كُنَّاشة من دروس السيد المددي
Відкрити в Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
709
Підписники
+624 години
+377 днів
+3730 днів
Архів дописів
مكانة حجّية القطع؛ هل هي ذاتية أم عقلائية؟ (القسم الثاني)
(إنّ القطع في العلوم الحقيقية ـ كالعلوم الفلكية أو الفيزيائية أو الكيميائية أو الرياضية ـ لا يُعدّ حجّة، بل لا يكون أصلًا محلّ بحث؛ بخلاف عالم الأمور الاعتبارية ـ التي من مصاديقها القوانين البشرية أو القوانين الإلهية ـ فإنّ القطع فيها يكون حجّة؛ بمعنى أنّ الإنسان يمكنه أن يقول: «لقد كنتُ قاطعًا»، فيُنظر هل كانت حالة القطع قد تحققت لديه واقعًا أم لا، بحيث إنّه حتى لو كان قطعه مخالفًا للواقع فإنهم يعذرونه على الأقل. وأمّا إذا كان قطعه موافقًا للواقع، فيقال له: لقد كنتَ قاطعًا، فلماذا لم تعمل؟)
إذن فالحجّية أمر اعتباري وظاهرة اجتماعية، والظواهر الاجتماعية بطبيعتها تختلف وتتغير من مجتمع إلى آخر. وإنّما نشأ هذا البحث لأنّ هؤلاء جعلوا الحجّية أمرًا عقليًا أو ذاتيًا، وإلا فمن الممكن أن لا يعدّ مجتمعٌ ما، أو حزبٌ أو مؤسسةٌ أو حتى مدينةٌ ما، القطعَ حجّة؛ كأن تتطور الوسائل العلمية إلى درجة يستطيع الإنسان معها أن يجسّد الواقع نفسه ويدركه مباشرة.
وبالعكس، قد يوجد مجتمع لا يرى للقطع حجّية أصلًا، ولأسباب معينة ـ كضعف المجتمع والناس ـ يقول: إنّ قطعك ليس حجّة، ولا يجوز لك العمل به حتى نذهب ونقوم باستفسارات متعددة أو تجارب مختلفة. لكن مثل هذا الأسلوب سيؤدي إلى اضطراب المجتمع واختلال نظام الحياة.
إذن فحجّية القطع ليست ذاتية ولا عقلية، بل تختلف غالبًا من مجتمع إلى آخر؛ فقد يقول مجتمعٌ ما: إنّ قول الوالي حجّة، وقد يرى مجتمع آخر أنّ قول عالم المدينة حجّة، وقد يرى مجتمع ثالث أنّ كل ما ينقله رئيس العشيرة في القوانين حجّة. فالحجّية ـ بالاصطلاح ـ أمر جعلي واعتباري، ولا يلزم من هذا القول اختلال النظام؛ فلا ينهدم المجتمع ولا تترتب مشكلة لازمة.
نعم، لو افترضنا أنّ القطع ـ وهو آخر درجات الإدراك التي تحصل لعامة الناس ـ لم يكن حجّة، للزم اختلال النظام واضطراب المجتمع؛ لأنّه لا يوجد ما هو أكثر كشفًا من القطع.
وقول السيد الخوئي: «ولا يخفى أنّ في كلام الشيخ ـ قدّس سرّه ـ خلطاً بين مقام طريقيّة القطع ومقام حجّيّته» (لا يخفى أنّ في كلام الشيخ ـ قدّس سرّه ـ خلطًا بين مقام طريقية القطع ومقام حجيته)، هو تنبّه صحيح ونكتة دقيقة.
فالقطع هو عين الكشف والطريقية والإراءة والكاشفية؛ أي إنّ الكشف هو ذات القطع، لا أنّ الحجّية هي ذات القطع. والنسبة بينهما ليست كنسبة الحيوان إلى الإنسان، بل هي كنسبة الإنسانية إلى الإنسان نفسه.
(سماحة آية الله الأستاذ الحاج السيد أحمد مددي الموسوي، بحث الخارج في الأصول، 16/7/1390هـ)
#الأصول
#القطع
#الحجية
#الحجية_الذاتية
#الحجية_العقلائية
#حجية_القطع
(القسم الثاني)
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
حجّیّت قطع؛ ذاتی یا عقلایی؟ و تفاوت حجّیّت با جری عملی
(قلنا إنّ المرحوم الأستاذ آية الله الخوئي وجماعةً من الأعلام يعدّون البحث عن حجّية القطع بحثاً تمهيدياً واستطرادياً، ويعدّون بحث حجّية خبر الواحد بحثاً علمياً وأصولياً، ولكنّنا نعتقد أنّ كلا البحثين من سنخ واحد، مع اختلافٍ بينهما؛ فإنّ أحدهما يجري في قانون خاص أو مجتمع معيّن (المجتمع الشرعي)، والآخر يجري عند جميع العقلاء.
