كُنَّاشة من دروس السيد المددي
Відкрити в Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
712
Підписники
+124 години
+377 днів
+3930 днів
Архів дописів
مباحث الألفاظ ودورها في استكشاف الدلالات القانونية
(**تُعد «مباحث الألفاظ» من الركائز الأساسية في علم الأصول؛ إذ الغاية منها استخراج الدلالات من الألفاظ، أو ـ بتعبير أوضح ـ استكشاف مضامين «الأدبيات القانونية».
وقد حظيت الأدبيات القانونية باهتمام واسع في التراث الإسلامي، وتنقسم ـ في الجملة ـ إلى قسمين رئيسين:
الأول: المباحث العامة التي تناولتها كتب الأصول، كالبحث في الظهور وعدمه، ودلالة صيغة (افعل) على الوجوب، ونحو ذلك.
والثاني: المباحث الخاصة، فقد كانت بعض الموضوعات تُبحث سابقًا في علم الأصول ثم خرجت منه لاحقًا؛ ومن ذلك معاني الحروف، حيث ذكر #العلامة_الحلي في كتاب «تهذيب الوصول» دلالات الواو والفاء، بينما لم تعد هذه المباحث تُطرح في علم الأصول المتداول اليوم.
ولطالما اقترحنا أنه إذا أُريد إعادة تنظيم مباحث علم الأصول، فينبغي تخصيص قسم مستقل لمباحث الألفاظ، تُجمع فيه جميع الأبحاث اللفظية، حتى لو استلزم ذلك شيئًا من التكرار.
كما ينبغي تخصيص قسم آخر لـالاعتبارات القانونية، كالبحث في حقيقة الحكم، وحقيقة الوجوب، والاستحباب، ونحوها.
ومع ذلك، ينبغي أن يُعاد تناول هذه الموضوعات أيضًا في مباحث الألفاظ، ولكن من زاوية أخرى، وهي البحث عن الألفاظ الكاشفة عن الوجوب، أو الدالة على الاستحباب، أو الدالة على الإباحة.
وبذلك يكون لكل موضوع بحثان متكاملان: أحدهما من جهة الاعتبار القانوني وحقيقة الحكم، والآخر من جهة دلالة الألفاظ والكشف اللغوي عنه.)
#أصول_الفقه
#مباحث_الألفاظ
#الأدبيات_القانونية
#الاعتبارات_القانونية
#دلالة_الألفاظ
#الوجوب
#الاستحباب
#الإباحة
#العلامة_الحلي
المحور الأول: الأدبيات القانونية
(**بوجه عام، يمكن القول إن «الأدبيات القانونية» قد حظيت بعناية علمية جيدة، وقد قُدمت بشأنها تحليلات قيمة، ولا سيما في الوسط الإمامي بعد #الوحيد_البهبهاني، وبالأخص في العصر الحديث، حيث طُرحت دراسات وتحليلات ناضجة نسبيًا.
إلا أن المشكلة الأساسية في هذه الجهود تكمن في أنها ما تزال متفرقة وغير منسجمة، ولم تُصغ بعد في إطار علمي موحد ومتكامل.)
#أصول_الفقه
#الأدبيات_القانونية
#مباحث_الألفاظ
#التحليل_الأصولي
#الوحيد_البهبهاني
#الفقه_الإمامي
3- الفضاء القانوني وأثره في انسجام الأحكام الشرعية وترابطها
(**أما المحور الثالث فهو «الفضاء القانوني». ويُعنى الفضاء القانوني بدراسة التجانس والترابط بين الأحكام والقوانين، بينما تتولى الروح القانونية تحليل القانون نفسه، لتنتهي إلى بيان تصورنا لطبيعة القوانين.
فإذا كان تصورنا للقوانين قائمًا على علاقة العبد بالمولى، فقد لا نقبل بفكرة الفضاء القانوني، وننظر إلى كل حكم على حدة، من دون ملاحظة علاقته بسائر الأحكام.
أما «الفضاء القانوني» ـ أو بتعبير آخر: «الأجواء الشرعية» أو «الأجواء القانونية» ـ فهو الروح الحاكمة التي تكشف عن العلاقات والتجانس والانسجام بين الأحكام، بحيث يُقال: إذا ثبت هذا الحكم هنا، فإنه لا ينسجم مع ذلك الحكم هناك.
فالفضاء القانوني هو الترابط والتسانخ الذي يحكم مجموع الأحكام. فمثلًا، إذا حكم الشارع بأن أمرًا ما حرام، فإن عمومات مثل ﴿أوفوا بالعقود﴾ أو «المؤمنون عند شروطهم» لا يمكن أن تشمل ذلك المورد؛ فلو حكم الشارع بحرمة الخمر، لم يعد جائزًا بيعها وشراؤها.
وكذلك في الرواية التي خاطب فيها الإمام #زرارة بقوله: «نَقَضْتَ حَدِيثَكَ الْأَوَّلَ»، مع أن الحديثين لم يكونا متضادين في ظاهرهما، إلا أن روحهما لم تكن منسجمة، ولا يمكن أن يكونا صادرين ضمن فضاء قانوني واحد.
ومن هنا، فإن الفضاء القانوني أوسع من مجرد التلازم بين الأحكام؛ فهو ينتج نوعًا من الانسجام القانوني والتجانس الداخلي، ويكشف عن العلاقات القائمة بينها، كـالتضاد، والتمانع، والتلازم.
وهذا الإحساس بأن كلام الإمام المعصوم (عليه السلام) يحمل معنىً خاصًا، بينما لو صدر الكلام نفسه عن فقيه حنفي لفُهم على نحو آخر، إنما يرجع إلى الفضاء القانوني؛ إذ إن كلمات #أهل_البيت (عليهم السلام) تخضع لفضاء خاص يحكمها.
ولطالما رأيت #صاحب_الجواهر يقول: «على من ألهم معرفة كلامهم»؛ أي إنه يشعر بأن ثمة نظامًا خاصًا يحكم كلماتهم، وإن كان حديثه هنا عن فضاء الكلمات لا عن فضاء القانون.
وفي البحث عن العلاقة بين الوجوب وأخذ الأجرة، تناول #الميرزا_الإيرواني المسألة من خلال دلالة الخطاب ومن الزاوية اللفظية، فبحث مثلًا في النسبة بين قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وبين قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء﴾.
ولا إشكال في صحة هذا المسلك، لكنه يمثل زاوية خاصة من البحث. أما نحن فأضفنا أن هناك أيضًا «طبيعة قانونية» و«فضاءً قانونيًا» يحكمان العلاقة بين هذين الدليلين.
وقد قيل إن #المحقق_النائيني (قدس سره) تناول المسألة من خلال الوجوب والروح القانونية؛ فهو يرى ـ في تحليل العلاقة بين الوجوب وأخذ الأجرة ـ أن الوجوب يوجب الإلزام، وإذا ثبت الإلزام لم تعد الإجارة قابلة للتحقق.
أما #السيد_الخوئي، فإنه يقبل هذا الكلام في مورد الإلزام السلبي فقط، ولا يقبله في الإلزام الإيجابي.
كما أن #المحقق_الأصفهاني ذكر سبعة وجوه متتالية في معالجة هذه المسألة.
أما نحن فقد تناولناها من طريق آخر، وقلنا: إن هناك فضاءً قانونيًا عامًا، فإذا كان القانون قد ألزم المكلف بالفعل، فإنه لا يعود ينظر إلى ذلك الفعل بوصفه التزامًا شخصيًا يمكن أن يكون محلًا للإجارة.
وعلى هذا الأساس، فإن ما ذكره #المحقق_النائيني لا يرجع في حقيقته إلى الروح القانونية، بل هو من شؤون الفضاء القانوني.
وخلاصة الأمر، أن كل مسألة أصولية يمكن تناولها من ثلاث زوايا:
الأولى: الأدبيات القانونية، وقد حظيت في علم الأصول المتداول بعناية جيدة نسبيًا.
الثانية: الروح القانونية، وهي لا تزال تواجه صعوبات، ويستلزم فهمها الرجوع إلى مجموع القرائن والشواهد.
الثالثة: الفضاء القانوني، وهي تكاد تكون غائبة عن الدراسات الأصولية؛ إذ انصبَّ الاهتمام غالبًا على دراسة العلاقات بين الأدلة من خلال الألفاظ وحدها، دون الالتفات إلى الانسجام القانوني العام الذي يحكم منظومة التشريع.)
#أصول_الفقه
#الفضاء_القانوني
#الروح_القانونية
#الأدبيات_القانونية
#التحليل_الأصولي
#انسجام_الأحكام
#العلاقات_بين_الأدلة
#أهل_البيت
#زرارة
#صاحب_الجواهر
#المحقق_النائيني
#السيد_الخوئي
#المحقق_الأصفهاني
#الميرزا_الإيرواني
غموض الروح القانونية في عصر نزول الآيات والروايات وسبيل الكشف عنها
(تواجهنا في هذا المجال مشكلة أساسية، وهي أن «الروح القانونية» لم تكن واضحة في عصر نزول الآيات والروايات، مما يجعل تشخيصها أمرًا صعبًا؛ لأن المجتمع العربي، ولا سيما في مكة والمدينة، لم يكن مجتمعًا قانونيًا، وفي المجتمع الذي لا يسوده النظام القانوني لا يكون للروح القانونية أو للتحليل القانوني حضورٌ واضح. ولذلك فإننا نعتمد بدرجة أكبر على «الأدبيات القانونية»، ونستعين بها، مع القرائن الخارجية، كـالارتكاز المتشرعي**، لفهم الأحكام؛ كالتفريق ـ مثلًا ـ بين التحريم الثابت بالفريضة والتحريم الثابت بالسنة.
