uk
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

Відкрити в Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

Показати більше
Країна не вказанаКатегорія не вказана
711
Підписники
+124 години
+377 днів
+3830 днів
Архів дописів
التقاطع بين الإسلام واليهودية في مسألة حجّية الخبر (**لم تكن للمسيحية مكانة تُذكر في العالم الإسلامي آنذاك، وإنما كان #ورقة_بن_نوفل ـ ومعه في أقصى تقدير أفراد أسرته وبعض مواليه ـ على النصرانية، ولم تكن المسيحية، فيما يرتبط بالبحث الذي سنذكره، تمتلك تراثًا مستقلًا في هذا المجال. وكانت قريش، من خلال رحلاتها إلى اليمن والشام، قد تعرّفت إلى شيء من اليهودية، كما اطّلعت في اليمن على الثقافة المجوسية. وكانت نجران ـ الواقعة على طريق اليمن ـ منطقةً يغلب عليها الطابع المسيحي. ولما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، كان العرب ينظرون إلى اليهود بعين الاحترام، ويعدّونهم أهل كتاب. وكان اليهود ـ لما عُرفوا به من الدهاء ـ يستفيدون من علومهم، كما كانوا يلجؤون إلى الطلاسم ونحوها. ومن أوائل ما قام به النبي (صلى الله عليه وآله) بعد قيام الدولة في المدينة إبرام معاهدة (أو ما يشبه الاتفاقية) بينه وبين اليهود. وقد جمع أحد المستشرقين نص هذه الوثيقة، وترجمها بعنوان أول دستور في العالم. وتوجد أوجه ترابط كثيرة بين الإسلام واليهودية، ومن أعجبها التقاطع في مسألة حجّية الخبر. فالمشهور عند اليهود هو القول بحجّية الأخبار، أي: السنن الشفوية المنقولة عن النبي موسى (عليه السلام). وكذلك الحال عندنا، فإن الخبر في حقيقته هو السنن الشفوية المنقولة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي مقابل هذا الاتجاه، ظهر عند اليهود #القراؤون الذين أنكروا حجّية تلك الأخبار، كما ظهر في الإسلام من أنكر حجّية الخبر، ومنهم المعتزلة، وطائفة من علماء الشيعة، مثل #ابن_قبة. وفي سنة 217م اكتمل جمع السنن الشفوية المنسوبة إلى موسى (عليه السلام)، وعُرفت بالعبرية باسم «المِشْناه» (Mishnah)، وهو ما يقابل في العربية «المثنّى»، أي: التوراة المكرّرة أو المبيِّنة. وكان #عمر_بن_الخطاب على صلة وثيقة باليهود، ولذلك عارض تدوين سنن النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: «مِشناة كمِشناة أهل الكتاب»؛ أي: إذا دوّنا السنن، فسيصبح لدينا كتاب يماثل ما عند أهل الكتاب. وقد كان بحث الأمارات ـ وفي مقدمتها الخبر ـ من أكثر المباحث تأثيرًا في الفكر الإسلامي، ومن أبرز الإشكالات المطروحة فيه مسألة جعل الحجّية. فقد وُجد من العلماء ـ مثل #ابن_قبة ـ من قال: إن جعل الحجّية أمر غير ممكن أصلًا. وذهب آخرون إلى أن الخبر يفيد العلم، بينما اشترط فريق ثالث شروطًا لقبول الخبر، وعرّفوا الحديث الصحيح بأنه: «ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى آخر السند، من غير شذوذ ولا علّة». أما #ابن_حزم، فقد صرّح في كتابه «الإحكام» بأن الخبر الصحيح بمنزلة القرآن الكريم، وأنه داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. ويقول: «فالقرآن والخبر الصحيح كلاهما من عند الله تعالى، وحكمهما واحد في وجوب الطاعة... وكلام النبي (صلى الله عليه وآله) كلّه وحي، والوحي هو الذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن». ومن المباني الأخرى في تفسير الحجّية مبنى تتميم الكشف، وهو ما تبنّاه #الميرزا_النائيني و#آقا_ضياء_العراقي وغيرهما.) (#آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 25/9/1397). #أصول_الفقه #التقاطع_في_الحجية_بين_الإسلام_واليهودية

منهج أهل السنة والإمامية في التمسك بظواهر القرآن الكريم (**كانت روايات أهل السنة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) محدودة، ولا سيما بعد سنة (150هـ)، حين بدأت بينهم المناقشات السندية. فقد كانوا يرون أنه إلى حدود سنة (120هـ) كان بإمكان الشخص أن يدّعي أنه سمع الحديث من أحد الصحابة، ولكن لما كثرت الوسائط في الأسانيد، بدأ الاهتمام بالنقد السندي. ويُعد #شعبة_بن_الحجاج أول من اعتنى بفحص أحوال الرواة في العراق؛ حتى قال #سفيان_الثوري: «هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتّش بالعراق عن الرجال». ومما ساعد على ذلك أن أمثال #أبي_حنيفة كانوا ـ إلى حدود سنة (200هـ) ـ يعملون بالحديث المرسل، ثم جاء #الإمام_الشافعي فكان أول من منع الاحتجاج به. ولما واجه أهل السنة هذه الإشكالات، طرحوا في باب المستحبات قاعدة التسامح في أدلة السنن، بينما لم يظهر هذا البحث عند الإمامية إلا منذ القرن الثامن الهجري تقريبًا. أما عند أهل السنة فقد عُرف منذ القرن الثاني، وباللفظ نفسه. وقد نُسب إلى #عبد_الله_بن_المبارك واثنين آخرين قولهم: «إذا روينا في الحلال والحرام شدّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا». والمقصود بالفضائل هنا فضائل الأعمال والمستحبات. وهذا التعبير لم يرد في رواياتنا، وإنما أخذه علماؤنا فيما بعد من تراث أهل السنة. نعم، قيل في الرواية المنسوبة إلى الإمام #جعفر_الصادق (عليه السلام): «من بلغه شيء من الثواب على شيء من خير فعمله كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقله»: إن المراد منها هو هذا المعنى نفسه. وبناءً على ما تقدم، كان أهل السنة ـ بطبيعة الحال ـ يعتمدون كثيرًا على إطلاقات القرآن الكريم، بينما كان منهج الشيعة في الحقيقة هو التأكيد على أنه لا يصح الرجوع إلى إطلاقات الكتاب بهذا القدر من التوسع. فقد كان هدف أهل البيت (عليهم السلام) أن تُفهم إطلاقات القرآن في ضوء سنة النبي (صلى الله عليه وآله)؛ فالنبي لم يكن ـ مثلاً ـ يغسل يديه قبل وجهه في الوضوء. ولذلك لا يصح ـ كما فعل #ابن_حزم ـ التمسك بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، بدعوى أن العطف بالواو يقتضي الإطلاق، فيجوز غسل اليدين قبل الوجه أو بعده على السواء. ثم عبّر الأصوليون عن ذلك بقولهم: إن الآية ليست في مقام البيان من هذه الجهة. وفي مسألة دية أهل الكتاب، ذهب #أبو_حنيفة، بل وحتى الزيدية، إلى مساواتها بدية المسلم، وقال آخرون: إنها نصفها. أما نحن فنقول بأنها تعادل واحدًا من اثني عشر ونصفًا (12.5%) من دية المسلم. وقد استقر #عمر_بن_الخطاب على جعل دية المسلم عشرة آلاف درهم، وكانت دية أهل الكتاب ثمانمائة درهم. وهناك رأي آخر ـ وهو رأي #ابن_حزم ـ يرى أن أهل الكتاب لا دية لهم أصلًا في القتل الخطأ، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]. غير أن منهج أهل البيت (عليهم السلام) في الجملة كان يؤكد أن التمسك بالقرآن يجب أن يكون على نحوٍ منضبط ودقيق، وأن مثل هذه الآيات لا صلة لها بمسألة دية أهل الكتاب. وفي الجهة المقابلة، ذهب المدرسة الأخبارية إلى عدم جواز التمسك بخطابات القرآن الكريم مطلقًا. ومن هنا، فبين إفراط أهل السنة في التمسك بظواهر الكتاب، وتفريط الأخباريين في إقصائها، يكون ما ذكره #الشيخ_الأنصاري هو الرأي الصحيح، حيث قال: «إن أئمتنا (عليهم السلام) قد تمسكوا ـ في الجملة ـ بظواهر بعض آيات القرآن».) (#آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 24/9/1397). #أصول_الفقه #التمسك_بظواهر_الكتاب