ولتوضيح ذلك ينبغي الالتفات إلى أنّ ما كتبه هؤلاء الأعلام من أنّ بحث القطع ليس من مسائل علم الأصول ـ مع أنّهم من أجلّة أصحابنا، ومن المحتمل أنّهم كانوا ملتفتين إلى مبنى آخر ـ مبتنٍ على مسألة أخرى، وهي: هل نرى حجّية القطع ذاتية، أم أنّها عقلائية واعتبارية؟
فإنّ المرحوم السيد الخوئي كان يرى في ذهنه أنّ حجّية القطع أمر عقلي يدركه العقل، أو أنّ بعض الأعلام ـ كالمرحوم الشيخ الأنصاري ـ يرونها أمراً ذاتياً؛ ولذلك طرحوا هذا البحث وقالوا: إنّه لا يدخل في علم الأصول. ولكن إذا اعتبرنا ـ كما سيأتي بيانه ـ أنّ مفهوم الحجّية ظاهرةٌ ومقولةٌ اجتماعية، فلا يبقى مجالٌ للحديث عن الذاتيّة والعقليّة ونحو ذلك.
وعلى كلّ حال، فإنّ هذا الاعتراض غير وارد؛ لأنّه عندما يكون البحث بحثاً علمياً فلا يُنظر إلى اعتقاد الباحث أو المتكلّم، فكون حجّية القطع ذاتية أو اعتبارية لا يؤثّر في صلاحية البحث للطرح في علم الأصول، حتى لو كان مبنى الشخص أنّ حجّية القطع ذاتية.
ولكن لمعرفة السبب في أنّ حجّية القطع ليست ذاتية ينبغي الالتفات إلى أنّ الإنسان لو عاش وحيداً في جبل أو كهف، فلا معنى أصلاً لمسألة الحجّية. فلا بدّ من وجود اعتبارٍ ما (كالأب، أو الدولة، أو المجتمع، أو العقد الاجتماعي، أو الله، أو أهل النفوذ والوجهاء، أو الآلهة عند بعض الأمم) حتى يكون للحجّية معنى؛ لأنّ البشر عندما اجتمعوا في مكان واحد وتكوّنت منهم جماعة ومجتمع، احتاجوا إلى وضع قوانين لإدارة المجتمع، بخلاف النحل والنمل التي يسير نظامها الاجتماعي بصورة تلقائية.
وهذا النظام الاجتماعي يحتاج إلى عقلٍ وقانون، وإلى مراعاة دقيقة لهذا القانون؛ لأنّ اختلاله يؤدي إلى اضطراب نظام المجتمع.
وهذا هو الذي كان منشأً لولادة مفهوم الحجّية، بل إنّ الحجّية أساساً تشكّلت حول هذا المحور. والحجّية غير مجرّد الجري العملي على طبق الصور الذهنية؛ فإنّ مجرّد العمل وفق الصورة الذهنية لا يُسمّى حجّية، ولا يرتبط بالمجتمع.
فلو رأى الإنسان في ليلةٍ حركةً أمامه، وتبيّن له أنّها حيّة أو عقرب أو أسد أو ذئب، واتخذ موقفاً على أساس هذا الإدراك، فهذا أمرٌ غير الحجّية، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين؛ لأنّ أحدهما هو انبعاث الإنسان وتحركه من الصور الذهنية، وهذا قد تمنعه أحياناً قوة الوهم؛ فمثلاً قد يكون أمامه ميتٌ يعلم يقيناً أنّه لا يتحرك، ومع ذلك لا يرضى أن ينام بجانبه ليلاً بسبب تأثير الوهم عليه.
وأما الآخر فهو بحث الحجّية؛ أي ما يُحتجّ به على الطرف المقابل (ما يحتجّ به على الطرف المقابل) وهو بحث اجتماعي له ملاكه الخاص.)
#الأصول
#القطع
#الحجية
#الحجية_الذاتية
#الحجية_العقلائية
#حجية_القطع
(القسم الأول)
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
موقعية بحث حجّية القطع في علم الأصول وعلاقته بعلم الكلام
(البحث الأول الذي ذكره الشيخ الأنصاري بعنوان التمهيد هو بحثٌ حول أنّ: هل البحث عن القطع يدخل في مسائل علم الأصول، أم أنّه من مسائل علم الكلام؟
وقد اعترض صاحب الكفاية بعد الشيخ الأنصاري بأنّ بحث القطع ليس من مسائل علم الأصول، بل هو أقرب إلى مباحث علم الكلام.¹
ثم تابع الأستاذ هذا الإشكال،² وبيّن معيار المسألة الأصولية، ثم قال: إذا كنتُ مثلًا قاطعًا بأنّ صلاة الجمعة واجبة، فهذا القطع متعلّق بنفس الحكم، ولا يكون القطع هنا كبرى تقع في القياس؛ بحيث يقال: أنا قاطع بوجوب صلاة الجمعة، وكلّ ما قطعت به فهو واجب، إذن صلاة الجمعة واجبة.
فبحسب تعبيره: هذا الأمر واضح في القطع الطريقي.
وأما في القطع الموضوعي، فمع أنّ القطع يدخل في موضوع الحكم، إلا أنّه أيضًا لا يكون له هذا الدور؛ فمثلًا إذا قيل: إذا قطعتَ بأنّ هذا المائع بولٌ فيجب الاجتناب عنه، فالقطع هنا له دخل في تحقق موضوع الحكم، لكنه لا يقع في القياس الأصولي.