وعليه، فإن ما ذهب إليه #الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء (قدس سره) من أن «الوجوب يعني ملكية الآمر للعمل»، هو أول الكلام ويحتاج إلى إثبات، والطريق المعتاد لإثباته هو النظام القانوني السائد في المجتمع، فإذا لم يكن المجتمع ذا بنية قانونية، لم يمكن استظهار هذا المعنى منه.
صحيح أن نوعًا من الفهم القانوني كان موجودًا قبل الشريعة وقبل نزول القرآن، لكنه كان فهمًا بدائيًا وبسيطًا، أو مجرد عرف اجتماعي أولي تُجرى على أساسه المعاملات. إلا أن محاولة تحديده وضبط حدوده تواجه صعوبة كبيرة؛ لأن تلك المعاملات كانت عرفية غير منضبطة، بينما تكمن معظم مشكلات البحث العلمي في تحديد الحدود والضوابط.
ففي بحث حجية خبر الواحد، ذكرنا أن هناك روايات تأمر بعرض الأخبار على القرآن الكريم، وقلنا: إن العرض على القرآن يعدّ من شواهد قبول الخبر، لكنه ليس الحدّ الفاصل في حجيته.
وكذلك قلنا: إن وثاقة الراوي من شواهد قبول الخبر، لكنها ليست الحدّ الوحيد؛ بينما يرى #السيد_الخوئي أنها الضابط الفاصل، فإذا كان الراوي ثقة قُبل خبره، وإلا فلا.
ولا شك في أن وثاقة الراوي مؤثرة، وأن العرف يقبل في كثير من الموارد خبر الثقة، إلا أن محل البحث هو: هل تمثل الوثاقة الحدّ القانوني النهائي أم لا؟ إن تحديد هذه الحدود هو بعينه ما نعنيه بـ«الروح القانونية».
وعندما لا تكون القواعد القانونية واضحة، يبقى الفهم إجماليًا وبدائيًا. نعم، كانت للعرب أعراف في المعاملات، ولا سيما العرب البدو، وبالأخص عرب صدر الإسلام.
ثم إن الأعراف لم تكن واحدة، بل كانت تختلف باختلاف البيئات والثقافات؛ فمن العرب من كان في اليمن، ومنهم في الشام، ومنهم قريبًا من إيران، ومنهم في صحراء نجد، ولذلك كانت آفاقهم الفكرية ومفاهيمهم الاجتماعية متباينة إلى حد كبير، وهذا مما يزيد المسألة تعقيدًا.
ومع ذلك، فنحن نعتقد أن الإسلام لم يكتفِ بإقرار تلك الأعراف، بل جاء أيضًا لتحديدها وتقنينها، غير أن معرفة هذه الحدود تتطلب التأمل في مجموع الآيات والروايات، وقد قام #أهل_البيت (عليهم السلام) ببيانها وتوضيحها.
والغاية الفنية الأساسية التي نسعى إليها اليوم في علمي الأصول والفقه هي تحديد هذه الحدود القانونية؛ بل يمكن القول إن أحد أهم أهداف الفقه كان دائمًا هو رسم هذه الضوابط، وقد نجح الفقهاء في ذلك في عدد غير قليل من الموارد.
فمثلًا، يرى #الفاضل_القطيفي أن البيع الغرري لا يضر معه الجهل ما دام التراضي حاصلًا، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿تجارةً عن تراضٍ﴾. ولعل العربي البدوي في ذلك العصر، أو حتى المجتمعات الغربية المعاصرة، ترى أن مجرد التراضي كافٍ لصحة المعاملة؛ بل إن جزءًا كبيرًا من مصادر الثروة في الغرب اليوم قائم على المعاملات الغررية، حتى إن تراكم الثروات ـ في كثير من الأحيان ـ لا يتحقق من دونها.
إلا أن السنة النبوية جاءت لتقرر أن المعاملة الغررية غير جائزة، وبهذا وضعت حدًا قانونيًا لم يكن موجودًا من قبل.
ومن هنا، فإن الطريق الذي نعتمده اليوم لفهم الروح القانونية في أحكام الشريعة يقوم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى: الأدبيات القانونية الواردة في النصوص.
والثانية: تفسير #أهل_البيت (عليهم السلام)، إلى جانب القرائن المتفرقة في القرآن الكريم، والتي ينبغي جمعها ودراستها بوصفها منظومة واحدة.)
#أصول_الفقه
#الروح_القانونية
#الأدبيات_القانونية
#حجية_خبر_الواحد
#التحليل_الأصولي
#الفقه_الإمامي
#أهل_البيت
#السيد_الخوئي
#الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء
#الفاضل_القطيفي
ومنها أيضًا تفسير #المحقق_النائيني لمعنى الوجوب، حيث يرى أن المكلف لا يملك السلطنة على الفعل؛ ولذلك فإن قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ لا يشمل هذا المورد، سواء أكان الإلزام واجبًا أم محرمًا.
وهناك آراء أخرى؛ فمنها القول بوجود السلطنة دون الحق، ومنها القول بوجود الحق دون الملك.
وهذه كلها تمثل أنواعًا من التفسيرات القانونية أو الروح القانونية، ولذلك أطلقنا على هذا اللون من الأبحاث اسم «روح القانون».
فعلى سبيل المثال، في قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، يمكن تفسير تحريم الدم بأحد وجهين:
الأول: أن معناه النهي عن أكل الدم، وكأن الشارع يمنع وصول الدم إلى الفم.
والثاني: أن معناه حرمان الإنسان من جميع أنحاء الانتفاع بالدم، فلا يجوز أكله، ولا بيعه، ولا ملامسته ـ وهو معنى النجاسة ـ، ولا أن يكون على الثوب حال الصلاة ـ وهو معنى المانعية.
وقد أطلقنا على هذا النوع من التحليل اسم «الروح القانونية»، أو تفسير القانون، أو التحليل القانوني، أي: ما هو المقصود من التحريم الوارد في القرآن الكريم؟
بل ذهبنا إلى احتمال أن يكون لفظ (حرّم) إذا ورد في القرآن الكريم أوسع دلالةً مما إذا ورد في الروايات. وعلى هذا التقدير يكون ذلك روحًا قانونية دينية خاصة بالشريعة، لا روحًا عامة لجميع القوانين. أما إذا قلنا إن التحريم يشمل جميع الآثار القانونية، فإن هذا التفسير سيكون شاملًا لمختلف الأنظمة القانونية.)
#أصول_الفقه
2. روح القانون وأثره في فهم الأحكام الشرعية وتحليلها
(نقصد بـ«الروح القانونية»** التفسير والتحليل الذي نقدمه لمفهوم «القانون» نفسه، كبيان معنى الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة. فما لم تُحسم هذه المباحث في علم الأصول، فإن سائر الأبحاث ستبقى عقيمة وغير مثمرة؛ لأن الأحكام، بوصفها أمورًا اعتبارية، لها عنوانها الخاص وحدودها المميزة.
ولما كان الوجوب أمرًا اعتباريًا، فلا بد من تقديم تحليل وتفسير له، وهذا التفسير هو ما نطلق عليه «الروح القانونية». وهي ترتبط بكيفية الجعل التشريعي وبالطريقة التي نفهم بها ذلك الجعل.
فعلى سبيل المثال، إذا استُفيد من الدليل الوجوب، فهل يمثل هذا الوجوب نمط العلاقة بين المولى وعبده، أم أنه يعكس نمطًا آخر؟
وهنا نواجه إشكالًا؛ إذ يرى #السيد_المرتضى أن «صيغة (افعل) لا تدل على الوجوب، وإنما الوجوب ناشئ من وجوب طاعة المولى». وقد ذهب #المحقق_النائيني و#السيد_الخوئي إلى قريب من هذا المعنى؛ حيث يقول #السيد_الخوئي: «صيغة (افعل) لا تدل على الوجوب، وإنما الوجوب يثبت بحكم العقل».
غير أن أستاذنا ( #السيد_الخوئي) لم يفرّق بين الحكم العقلي والحكم العقلائي، بينما نرى أن حكم العقلاء غير حكم العقل. ومن المستبعد أن يكون منشأ الوجوب حكم العقل؛ لأن ذلك يقتضي الالتزام بفكرة العبودية الذاتية، أي أن يكون بعض الناس عبيدًا بطبيعتهم، وبعضهم موالي بطبيعتهم، وهي فكرة تُنسب ـ فيما يبدو ـ إلى أرسطو، لكنها ليست مقبولة في الفكر المتعارف.