المباني الرئيسة في تفسير الحجّية في علم الأصول (**من المباني المهمة في علم الأصول تفسير معنى الحجّية، وقد طُرحت في ذلك عدة اتجاهات: 1. يرى فريق من علماء أهل السنة أن الحجّية تعني جعل البدل (أو جعل المماثل) وجعل الحكم. 2. ومن مباني الحجّية أيضًا مبنى #الميرزا_النائيني، وهو المبنى الذي وافقه عليه #آقا_ضياء_العراقي و#السيد_الخوئي، ويقوم على تتميم الكشف. 3. وأما ظاهر مبنى #الشيخ_الأنصاري فهو المصلحة السلوكية. 4. وأما مبنى صاحب كتاب #صاحب_الكفاية فهو التنجيز والتعذير. وهذا المبنى لا يقوم على وجود كاشفية، وإنما يقول: اعمل على وفق هذه الحجة؛ فإن وافقت الواقع فقد تنجّز عليك الواقع، وإن خالفته فأنت معذور. إلا أننا قد ذكرنا أن جعل التنجيز في نفسه غير معقول، بينما يمكن تصوير الجعل في التعذير. وإلا، فإذا وافق العملُ الواقعَ، فلا معنى للقول بوجود تنجيز. كما أن الإشكال الآخر على هذا المبنى هو أن التعذير والتنجيز من لوازم الحجّية، لا أنهما نفس الحجّية. 5. وأما نحن، فنلتزم أيضًا بمبنى يشبه المصلحة السلوكية التي ذهب إليها #الشيخ_الأنصاري، وقد أوضحنا هذا المبنى مرارًا في مناسبات متعددة. (#آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 20/9/1397).) #أصول_الفقه #تفسير_الحجية

تعدّد الفضاءات (البارادايمات) في علم الأصول وأثرها في منشأ الاختلافات (**نعتقد أنَّ جميع مباحث علم الأصول قد طُرحت ضمن فضاءاتٍ مختلفة، وأنَّ كثيرًا من الاختلافات إنما نشأ من عدم الالتفات إلى وحدة الفضاء الذي تُبحث فيه المسألة. فالمحاور السبعة المتقدمة ينبغي أن تُدرس ضمن ثمانية فضاءات (= خطابات = بارادايمات)، أي من خلال ثماني زوايا ورؤى مختلفة: 1. فضاء تفسير الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية: وذلك بأن يُقال: لو قال شخص: «افعل»، فماذا كان يصنع في الإرادة التكوينية؟ ثم يُقال: إنه يفعل في الإرادة التشريعية الشيء نفسه. فمثلاً كان يمسك بيد المكلَّف ويدفعه إلى إنجاز الفعل، فهو الآن يؤدي الدور نفسه في مقام التشريع. 2. فضاء العرف: أي يُبحث عمّا يفهمه العرف العام. فمثلاً ذهب #السيد_الخوئي إلى أن صيغة «افعل» لا تدل على الوجوب، إلا أننا قلنا: وإن لم يُفهم منها الوجوب، فإن الإلزام يُفهم منها بلا إشكال. 3. فضاء اللغة والقواعد اللغوية: فمثلاً يستفاد من صيغة «افعل» معنى، ويستفاد من «عليك أن تفعل» معنى آخر. فصيغة «افعل» لا تدل على ثبوت التكليف في الذمة، بينما يُفهم من حرفي اللام وعلى ـ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] ـ ثبوت التكليف في الذمة أيضاً. 4. فضاء الملاكات، وهو ما يُعرف عند أهل السنة بـ «فقه المقاصد». 5. فضاء العبد والمولى: ولا تزال هذه العلاقة مؤثرة في علم الأصول إلى يومنا هذا. ففي هذا الإطار لا يقتصر البحث على الأمر والحكم والاعتبار، بل إنَّ ذات العبد مملوكة للمولى. أما في دائرة القانون فلا تُطرح علاقة العبد والمولى، ومن الطبيعي أن مجرد إبراز الإرادة لا يترتب عليه الأثر نفسه. إن تشخيص علاقة العبد والمولى من أهم النقاط في علم الأصول. وقد ذهب #العلامة_الطباطبائي في تحليله للأمر إلى أن العبد امتدادٌ وجودي للمولى. وهذا التحليل ينسجم مع منظومة العبد والمولى، وعلى أساسه تُطرح مباحث التجرّي وغيرها؛ إذ عندئذٍ فقط يُعد العصيان هتكًا لحرمة المولى وظلمًا في حقه. وكذلك فإن بحث الضد ومقدمة الواجب يرجع في حقيقته إلى هذا الأساس؛ لأن العبد، ما دام جميع وجوده ملكًا للمولى، فإذا أمره المولى بشيء فلا يحق له أن يصرف نفسه في عمل آخر. وفي فضاء العبد والمولى يتضح تمامًا أن هذه المباحث ترتبط ببحث الألفاظ؛ إذ إن قول المولى: «اشترِ اللحم» يلازم في ذهن العبد قوله: «لا تصلِّ»، ولو اشتغل العبد بالصلاة بدل شراء اللحم، لقال له المولى: ألم آمرك بشراء اللحم؟ ولكن بعد طرح نظرية الخطابات القانونية أصبح النظر إلى الخطاب لا إلى الملكية، ومن ثم انتفت جميع تلك اللوازم، فظنّ بعضهم أن المشكلات قد حُلّت. أما نحن فقلنا: إذا وُجد اختلاف، فإنه ناشئ من وجود نمطين من التفكير، وأن هذه الفضاءات المختلفة هي التي تُنتج النتائج المختلفة. والذي نفهمه هو أن علاقة العبد والمولى ترتبط بعلم الفقه، لا أن تكون هي الأساس الذي يُبنى عليه علم الأصول، ثم يكون الأصول بدوره أساسًا للفقه. 6. الفضاء الكلامي، وما يرتبط بالجزاء والعقاب والوعيد. 7. الفضاء الفلسفي. 8. الفضاء القانوني، وهو فضاء له ضوابطه الخاصة. فقد طرح الأعلام بحث الخطابات، أو بتعبيرنا الأدبيات القانونية، غير أن روح القانون والترابط القانوني يسبقان ذلك. ولو استطعنا أن نبيّن هذه الفضاءات الثمانية في علم الأصول بيانًا تامًا، لكان ذلك طرحًا جامعًا وشاملًا، ولأزال كثيرًا من مواطن الإبهام. ومن أهم ما يُلاحظ في الفضاء القانوني أن الاعتبار فيه على نحوين: قسمٌ يتولاه المشرِّع بنفسه، وقسمٌ يجعله في عهدة المكلَّف. ومن هذا القسم الثاني بطبيعته بحث البيع؛ فهو اعتبارٌ ينشئه العبد، ثم يُمضيه القانون. (#آية_الله_الحاج_السيد_أحمد_المددي، بحث الخارج في الفقه، 18/9/1397).) #أصول_الفقه #فضاءات_علم_الأصول

هذه دروس ألقيتها سابقا قبل سنوات، وقد استفدت في جانب كبير من مادتها من أبحاث السيد المددي العربية، وقد عرضتها بحسب فهمي واستي
هذه دروس ألقيتها سابقا قبل سنوات، وقد استفدت في جانب كبير من مادتها من أبحاث السيد المددي العربية، وقد عرضتها بحسب فهمي واستيعابي، لا على أنها تمثل بالضرورة رأي السيد المددي أو تعكس جميع مبانيه. تناولت فيها بعض المقدمات والقضايا الحديثية. وهذا رابط القناة لمن يرغب بالاستماع: https://t.me/faharasss

✅ التأمل في أسس العلوم: من المعرفة من الدرجة الأولى إلى المعرفة من الدرجة الثانية كتب الأستاذ سعيد #عرفانيان في مدونته الفارسية (**الأخ العزيز جناب #زماني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد كتبتم لي أمس: إنّنا قد نبحث أحيانًا في مسائل علمٍ من العلوم ـ كالبحث في نظريةٍ فيزيائيةٍ مثلًا ـ، ولكن قد ننتقل أحيانًا أخرى إلى تمحيص أصول ذلك العلم وأُسسه، لا مجرد مسائله. وبتعبير بعض الفلاسفة المعاصرين، يُسمّى الأول المعرفة من الدرجة الأولى، والثاني المعرفة من الدرجة الثانية. أمّا المعرفة من الدرجة الأولى، فهي بطبيعتها عملٌ تخصصي يمكن لكلّ من أتقن دراسته أن ينجزه؛ فبإمكان أيّ شخص أن يدرس الفيزياء ويتعلّم مسائلها. وأمّا المعرفة من الدرجة الثانية، فهي مرتبة وجودية أسمى، وهي ـ بحسب الاصطلاح ـ عملٌ فلسفي، ولا تُنال بمجرد قراءة الكتب أو تحصيل الدروس، بل تحتاج إلى موهبةٍ ونبوغٍ خاصّين. فالفرق بين أمثال #ماكس_بلانك و#ألبرت_أينشتاين وبين مجرّد خرّيجٍ في الفيزياء، ليس أنّ الأولين يمتلكان معلوماتٍ أكثر فحسب، بل إنهما يتجاوزان حدود المعرفة التفصيلية لمسائل الفيزياء إلى التأمل في العلم نفسه، وإعادة تعريفه، وبيان فلسفته، وصياغة أسسه من جديد. ثم تفضّلتم بالقول: إنّ ما قرأته حتى الآن من أستاذنا (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي) يندرج ضمن المعرفة من الدرجة الثانية، لا من الدرجة الأولى التي يستطيع كلّ طالبٍ مجتهد بلوغها. وأقول لكم: لقد عبّرتم عمّا في نفسي تمامًا. وقد أجبتكم بأنّكم على حق، وأنّ المهم هو امتلاك الحرية الحقيقية ـ لا الحرية المدّعاة ـ في مقام التفكير، بحيث لا يستسلم الإنسان لهيبة الأسماء ولا ينقاد لها دون تمحيص. وفي الرسائل التي سأتشرف بإرسالها إليكم، والتي لعلّها تُقسَّم إلى عدة أجزاء، طرح أستاذنا، #آية_الله_السيد_أحمد_المددي، بمناسبة بحث الاستصحاب في علم الأصول، جملةً من الأفكار أرجو ـ بإذن أمير المؤمنين (عليه السلام)، روحي وأرواح العالمين له الفداء ـ أن أستطيع عرضها؛ إذ أشعر بأنّه «يُفتَح لي من كلّ بابٍ ألفُ باب». ولذلك، أرجو من جميع الإخوة الأعزاء الذين سيطالعون هذه الرسائل أن يقرؤوها بعناية فائقة، وأن يعيدوا قراءتها مرارًا وتكرارًا، بل وأن يجعلوا بعض مقاطعها حاضرةً في أذهانهم دائمًا؛ لأنّها كفيلة بإحداث تحولٍ جذري في طريقة تفكير طالب العلم ونظرته إلى المعرفة.) #السيد_أحمد_المددي #الاستصحاب #أصول_الفقه #المعرفة_من_الدرجة_الأولى #المعرفة_من_الدرجة_الثانية #الفلسفة #التفكير #ماكس_بلانك #ألبرت_أينشتاين https://t.me/KunnashatAlMaddadi