فلو قيل مثلًا: «أكرم العلماء»، فإن كان زيد عالمًا وجب إكرامه، وإن لم يكن عالمًا فلا يجب، فهذا مرتبط بتحقق الموضوع، وليس من باب القياس والاستنباط.³
2. ثم قال الشيخ في الصفحة التالية:
«إذا عرفت ذلك فيقع البحث في المقصد الأول...»⁴
وكان الأنسب ـ كما ذكرنا سابقًا ـ أن يقول بدلًا من «المقصد الأول»: «مقدمة في حجية القطع»؛ لأنّ في علم الأصول بحثًا بعنوان الحجج، كخبر الواحد والإجماع وغيرهما، وهذه الأبحاث ـ كسائر مباحث علم الأصول ـ تحتاج إلى تمهيد.
فبحث حجية القطع هو في الحقيقة مقدمة لبحث الحجج؛ إذ نبدأ أولًا بالقول: إنّ القطع حجّة بذاته ومن دون جعل، وأما غيره من الظنون، فإن لم يكن قطعًا فلا بدّ من إقامة دليل على حجّيته.
وعليه، فبحث القطع ليس مقصدًا مستقلًا من مقاصد علم الأصول، بل هو تمهيد للدخول في بحث الحجج والأمارات.)
الهوامش:
1. قال صاحب الكفاية:
> «لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام، وإن كان خارجًا من مسائل الفنّ، وكان أشبه بمسائل الكلام.»
(كفاية الأصول، ص257، في وجه العدول عمّا في الرسائل).
2. قال السيد علي الشاهرودي:
> «كما له أيضًا من بعض الجهات مناسبة مع علم الكلام الباحث عن المبدأ والمعاد واستحقاق العقاب.»
(الدراسات في علم الأصول، ج3، ص7).
ولم يبيّن وجه المناسبة في قوله: «من بعض الجهات»، ولعلّ المراد أنّ الإنسان إذا حصل له القطع بالحكم ثم خالفه، استحق العقاب.
3. قال السيد الشاهرودي:
> «هذا في القطع الطريقي واضح، وأما الموضوعي ـ أعني القطع المأخوذ في موضوع الحكم ـ كما إذا قال: إذا قطعت بحكم فرعي فتصدق ـ فهو وإن كان دخيلًا في فعلية وجوب التصدق، إلا أنّ نسبته إليه نسبة الموضوع إلى حكمه ـ كالخمر بالقياس إلى الحرمة ـ، وليس وجوب التصدق مستنبطًا من القطع بالحكم الفرعي، وإنما هو مستنبط من الدليل الدال عليه...»
(الدراسات في علم الأصول، ج3، ص7).
4. الدراسات في علم الأصول، ج3، ص10.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
إشكال السيد الخوئي في جعل الشيخ الأنصاري بحث القطع من مباحث علم الأصول
(هناك بحثٌ آخر أثاره عدد من الأعلام، ومنهم الأستاذ، وهو: لماذا جعل الشيخ الأنصاري المقصد الأول في العلم (القطع)؟ فإنّ العلم بالمعنى الأصولي ليس حجّة بالمعنى المصطلح عليه في علم الأصول.
ونقرأ هنا من كتاب «الدراسات في الأصول العملية» للمرحوم السيد علي الشاهرودي، وهو من تلامذة المرحوم السيد الخوئي المتميزين، وقد حضر درس أستاذه قرابة عشرين سنة، وكان معروفًا بأنّه لم يترك الدرس حتى يومًا واحدًا.
وقد تعرّض المرحوم السيد الخوئي في هذا الموضع إلى أنّ بحث القطع لا يدخل في مسائل علم الأصول.
وبيان ذلك: أنّ المبنى المعروف عن المحقق النائيني في تعريف المسألة الأصولية هو: أنّ كل مسألة تكون نتيجتها كبرى في استنباط الحكم الشرعي الفرعي الكلي (حتى تخرج القاعدة الفقهية)،¹ فهي مسألة أصولية.
وقد نقل السيد الشاهرودي في تقريره هذا التعريف بصورة ناقصة:
«أن تكون كبرى كلية لو انضم إليها صغراها أنتجت حكمًا فرعيًا.»²
وسواء كان النقص من جهة الدرس أو من جهة التقرير، فالصياغة المختصرة والكاملة هي:
«المسألة الأصولية هي المسألة التي تكون نتيجتها كبرى في قياس استنتاج حكم شرعي فرعي كلي.»³
وعلى هذا الأساس:
إذا لم تكن النتيجة شرعية، فهي من مباحث العلوم الأخرى، كالفلسفة أو الفيزياء أو الكيمياء.
وإذا لم تكن فرعية، فهي من مباحث أصول الفقه أو أصول العقائد.
وإذا لم تكن كلية، فهي قاعدة فقهية وليست مسألة أصولية.
ومن هنا يأتي إشكال السيد الخوئي: إذا حصل لك القطع بالحكم الشرعي، فإنّ هذا القطع لا يكون كبرى في القياس؛ لأنّ نتيجة القياس المفترض أن توصل إلى القطع، بينما القطع نفسه هو النتيجة، وليس مقدمة تؤدي إلى نتيجة أخرى.⁴
وبعبارة أخرى: القطع بالحكم هو نفس انكشاف الحكم، فكيف يكون طريقًا لاستنباط الحكم أو مقدمةً للوصول إليه؟
وهناك إشكال آخر، وهو أنّ الأصوليين من جهة يقولون: إنّ بحث حجية القطع ليس من مسائل علم الأصول، ومن جهة أخرى نجد الشيخ الأنصاري يفتتح كتابه بقوله:
«الأمر الأول: في حجية القطع.»