ومن هنا، فإن كلام #المحقق_النائيني أقرب إلى القبول؛ إذ يرى أن منشأ الوجوب هو حكم العقلاء، وهو في الحقيقة نفس ما ذهب إليه #السيد_المرتضى، وليس رأيًا مستحدثًا. ومقصوده أن الإنسان قد يفهم من صيغة «افعل» معنى الإلزام، ولكن هل هذا الإلزام هو بعينه الوجوب القانوني؟
وسرّ المسألة أن هذا النوع من المفاهيم القانونية لا بد أن يكون قد تأسس في المجتمع، أو يكون مرتكزًا في أذهان الناس، بينما لم يكن هذا الفهم للقانون مرتكزًا في مجتمعات مكة والمدينة، ولا حتى في اليمن أو إيران آنذاك، بل كان الفهم السائد يدور حول سلطة الآمر وشؤون المولى.
ولا سيما أن نظام الرق كان شائعًا في العالم العربي آنذاك، فكان يُتصور أن قول الشارع: ﴿أقيموا الصلاة﴾ يشبه أن يجمع السيد مائة عبد ويقول لهم: ليأتِ كل واحد منكم بدلوٍ من الماء.
ومن هنا، فإن البحث في انحلال الخطاب وعدمه يرجع إلى الروح القانونية، وكذلك البحث في أن العمل هل يصبح ملكًا للمولى أم لا، فإنه أيضًا يرجع إلى الروح القانونية وإلى تفسيرنا لمعنى الوجوب والاستحباب.
ففي الوجوب، هل نرى مجرد علاقة بين الآمر والمأمور، بحيث لا يعني الوجوب إلا إلزام الآمر للمأمور؟ أم أن للعمل نفسه آثارًا قانونية أخرى؟
وإذا لم يكن المجتمع مجتمعًا قانونيًا، فإن صيغة الأمر لا تُفهم منها حقيقة الوجوب كما نفهمها اليوم؛ ولذلك أنكر بعض علماء الإسلام الوجوب التخييري؛ لأن الوجوب عندهم هو ما لا يجوز تركه. كما أنكر بعضهم الواجب الكفائي، وقالوا: إن الذي أتى بالفعل هو وحده الذي كان الواجب متعلقًا به عند الله.
وهذا هو المقصود من «الروح القانونية».
ومن أهم وجوه هذه المسألة أن مجتمعي مكة والمدينة لم يكونا مجتمعين قانونيين؛ ولذلك لم تكن الألفاظ ظاهرة في هذه المعاني القانونية، وإنما كانت تُفهم غالبًا في إطار علاقة العبد بالمولى.
ولهذا ذهب #السيد_المرتضى، ثم #المحقق_النائيني، و#السيد_الخوئي أيضًا، إلى أن صيغة (افعل) تدل لغةً على الإلزام، لكنها لا تدل على الوجوب القانوني؛ لأن الوجوب مصطلح قانوني خاص، ولم يكن هذا المعنى متصورًا في ذلك العصر، بل لم تكن المصطلحات القانونية قد استقرت حتى في زمن #الإمام_الصادق (عليه السلام).
ومن هنا، ففي بعض الروايات، كقوله (عليه السلام): «لا تصلِّ في وبر ما لا يؤكل لحمه»، يرى #المحقق_النائيني أنه وإن كان ظاهر اللفظ هو النهي، إلا أنه إرشاد إلى المانعية.
أما علماؤنا المتقدمون، كصاحب #المحقق_الحلي في كتاب «شرائع الإسلام»، فقد أخذوا بظاهر اللفظ، وقالوا: «تحرم الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه».
ومن هنا نشأ أصلًا البحث المعروف: «هل النهي في العبادات يقتضي الفساد أم لا؟»؛ لأنهم فهموا من النهي جهة الزجر والتحريم.
ومن زاوية أخرى، فقد قُدمت عدة تفسيرات لمعنى الوجوب؛ فمنها أن الوجوب لا يتعلق بالفعل نفسه، وإنما هو نسبة بين الآمر والمأمور، بمعنى أن الآمر يدفع المأمور إلى الإتيان بالمأمور به.
ومنها أن الوجوب ـ إضافة إلى البعث ـ يجعل الفعل ثابتًا في ذمة المكلف، وتترتب على ذلك آثار قانونية؛ كوجوب القضاء إذا لم يؤدَّ الفعل في وقته.
ومنها أن الوجوب ـ إضافة إلى إلزام المكلف وإشغال ذمته ـ يجعل العمل ملكًا للآمر، فتترتب عليه آثار الملكية، كما نُقل عن #الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء أنه يرى أن العمل يصبح ملكًا للآمر بمجرد ثبوت الوجوب.
تأصيل المسائل الأصولية من ثلاثة مناظير: الأدبيات القانونية، والروح القانونية، والفضاء القانوني
(ترجع الجذور الأصولية للمسائل إلى ثلاثة محاور أساسية لم يتعرض لها الأعلام، ونرى أن كل مسألة أصولية ينبغي أن تُدرس من خلال هذه المناظير الثلاثة: «الأدبيات القانونية»، و«الروح القانونية»، و«الفضاء القانوني»**. وهذه مباحث نطرحها في الفقه، وهي في الأصل من الموضوعات التي تُبحث أيضًا في الدراسات القانونية المعاصرة.
1. الأدبيات القانونية
المراد بـ «الأدبيات القانونية» هو الألفاظ والتراكيب التي تُستعمل في مقام التعبير عن الحكم القانوني.
وقد ذكرنا أن علم الأصول الإسلامي ركّز غالبًا على نماذج محددة من الأدبيات القانونية، مثل صيغة الأمر (افعل)، وصيغة النهي (لا تفعل)، ومادة الأمر والنهي، كقول القائل: «نهيتك» ونحو ذلك، وجعلها محور البحث.
إلا أنهم التفتوا فيما بعد إلى أن الأدبيات القانونية ليست محصورة في هذه الصيغ، بل هي واسعة ومتنوعة، وليست ذات نمط واحد؛ إذ نجد تعابير مختلفة، من قبيل: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، و«المؤمنون عند شروطهم»، و﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، و﴿وأقيموا الصلاة﴾.
وفضلًا عن ذلك، قد يُعبَّر في مقام التشريع بلسان الحب والبغض أو بلسان الإرادة والكراهة، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾، وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾.
ومن هنا، فإن المجموعة التي أطلقنا عليها عنوان «الأدبيات القانونية في منظومة الأحكام الفقهية» ذات سعة كبيرة، وهي أوسع بكثير مما تناولته كتب الأصول المتداولة. ونعتقد أنه عند تنقيح المباحث الأصولية ينبغي دراسة جميع هذه الأنماط ضمن مباحث الألفاظ؛ سواء من جهة الدلالات العرفية العامة، أو الدلالات اللغوية، أو الدلالات العرفية الخاصة، مع بيان الآثار المترتبة على كل منها.
كما قد يُستعمل مصطلح واحد في القرآن الكريم بدلالة معينة، ثم يُستعمل في الروايات بدلالة أخرى، وكل ذلك ينبغي تنقيحه في علم الأصول؛ كالبحث في: هل يوجد فرق حقيقي بين التحريم الثابت بالكتاب والتحريم الثابت بالسنة أم لا؟، إلى غير ذلك من المسائل.)
#أصول_الفقه
المراحل السبع للحكم محورٌ لتنظيم المباحث الأصولية
(يمكن عرض علم الأصول من زوايا أخرى أيضًا؛ فمثلًا يمكن جعل التكليف و«الحكم»** والجعل التشريعي محورًا للمباحث الأصولية.
وقد ذكرنا سبع مراحل لدراسة الحكم، تكون المراحل الثلاث الأولى سابقةً على الجعل، وهي: الملاكات، والحب والبغض، والإرادة والكراهة.
ثم تأتي المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الجعل، والبحث في حقيقة الجعل وكيفيته.
وتليها المرحلة الخامسة، وهي مرحلة الإبلاغ وإرسال الرسل.
ثم تأتي المرحلة السادسة، وهي مرحلة وصول الحكم إلى المكلَّف أو التنجّز، وقد كان علم الأصول القديم يعالج مباحثه في هذه المرحلة تحت عنوان التنجّز.
أما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة الامتثال، وقد وردت مباحث الامتثال متفرقة في بعض أبحاث علم الأصول، والأولى جمعها في موضع واحد.
فإذا أُنجز هذا العمل، وأمكن تدوين علم أصول جديد على أساس معرفة الجعل والتشريع ضمن المحاور السبعة، فإن ذلك سيكون منهجًا علميًا واعدًا ومثمرًا.)
وجود المسائل الأصولية في قالب الفتوى قبل تدوين علم أصول الفقه
(**يمكن القول: إنّ المباحث الأصولية، بمعنىً من المعاني، بدأت منذ عصر الصحابة، إلا أنّ ما وصل إلينا لا يتضمن إلا موارد قليلة احتُفظ فيها بالجانب الأصولي، بل إنّ الذي حُفظ في الغالب هو جانب الفتوى. فمثلاً، في مسألة: هل يحرم وطء المرأة بعد انقطاع دم الحيض وقبل الاغتسال أم لا؟ كان فريق يقول: إنه حرام، أي إنهم يجرون الاستصحاب، وفريق آخر يقول: إنه ليس بحرام، أي إنهم لا يجرون الاستصحاب، ثم فُسِّر هذا الرأي لاحقًا في علم الأصول بأنه مبني على البراءة.