🔴 نشأة المنهج الفهرستي عند الشيعة وتمييز الكتاب عن الرواية (**اهتمّ الشيعة بالفهرسة، وكان الهدف من الفهرست هو التمييز بين كون الحديث مسموعًا بالمشافهة وبين كون الشخص قد كتبه وأعطاه لغيره. فمثلًا: زرارة سمع مقدارًا من الأحاديث عن الإمام (عليه السلام)، ثم كتبها وأعطاها لحريز، فهذا يُسمّى كتابًا (أي: نصًّا مكتوبًا). فإذا أخذ حريز من كتاب زرارة وكتب عنه، فهذا يدخل في باب الفهرست. أما إذا كان زرارة يروي لحريز شفهيًا فيقول: «سألت أبا عبد الله فقال كذا»، ثم يكتب حريز ما سمعه، فهذا يدخل في الجانب الرجالي ويكون من قبيل الرواية. فالشيعة ميّزوا بين هذين الطريقين؛ لأن الشيعة كانوا أقلية، وكان الأمر أحيانًا أن يضع الشخص كتابه المكتوب بيد تلميذه، وأحيانًا أخرى كان يكتفي بالتحديث الشفهي. فإذا كان التلميذ قد أخذ الكتاب نُسب ذلك الكتاب إلى صاحبه، وإلا نُسب النقل إلى التلميذ أو إلى طبقة متأخرة عنه. ولهذا كانت النقطة الأساسية في البحث الفهرستي هي إثبات أن الكتابة وصلت من ذلك العصر. وعادةً كان إنتاج العلم عند الشيعة يتمّ بصورة كلام شفهي ومن المدينة. فمنذ سنوات السبعين والثمانين للهجرة، وفي زمن الإمام السجاد (عليه السلام) ـ الذي روى عنه البخاري أيضًا حديثًا عن طريق الزهري: عن الزهري، عن علي بن الحسين ـ إلى سنة 150هـ تقريبًا، كان إنتاج العلم موجودًا عندنا. وقد نُقلت عن الإمام الصادق (عليه السلام) عدة كتابات، لكن لا يوجد لأيّ واحد منها سند واضح تمامًا. وأما زرارة، فعلى الرغم من كثرة رواياته، لا نجد إلا موردًا واحدًا جاء فيه: «أخرج ألواحه ليكتب». وحتى لو كان هذا الأمر عامًا عنده، فمن الظاهر أنه كان في الغالب في مقام الاستفتاء والسؤال عن الإمام. وأما ما ورد في ترجمة أحمد بن محمد الأشعري أو الوشّاء: «فإني أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلٌّ يقول: حدثني جعفر بن محمد»، فهذا كله كان بصورة شفوية؛ لأن الأئمة (عليهم السلام) لم تكن لهم ـ بحسب قواعد الإثبات الحالية ـ كتب مكتوبة يمكن إثباتها بسهولة. إنما تراثنا كُتب في الكوفة. فالواسطة الأولى أو الثانية أو الثالثة كانت تكتب، ثم بعد ذلك كانوا يمنحون الإجازة بهذه الكتب، فيصل الكتاب إلى الطبقة التالية ثم التي بعدها، ويقول صاحب النسخة: إن أصل كتابتي يرجع إلى هذا المصدر. ولهذا فإما أن يكون أصحاب الأئمة أنفسهم قد كتبوا، كما ورد في شأن محمد بن مسلم: «له كتاب يسمى الأربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام»، وإن لم يكن لدينا الآن نقل مباشر من هذا الكتاب في الروايات الموجودة. أو أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يؤكدون على الكتابة، كما ورد عن الإمام: «اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك؛ فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم». وقد كُتبت كمية كبيرة من الرسائل في الكوفة نفسها، ثم أخذ نقل الكتابات ـ لا مجرد نقل الأحاديث ـ بالانتشار بين أصحابنا، وبعد ذلك أخذت هذه الكتب شكل الفهارس. وأول شخص نعرف أنه جمع مقدارًا من هذه الأمور هو أحمد بن هلال العبرتائي (المولود تقريبًا سنة 180هـ). فهو أول من عمل على أصول الأصحاب. وأشير هنا إلى أن كلمة «الأصول» ليست اسمًا وضعه مؤلفو تلك الكتب أنفسهم، وإنما أُطلقت عليها لاحقًا. وهذا يدل على أنه منذ شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) سنة 150هـ إلى هذا الزمن، أي خلال خمسين سنة تقريبًا، حصلت مجموعة من هذه الكتابات على وصف «الأصل». ومعنى ذلك أن أصحابنا كانوا أقلية. فمثلًا معظم أحاديثنا في باب الصلاة ترجع إلى كتاب حريز، وجميع رواته ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، بينما كتاب مثل «الموطأ» لمالك قرأه مالك نفسه، ونقل عنه ما لا يقل عن ألف شخص. ولهذا، ولأن الإمكانات التي كانت متوفرة عند الشيعة لم تكن كتلك الموجودة عند أهل السنة، صار الاهتمام بهذه الكتابات أمرًا ضروريًا، فبدل أن يقال فقط: «فلان عن فلان ثقة»، بدأوا يبحثون: هل هذه النسخة موثوقة؟ وهل هذا الكتاب ثابت النسبة؟ ومن هنا اتجهوا إلى العمل الفهرستي. أما أهل السنة، فلأن عدد رواتهم كان كبيرًا، فقد ركّزوا أكثر على الراوي، وإن كان لديهم بعض الأبحاث الفهرستية أيضًا، لكنها لم تكن كثيرة، ولذلك لم يطوروها بالشكل نفسه. ولديهم مثلًا فهرست عبد خير، لكنه عبارة عن إجازات في أغلبه، وقد خلطوا بين الفهرست والإجازة. والحال أن البحث الفهرستي لا يقتصر على الإجازة فقط، بل يشمل أيضًا دراسة النسخ، والتحقق من الكتب، ومعرفة طرق انتقالها.) (آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، دروس الخارج في الفقه، 29/7/1396هـ.ش) #التبيين_الفهرستي #التحليل_الفهرستي