والجواب: إذا كان هذا البحث ليس أصوليًا، فكان ينبغي أن يقال: مقدمة، لا أن يجعل مقصدًا من مقاصد علم الأصول.
فالمقصود الأصلي في هذا الباب هو بحث حجية الظن، لكن قبل الدخول فيه لا بد من توضيح حجية القطع؛ لأنّ الكلام في حجية الظن فرع معرفة الفرق بين القطع والظن، ومعرفة ما إذا كان القطع يحتاج إلى جعل الحجية أم لا.
إذن، بناءً على هذا المبنى، فإنّ بحث حجية القطع ليس مسألة أصولية بالمعنى الدقيق، بل هو بحث تمهيدي.)
الهوامش:
1. كان مبنى المحقق النائيني أنّ الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية ليس في كون النتيجة تقع كبرى في الحكم الشرعي، بل في كون نتيجة إحداهما جزئية ونتيجة الأخرى كلية.
فمثلًا يرى أنّ قاعدة «لا ضرر» من القواعد الفقهية وليست من المسائل الأصولية؛ لأننا نقول: كل حكم ضرري مرفوع، وهذا الوضوء في هذا اليوم ضرري بالنسبة إليّ، إذن الوضوء غير واجب عليّ اليوم. فالنتيجة حكم فرعي جزئي.
أما قاعدة «خبر الثقة حجة» فهي مسألة أصولية؛ لأننا نقول: إذا دل خبر زرارة مثلًا على وجوب صلاة الجمعة، ثبت وجوب صلاة الجمعة، وهو حكم شرعي فرعي كلي.
وكذلك يرى أنّ الاستصحاب في الشبهات الموضوعية قاعدة فقهية، وفي الشبهات الحكمية مسألة أصولية؛ لأن قولنا: «هذا الشيء كان طاهرًا قبل ساعة والآن نشك، فيبقى طاهرًا» حكم جزئي، أما استصحاب حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم فهو حكم كلي لا يختص بامرأة معينة.
2. الدراسات في علم الأصول، ج3، ص7.
3. قال المحقق النائيني:
> «المسائل الأصولية عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنباط الأحكام الكلية الشرعية.»
(فوائد الأصول، ج4، ص308).
4. قال السيد الخوئي:
> «لا ينبغي الشك في أنّ مبحث القطع ليس من مسائل علم الأصول؛ إذ قد عرفت في أوّل بحث الألفاظ أنّ المسألة الأصولية هي ما تكون نتيجتها ـ على تقدير التمامية ـ موجبة للقطع بالوظيفة الفعلية، وأما القطع بالوظيفة فهو بنفسه نتيجة، لا أنّه موجب لقطع آخر بالوظيفة...»
(مصباح الأصول، ج2، ص5).
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
إشكالات أُثيرت حول عبارة الشيخ الأنصاري في تقسيم حالات المكلّف
(طُرحت عدّة ملاحظات حول عبارة الشيخ الأنصاري، من أهمها:
1. هل المراد بالمكلَّف هو المكلَّف الفعلي أم المكلَّف الشأني؟
فإن كان المراد المكلَّف الفعلي، فالمكلَّف بالفعل لا ينفك عن الالتفات؛ إذ لا يكون الإنسان مكلَّفًا فعلًا من دون التفات، وعليه تكون عبارة: «إذا التفت» قيدًا توضيحيًا لا احترازيًا.
وأمّا إذا أُريد المكلَّف الشأني، فهذا خلاف ظاهر اللفظ؛ لأنّ الأوصاف ـ حتى غير المشتقة منها ـ ظاهرة في الفعلية لا في مجرد القابلية أو الشأنية.
2. هل الخطاب مختص بالمجتهد أم يشمل المقلِّد أيضًا؟
وهذا الإشكال برز بصورة أوضح في مناقشات المحقق النائيني والمحقق الآقا ضياء العراقي.
فقد ذهب المحقق النائيني إلى أنّ المراد بالمكلَّف هنا هو المجتهد خاصة؛ لأنّ البحث يدور حول الأحكام الكلية لا الموضوعات الخارجية، والمجتهد هو الذي يراجع الأدلة، فيحصل له القطع أو الظن أو الشك، بخلاف المقلِّد، فإنه لا يباشر النظر في الأدلة.
ولذلك كان يؤكد أنّ الأدلة والأصول والقواعد والظنون المعتبرة الواردة في الأحكام، كقوله: «لا تنقض اليقين بالشك»، و«صدِّق العادل»، و«لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا»، كلها مختصة بالمجتهد.
أما المحقق الآقا ضياء العراقي، فذهب إلى أنّ هذه الأدلة عامة، وتشمل المقلِّد أيضًا.¹
3. لماذا جعل الشيخ محور البحث هو «المكلَّف»؟
ويُثار هنا تساؤل آخر، وهو: لماذا جعل الشيخ الأنصاري ـ ومن تبعه ـ مدار التقسيم هو المكلَّف؟
ذلك لأنّ جملة من الأحكام الشرعية لا تختص بالمكلَّفين، بل تثبت لغيرهم أيضًا.