ولنفترض أنّه نُقل عن بعض الصحابة اشتراط إباحة مكان الصلاة، فإنّ المتأخرين كانوا يفسرون ذلك بمسألة اجتماع الأمر والنهي، ويقولون: إنّ فلانًا يقول بالامتناع، مع أنّ لفظ الامتناع لم يرد أصلًا في كلمات ذلك الصحابي.
وكان القسم الأكبر من كلمات الصحابة يدور حول «مصادر التشريع» و«كيفية استنباط الأحكام» بالطريقة التي سُمِّيت فيما بعد بالقياس أو الإجماع. وأحيانًا كانت تُطرح مسائل من قبيل الاستصحاب وحجية خبر الواحد، كما كانت تُطرح أيضًا مسائل أصولية من سنخ اجتماع الأمر والنهي أو امتناعه.
فعلى سبيل المثال، يقول #فخر_الرازي في علم الأصول: لو اقتصرنا على مقتضى القاعدة، لحكمنا ببطلان الصلاة في المكان المغصوب، ولكن لما كان الصحابة يصلّون خلف الخلفاء في الأماكن المغصوبة ـ وهم خلفاء كانوا يغتصبون أموال الناس ودورهم ـ فإننا، استنادًا إلى عمل الصحابة، نلتزم باجتماع الأمر والنهي، مع أنّ الصحابة أنفسهم لم يطرحوا أصلًا هذا البحث الأصولي. أي إنّ بإمكاننا أن نستخرج من سلوك الصحابة بحثًا أصوليًا.
وقد يُعترض بأنّ هذه فتاوى فقهية وليست مسائل أصولية، إلا أنّ الذي أستظهره هو أنّها ليست مجرد فتاوى، بل تتضمن أيضًا مباني أصولية. فمثلًا، في المسألة المتقدمة وردت عن الأئمة (عليهم السلام) روايات متعددة تفيد أنه لا بأس بالوطء بعد انقطاع الدم، وإن كانت بعض الروايات تشترط غسل الموضع، إلا أنها لا تشترط الغسل. وقد فهم علماؤنا من هذه الروايات إلى اليوم الحكم الفقهي، ولكن إذا صحّ هذا التصور، فإنها تدل أيضًا على مسألة أصولية؛ إذ عندما يقول الإمام (عليه السلام): «لا بأس قبل الاغتسال»، فهذا يعني أنه لم يُجرِ الاستصحاب.
ولو وصلت هذه الكلمة من #الإمام_الصادق (عليه السلام) إلى أحد فقهاء القرن الثاني الهجري، لقال: إنّ #الإمام_الصادق (عليه السلام) لا يرى جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية؛ لأنه كان من المسلَّم آنذاك أنه لا توجد في هذه المسألة رواية عن #رسول_الله (صلى الله عليه وآله)، وعليه فإما أن يُجرى الاستصحاب فيُحكم بالحرمة، أو لا يُجرى فيُعمل بالبراءة ويُحكم بالحلية، ولم يكن هناك طريق ثالث.
أما اليوم فإنّ علماءنا لا يفهمون الرواية بهذا النحو، بل يقولون: لعلّ الأئمة (عليهم السلام) كانت لديهم رواية خاصة عن #رسول_الله (صلى الله عليه وآله)، وعندئذ تصبح المسألة فقهية لا أصولية.
وهذه المسألة غاية في الأهمية؛ لأنّ هذه المباحث لم تتبلور في علم الأصول إلا في أواخر القرن الثاني الهجري، ونحن نريد أن نفسر لكم مرحلة تمتد قرنين كاملين، أي من عصر الصحابة إلى حدود سنة 195هـ، وهي السنة التي أُلِّف فيها كتاب #الشافعي. نعم، كانت هناك قبل ذلك مؤلفات أصولية لـ #محمد_بن_الحسن_الشيباني وغيره، إلا أنّ الذي وصل إلينا هو «الرسالة» للشافعي، المؤلفة نحو سنة 195هـ.
وفي هذا الكتاب لا نجد المباحث الأصولية بالصورة المتداولة عندنا، وأعتقد أنّ المباحث الأصولية في ذلك العصر كانت تُطرح ضمن الفتاوى.
ولا سيما بعد #العلامة_الحلي، حيث قُبل الاستصحاب في الشبهات الحكمية واستقرّ في الوسط العلمي. وكانت هذه المسألة بالذات من أهم النقاط التي شنّ بسببها الأخباريون هجومًا شديدًا على الأصوليين، ومع ذلك فإنّ كلا الفريقين لم يتمسك بهذه الروايات.
ثم بعد المرحلة التي بلغ فيها الأخباريون أوج نفوذهم، قبل #الوحيد_البهبهاني الاستصحاب، ثم جاء بعده #الشيخ_الأنصاري فأقرّه أيضًا، ومنذ ذلك الحين أصبح الاستصحاب من المسائل المستقرة في علم الأصول، إلى أن جاء #السيد_الخوئي، فلم يقبل الاستصحاب من جهة نكتة التعارض؛ ولذلك فهو يقبله إذا لم يوجد تعارض، مع أنّ التعارض ـ في نظره ـ دائم.
ونحن أيضًا نعتقد أنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية الكلية، إلا أننا سلكنا في ذلك طريقًا مغايرًا لطريق #السيد_الخوئي والأخباريين.
وعلى أي حال، فهذه من المسائل ذات الأثر العميق في علم الأصول، وتستحق أن تُدرس دراسة جادة؛ إذ لو اتضح هذا المسار التاريخي، لانكشفت تبعًا لذلك جهات كثيرة من هذا العلم.)
مقدمة كتاب «نگاهی به دریا» (نظرة إلى البحر)
(بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أفضل الخلق أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ولا سيما الإمام المهدي الذي يملأ الله به الأرض قسطًا وعدلًا.
نظرًا إلى المنظومة المعرفية الواسعة والدقيقة للعلماء ومؤلفي الكتب الشيعية وآثارهم المكتوبة، وكذلك إلى ضرورة التعريف الصحيح والدقيق بالتراث العلمي والثقافي للشيعة وترويجه، تأسست «مؤسسة كتابشناسي شيعه» (مؤسسة معرفة الكتب الشيعية) سنة 1427هـ/1385هـ ش، وقد وضعت منذ تأسيسها مشروعين كبيرين ومهمين ضمن أولوياتها:
1. دائرة المعارف الشيعية
2. كبار علماء الشيعة
ومنذ بداية تأسيس المؤسسة كان من المعلوم أن إنجاز هذين المشروعين الكبيرين يحتاج إلى عدة أعمال تمهيدية، من جملتها: تنظيم ونشر البحوث الفهرسية والرجالية والتراثية المتعلقة بالشخصيات المعاصرة، وقد طُبعت ونُشرت بعض هذه الأبحاث هنا وهناك، إلا أن تنظيمها وجمعها في صورة مجلدات مستقلة لم يكن قد تمّ بصورة كاملة. لذلك قررت أن أجمع وأدوّن بحوثَ فهرسة الكتب والرجال التي أعددتها خلال الأعوام الماضية، وكذلك البحوث المعاصرة، ومنها أعمال الأستاذ المحقق آية الله الحاج السيد موسى شبيري الزنجاني (دامت إفاداته).
ومنذ ذلك الحين تقرر أن تُجمع هذه البحوث وتُنشر في مجلدات مستقلة، وقد تمّ نشر المجلد الأول والثاني من هذه السلسلة، وسيُنشر المجلد الثالث إن شاء الله تعالى.
ومن جملة العلماء الذين لديهم دراسات وبحوث واسعة في مجال كتب الشيعة والرجال وتراجم الكتب: الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي (دامت إفاداته). فمنذ السنوات الأولى لتأسيس مؤسسة كتابشناسي شيعه، أي منذ حدود سنة 1385هـ ش، تقرر أن تُجمع مقالاته وبحوثه الفهرسية والرجالية وتُنشر بصورة مستقلة. وفي هذا الاتجاه، كان لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد رضا حسيني، الذي كانت له جهود سابقة في هذا المجال، دورٌ مهم، حيث طلبنا منه تنظيم هذه الآثار وإعدادها للنشر. وقد قام مشكورًا بجمع هذه البحوث وتنظيمها.
وعندما اطّلع سماحة الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي على العمل، أبدى ملاحظات مهمة حول بعض المطالب، وطلب حذف بعض الأبحاث وإضافة بحوث أخرى مناسبة، فقام سماحة السيد حميد رضا حسيني الموسوي بإعادة تنظيم البحث وفق تلك الملاحظات، وبالتنسيق مع الأستاذ، كما تولّى سماحة السيد محسن صادقي ومحمدرضا خادمي إعداد الكتاب للطباعة بدقة.)
#تنقيح_الميراث_الحديثي_في_الكوفة_والخلط_بين_الفهارس_والرجال
(نقول: إن الفترة من زمن الإمام موسى بن جعفر #الإمام_الكاظم (عليه السلام) إلى أواخر الغيبة الصغرى، التي يُصطلح عليها أحيانًا بـ المدرسة الأولى في بغداد، كانت مرحلة مهمة في تدوين الفهارس والرجال. ومن جهة أخرى، فإن النسخة التي تُنقل عن عبد الله بن جبلة أقدم من ذلك. يقول عبد الله بن جبلة: إن تلك النسخة المشهورة في الكوفة، وهي نسخة المرحوم النجاشي، لعلها كانت أيضًا من كتب الواقفة.