💢 تراجع البحث الفهرستي وتطور علم الرجال عند الإمامية (**إن هذه المباحث أخذت بالتدريج تختفي من الأوساط العلمية الشيعية؛ أي إنه بعد عصر العلامة الحلّي تقريبًا، حين ألّف كتاب «الخلاصة» ـ وهو في أفضل تقدير لا يستوعب أكثر من 20% من الروايات ـ تراجع البحث الفهرستي للنجاشي، ولم يعد بالإمكان الغوص في الروايات اعتمادًا على منهجه وحده. ومنذ عصر المرحوم الوحيد البهبهاني وما بعده حصل توسّع في علم الرجال. وهذا الاتجاه ظهر في القرن الثاني عشر عند الشيعة، ولا يزال مستمرًا إلى يومنا هذا، مع بقاء مجال البحث والتحقيق مفتوحًا. وبتعبيرنا: قاموا بإنشاء أحواض كُرّية؛ مثل كثرة الرواية، وكون الراوي من مشايخ الإجازة، وأمثال ذلك، لكي يتمكنوا من تقليل عدد المجاهيل ونحوهم، وإيجاد نوع من التوثيق لهم. لكن عمل الأخباريين أيضًا ـ وهو اعتمادهم الأعمى على جميع الكتب المشهورة ـ ليس منهجًا صحيحًا. والشيعة اهتموا كذلك بالفهرسة، ومن الأمور العجيبة أن لفظ «الأصل» ظهر بين أصحابنا منذ أوائل القرن الثالث. وكان هذا في الوقت الذي بدأ فيه أهل السنة بطرح مصطلح «الصحيح» بصورة مستقلة. ومن هنا يحتمل أن يكون أصحابنا قد استخدموا مصطلح «الأصل» بناءً على مباني فهرستية، بينما استخدم أهل السنة مصطلح «الصحيح» بناءً على مباني رجالية، وأن كِلا الفريقين أدرك الحاجة إلى فصل الأحاديث المقبولة عن غير المقبولة. والسبب في أن أهل السنة لم يطوّروا البحث الفهرستي هو أنهم لم تكن لديهم كمية كبيرة من المصنفات المكتوبة عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلا لكانوا قد بحثوا هذه القضايا أيضًا. فلم يكن عندهم إلا بعض الكتابات المختصرة، مثل «كتاب علي» أو «صحيفة علي»، وكتاب عبد الله بن عمرو بن العاص. ثم نقلوا لاحقًا عن عمرة أنها كتبت سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عائشة، أو عن شخص كتب 440 حديثًا عن أبي هريرة. وأما قضية النهي عن كتابة الحديث فهي بحث آخر مستقل. والذي أراه أن الجذور الأولى للفهرسة بدأت من تدوين الأصول، ثم بعد عصر الإمام الرضا (عليه السلام) بدأ أصحابنا بتدوين المصنفات. فمثلًا الحسين بن سعيد الذي له مصنفات قام بتقسيم الأبواب وترتيبها. وأول من خطرت له فكرة أن يصبح هذا العمل مدوّنًا، وأن يُرتَّب فهرس للأصول والمصنفات الخاصة بأصحابنا، هو حميد بن زياد (المتوفى سنة 310هـ). ومن عجائب الأمر أنه لم يُنسب إليه كتاب فهرست في كتاب فهرست الشيخ ولا في فهرست النجاشي، لكن عند شرح بعض الكتب نجد عبارة: «في فهرسته». وكان حميد أول من نقل عددًا كبيرًا من الأصول، وكان فهرسته في الكوفة. والمرحوم النجاشي (المتوفى سنة 450هـ) والشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460هـ)، اللذان ألّفا فهارسهما بعده بحوالي 140 أو 150 سنة، أخذا كثيرًا من مباحثهما الفهرستية من طريق الكوفة وانتهت مصادرهما إلى حميد. وعمومًا فإن الشيخ والنجاشي كانا يأخذان مصادر عملهما غالبًا إما من مشايخ قم، أو من الكوفة، وفي الكوفة اشتهر شخصان بصورة خاصة: 1. ابن عقدة الزيدي. 2. حميد بن زياد الواقفي. والفهارس في الكوفة لم تكن ـ بخلاف قم ـ على درجة عالية من التنظيم. ففي قم كان هناك فهرست ابن الوليد، وفهرست الصدوق وابن قولويه، التي يحتمل أنها أُلّفت في قم وربما في بغداد أيضًا. وأفضل هذه الفهارس هو فهرست ابن الوليد، وقد وصلتنا آثاره من خلال كتابي النجاشي والشيخ. أما الذي ما زال يسبب لنا الإشكال اليوم فهو فهرستا حميد وابن عقدة. فمثلًا ابن عقدة نفسه، مع كثرة كتبه وآثاره، لم يُذكر له فهرست مستقل. وكان منهجه قريبًا من المنهج الأخباري؛ إذ كان ـ في مقابل أهل الفقه والعلم الذين كانوا يقابلون الروايات ويدققون فيها وينقحونها ـ ينقل غالبًا كل ما سمعه. ومع ذلك لم يُنسب إليه فهرست خاص.) (آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، دروس الخارج في الفقه، 29/7/1396هـ.ش) #التبيين_الفهرستي #التحليل_الفهرستي

♦️ المنهج التاريخي في دراسة الفهارس والرجال عند الإمامية (لقد قام العلماء بدراسة طرق الشيخ الطوسي إلى كتابَي «التهذيب» و«الاستبصار»**، وكذلك طرق الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه». وكان العلامة الحلّي أول من ألّف كتابًا في علم الرجال، وأضاف إلى ذلك تطبيقات رجالية عملية، كما جعل فصلًا خاصًا للحديث عن الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق. لكن الأخباريين هاجموه بعد ذلك هجومًا شديدًا، واتهموا عمله بالتأثر بالمنهج السنّي. والإنصاف أن عمل العلامة جاء متأخرًا جدًا من الناحية التاريخية؛ لأن كتب الحديث والفقه عندنا كانت قد تأسست في القرن الرابع والخامس، وأن يأتي العلامة في القرن الثامن ليضع معايير للتمييز والتقييم فهذا من الناحية الفنية ليس في غاية القوة. ومع ذلك، فإن الكتب التي دارت حول فهرست الشيخ الطوسي وفهرست النجاشي لم تقم ـ بحسب ما أعلم ـ بدراسة الإجازات والطرق فيهما دراسة سندية تفصيلية. والذي أعلمه أن المرحوم الأبطحي في كتابه «تهذيب المقال» قام بهذا العمل بصورة مختصرة. كما أن السيد الخوئي، عند تحليله لمشيخة الشيخ الطوسي في «التهذيب» و«الاستبصار»، تعرّض أيضًا إلى التحليل السندي والرجالي لكتاب «الفهرست» للشيخ الطوسي. إن هدفنا من هذه التوضيحات هو بيان أن الطريق المتعارف في دراسة هذه الكتب ليس سيئًا إجمالًا، لكننا سلكنا طريقًا معاكسًا؛ إذ بدأنا من عصر الإمام الصادق (عليه السلام). فما وصلنا من زمن الإمام الصادق (عليه السلام) أخذ بالتدريج شكلَ مباحث رجال وفهارس طبقة بعد طبقة، حتى انتهى إلى النجاشي. فنحن نبدأ من الأعلى نزولًا إلى النجاشي، وهذا يشبه ـ في اصطلاح علم المنطق ـ البرهان اللمّي في العلوم العقلية، بخلاف الطريقة الأخرى التي تشبه البرهان الإنّي. فنحن نريد أن نبحث: كيف نشأ علم الفهرست والرجال أصلًا؟ ومن الذين أسّسوا هذه العلوم؟ وما الضوابط التي كانت تحكم كل واحد منها بصورة إجمالية؟) (آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، دروس الخارج في الفقه، 30/7/1396هـ.ش)

🔵 ثمانية فضاءات لتحليل مسائل علم الأصول (**نعتقد أن جميع مباحث علم الأصول قد طُرحت ضمن فضاءات مختلفة، وأن كثيرًا من الاختلافات ناشئ من عدم الالتفات إلى وحدة الفضاء الذي تُبحث فيه المسألة. فالمحاور السبعة المتقدمة ينبغي أن تُدرس في ثمانية فضاءات (= خطابات = نماذج معرفية)، ومن خلال ثماني زوايا نظر مختلفة: 1. فضاء تفسير الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية: بمعنى أن يقال: إذا قال الآمر: «افعل»، فما الذي كان سيفعله لو كانت إرادته تكوينية؟ كان سيأخذ بيد المكلَّف ويدفعه إلى الفعل، فكذلك في الإرادة التشريعية يُفهم الخطاب على هذا الأساس. 2. فضاء العرف: أي النظر إلى ما يفهمه العرف العام من الخطاب. فمثلًا، ذهب السيد الخوئي إلى أن صيغة «افعل» لا تدل بنفسها على الوجوب، بينما قلنا: وإن لم تدل على الوجوب بالخصوص، فإنها تدل على الإلزام بلا إشكال. 3. فضاء اللغة والقواعد اللغوية: فلكل تعبير دلالته الخاصة؛ فصيغة «افعل» تعطي معنى، بينما «عليك أن تفعل» تعطي معنى آخر. فصيغة الأمر المجردة لا تدل على ثبوت الفعل في الذمة، بخلاف اللام و«على» في نحو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، فإنهما تدلان أيضًا على ثبوت التكليف في الذمة. 4. فضاء الملاكات (المقاصد): وهو ما اصطلح عليه أهل السنة بـ «فقه المقاصد». 5. فضاء علاقة العبد بالمولى: وهذه العلاقة ما تزال مؤثرة في علم الأصول إلى يومنا هذا. ففي هذا الفضاء لا يدور البحث حول الأمر والحكم والاعتبار فحسب، بل إن العبد يُنظر إليه بوصفه مملوكًا للمولى. أما في فضاء القانون فلا وجود لهذه العلاقة، ومن ثم لا يكون مجرد إبراز الإرادة كافيًا لإنتاج الآثار نفسها. والتمييز بين فضاء العبد والمولى من أهم القضايا في علم الأصول. فقد حلّل العلامة الطباطبائي الأمرَ الشرعي بقوله: «العبد امتداد وجودي للمولى»، وهذا التحليل ينسجم مع نظام العبودية. وعلى هذا المبنى تتفرع مباحث مثل التجرّي وغيرها؛ لأن مخالفة المولى حينئذ تُعد هتكًا لحرمة المولى وظلمًا في حقه. وكذلك ترجع إليه مباحث الضد ومقدمة الواجب؛ إذ إن العبد ما دام بجميع شؤونه مملوكًا للمولى، فإذا أمره المولى بشيء لم يكن له أن يصرف نفسه إلى عمل آخر. ومن هنا، ففي هذا الفضاء يكون من الواضح أن هذه المباحث متصلة بدلالات الألفاظ؛ فإذا قال المولى لعبده: «اشترِ اللحم»، كان ذلك في ذهن العبد ملازمًا لترك أي عمل آخر، حتى لو اشتغل بالصلاة، فيعاتبه المولى قائلًا: «ألم آمرك بشراء اللحم؟». لكن بعد ظهور نظرية الخطابات القانونية، صار التركيز على الخطاب نفسه لا على علاقة الملكية، فظن بعضهم أن جميع تلك اللوازم قد انتفت. وقد قلنا: إن منشأ الاختلاف الحقيقي يرجع إلى اختلاف هذين التصورين، وإلى اختلاف الفضاءات التي تُنتج نتائج مختلفة. والذي نراه أن علاقة العبد بالمولى تنتمي إلى الفقه، ولا ينبغي أن تُجعل أساسًا يبنى عليه علم الأصول، ثم يُجعل الأصول بدوره أساسًا للفقه. 6. الفضاء الكلامي: وهو فضاء البحث في الجزاء والعقاب والوعيد. 7. الفضاء الفلسفي. 8. الفضاء القانوني: ولهذا الفضاء ضوابطه الخاصة. وقد ركّز الأصوليون المعاصرون على الخطابات القانونية، أو بتعبيرنا: الأدبيات القانونية، غير أننا نعتقد أن هناك مرحلة أسبق منها، وهي روح القانون والترابط القانوني. فإذا استطعنا أن نُبيّن هذه الفضاءات الثمانية في علم الأصول بيانًا تامًا، أصبح هذا المنهج أكثر شمولًا واستيعابًا، وانكشف به كثير من مواطن الغموض. ومن أهم ما يمتاز به الفضاء القانوني أنه يشتمل على نوعين من الاعتبارات: اعتبارات يُنشئها المشرِّع نفسه. واعتبارات يترك إنشاؤها للمكلَّف، ثم يأتي القانون فيمضيها ويمنحها الأثر القانوني. ومن هذا القبيل بطبيعته بحث البيع؛ فهو من الاعتبارات التي ينشئها المكلَّف، ثم يقرها الشارع ويُمضي آثارها.) (آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، دروس الخارج في الفقه، 18/9/1397هـ.ش) #الأصول #فضاءات_علم_الأصول