بل إنّ المشهور يرى أنّ بعض العبادات، كالصلاة والصوم، مشروعة في حق غير المكلَّف أيضًا، كما في الصبي.
وأما الأحكام الوضعية، فهي بطبيعتها غير متوقفة على التكليف، بل ذهب بعض المعاصرين إلى أنّ أحكامًا كـالزكاة والخمس تتعلق بمال الصبي وإن لم يكن مكلَّفًا.
وإن كان المراد في الغالب الصبي المميز، إلا أنّ الحج يُستثنى من ذلك؛ لما ورد في الرواية المشهورة من أنّ امرأة رفعت صبيًا إلى رسول الله ﷺ، وفي بعض روايات العامة: «كان له حول»، فقالت: «ألهذا حج؟» فقال ﷺ: «نعم، ولك أجر.»²
وعليه، فإنّ تخصيص هذه المباحث بالمكلَّف يواجه عدّة إشكالات.
ومن جهة أخرى، لما كان الأصوليون يقولون: «الظن المعتبر ملحق بالعلم، والظن غير المعتبر ملحق بالشك»، بمعنى أنّ الإنسان إمّا أن تكون لديه حجّة أو لا تكون لديه حجّة، فقد اعترض بعضهم على الشيخ بأنّه لماذا جعل للمكلَّف ثلاث حالات، مع أنّ مقتضى هذا المبنى أن يكون التقسيم ثنائيًا لا ثلاثيًا.
كما أُثيرت ملاحظات أخرى، منها: لماذا عبّر الشيخ بـالالتفات، فجعل الالتفات إلى الحكم قيدًا في التقسيم، ولم يكتف بمجرد وجود الحكم؟
وكذلك وقع الكلام في دعوى الحصر؛ إذ ظاهر عبارة الشيخ أنّ هذا التقسيم حصر عقلي.
فذهب بعضهم إلى أنّ الحصر العقلي إنما هو في الأقسام الثلاثة نفسها.
وقال آخرون: إنّ الحصر بلحاظ مجاري الأصول صحيح، أما بلحاظ من تجري في حقه فليس هناك حصر.)
الهوامش:
1. نعم، في الموضوعات الخارجية يشمل قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» المقلِّد أيضًا؛ فلو كان متيقنًا بطهارة يده ثم شك في بقائها، جرى في حقه استصحاب الطهارة.
2. مسند أحمد، ج1، ص343-344؛ صحيح مسلم، ج4، ص101.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
الحجة الثبوتية والحجة الإثباتية وتطور البحث في مصادر التشريع
(يرتبط قسمٌ من مباحث الحجّة بما يُعرف بـالحجّة الثبوتية أو مصادر التشريع؛ كالبحث عن أنّ الإجماع هل هو حجّة ويُعدّ من مصادر التشريع أم لا؟ وهل سنّة النبي ﷺ حجّة؟ وهل القياس والرأي يُعدّان حجّة أم لا؟
وقد بدأ البحث في الحجّة بهذا المعنى منذ القرن الأول الهجري بعد رحيل رسول الله ﷺ، وكانت بداياته في عهد أبي بكر، إلا أنّ القسم الأكبر منه تبلور في عهد عمر بن الخطاب؛ لأنّ مدة خلافة أبي بكر كانت قصيرة، كما أنّ الوقائع المستجدّة التي واجهها المسلمون كانت محدودة، بخلاف عهد عمر الذي امتدّ قرابة عشر سنوات، وشهد الفتوحات الإسلامية، مما أوجد موضوعات ومسائل جديدة احتاجت إلى بيان أحكامها.
فعلى سبيل المثال، فإنّ الأراضي التي دخلت تحت سلطة المسلمين في الفتوحات التي وقعت في عهد النبي ﷺ ـ باستثناء خيبر ـ لم تكن ذات قيمة اقتصادية تُذكر؛ لأنّ أكثر القبائل التي واجهها المسلمون، كقبيلة بني المصطلق، كانت قبائل بدوية رحّالة، لا ترتبط بالأرض ارتباطًا وثيقًا، بل تنتقل بإبلها حيثما وجدت الماء والكلأ.
ومن هنا كانت خيبر أول مورد اكتسبت فيه الأرض بُعدًا اقتصاديًا في الإسلام. ذلك أنّ مساحة الحجاز ـ التي تعادل تقريبًا ضعفي مساحة إيران ـ لا يوجد فيها نهر جارٍ واحد، وكان أهل المدينة يعتمدون في مياههم على الآبار، مع أنّ الماء يُعدّ أحد أهم مقومات النشاط الاقتصادي.¹
لكن عندما دخل المسلمون العراق وواجهوا أراضيه الزراعية الواسعة الخصبة، التي كانت تُعرف بـأرض السواد لكثرة خضرتها حتى تبدو من بعيد مائلة إلى السواد، طُرح في عهد عمر سؤال جديد: هل تُقسَّم هذه الأراضي بين المقاتلين، أم تُترك على حالها؟ وهذا السؤال لم يكن مطروحًا في عصر النبي ﷺ، باستثناء قضية خيبر التي كانت تمتاز بأراضٍ زراعية خصبة، وإن لم تكن فيها أنهار جارية.