وقد لا يكون في ذلك إشكال. لكن ينبغي أن نعرف ـ كما عرضنا ـ أن في الكوفة كان هناك نوع من الخلط بين كتب الرجال وكتب الفهارس.
«رواية عبد الله بن جبلة أكثر ما يُروى».
فقد كان في الكوفة كتاب مشهور ـ وهو كتاب حميد بن شعيب ـ يجمع بين أمرين: أحدهما تقريرات سمعها من جابر، والآخر تأليفٌ كان قد كتبه بنفسه. ولهذا فالأمر واضح.
فالكتاب يُعرف من خلال رواية عبد الله بن جبلة عن حميد بن شعيب، وهو يقول:
«حدّثنا عبد الله بن سماعة، عن حميد بن زياد، قال: حدّثنا محمد بن شريح الحضْرمي، قال: رويته من جعفر».
أي أن جعفر هو الراوي عن الكتاب، لكن حميدًا هو الذي عُدَّ صاحب الكتاب ومؤلفه.
فالكتاب يُنسب إلى حميد، وليس إلى جعفر؛ لأن جعفرًا له طريق إلى التلعكبري، فهو ليس المؤلف. والنجاشي كان مطّلعًا على ذلك، لكنه كان يعتقد أن جعفرًا هو الراوي، ولذلك لم ينسب الكتاب إليه، بل ذكره ضمن آثار جعفر.
أما في كتاب التلعكبري فقد نُسب إلى جعفر نفسه؛ لأن الكتاب ذُكر باسم جعفر، فهذه النسبة جاءت من جهة الرواية لا من جهة التأليف.
إذا كان حميد يروي عن رواة جابر، وعن رواة الإمام الصادق (عليه السلام)، فالكتاب هو كتاب روايات حميد بن زياد. والنجاشي عندما قال: «كتاب رواه حميد بن زياد»، كان يقصد أنه كتابه من جهة الجمع والرواية، لا أنه ألّفه بالضرورة.
فالنجاشي نقل طريقه، ولم يذكر طريق التلعكبري، بل قال: إن طريقه إلى حميد موجود، وهذا يدل على دقة كبيرة في التعبير.
ولو كان النجاشي قد رأى أن الكتاب كله من تأليف جعفر لذكره بعنوان «كتاب جعفر»، لكنه لم يفعل ذلك، بل قال: «كتاب حميد بن شعيب».
ومن هنا يظهر أن ما ذكره النجاشي مبني على ملاحظة دقيقة، وهي أن الكتاب في حقيقته من جمع حميد، وأن جعفرًا إنما هو أحد طرق الرواية عنه.
وبطبيعة الحال، نحن لا نجد في الكتب الأربعة روايةً مباشرةً عن حميد بن شعيب، لكن هذا لا يمنع من وجود الكتاب وانتشاره في الفهارس القديمة.
وقد قال النجاشي:
«حميد بن شعيب السبيعي الكوفي، روى عن عبد الله بن جبلة، وروى عنه جماعة، وله كتاب».
وهذا يوضح أن القضية قضية فهرسية بالدرجة الأولى، وليست مجرد بحث رجالي في وثاقة الراوي.
والبحث في هذه المرحلة يحتاج إلى التمييز بين:
المؤلف الحقيقي للكتاب.
الراوي الذي نقل الكتاب.
الطريق الفهرسي الذي وصل به الكتاب إلينا.
فكثير من الإشكالات نشأت بسبب الخلط بين هذه الجهات الثلاث.
ومن هنا فإن دراسة الفهارس القديمة، وخصوصًا فهارس الكوفة وبغداد، تكشف لنا كثيرًا من تاريخ انتقال الكتب الحديثية، وكيفية وصولها إلى المتأخرين.)
نسبة الكتب إلى أصحابها وأثر الفهارس في تمييز مصادر الروايات
(قد يختصر شخصٌ كتابًا ويأخذ منه مقدارًا من الأحاديث، خصوصًا إذا كان قد انتقى منها بعض الروايات. فيقولون: إنّ النجاشي وثّقه، وكذلك العلّامة. نعم، عمل العلّامة ـ رغم أنّه نقل توثيقات النجاشي ـ كان في مرحلة لاحقة، وكان ابن زياد أكثر اهتمامًا بأنّ هذه الأحاديث هي أحاديث جابر. ومن المؤكد أنّ أمثال حميد قد نقلوا ذلك.
لذلك فليس من غير العلمي أن ينسب شخصٌ في فهرسته الكتاب إلى جعفر بعنوان «كتاب جعفر»، لأنّ المقصود أنّه أخذ هذه الروايات من كتابه أو من طريقه.
فالنجاشي يقول: إنّ هذا الكتاب ـ وإن كان فيه روايات جابر ـ إلا أنّ جعفرًا كتبها، وفي الحقيقة تحمّل مسؤولية هذا الكتاب. وأحمد بن زيد أيضًا لم يكذب؛ فقد أعطى تلميذه الكتاب، والتلميذ كتبه بخط يده، خصوصًا إذا كان قد انتخبه واختاره؛ لأنّ العالم عندما يختار شيئًا من كتاب ويعطيه لتلميذه، يكون ذلك معتبرًا عندهم.
فإذا أخذه حميد وقال: إنّي أخذت هذا الكتاب من حميد بن شعيب، ثم نسبه إلى نفسه بعنوان كتاب، فمع أنّ نفس الروايات موجودة فيه، إلا أنّه يُنسب إليه باعتبار أنّه صاحب الكتاب أو ناقله.
والنجاشي عندما يقول: إنّ جعفرًا نقل روايات عن جابر بواسطة حميد، وإنّه سمعها من الإمام الصادق (عليه السلام)، فهو لا يريد بالضرورة أنّ هناك كتابًا مستقلًا آخر، بل يشير إلى أنّ هذا الكتاب هو أصل جعفر.
فالنجاشي يقول: «كتاب جعفر عن حميد عن جابر عن أبي عبد الله»، وهو يريد أن يثبت طريق الكتاب، لا أن يثبت أن كل راوٍ هو المؤلف.
ولو لم يذكر النجاشي السند إلى حميد، لقال: إنّ هذا هو كتاب محمد بن جعفر، لكنّه ذكر طريق هارون بن موسى، وهذا فيه دقة؛ لأنّه لم يضع اسم كتاب «أصل محمد بن جعفر»، بل ذكر طريق التلعكبري.
فإذا كان النجاشي قد أورد هذه الدقة كلها، فهذه إشارة إلى أنّه كان ملتفتًا إلى الفرق بين صاحب الكتاب وطريق النقل.
وطبعًا نحن لا نجد رواية عن حميد بن شعيب في الكتب الأربعة. والمقصود أنّ هذا الكتاب لم يصل إلينا عن طريق الرواية المباشرة في تلك الكتب، بل وصل عن طريق الفهارس.
ويحتمل أن يكون أحمد بن زيد قد أخذ هذا الكتاب من جعفر، ثم كتب أحاديثه وأجازها لتلميذه، ثم وصلت إلى حميد، فذكرها في فهرسته. وهذا أمر دقيق.
فكتاب جعفر هو في الحقيقة تقريراتٌ أو رواياتٌ كتبها جعفر عن جابر، ثم نُقلت عبر حميد. والنجاشي نسبه إلى جعفر لأنّه يرى أنّ أصل الكتاب له.
ومن هنا تظهر أهمية الفهارس؛ فهي لا تكتفي بذكر الراوي، بل تبحث في هوية الكتاب، وطريق وصوله، ومن أين جاء.
فلو كان هذا الأمر مشهورًا في فهارس الكوفة ووصل إلى قم، لكان معلومًا أيّ الفهارس القمية نقلته وأيّها لم تنقله.
والنجاشي يقول: «حميد بن شعيب السبيعي الكوفي، روى عن عبد الله بن جابر، وروى عن أبي عبد الله (عليه السلام)، له كتاب...» ونحو ذلك.
فهنا توجد عدة نقاط: الأولى: أنّ الفهارس القمية لا تنقل كل شيء. الثانية: أنّه ينبغي معرفة الفترة التاريخية التي ظهر فيها الكتاب؛ فمثلًا إذا كان الكتاب من تلك المرحلة بين سنة 150 و200 هـ، فمن المهم معرفة أيّ مصدر حفظه ونقله. الثالثة: أنّ نسبة الكتاب إلى شخص معيّن لا تعني دائمًا أنّه المؤلف الأصلي، بل قد تكون باعتبار الكتاب الذي جمعه أو رواه أو نقله.)
أثر الفهارس في معرفة أصول الروايات وتمييز طرق نقل الكتب الحديثية
(من فوائد علم الفهارس ـ وهذا ما عرضناه سابقًا ـ أنّه يمكن أن يترك أثرًا في دراسة التاريخ أيضًا؛ فمثلًا عندما تقرأ سندًا من قبيل: «عن فلان، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، أو «عن علي بن إبراهيم»، فقد تستطيع في بعض الموارد أن تعرف أن هذا النقل كان بصورة سماع مباشر أو بواسطة كتاب معيّن.