#أصول_الفقه #تنظيم_المباحث_الأصولية #ترتيب_علم_الأصول (يمكن تصنيف مباحث علم الأصول بطريقتين: الطريقة الأولى: وهي تنظيم المباحث وفق الهيكل المتداول في كتب الأصول الحالية، وقد سبق أن أشرنا إليها، وتشتمل على: 1. الاعتبارات والعلاقات القائمة بينها. 2. مباحث الألفاظ والظهورات، وما يرتبط بألفاظ الوجوب والاستحباب وسائر الدلالات اللفظية. 3. مصادر التشريع، حيث ذُكر في مجموع التراث الإسلامي ما يقارب عشرين مصدرًا للتشريع، بينما لا نقبل نحن – وكذلك الظاهرية – إلا الكتاب والسنة مصدرين للتشريع. 4. دراسة الطرق والأمارات والحجج، وهو ما تناوله الشيخ الأنصاري في مبحث الظن من كتاب «الرسائل»، حيث استثنى خمسة موارد من الأصل الأولي، وهو حرمة التعبد بالظن، وهي: الظهورات، وقول اللغوي، والشهرة الفتوائية، والإجماع المنقول بخبر الواحد، وخبر الواحد. 5. الأصول العملية، مع بعض القواعد الفقهية التي تمتاز بكثرة الابتلاء بها أو بعظيم أثرها في عملية الاستنباط. أما الطريقة الثانية، فهي إعادة بناء علم الأصول برمّته – مضمونًا وبنيةً – من خلال دراسة الحكم الشرعي ضمن سبعة محاور: 1 – 3. مرحلة مبادئ الحكم، وتشمل: الملاكات، والحب والبغض، والإرادة. 4. مرحلة التشريع والجعل. 5. مرحلة الفعلية، المتمثلة في إرسال الرسل وإنزال الكتب، أو – بتعبيرنا – مرحلة تحوّل الحكم إلى رسالة مُعلنة ومتداولة، ولعل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] يشير إلى هذه المرحلة. 6. مرحلة وصول الحكم إلى المكلَّف، أو – بحسب تعبيرنا – مرحلة تنجّز التكليف، ولعل قوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] ناظر إليها. 7. مرحلة الطاعة أو العصيان، وهي المرحلة الأخيرة من مسار الحكم. والواقع أن علم الأصول المتداول اليوم يتركز – في معظمه – على محور تنجّز التكليف، مع تعرضٍ محدود أحيانًا لبعض المباحث المرتبطة بالملاكات وغيرها.) (سماحة آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في الفقه، 18/9/1397) #أصول_الفقه #تنظيم_المباحث_الأصولية #ترتيب_علم_الأصول

#الفضل_بن_شاذان (1. روى الشيخ الكليني قصةً عن أحد أصحابنا، قال: إن رجلًا من العامة سألني: كيف تقولون إن المرأة المطلقة في أثناء العدة، مع أنها منهيّة عن الخروج من بيتها، إذا خرجت كانت آثمة، ولكن عدتها لا تبطل، بينما تحكمون ببطلان الطلاق البدعي؟ ثم قال مستشكلًا: أليست المعصية في الطلاق كالمعصية في خروج المعتدة من بيتها؟ أما ترون أن الأمة مجمعة على أن المرأة المطلقة إذا خرجت من بيتها أيامًا فإن تلك الأيام تُحتسب من عدتها، وإن كانت آثمة عند الله؟ فكذلك الطلاق في حال الحيض ينبغي أن يُحسب طلاقًا، وإن كان المطلق عاصيًا لله. ويقول الراوي: عرضت هذا الإشكال على عدد من العلماء، فكان كل واحد يجيبني بجواب لم يُقنعني، إلى أن قال الفضل بن شاذان.... وهنا يقدّم الفضل تحليلًا أصوليًا بديعًا، فيفرّق بين ما إذا تعلّق الأمر أو النهي بنفس الطلاق، وبين ما إذا تعلّق بأمر خارج عنه، كخروج المرأة من بيتها أثناء العدة. فشرائط صحة الطلاق شيء، والأفعال المحرّمة الملازمة له شيء آخر. ويضرب لذلك أمثلة دقيقة، فيقول: لو دخل شخص دار قوم بغير إذنهم ثم صلى فيها، فإنه آثم بسبب دخوله، ولكن صلاته صحيحة؛ لأن الدخول ليس من شروط الصلاة، فهو منهيٌّ عنه سواء صلى أم لم يصلِّ. وكذلك لو غصب ثوبًا أو لبسه بغير إذن صاحبه ثم صلى فيه، فإن صلاته صحيحة مع كونه آثمًا بسبب الغصب؛ لأن لبس ذلك الثوب ليس من شروط الصلاة. أما لو صلى بثوب نجس، أو من غير طهارة، أو إلى غير القبلة، فإن صلاته باطلة؛ لأن هذه الأمور من شروط الصلاة، ولا تُعتبر إلا في إطارها. والإنصاف أن يكتب الفضل بن شاذان مثل هذا التحليل الدقيق قبل نحو اثني عشر قرنًا أمر يبعث على الإعجاب. 2. ولم يكن تميّز الفضل مقتصرًا على المباحث العقلية والأصولية، بل كان متفوّقًا أيضًا في الدراسات الحديثية والنقد الروائي، وكان متمكنًا تمامًا من مناهج أهل السنة في الحديث، كما كان متمكنًا من مناهج الإمامية، وقد نقل الشيخ الطوسي جانبًا من ذلك في الجزء التاسع من كتاب «تهذيب الأحكام». 3. بل إن الفضل بن شاذان يشترك مع الإمام البخاري في بعض شيوخ الحديث؛ فمن شيوخه محمد بن يحيى الذهلي، وهو أيضًا من كبار شيوخ البخاري، ويؤكد تتبع الأسانيد والرواة أن المراد بـ«محمد بن يحيى» في بعض روايات الفضل هو محمد بن يحيى الذهلي نفسه. 4. ومن الشواهد البارزة على سعة اطلاعه أن هناك حديثًا صححه الإمام البخاري، وهو قول النبي ﷺ: > «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر.» إلا أن الفضل بن شاذان – من دون أن يصرح باسم البخاري – ناقش هذا الحديث وفق القواعد الحديثية التي يعتمدها أهل السنة أنفسهم. فقد بيّن أن يزيد بن هارون رواه عن سفيان الثوري عن ابن طاووس عن أبيه مرسلًا، من دون ذكر ابن عباس، بينما الذي وصله بذكر ابن عباس هو وهيب، مع أن سفيان أوثق وأحفظ من وهيب. وبناءً على قواعد المحدثين، فإن ذلك يدل على أن الرواية الموصولة غير محفوظة. واللافت أن ابن حجر العسقلاني نقل في «فتح الباري» – بعد البخاري بنحو ثلاثة قرون – الاعتراض نفسه تقريبًا، حيث ذكر أن وهيب انفرد بوصل الحديث، بينما رواه سفيان الثوري مرسلًا، وأشار النسائي إلى ترجيح الإرسال. (سماحة آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في الفقه، 14/9/1397) #الفضل_بن_شاذان

