك الليلة وهو يتمتم:
رأيتُ بعيني ما حييتُ ملاكاً
توارى بثوبِ الحسنِ ثم تهادى
فأقسمتُ أنَّ القلبَ من يومِ لقائه
غدا أسيراً لا يرى غيرَها هادياً
هي الروحُ إن ضاقت عليَّ مسالكٌ
وهي النورُ إن أرخى الزمانُ سوادَه
وإنّي لأخشى أن يكونَ هوى الفتى
بدايةَ عمرٍ أو بدايةَ فاجعته.
وهكذا بدأت الحكاية...
حكايةٌ لم تكن حباً عابراً، بل كانت ناراً خُلقت لتشتعل، وقدراً كُتب له أن يُروى على ألسنة العشاق جيلاً بعد جيل.