ولكن في كثير من روايات الشيعة نجد أنّ الأمر ليس بهذه البساطة؛ لأنّ هناك إضافات وتصحيحات، كما أنّ الكتب انتقلت من شخص إلى آخر. فمثلًا حمّاد كان له كتاب، وحريز أيضًا كان له كتاب. ومن هنا نعلم أنّه عندما جاء زرارة إلى الكوفة، فمن المحتمل أنّه كتب، أو أنّه نقل، أو أنّ جعفر كتب، ثم إنّ الأصل الأول كان عنده.
ونحن نعلم مثلًا: إبراهيم بن هاشم نقل الكتابين إلى قم، وعلي بن إبراهيم أخذ كتاب حريز، ونقل هاتين النسختين بوضوح إلى الكليني. وهذا أمر تاريخي واضح وجلي.
ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر كما في بعض أسانيد العامة؛ حيث يمكن أن يقال مثلًا: فلان ثقة، وقال عنه النجاشي أو غيره كذا، بل إنّ الأمر في تراثنا يحتاج إلى ملاحظة الكتاب والطريق والنسخة.
ومن فوائد الفهرست الجانبية أنّه يساعدنا على إعادة بناء التراث. فقد عرف العلماء منذ أكثر من ألف سنة هذه الأمور، وكان أصحاب قم يعملون عليها بدقة. وليس معنى ذلك أنّ كل ما وصل إلينا يكون مقبولًا؛ بل المقصود أنّ هذه الجهود كانت سببًا في وضوح ميراثنا العلمي وتنقيحه.
فمثلًا أبو غالب الزراري، الذي كان شيخ الشيعة في زمانه، قام بعمل جيد. وكذلك النجاشي عمل بشكل جيد على الفهارس، خصوصًا في فهرسته. لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ بعض الكتب قد تُنسب إلى شخص باعتبار الطريق أو الرواية عنه، لا باعتبار أنّه هو المؤلف الحقيقي.
فمثلًا كتاب جعفر بن محمد شُريح الحضرمي: النجاشي لم ينسبه إلى جعفر بن محمد شريح نفسه، بل الطريق الذي وصل إليه كان عن طريق التلعكبري. ومن المؤكد أنّ النسخة التي رآها الشيخ كانت موجودة، ولكنها كانت أيضًا في أصول الستة عشر.
وهذه النسخة التي كانت عند التلعكبري، وكان صديقًا لابنه، هي نفسها التي وصلت. وهناك محمد بن المثنى، وهو أيضًا طريق معتبر، ولا يوجد إشكال في وجود محمد بن أمية.
فالشيخ في الحقيقة رأى كتابًا باسم «الأصل» أو «كتاب جعفر بن محمد»، ونقله بطريق التلعكبري، كما أنّه نقل آثار التلعكبري في بغداد. ولذلك فالتعبير بـ«أصل جعفر» دقيق جدًا، ومن المحتمل بدرجة قوية أنّه مأخوذ من فهرست حميد.
فمثلًا التلعكبري نقل عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولهذا جاء الاسم واضحًا ولا يوجد فيه أي إبهام. وقد نقل حميد عن شيخه قائلًا: ذهبت إلى جعفر، وكان هذا موجودًا في كتاب حميد.
وقد يكون المقصود بـ«كتاب جعفر» أو «أصل جعفر» أنّه عنوان للكتاب الذي كتبه جعفر أو نُسب إليه، لا أنّه كتاب مستقل بالضرورة.
والنجاشي اعتمد على حميد وعلى هارون بن موسى التلعكبري؛ لأنهما نقلا هذه الكتب، وهذا عمل علمي قائم على تتبع الأصول والنسخ.
ولهذا فإنّ تسمية هذه الكتب بـ«كتاب جعفر» تحتاج إلى فهم دقيق؛ لأنّ الكتاب الذي وصل باسم جعفر بن محمد شريح عن جابر قد يكون هو عين كتاب حميد بن شعيب، وليس كتابًا مستقلًا آخر.)
تطوّر تنقيح الروايات في مدرسة قم ودور التوقيعات في نقل التراث الحديثي
(إنّ توقيعات الإمام الهادي (ع) جُمعت بواسطة عدّة أشخاص، وهي شبيهة بالاستفتاءات في زماننا؛ فمن الممكن أن تكون قد كُتبت بواسطة عدّة أفراد، وهي أمر لطيف جدًا. وأصلًا فإنّ هذه التوقيعات التي كتبها الإمام الجواد (ع)، وصلت إلى الإمام الهادي (ع)، حيث إنّ كثيرًا من الرسائل التي وصلت إلى خدمة الإمام (ع)، أو التي كان أصحابها في طريقهم إليه، كانوا يأتون إلى قم وينقلونها للناس.
وكان عبد الله بن جعفر الحميري ـ وهو من أجِلّة أصحابنا ـ ومحمد بن عيسى بن عبيد وغيرهما، يجمعون توقيعات الأئمة. وكان من أهمّها توقيعات الإمام العسكري (ع)، التي جمعها الشيخ الصفّار في قم، وكانت موجودة عند الشيخ الصدوق. وأكثر نقل هذه التوقيعات ـ وإن كان للشيخ الطوسي أيضًا بعض النقل فيها، وللكليني نقل قليل منها ـ كان من خلال هذه الكتب التي وصلت إلينا. ولكن أكثر عملهم كان في تنقيح هذه التوقيعات وتصحيحها ودراستها.
ولا يعني التنقيح والتصحيح أنّه لم يكن هناك إنتاج علمي، بل يمكن القول: إنّ مدرسة قم عندما كانت في مرحلة النضج، قامت بتنقيح وتصحيح ما وصل إليها من التراث السابق. فمثلًا لدينا توقيعات كثيرة، منها توقيعات مفصّلة، ومنها توقيعات مختصرة، ومنها توقيعات صادرة عن الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام)، وإن كانت أقلّ بالنسبة إلى الأئمة السابقين؛ لأنّ الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام) كانا تحت الرقابة وفي ظروف التقية الشديدة، وكذلك الإمام صاحب العصر (عجّل الله فرجه) كانت ظروفه الخاصة سببًا في قلّة وصول التوقيعات.
وهذا الأمر كان موجودًا تقريبًا إلى حدود سنة 180 ـ 200 هـ، أي إنّ بعض آثار هذه المرحلة استمرّت بسبب أهميتها إلى زمن عبد الله بن جعفر الحميري.
وبطبيعة الحال، فإنّ المرحوم النجاشي ـ كغيره من العلماء ـ كان له معايير خاصة، ولذلك ينبغي دراسة أحكامه وتقويمها بدقّة. وكذلك الغضائري قد أخبر عن بعض هؤلاء، وكان له مبناه الخاص. ولهذا فإنّ الشيخ الطوسي اتجه إلى بحث حجية الخبر، وهو بحث دقيق.
وقد دخلت عوامل أخرى في هذا المجال؛ فمثلًا من رجال الكوفة المهمّين لدينا عبد الله بن جبلة، وهو واقفي. وربما كانت الأعمال التي جرت في الكوفة في مجال الفهارس والرجال والحديث متقاربة في هدفها من أجل قبول الحديث.
إنّ الفترة الممتدة بين الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى الغيبة الصغرى (عجّل الله فرجه) هي فترة لطيفة جدًا، ينبغي دراسة ما جرى فيها. ففيها نجد أمثال عقدة الزيدي، الذي يُحتمل أن يكون له فهرست ابن فرات، وكذلك رجال حميد بن زياد الواقفي، ورجال علي بن الحسن بن فضال.
وهذه الأمور ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، لأنّ الشيخ والنجاشي عندما وصلا إلى الكوفة كانا على معرفة كاملة بهذه المرحلة. والواقع أنّ بعض العُقد الموجودة في تراثنا ناشئة من عدم وضوح أصحاب بعض الكتب؛ فمثلًا لا نعلم على نحو دقيق هل بعض هؤلاء من الإمامية أم لا.
إنّ الكتب التي وصلت إلينا من طريق هذين الشخصين ـ كتاب حميد وكتاب ابن عقدة ـ أدّت إلى وجود نوع من الخلط بين مباحث الرجال والفهارس. ولهذا ينبغي ألا يُشكل بأنّ كتاب النجاشي أدرج بعض الأمور؛ لأنّ كتابه في الأصل كتاب فهرستي، وليس كتاب رجال بالمعنى الاصطلاحي.
وقد عرضنا سابقًا أنّ العلامة الحلي أطلق اسم الرجال على كتابه، مع أنّه في الحقيقة كان ينظر إلى حجية الروايات، ولذلك جمع فيه مباحث الرجال والرواة. فهل هذا يُسمّى خلطًا؟ إنّ الاصطلاح عندنا أنّه إذا كان النظر إلى الحجية، فسواء كان البحث في الرجال أو في الفهارس؛ فالنتيجة واحدة، وهي معرفة ما إذا كان الخبر حجة أم لا.
ففي الفهرست يُعطى لنا الكتاب وطريق الوصول إليه، وفي الرجال يُبحث عن الراوي، لكن الغاية النهائية في كلاهما هي الوصول إلى الرواية المقبولة والعمل بها.)