#أصول_الفقه #التعارض_والتزاحم (1. أشرنا في درس الأمس – على سبيل البحث الفرعي والتبعي – إلى مسألتين: الضد واجتماع الأمر والنهي، ولم يكن القصد الخلط بينهما، وإنما أردنا بيان أن هذه المسألتين، ومعهما مسألة مقدمة الواجب، ترجع – في نظرنا – إلى أصل واحد، بينما تُعدّ مسألة النهي في العبادات بابًا آخر مستقلًا. وهذا الأصل المشترك هو: هل يلحظ المشرِّع عند مرحلة الجعل أيضًا مرحلة الامتثال، أم لا؟ ومن هنا تعرضنا لمسألتي الضد واجتماع الأمر والنهي، لا لأنهما مسألة واحدة. 2. أما في كيفية عرض المسألة، والتمييز بين التعارض والتزاحم، فإن منهجنا يقوم على دراسة ذات المسألة بغضّ النظر عن آراء القائلين بها، تمامًا كما فعلنا في بحث الاستصحاب؛ إذ طرحنا أربع صور لتصوير الاستصحاب، وعشرة أدلة لإثباته، ثم عند الدليل التاسع – وهو الأخبار – ذكرنا اثني عشر احتمالًا في فهمها. فنحن نبحث المسألة أولًا في إطارها العام، ثم ننتقل إلى أقوال العلماء، وبعد اتضاح الجذور والأسس يتبين أن بعض الأقوال لا تنسجم مع المباني الحقيقية للمسألة. ولذلك لم يكن غرضنا في درس الأمس شرح كلمات الأعلام بقدر ما كان تحليل الأساس الذي تقوم عليه تلك الأقوال. وهذا المنهج يشبه إلى حدٍّ ما ما سلكه ابن رشد؛ إذ كان قبل عرض الأقوال يقول مثلًا: في هذه المسألة يوجد قياس وخبر ضعيف، فمنهم من رجّح القياس، ومنهم من رجّح الخبر الضعيف، ثم ينتقل بعد ذلك إلى استعراض الآراء. 3. وهناك احتمال آخر في مسألة إزالة النجاسة والصلاة، وهو رأي معروف في الفقه الإسلامي، خلاصته أن النهي في باب العبادات يقتضي الحرمة واستحقاق العقوبة، لكنه لا يقتضي فساد العبادة، بينما النهي في المعاملات لا يدل على الفساد، بل يدل على الصحة، حتى إذا كان النهي صريحًا، فضلًا عما إذا كان ضمنيًا كما في محل البحث. ومن أبرز من تبنّى هذا الرأي أبو حنيفة، فإنه يرى أن النهي في مثل: «لا تصلِّ في الحرير» لا يستلزم بطلان الصلاة، فلو صلى شخص في ثوب حرير فقد ارتكب فعلًا محرمًا، لكن صلاته صحيحة. 4. أما بالنسبة إلى الفرق بين النهي في العبادات – كقوله: «صلِّ» و«لا تصلِّ في الحرير»، حيث تعلّق النهي بحصة خاصة من الصلاة – وبين اجتماع الأمر والنهي – كقوله: «صلِّ» و«لا تغصب»، حيث تعلّق الأمر بعنوان، والنهي بعنوان آخر – فهاتان المسألتان كانتا مطروحتين فقهيًا منذ القرنين الأول والثاني الهجريين، وقد قيل فيهما ثلاثة آراء: أ. رأي أبي حنيفة، وهو أنه لا فرق بين البابين، ففي الصلاة في الأرض المغصوبة، كما في الصلاة في ثوب الحرير، تكون الصلاة صحيحة في كلتا الحالتين. ب. وهو الرأي الذي يكاد يكون الأشهر بين الأصوليين، ومفاده أن النهي في كلا الموردين متوجه إلى الصلاة، وأن النهي يقتضي فساد العبادة. ويظهر من كلمات السيد المرتضى أيضًا أنه لم يفرّق بين هذين البابين. ج. وهو التفريق بين المسألتين، فيُجعل اجتماع الأمر والنهي بابًا مستقلًا عن النهي في العبادات. وفي مسألة اجتماع الأمر والنهي نفسها وُجد قولان؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى صحة الصلاة، بينما كان المشهور بين الإمامية – منذ عصر الشيخ الطوسي – هو الحكم ببطلانها، حتى إنه ادعى الإجماع على ذلك، وبقي هذا هو الرأي الغالب إلى عصرنا. أما في باب النهي في العبادات، فقد كانوا يعدّون بطلان العبادة أمرًا مسلمًا. ومع ذلك، فقد وجد بين قدماء الإمامية وبعض متأخريهم، وكذلك بين المعتزلة، من فرّق بين البابين، فحكم بصحة الصلاة في مسألة اجتماع الأمر والنهي، وببطلانها في باب النهي في العبادات. والسؤال الأساس هنا هو: هل هاتان المسألتان في الحقيقة مسألة واحدة أم مسألتان مستقلتان؟ ومن الطريف أن الفضل بن شاذان (المتوفى سنة 260هـ) يُعد – فيما نعلم – أول عالم من علماء الإمامية فصلهما عن بعضهما، سواء من حيث الموضوع أو من حيث الحكم. بينما جاء السيد المرتضى بعده بنحو قرنين فاعتبرهما مسألة واحدة، في حين أصبح التفريق بينهما اليوم من المسلّمات في علم الأصول. فالفضل بن شاذان كان يرى أن النهي في العبادات يوجب الحرمة والفساد معًا، أما في اجتماع الأمر والنهي فكان يقول: إن الفعل محرم، لكنه ليس باطلًا.) (سماحة آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في الفقه، 14/9/1397) #أصول_الفقه #التعارض_والتزاحم

#أصول_الفقه #الخطابات_القانونية #التعارض_والتزاحم (وخلاصة القول: إن أصحاب الاتجاه الأول يرون أن الشارع عند مرحلة الجعل والتشريع لا يلحظ أفراد الصلاة ومصاديقها الخارجية، فلا يقال: إنه لا يريد الصلاة الواقعة بدل إزالة النجاسة، أو الصلاة الواقعة في المكان المغصوب. أما أصحاب الاتجاه الآخر – ومنهم كثير من علماء الإمامية – فيرون أن القانون بطبيعته يلحظ أيضًا مرحلة الامتثال، وأن المشرِّع يراعي عند التشريع كيفية تطبيق الحكم في الخارج. 7. منذ أن دخلت المصطلحات المنطقية والفلسفية إلى علمي الفقه والأصول، تبلورت هذه المناقشات بصورتها الحالية. ففي القضايا الطبيعية يُسند الحكم إلى الطبيعة بما هي طبيعة، دون ملاحظة الأفراد والمصاديق الخارجية؛ فمثلًا قد تجتمع طبيعة الإنسان مع طبيعة البياض، ويكون النظر منصبًّا على الماهيات لا على الأفراد. ثم سُحبت هذه الطريقة إلى الأحكام الشرعية، فاعتبر بعضهم أن الشارع أيضًا إنما ينظر إلى طبيعة الفعل لا إلى أفراده الخارجية. إلا أن الاتجاه الآخر يرى أن هذا صحيح في المباحث الكلامية والفلسفية، حيث لا يُلتفت إلى الأفراد، أما القانون فغايته الأساسية هي تحقق الفعل في الخارج، والغاية النهائية من التشريع هي الامتثال، فلا يمكن أن يكون المشرِّع غافلًا عن الأفراد والوقائع الخارجية. ومن هنا، فإن القانون – سواء أُخذ بهذا المعنى مطلقًا، أو خُصَّ بالقانون الشرعي حيث إن المشرِّع هو الله تعالى – يفترض أن المشرِّع قد راعى في مرحلة الجعل أيضًا مرحلة الامتثال. وعليه، فإن قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلَاةَ» يُفهم منه – وفق هذا المبنى –: أقم الصلاة في غير الأرض المغصوبة، أو في غير مورد وجود تكليف مزاحم، كإزالة النجاسة. فإذا رجعنا إلى لسان الأدلة، وتبين أن أحد الحكمين أهم من الآخر، فإن الواجب في مقام الامتثال هو الإتيان بالأهم، لا بالمهم.) (سماحة آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في الفقه، 13/ 9/ 1397) #أصول_الفقه #الخطابات_القانونية #التعارض_والتزاحم

ب. أما الاتجاه الآخر فيرى أن الشارع في قوله: «صلِّ» لم يلحظ إلا طبيعة الصلاة بما هي هي، فجعل الحكم عليها، وأما تطبيقها على الأفراد الخارجية فهو من شؤون مقام الامتثال، ومقام الامتثال بكامله راجع إلى المكلف لا إلى المشرّع.) (سماحة آية الله السيد الحاج أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في أصول الفقه) #أصول_الفقه #الخطابات_القانونية #التعارض_والتزاحم