ولهذا فإنّ كثيرًا من المباحث التي نُطلق عليها اليوم عنوان مصادر التشريع، كالإجماع والقياس والرأي وغيرها، تعود جذورها إلى تلك المرحلة، ولا سيما إلى عهد عمر.
وهناك معنى آخر للحجّة، وهو الحجّة بمعنى الطريق والكاشف، وهو ما نعبّر عنه اليوم بـالأمارات والطرق والأدلة. وهذا النوع من البحث بدأ أيضًا في القرن الأول، إلا أنّ دراسة الدليل بما هو دليل، وتحليل حجيته وآليته، لم تتبلور بصورة واضحة إلا منذ القرن الثاني الهجري.
وقد التفت السيد حسين البروجردي ـ من بين متأخري المتأخرين من الأصوليين ـ إلى مراجعة مصادر أهل السنة وتتبع مباحثهم، ولذلك يذكر هنا أنّ بحث حجية القطع لا وجود له في مصادرهم.
وهذا الأمر لا يختص بالقطع وحده، بل إنّهم لا يعرضون مباحث الحجّة بالصورة التي أصبحت شائعة عند المتأخرين، من تقسيمها إلى الحجج والأمارات والطرق والأدلة وجعلها مقصدًا مستقلًا في علم الأصول. وإنما كان محور أبحاثهم منذ البداية يدور حول إثبات الحكم الشرعي من خلال الرأي والقياس والإجماع ونحوها، ولم تكن أنظارهم متجهة إلى الموضوعات الخارجية في هذا الباب.)
الهوامش:
1. في الاقتصاد الغربي المتعارف (الاقتصاد الرأسمالي)، تقوم العملية الاقتصادية على ثلاثة أركان رئيسة: الطبيعة، ورأس المال، والعمل، بينما يصرّ الماركسيون على أنّ العمل هو الركن الأساس. والمقصود بالطبيعة هنا في حقيقتها الماء والأرض، إذ إنّ الشمس متوفرة في كل مكان ولا تمثل عنصرًا إشكاليًا في النشاط الاقتصادي.
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔴 لماذا لم يُطرح بحث الحجج والأمارات والأصول العملية بهذا النحو قبل الشيخ الأنصاري؟
(سبق أن ذكرنا أنّ كتب الأصول عند المتأخرين من الإمامية جعلت من الحجج والأمارات، ومن الأصول العملية، محورين أساسيين في علم الأصول. أمّا في كتب الأصول المتقدمة ـ أي قبل الشيخ الأنصاري ـ مثل مفاتيح الأصول، ومناهج الأصول، والفصول، وحاشية المعالم، بل وحتى في كتب العلّامة الحلّي، فلم يكن البحث يُطرح بهذه الكيفية؛ بحيث يُفرد بابٌ بعنوان الحجج والأمارات، وآخر بعنوان الأصول العملية.
نعم، كان بحث التعادل والترجيح ـ أو التعادل والتراجيح، أو تعارض الأدلة ـ قد نال عناية واسعة في كتب أصول أهل السنة، كما اشتد الاهتمام به في كتب الأصول الإمامية بعد العلّامة الحلّي.
وقد تقدّم أنّ بحث التعارض مبنيّ على القول بحجية خبر الواحد؛ إذ إنّ تصوير التعارض فرعٌ عن الالتزام بالحجية التعبدية للخبر. أمّا على مبنى قدماء أصحابنا، ولا سيما مدرسة بغداد، فلم يكونوا يعتقدون بهذا النمط من الحجية، بل كانوا يرون أنّ المدار هو حصول الوثوق والاطمئنان بالخبر أو بالحكم، وعليه فلا يبقى مجال لبحث التعارض بهذا المعنى.
ولهذا نجد أنّ السيد المرتضى لم يُفرد في كتابه «الذريعة» سوى خمسة أو ستة أسطر تقريبًا لبحث التعارض، وصرّح فيها بأنّ التعارض فرع ثبوت الحجية، وحيث إنّه لا يقول بحجية خبر الواحد، فلا موضوع عنده للبحث في تعارض الأخبار أصلًا.)¹
الهوامش:
1. قال السيد المرتضى:
> «اعلم أنّا إذا كنّا قد دلّلنا على أنّ خبر الواحد غير مقبول في الأحكام الشرعيّة فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دلّلنا على بطلانه؛ لأنّ الفرع تابع لأصله، فلا حاجة بنا إلى الكلام على أنّ المراسيل مقبولة أو مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفي ما يرد له الخبر أو لا يرد في تعارض الأخبار، فذلك كلّه شغل قد سقط عنّا بإبطالنا ما هو أصل لهذه الفروع، وإنّما يتكلّف الكلام على هذه الفروع من ذهب إلى صحّة أصلها، وهو العمل بخبر الواحد.»
(الذريعة، ج2، ص554-555).