عنوان: المنهج الفهرستي في تنقيح التراث الروائي وتمييز النسخ
(لقد سبق أن أشرنا إلى أن الأعمال التي قام بها الأصحاب في الكوفة خلال المدة الواقعة تقريبًا بين سنتي 150 و300هـ كانت تهدف إلى تنقيح التراث الحديثي. وبسبب التعرض لخصائص تراث الكوفة خرجنا شيئًا ما عن أصل البحث، فأصبح الكلام يدور حول المباحث الفهرستية والرجالية والحديثية.
وقد ذكرنا ـ على سبيل المثال ـ جعفر بن محمد بن شريح، وكان البحث في محمد بن شريح، وسنعود إليه لاحقًا. وفي أصل جعفر المطبوع حاليًا ورد موردان يرويان بواسطة رجلين، وهو ما يخالف ظاهر الأمر في أن الراوي هو ابنه؛ لأنهما نسبا الرواية إلى محمد بن شريح الحضرمي. ومع هذه المعطيات المتوافرة اليوم، يصعب جدًا الالتزام بأن الابن يروي عن أبيه بهذه الكيفية، ولا سيما مع التعبير بـ «عن أبيه»، كما أن من البعيد جدًا أن يروي الإنسان عن محمد بن شريح بواسطة رجلين مع عدم وجود حاجة إلى ذلك.
وقد أشرنا أمس إلى أن الشيخ الطوسي ذكر اسمه في الفهرست، وذكر أيضًا طريقه إليه، ومن هنا يستبعد أن يكون المقصود هو ابنه.
وحاول المرحوم النجاشي توجيه هذا الأمر، كما حاول المرحوم التستري أيضًا تفسيره. والمقارنة بين ما ورد في هذا الفهرست، وبين ما ورد في الروايات، وبين المعطيات الرجالية، عمل علمي حسن، إلا أن القيام به يحتاج إلى شخص يكون مجتهدًا ومتخصصًا في هذا المجال.
فعلى سبيل المثال، لم يذكر النجاشي كتابًا مستقلًا لجعفر نفسه، بينما نسب الشيخ الطوسي إليه كتابًا، وقد حللنا هذا المطلب مرارًا، إلا أن المناسبة اقتضت إعادة ذكره.
وبطبيعة الحال، وبعد مرور أكثر من ألف سنة، لا بد أن نتجاوز مجرد أقوال الشيخ والنجاشي، وأن نتتبع مصادر أفكارهما؛ لأن بينهما جهة اشتراك، وهي أن البحث الفهرستي لا يقتصر على التعريف بالشخص والراوي، بل يتناول أيضًا تقويم الآثار والمصنفات. غير أن هذا النوع من البحث أُهمل تدريجيًا في أوساط أصحابنا عبر العصور.
ولهذا فإن أهل السنة يعتمدون غالبًا في حجية الروايات على حال الراوي، بينما أضافت المدرسة الإمامية طريقًا آخر، وهو النظر الفهرستي؛ ففي هذا المنهج لا يقتصر الأمر على معرفة المؤلف والكتاب، بل يجب أيضًا التأكد من أن هذا الكتاب قد خرج من مؤلفه على الوجه الصحيح، وأنه لم يتعرض للتحريف أو الزيادة.
فقد يكون المؤلف نفسه مشهورًا، لكن كتابته ليست دقيقة، وقد يكون شخصًا غير معروف كثيرًا، إلا أن آثاره تتمتع بقيمة علمية كبيرة. ومن هنا ينبغي أيضًا فحص صحة النسخة وسقمها.
وكذلك ينبغي التعرف إلى النسخة نفسها؛ فبعض المؤلفات كُتبت في المدينة، ومنها ما كتبه الأئمة (عليهم السلام) أو أصحابهم، مثل علي بن جعفر ابن الإمام الصادق (عليه السلام)، وبعضها الآخر كُتب في البصرة أو الكوفة.
ثم جاءت مدرسة بغداد، التي امتدت تقريبًا من سنة 150هـ إلى 300هـ، فبدأت ـ منذ حدود سنة 180هـ وفي زمن الإمام الرضا (عليه السلام) ـ بإضافة عنصر جديد، وهو فحص آثار الكوفة من خلال المكاتبات، والاستفادة من تراث بغداد أيضًا.
أما مدرسة قم، التي نشأت في زمن الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد كانت بدورها مدرسةً للإنتاج العلمي، واستمرت ما دام الاتصال بالأئمة (عليهم السلام) وإمكان كتابة التوقيعات قائمًا، بل إن بغداد نفسها كانت في ذلك الوقت تمثل أيضًا مركزًا مهمًا للإنتاج العلمي.)
دقة النجاشي في تمييز نسبة الكتاب إلى مؤلفه
(يبدو أن جعفر أراد في كتابه أن يقول: إن هذه الروايات هي في الحقيقة روايات جابر. ويرى النجاشي أن جعفر لم يؤلفها، وإنما نقلها.
ولو أن المرحوم التستري راجع نفس هذا الكتاب، لما وجَّه هذا الإشكال إلى النجاشي؛ لأن السؤال هو: هل هذا الكتاب هو كتاب جابر الذي سمعه جعفر من حميد بن شعيب؟ أم أنه في الحقيقة كتاب جعفر، غير أن قسمًا منه يشتمل على روايات جابر؟
وهذا هو عين ما ذكرته سابقًا؛ فإن الكتاب الذي كان بين يدي النجاشي لم يكن هو هذا الكتاب بعينه، ومن هنا تتجلى دقته في الحكم.
ولا يمكن أن يقال: لعل النجاشي لم يطّلع على نسخة التلعكبري؛ فإن مثل النجاشي معروف بدقته البالغة، ولا يسوغ مثل هذا الاحتمال في حقه. نعم، يمكن أن يقال: لعلّه لم يطّلع عليها، إلا أن ذلك يبقى مجرد احتمال لا ينهض دليل عليه.
والله العالم.)
وقد كُتبت في الكوفة رسائل كثيرة، ثم ترسخ تدريجيًا نقل الكتابات بين الأصحاب، لا مجرد نقل الحديث، وبعد ذلك تطورت هذه الكتابات إلى ما عُرف بالفهارس.
وأول من نعلم أنه جمع قسمًا من هذه الأصول هو أحمد بن هلال العبرتائي (المتوفى نحو سنة 180هـ)، وهو أول من اشتغل بأصول الأصحاب. وقد بينّا سابقًا أن كلمة «الأصل» ليست اسمًا وضعه المؤلف لكتابه، وإنما أُطلقت عليه لاحقًا، وهذا يكشف عن أن هذه الكتابات اكتسبت خلال خمسين سنة ـ من استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام) سنة (150هـ) إلى ذلك الوقت ـ وصف الأصول.
وهذا يدل على أن أصحابنا كانوا في حالة أقلية؛ فمثلًا، أكثر أحاديث الصلاة عندنا مأخوذة من كتاب حريز، وجميع رواته ثلاثة أو أربعة فقط، بينما كتاب موطأ مالك رواه عنه ما لا يقل عن ألف شخص.
ولما لم تكن هذه الإمكانات متوفرة عند الشيعة، أولوا عنايةً كبيرةً بهذه النسخ، فلم يقتصروا على توثيق الراوي، بل بحثوا أيضًا في مدى اعتماد النسخة نفسها، فاتجهوا إلى العمل الفهرستي، بخلاف أهل السنة الذين ركزوا على الراوي لكثرة طرقهم. ولذلك فإن البحث الفهرستي لا يقتصر على الإجازات، بل يشمل أيضًا دراسة النسخ ومقارنتها.
إلا أن هذه المباحث أخذت تتراجع تدريجيًا في الأوساط الشيعية، ولا سيما بعد العلامة الحلي وكتابه الخلاصة، الذي لا يغطي ـ حتى في أحسن الفروض ـ إلا نحو عشرين بالمئة من الروايات، فغابت بذلك مباحث النجاشي الفهرستية، ولم يعد بالإمكان الاستفادة منها على النحو السابق في دراسة الروايات.
ثم جاء الوحيد البهبهاني فأحدث توسعًا في علم الرجال ابتداءً من القرن الثاني عشر الهجري، ولا يزال هذا المسار قائمًا إلى اليوم، وما زال باب البحث فيه مفتوحًا. وقد أوجد العلماء ما يشبه الأحواض الكبيرة من القرائن، ككثرة الحديث، وكون الراوي من مشايخ الإجازة، ونحو ذلك، لتقليل عدد المجاهيل وإثبات الوثاقة. وفي المقابل، فإن اعتماد الأخباريين على جميع الكتب المشهورة بلا تمحيص ليس منهجًا صحيحًا أيضًا.
ومن الملفت أن مصطلح «الأصل» شاع بين أصحابنا منذ أوائل القرن الثالث، في الوقت الذي ظهر فيه عند أهل السنة مصطلح «الصحيح»، ولعل أصحابنا بنوا مفهوم الأصل على الأسس الفهرستية، بينما بنى أهل السنة مفهوم الصحيح على الأسس الرجالية؛ لأن الفريقين شعرا بضرورة التمييز بين الحديث المقبول وغير المقبول.