#أصول_الفقه #الخطابات_القانونية #التعارض_والتزاحم (1. من أبرز الفوارق بين القائلين بنظرية الخطابات القانونية وبين غيرهم أنهم – بخلاف أمثال المحقق النائيني الذي ادعى ارتكاز الانحلال – لا يقولون بانحلال الخطاب، بل يرون أن قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: 72] موجَّه إلى المجتمع الإسلامي بوصفه كيانًا واحدًا، لا إلى زيد وعمرو وسائر الأفراد على نحو الاستقلال؛ أي إن قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ليس بمنزلة ملايين – بل مليارات – الخطابات المنحلة من قبيل: «أقم الصلاة». وقد توهّم أمثال المحقق النائيني أن هذا الخطاب يشبه خطاب المولى لمائة عبد من عبيده، فكذلك خطاب الله تعالى لجميع المكلفين. 2. إذا كان التنافي بين دليلين في مرحلة الجعل والتشريع فهو من باب التعارض، أما إذا كان في مرحلة الامتثال فهو من باب التزاحم. فأهل السنة يرون أن دليلين مثل: «صلِّ» و«أزل النجاسة» متعارضان، أي إنهم يفترضون أننا لا نعلم أيَّ الحكمين جعله الشارع. أما علماء الإمامية فقد اعترضوا على ذلك، وقالوا: إن المشكلة ليست في الدليلين أنفسهما، وإنما في عجز المكلف عن الجمع بين امتثالهما، وإلا فلا تعارض بين «صلِّ» و«أزل النجاسة». ومن هنا نشأ باب التزاحم في التراث الإمامي، ويبدو أن أول من أفرده بالبحث هو المحقق الكركي، ثم أخذ يتبلور ويتنقح تدريجيًا. 3. يمكن تلخيص الاتجاهات في الفكر الإسلامي بشأن الأوامر التي يتعذر على المكلف الجمع بينها – كما لو دار الأمر بين الصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد في وقت واحد – في أربعة اتجاهات: أ. يرى الاتجاه الأول أن أحد الحكمين فقط قد جُعل من الأصل، فيكون المورد من باب التعارض، وحيث إن دليل إزالة النجاسة أقوى، فيقدَّم، ويسقط الأمر بالصلاة رأسًا. أما على مبنى التزاحم فهناك ثلاثة اتجاهات: ب. اتجاه يرى أن الحكم المهم يسقط كليًا، ولا يبقى إلا الحكم الأهم. ج. ويرى المحقق النائيني أن الحكم المهم يسقط تعليقًا؛ أي إن الأمر بإزالة النجاسة وحده هو الفعلي ما دام المكلف بصدد امتثاله، فإذا ترك الإزالة عاد الأمر بالصلاة إلى الفعلية. د. بينما يرى اتجاه آخر أن كلا الحكمين قد جُعل فعلًا، ولما كان التزاحم إنما يقع في مقام الامتثال لا في مقام الجعل، فلا موجب لسقوط أحد الخطابين. فالأمران: «صلِّ» و«أزل النجاسة» ثابتان معًا، والعجز إنما هو عجز شخصي ناشئ من حال المكلف، ولا يؤثر في أصل الخطاب. وعند العجز عن الجمع بينهما يحكم العقل بتقديم الأهم. ولو خالف المكلف حكم العقل، فإن الأمر بالصلاة يبقى محفوظًا، وتكون صلاته صحيحة. 4. يشترط أهل السنة في التكليف أربعة شروط عامة: البلوغ، والعقل، والقدرة، والعلم. أما عندنا فالعلم ليس شرطًا للتكليف، كما أن نظرية الخطابات القانونية ترفع شرط القدرة بهذا النحو المتداول، فلا يبقى إلا شرطان. وهنا تبرز مسألة فنية، وهي: هل القدرة المعتبرة في التكليف هي قدرة مجموع المكلفين بنحو النوع، أم قدرة كل فرد بعينه؟ 5. يقول المحقق النائيني: إن الأمر بالصلاة لا يجتمع مع الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد؛ لأن المكلف لا يقدر على امتثالهما معًا، فلا يكون هناك إلا تكليف واحد. وعليه، فلو فرض – على سبيل المحال – أن شخصًا استطاع الجمع بين الصلاة والإزالة، لم يكن إلا امتثال واحد. فهو يرى أنه ما دام المكلف لا يقدر إلا على أحد الفعلين، فلا يكون مكلفًا إلا بأحدهما، وبحسب القاعدة يكون التكليف متوجهًا إلى الأهم، وهو إزالة النجاسة. ومن ثم، لو صلى بدلًا من الإزالة كانت صلاته باطلة؛ إما لأن الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن ضدها، وهو الصلاة، فتكون الصلاة منهيًا عنها، أو – كما ذهب إليه الشيخ البهائي – لأنه لا أمر بالصلاة أصلًا، وإنما الأمر منحصر في الإزالة. ومشكلة هذا المبنى أنه يفترض أن الشارع وجَّه الأمر ابتداءً إلى الأهم، ولم يجعل أمرًا بالصلاة إلا بعد سقوط الأمر بالإزالة بسبب عدم امتثالها. 6. ونرى أن أصل هذا البحث يرجع إلى سؤال أساسي، وهو: هل إن مقام الامتثال داخل أيضًا في دائرة نظر المشرّع، أم أنه خارج عنها ويختص بالمكلف؟ أ. فإن قيل: إن المشرّع قد راعى مقام الامتثال أيضًا، فإنه عندما يقول: «لا تصلِّ في الأرض المغصوبة» يكون قد لاحظ جميع حالات الامتثال. ولهذا ذهب كثير من الأصوليين – ومنهم السيد المرتضى على ما يظهر من كلماته – إلى أن مسألة اجتماع الأمر والنهي، كقوله: «صلِّ» و«لا تغصب»، هي بعينها مسألة النهي عن العبادة، كقوله: «لا تصلِّ في الحرير». لأنهم يرون أن المشرّع يلحظ جميع الصور، فيرى الصلاة ويرى الغصب معًا، ثم يقرر ما الذي يجعله. فإذا لاحظ جميع أفراد الصلاة وجميع أفراد الغصب، قال: لا أجعل الأمر بالصلاة في مورد الغصب، فيكون الجعل مختصًا بغير موارد الغصب أو التزاحم. وهذا قريب من فكرة الترابط القانوني، وهي ليست خاصة بالشريعة، بل هي من شؤون التقنين عمومًا، وإن أمكن أن يقال: إن العلاقة بين العبد والمولى لا تُفسَّر بهذا الأسلوب.

ضرورة التمييز بين المصطلحات الأصولية والكلامية وموقع العرف في فهم الخطابات الشرعية (1. نعتقد أن كل علم ينبغي أن يحافظ، إلى جانب مباحثه، على اصطلاحاته الخاصة، فلا يصح خلط المصطلحات بين العلوم المختلفة. وعليه، فإذا كان البحث أصوليًا، فينبغي استعمال المصطلحات الأصولية، لا المصطلحات الكلامية. ولذلك، فبدلًا من التعبير بـ «قبح العقاب بلا بيان»، وفي مقابله «حق الطاعة» ـ وهما مصطلحان كلاميان، وإن كان المقصود بهما بحثًا أصوليًا ـ ينبغي أن يقال: هل مجرد احتمال التكليف يكون منجِّزًا له أم لا؟ فهذا هو التعبير المنسجم مع طبيعة البحث الأصولي. 2. وبحسب الظاهر، فإن البناء العام يقوم على وجود ثلاث دوائر للعرف: العرف العام. العرف الخاص (القانوني). العرف الأخص، وهو العرف الشرعي المستفاد من الآيات والروايات. وعلى هذا الأساس، إذا قيل مثلًا: إن صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب في العرف القانوني، فإنها تُحمل في الشريعة على المعنى نفسه أيضًا. وكذلك في الشبهات البدوية؛ فقد ذهب بعضهم إلى أن حكم العقل هو الاحتياط، إلا أن الروايات حكمت بـ البراءة. بينما يرى المشهور أن حكم العقل ـ بمعنى العقل الجمعي أو سيرة العقلاء ـ هو البراءة، وأن الشريعة سارت على هذا النهج أيضًا. فالأصل أن الشريعة تسير وفق المرتكزات العقلائية العامة، ما لم يثبت أن الشارع قد تصرف فيها بتشريع خاص، وإلا فهي ـ من هذه الجهة ـ لا تختلف عن سائر القوانين البشرية. ومن هنا يطرح السؤال الأساس: هل كان النظام السائد في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نظام القانون، أم نظام علاقة العبد بالمولى؟) المصدر: حضرة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، بحث الخارج في الفقه، 13/09/1397هـ ش. #الأصول #الخطابات_القانونية