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 تطور كتاب #رسائل وتقسيم مباحث علم الأصول (القسم الثاني)
(في بداية الأمر ألّف #الشيخ_الأنصاري أربع رسائل مستقلة، ومن هنا اشتهر كتابه باسم #رسائل، وهي:
رسالة بعنوان «حجية المظنة».
ورسالة بعنوان «البراءة والاشتغال».
ورسالة في الاستصحاب.
ورسالة بعنوان «التعادل والترجيح».
وقد تناول في رسالة «حجية المظنة» بحثًا في حجية القطع، ثم انتقل بعد ذلك إلى بحث الحجية.
ويبدو أن الصورة الحالية للكتاب جاءت نتيجة تعديل لاحق، قام به الشيخ نفسه، حيث جُمعت هذه الرسائل الأربع وطُبعت متتابعة في حياته، ثم أُضيف إليها لاحقًا هذا التقسيم المعروف:
المقصد الأول: في القطع.
المقصد الثاني: في الظن.
المقصد الثالث: في الشك.
ويُحتمل أن يكون هذا التبويب قد أنجزه بعض تلامذة الشيخ، كالسيد محمد رضا الدزفولي أو الشيخ محمد رضا.
وعليه، فإن تأليف الكتاب بصورته المتداولة اليوم ليس من عمل الشيخ مباشرة، وهذا يفسّر عدم وجود مثل هذا التبويب في كتب الإمامية السابقة، بل ولا في كتب أهل السنة أيضًا.
إلا أن هذا المنهج استقر بعد الشيخ، كما في كتاب #كفاية_الأصول، فأصبحت كتب الأصول تُرتَّب غالبًا على: مقدمة في ثلاث عشرة فائدة، ثم ثمانية مقاصد؛ خمسة منها في مباحث الألفاظ، والسادس في الحجج والأمارات، والسابع في الأصول العملية، والثامن في التعادل والترجيح أو تعارض الأدلة، ثم تُختم ببحث الاجتهاد والتقليد.
كما أجرى بعض الأعلام، ومنهم #المحقق_الأصفهاني، تعديلات في هذا الترتيب؛ فنقل -مثلًا- بحث المشتق من المقدمة إلى الفصل الأول الخاص بالظهورات.
وبذلك فإن الصورة التي استقر عليها علم الأصول عند المتأخرين من الإمامية ترجع في جذورها إلى ما يقرب من مائة وستين أو مائة وسبعين سنة، على النحو الذي تقدّم بيانه.)
الحواشي:
1️⃣ طُبع كتاب #رسائل في حياة #الشيخ_الأنصاري، بخلاف كتاب #المكاسب. وبوجه عام فإن الطبعة التي نُشرت في عصره تُعد من الطبعات الجيدة. كما ظهرت بعد ذلك طبعة تُعرف بطبعة #الشيخ_محمد_حسن_الآشتياني، اشتملت على حواشيه وحواشي #الآخوند_الخراساني وغيرهما، وهي أيضًا طبعة جيدة نسبيًا؛ إذ جمعت مختلف النسخ، وطُبعت في مجلدين.
وهناك طبعة أخرى من #رسائل ليست مشهورة، لكنها من أصح الطبعات في نظري. أما الطبعة التي تحمل حاشية الآشتياني فقد سمّت الكتاب #فرائد_الأصول، وهذا ليس اسمًا وضعه الشيخ نفسه.
2️⃣ كان #الشيخ_محمد_حسن_الآشتياني، صاحب الشرح الموسّع على #رسائل الموسوم بـ #بحر_الفوائد، من أوائل تلامذة الشيخ الأنصاري. ومنذ بدايات حضوره في النجف كتب بيده نسخة من #رسائل حين كانت لا تزال رسائل مستقلة.
وأرى أن هذه النسخة هي أهم نسخ الكتاب؛ إذ نسخها سنة 1263هـ، أي قبل وفاة الشيخ سنة 1281هـ بثماني عشرة سنة، مما يدل على أنها كُتبت في حياة الشيخ نفسه.
ويظهر فيها بوضوح أن الشيخ قام بنفسه بتصحيح بعض المواضع؛ فقد شطب في أول رسالة الحجية نحو صفحة كاملة، وكتب الآشتياني في الحاشية: «وهذا الشطب صحيح». كما عدّل الشيخ بعض الأسطر، وأكثر هذه التصحيحات كانت في أوائل الكتاب، ثم يبدو أنه لم يُكمل المراجعة بعد ذلك.
ومن المواضع اللافتة أن الشيخ كتب أولًا: «والأصول العملية»، ثم أضاف لاحقًا كلمة «بعض»، وهو تعديل في محلّه؛ لأن المقصود هو الأصول التنزيلية، لا جميع الأصول العملية.
وقد سمعت من أستاذنا المرحوم #السيد_البجنوردي، عن #الميرزا_النائيني، عن المرحوم #الفشاركي -فيما أظن-، عن #الميرزا_الشيرازي_الكبير، أن نسخة الشيخ كانت تشتمل على كلمة «بعض»، إلا أنها لم تكن موجودة في نسخة الآشتياني، وإنما أضيفت بخط جديد فوق السطر.
ويظهر من ذلك أن الشيخ كتب أولًا: «والأصول العملية»، ثم التفت إلى أن العبارة غير منسجمة؛ لأن البراءة والاشتغال لا يقومان مقام القطع الطريقي، بخلاف الاستصحاب، فأضاف كلمة «بعض» لتصبح العبارة دقيقة.