وأما عدم ظهور البحث الفهرستي عند أهل السنة، فلأنهم لم يملكوا تراثًا مكتوبًا واسعًا عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلا لسلكوا هذا الطريق أيضًا، إذ لم يكن عندهم سوى كتابات محدودة، كـكتاب علي أو صحيفة علي، وكتاب عبد الله بن عمرو بن العاص، ثم ما روي عن عمرة أنها كتبت سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عائشة، أو ما دوّنه بعضهم من أحاديث أبي هريرة، هذا مع بقاء بحث منع تدوين الحديث في موضعه المعروف.
وأرى أن البدايات الأولى لعلم الفهارس انطلقت من تدوين الأصول، ثم بدأ أصحاب المصنفات منذ زمن الإمام الرضا (عليه السلام)، كما فعل الحسين بن سعيد حين صنف كتبه ورتبها على الأبواب.
وأول من فكر في تدوين عملٍ منظمٍ يشمل فهارس الأصول والمصنفات هو حميد بن زياد (المتوفى سنة 310هـ). ومن غرائب الأمر أن كتاب الفهرست لم يُنسب إليه لا في فهرست الشيخ ولا في فهرست النجاشي، مع أن كليهما يقول في مواضع متعددة: «في فهرسته».
وكان فهرست حميد أول فهرست يضم عددًا كبيرًا من الأصول، وقد كان موجودًا في الكوفة، ثم اعتمد عليه النجاشي (المتوفى سنة 450هـ) والشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460هـ) بعده بما يقرب من (140 ـ 150) سنة، فنقلا جانبًا كبيرًا من مباحثهما الفهرستية عن الكوفة بواسطة حميد.
وعلى وجه العموم، فإن الشيخ والنجاشي استندا في مصادرهما إما إلى مشايخ قم، وإما إلى الكوفة، حيث اشتهر فيها رجلان: ابن عقدة الزيدي وحميد الواقفي.
غير أن فهارس الكوفة ـ بخلاف قم ـ لم تكن على درجة عالية من التنظيم؛ ففي قم نجد فهرست ابن الوليد، كما نجد الصدوق وابن قولويه، وأفضل هذه الفهارس هو فهرست ابن الوليد، الذي نقل عنه النجاشي والشيخ.
أما ما لا يزال يكتنفه الغموض فهو فهرست حميد وفهرست ابن عقدة؛ فابن عقدة نفسه، مع كثرة كتبه وآثاره، لم يُذكر له فهرست مستقل، ويبدو أن منهجه كان أخباريًا، ينقل كل ما سمعه، كما لم يُنسب الفهرست إلى تلميذه محمد بن جعفر المؤدب أيضًا، ويظهر أن ما وصل عنهما إنما كان بطريق الإجازة، مع أن الإجازة لا بد أن تنتهي في الأصل إلى فهرست يُثبت فيه الكتاب.
ومن هنا تظهر أيضًا مشكلة الشيخ الطوسي؛ إذ إنه يروي من فهرست حميد بواسطة ابن سماعة عنه، مع أن الطبقة الزمنية لا تساعد على ذلك إذا كان محمد بن شريح من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).
وخلاصة الأمر: أن كلا الفهرستين يواجهان إشكالًا في ما يرتبط بهذا الشخص.
وصلى الله على محمد وآله محمد.)
منهج النجاشي في نسبة الكتب والتمييز بين التصنيف والتقرير
(بسم الله الرحمن الرحيم
كانت الرواية التي قُرئت هي رواية محمد بن شريح في باب الأراضي الخراجية، وقد ارتأينا ـ بمناسبة ذكر محمد بن شريح ـ أن نعرض بعض المطالب المتعلقة به. وقد تقدم منا تحليلٌ لعبارة النجاشي في حقه، كما أن الشيخ الطوسي عدَّه في كتابه تارةً من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وتارةً من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
ومن المعلوم أن الروايات ظهرت في العالم الإسلامي أولًا، ثم دُوِّن بعد ذلك علم الرجال. وعند أهل السنة كان أول ما دُوِّن من هذا العلم هو التوثيق والتعديل؛ إذ كانوا إلى حدود السنوات (120 ـ 130هـ) يقتصرون على قولهم: فلان روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم لما كثر الكذابون بدأوا يبحثون في وثاقة الرواة. وقد كُتب في ترجمة شعبة بن الحجاج أنه: «أول من فتش عن الرجال بالعراق»؛ أي أول من بحث في كون الراوي ثقةً أو غير ثقة. وقد توفي سنة (160هـ)، وكانت له خصومة شديدة مع أبان بن أبي عياش ـ راوي كتاب سليم، وكلاهما من أهل البصرة ـ حتى نُقل عنه أنه كان يقول: «لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحب إليَّ من حديث أبان بن أبي عياش»، وهو ما يكشف عن عدم اعتداله في هذا الموقف.
ثم ظهر بحثٌ آخر، وهو بحث الطبقات؛ أي: حتى لو كان الراويان ثقتين، فهل التقيا أصلًا أم لا؟ ويبدو أن هذا البحث لم يظهر إلا في أوائل القرن الثالث؛ لأن أبا حنيفة كان يقبل الحديث المرسل صراحةً، بينما نجد الشافعي ـ كما في كتاب الرسالة ـ يصرح بعدم قبول الحديث المرسل، ومن هنا يظهر أن البحث في الطبقات إنما شاع بعد القرن الثاني.
وقد ذكر الزيلعي في مقدمة كتاب نصب الراية، في مقدمة كتبها أحد الأحناف في الهند، أن العلماء إلى حدود سنة (200هـ) كانوا يعملون بالأخبار المرسلة، ومن الطبيعي أن البحث في الطبقات لا تكون له أهمية كبيرة على هذا المبنى.
ولهذا قلنا: إن مباحث الرجال نشأت تدريجًا تبعًا للحاجة. وهذه البحوث نفسها استُنبطت من خلال الروايات؛ إذ كانوا يجدون مثلًا أن شخصًا في سنة (250هـ) يروي عن شخص عاش سنة (100 أو 130هـ)، مع أنه لم يدركه، فيستكشفون من مقارنة الأسانيد أن بعض الروايات مرسلة. فكثير من قواعد علم الرجال تأسست على دراسة الروايات نفسها، لا على علومٍ سريةٍ متوارثة.
ومع مراجعة الأسانيد والتواريخ توصّلوا إلى أن هذا الراوي لم يروِ عن ذاك مباشرة.
أما الشيعة، فلما أولوا عنايةً خاصةً بـالفهارس، كان الهدف منها التمييز بين الحديث الذي سُمِع مباشرةً، وبين ما كُتب ثم انتقل بالنسخ. فمثلًا: إذا سمع زرارة حديثًا من الإمام، ثم كتبه وسلمه إلى حريز، كان ذلك يُعد كتابًا، وإذا نقل حريز ذلك من النسخة، كان هذا من عمل الفهرسة. أما إذا اقتصر زرارة على الرواية الشفوية بقوله: «سألت أبا عبد الله فقال...» فكتبها حريز، كان ذلك من باب الرواية الرجالية.
ومن هنا فرّق الشيعة بين هذين النمطين؛ لأنهم كانوا أقلية، فكان الإمام أو الراوي تارةً يسلّم الكتاب لتلميذه، وتارةً يحدّثه شفهيًا فقط. فإذا وصلت النسخة المكتوبة إلى أحد نُسبت إليه، وإلا نُسبت إلى تلميذ تلميذه.
ولهذا كان المقصود من البحث الفهرستي إثبات أن هذا النص المكتوب قد وصل من ذلك العصر.
وعادةً كان إنتاج العلم عند الشيعة يتم بالكلام في المدينة، ابتداءً من سبعينيات وثمانينيات الهجرة، أي من زمن الإمام السجاد (عليه السلام)، الذي روى عنه البخاري أيضًا بواسطة الزهري، واستمر ذلك إلى حدود سنة (150هـ). وقد نُسبت إلى الإمام الصادق (عليه السلام) عدة كتابات، إلا أنه لا يوجد سند واضح يثبتها.
وفي شأن زرارة، مع كثرة رواياته، لم يرد إلا مورد واحد يقول فيه: «أخرج ألواحه ليكتب». وحتى لو كان تدوين الحديث أمرًا شائعًا، فإنه كان غالبًا في إطار الأسئلة والاستفتاءات الموجهة إلى الإمام.
وأما ما ورد في ترجمة أحمد الأشعري أو الوشّاء من قوله: «فإني أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد»، فإنه يدل على النقل الشفهي؛ لأن الأئمة (عليهم السلام) لم يكن لهم ـ بحسب ما تثبته القواعد الحالية ـ مؤلفات مدونة يمكن إثبات نسبتها إليهم بسهولة.
ثم بدأت الكتابة في الكوفة، فكان الوسيط الأول أو الثاني أو الثالث يكتب الروايات، ثم يمنح الإجازة لمن بعده، فتتناقل النسخة بين الأجيال، ويقال: إن مبدأ هذا الكتاب هو ذلك الشخص الأول.
ولهذا نجد أن بعض أصحاب الأئمة ألّفوا كتبًا، كما في محمد بن مسلم، حيث قيل: «له كتاب يسمى الأربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام»، كما أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحثون على الكتابة، ومن ذلك قول الإمام: «اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك؛ فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم».