دلالة تعبيري «قال» و«رُوي» عند الشيخ الصدوق (ناقش بعض علمائنا الفرق بين تعبيري الشيخ الصدوق في رواياته: «قال الصادق (عليه السلام)» و«رُوي عن الصادق (عليه السلام)»، وما الذي يشير إليه كل منهما. فقد ذهب جماعة من الأعلام ـ ومنهم الشيخ عبد الكريم الحائري في كتاب الصلاة ـ إلى أن قول الصدوق: «قال الصادق (عليه السلام)» يدل على أن الرواية معتبرة السند عنده، بينما تعبيره: «رُوي عن الصادق (عليه السلام)» يدل على أنه لا يراها معتبرة السند. إلا أن هذا التفريق لا يشهد له ما ورد في روايات الشيخ الصدوق؛ لأن ظاهر مقدمة كتاب «من لا يحضره الفقيه» أنه التزم بإيراد ما يراه حجة بينه وبين الله تعالى، حيث يقول: > «ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أُفتي به، وأحكم بصحته، وأعتقد أنه حجة فيما بيني وبين ربي.» وعلى هذا الأساس، فلا فرق ـ في روايات الفقيه ـ بين أن يعبّر بـ «قال» أو «رُوي»؛ لأن الجميع داخل فيما التزم بصحته وحجيته، إلا في الموارد التي يصرح فيها بنفسه بأنه لا يفتي بالرواية، كقوله: > «لا أستعملها ولا أُفتي بها...» ومن اللافت أن من هذه الموارد رواية نقلها عن الشيخ الكليني، ثم عقب عليها بقوله: > «لست أُفتي بهذا الحديث، بل أُفتي بما عندي بخط الحسن بن علي.» أما أصل هذا البحث، فهو معروف عند أهل السنة منذ القرن الثالث الهجري في كتب دراية الحديث، تحت عنوان «بلاغات البخاري»؛ إذ إن الإمام البخاري يورد أحيانًا أحاديث بلا إسناد، فيقول تارة: «وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»، وتارة: «ورُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)». وقد قرروا أن للبخاري منهجًا خاصًا في قبول الأحاديث؛ فإذا قال: «قال رسول الله» دلّ ذلك على أن الحديث يوافق ضوابطه في الصحة، وإذا قال: «رُوي عن رسول الله» أشعر بأنه لا يوافق تلك الضوابط. غير أن هذا التفريق ـ كما تقدم ـ لا يمكن تطبيقه على كتاب «من لا يحضره الفقيه»؛ لأن الشيخ الصدوق قد أعلن في مقدمته التزامه بحجية جميع ما أورده فيه، إلا ما استثناه بنفسه تصريحًا.) المصدر: حضرة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، بحث الخارج في الفقه، 03/08/1396هـ ش. #دراية_الحديث #الشيخ_الصدوق #مراسيل_من_لا_يحضره_الفقيه

ملاحظتان في فهم الفقه الإمامي وتطور علم الأصول (1. لعل كثيرًا من الإخوة سمعوا بالمقولة المشهورة للمرحوم آية الله العظمى السيد حسين البروجردي، التي كان أستاذنا سماحة آية الله السيد أحمد المددي يكنّ لقائلها بالغ التقدير، حتى إنه كان يقول: لو جاز التقليد الابتدائي للميت لكان تقليد السيد البروجردي أولى. وهي قوله: «الفقه الإمامي حاشية على فقه أهل السنة». غير أن سماحة آية الله السيد علي السيستاني، وكذلك أستاذنا السيد المددي، مع قبولهما لأصل الفكرة، يريان أن التعبير الأدق هو أن الفقه الإمامي «مهيمن» أو «ناظر» إلى فقه أهل السنة، لا أنه مجرد حاشية عليه. ويشرح الأستاذ ذلك بأن أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أُنتجت في المدينة، ودُوِّنت في الكوفة؛ ولذلك فإن فهمها على وجهها الصحيح يقتضي الإحاطة بالخلفيات الفقهية التي كانت حاضرة في ذهن السائل، وبما كان الإمام (عليه السلام) يلحظه عند الجواب. ومن هنا كانت الحاجة إلى معرفة فقه أهل السنة في هاتين البيئتين، ولا سيما: فقه الإمام مالك بالنسبة إلى المدينة. وفقه الإمام أبي حنيفة بالنسبة إلى الكوفة. ويُضاف إلى ذلك أن السائل حين كان يقف بين يدي الإمام (عليه السلام) لم يكن يطرح سؤاله في فراغ، بل كان متأثرًا بالأجواء الفقهية السائدة وآراء معاصريه، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند فهم الروايات. 2. ولما كان علم الأصول ـ كسائر العلوم ـ قد تطور تدريجيًا عبر الزمن، فإن كثيرًا من مصطلحاته المتداولة اليوم لم تكن معروفة في مراحله الأولى. ومن أمثلة ذلك مسألة جماع المرأة بعد انقطاع دم الحيض وقبل الاغتسال، وهي من الموارد التي تُطرح فيها مسألة الاستصحاب. فالذين يقولون بالاستصحاب كانوا يرون أن الجماع يبقى محرمًا؛ لأنه كان محرمًا حال الحيض، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]، فيستصحبون الحكم السابق. أما الذين لا يقولون بالاستصحاب، فيرون أنه لا يوجد دليل يثبت حرمة الجماع بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، فتجري البراءة ويكون الجماع جائزًا. إلا أن هذه المسألة نفسها تثير إشكالين آخرين: أ. ما المراد من لفظ ﴿المحيض﴾؟ هل المقصود وجود دم الحيض، أم حالة الحيض؟ فإن أُريدت الحالة، فهي باقية إلى حين الاغتسال، وإن أُريد وجود الدم، فقد زال بانقطاعه. ب. كما يقع البحث في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222]، هل المراد جواز المقاربة بعد انقطاع الدم، أم بعد الاغتسال أو تطهير الموضع؟) المصدر: الفقرة الأولى: من تقريرات في منهج سماحة آية الله الحاج السيد أحمد المددي. الفقرة الثانية: حضرة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 11/09/1397هـ ش. سعيد #عرفانيان

مفهوم القانون ومعاييره في الرؤية الأصولية (1. هناك تصورٌ يرى أن القانون إذا فُسِّر على أساس علاقة العبد بالمولى، فلا بد أن يشعر العبد بأنه امتدادٌ لوجود مولاه. ومن آثار هذا التصور مسألة الجزاء؛ إذ إن الملاك الحقيقي لاستحقاق العقوبة هو عصيان المولى، فالعبد ينبغي أن يعدّ نفسه شعاعًا من وجود مولاه، بحيث يكون عصيانه له بمنزلة الإهانة له. وعلى هذا الأساس تكون العقوبة نتيجةً للعصيان والتمرد، لا لمجرد ارتكاب الفعل المنهي عنه. أما في التصور الحديث للقانون، فقد أُزيل هذا الأساس كليًا، وأصبح الإنسان إذا خالف القانون فإنما يظلم نفسه، لأن القانون يُنظر إليه بوصفه تعبيرًا عن إرادة المجتمع، لا عن إرادة مولى. والبحث لا يقتصر على الخطابات القانونية ـ التي طُرحت لأول مرة في الحوزات العلمية على يد المرحوم السيد الخونساري وتلامذته ـ بل يتجاوزها إلى روح القانون نفسها؛ إذ إن آثار التشريع لا تتوقف على صياغة الخطاب القانوني، بل ينبغي أولًا دراسة روح القانون. ولهذا نبحث في الفقه دائمًا عن: روح التشريع. أدبيات التشريع. الترابط التشريعي. فمثلًا: إذا حكم الشارع بوجوب شيء، فإن روح التشريع تقتضي أن يكون أداؤه مجانًا. وأما أدبيات التشريع، فكما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، فإن هذا الأسلوب يدل على إلزام المكلف بعدم كتمان الشهادة، فلا يصح له أن يقول: لا أكتمها مقابل مبلغ من المال. وأما الترابط التشريعي، فهو البحث عن العلاقة بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. فقد ذهب المرحوم السيد الخوئي إلى عدم وجود علاقة بينهما، بينما يرى آخرون أن بينهما حكومة؛ لأن حرمة كتمان الشهادة مطلقة، فلا يصح إبرام عقد يتقاضى الإنسان بموجبه أجرًا لقاء أداء الشهادة. وهذا اللون من البحث في الترابط التشريعي لم يحظ بعناية في علمي الأصول والفقه؛ لأنهما بُنيا غالبًا على أساس علاقة العبد بالمولى، وفي هذا الإطار لا يُبحث عن الترابط بين الاعتبارات الصادرة من المولى، وإنما اقتصر البحث على مسائل لفظية كالإطلاق والتقييد، وهي غير البحث في العلاقات القانونية بين الأحكام. 2. والأصل في القانون أن يجعل لمخالفته جزاءً، سواء كان ثوابًا أم عقابًا. إلا أن بعض الأحكام الجزائية لا تدور مدار التمرد على القانون، بل ترتبط بالواقع الخارجي؛ ولذلك إذا أتلف شخصٌ مال غيره خطأً، فإن الضمان لا يسقط بسبب الخطأ. ولعل حديث الرفع يشير إلى هذا المعنى؛ فإن الموارد المذكورة فيه تُعد مخالفةً للنظام، لكنها لا تُعد تمردًا عليه، ولذلك اشتهر بين فقهاء الإمامية أن المقصود من الحديث هو رفع العقوبة ـ أو بتعبيرنا: رفع الأحكام الجزائية ـ. فلو اضطر الإنسان إلى أخذ طعام غيره وأكله، فإن فقهاء الإمامية يقولون: لا يكون فعله حرامًا، لكنه يبقى ضامنًا لما أتلفه. أما مشهور فقهاء أهل السنة فلا يفرقون بين الحرمة والضمان، فيرون أن انتفاء الحرمة يقتضي أيضًا انتفاء الضمان.) المصدر: حضرة آية الله الحاج السيد أحمد المددي، بحث الخارج في الفقه، 10/09/1397هـ ش. #الأصول #تفسير_القانون #معايير_القانون