وعلى أي حال، فبحسب ما أذكر الآن، لم تكن تلك النسخة تشتمل على عنواني: «المقصد الأول» و«المقصد الثاني».)
(سماحة الأستاذ #السيد_أحمد_المددي الموسوي، بحث الخارج في أصول الفقه، 14/7/1390هـ.ش)
#أصول
#تقسيم_علم_الأصول_إلى_الحجج_والأمارات_والأصول_العملية
(القسم الثاني)
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 تقسيم علم الأصول إلى الحجج والأمارات والأصول العملية (القسم الأول)
(1. يظهر من #الشيخ_الأنصاري (قدس الله نفسه) أنه افتتح في كتاب #رسائل بحث الحجج بما سمّاه «الحجة الذاتية» (القطع)، ثم انتقل إلى «الحجة الاعتبارية» (الظن المعتبر)، ثم إلى الشك الذي هو مجرى الأصول العملية. وبناءً على ذلك قسّم مباحث الحجج إلى ثلاثة مقاصد: القطع، والظن المعتبر**، والشك. فالحجة ـ على اصطلاحهم ـ إما ذاتية، وإما مجعولة (اعتبارية) وهي الظن المعتبر، ثم تأتي الأصول العملية التي تجري في ظرف الشك. ولهذا جعل الشيخ المقصد الأول في القطع، والثاني في الظن، والثالث في الشك. ثم جاء الأصوليون بعده فجمعوا المقصدين الأول والثاني (القطع والظن) تحت عنوان الحجج والأمارات، وأفردوا الثالث بعنوان الأصول العملية.
2. وهذه الطريقة في ترتيب المباحث لم تكن معروفة قبل #الشيخ_الأنصاري. فلم تُطرح مباحث القطع بهذا العنوان في كتب أهل السنة، كما أننا لا نجد هذا المحور في الكتب الأصولية السابقة على الشيخ، مثل كتاب #مفاتيح_الأصول. وإنما برز البحث في حجية القطع ـ ولا سيما بسبب العلم الإجمالي وآثاره، وما أثاره النزاع بين الأخباريين والأصوليين حول حجية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنة ـ بعد ذلك.
ولم نجد في الكتب الأصولية السابقة على الشيخ هذا الأسلوب في جعل حال المكلَّف ومراتب إدراكه محورًا للبحث، وفق عبارته المشهورة:
«إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشك».
فقد بنى البحث على درجات الإدراك: فتارةً يكون الإدراك متساوي الطرفين (الشك)، وتارةً يكون أحد الطرفين راجحًا (الظن)، فإن كان الظن معتبرًا أُلحق بالقطع وصار حجة، وإن لم يكن معتبرًا أُلحق بالشك وأُجري عليه حكم الأصل العملي، وتارةً يكون الإدراك جازمًا لا يحتمل معه الطرف الآخر (القطع).
3. والمقصود بالأصول الأربعة التي ذكرها #الشيخ_الأنصاري في هذا الباب هو الأصول التي يرجع إليها الفقيه في استنباط الحكم الشرعي، لا الأصول التي تُطبَّق على الموضوعات الخارجية، مثل أصالة عدم التذكية أو قاعدة الإقرار ونحوها.)
الحاشية:
1️⃣ نُقل عن #الشافعي ـ صاحب أقدم كتاب أصولي وصل إلينا وهو #الرسالة ـ أنه كان يرى أن موضوع علم الأصول هو الحجة.
(سماحة الأستاذ #السيد_أحمد_المددي الموسوي، بحث الخارج في أصول الفقه، 14/7/1390هـ.ش)
#أصول
#تقسيم_علم_الأصول_إلى_الحجج_والأمارات_والأصول_العملية
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 ملاحظات حول الشخصية العلمية والأصولية لـ #الشيخ_الأنصاري
(1. يبدو أن #الشيخ_الأنصاري ألّف كتابه #فرائد_الأصول (الرسائل) وهو في حدود الرابعة والأربعين أو الخامسة والأربعين من عمره. ويظهر من خلال وحدة أسلوب الكتاب أن أجزاءه كُتبت في فترة متقاربة، ولعل قسم الاستصحاب قد دوّنه قبل غيره بقليل.1️⃣
ولا شك أن الشيخ، حتى في تلك السن، كان يتمتع بشخصية علمية راسخة. فمن أساتذته المرحوم #المحقق_النراقي صاحب كتاب #مناهج_الأصول، غير أن من يقارن بين كتابه وبين مؤلفات الشيخ، لا يسعه إلا أن يعترف بأن الشيخ الأنصاري يمتاز بقوة علمية استثنائية، فضلًا عن مكانته الروحية، وتقواه، وورعه، وسلوكه الخاص. كما أن الله تعالى منحه نورانية خاصة انعكست بوضوح في مباحثه الأصولية.2️⃣
2. وقد توهّم بعضهم في فترة من الفترات أن كتاب «الرسائل» ليس من تأليف الشيخ الأنصاري، وإنما هو للمرحوم #شريف_العلماء_المازندراني، أحد مشايخ الشيخ في كربلاء.
ولا ريب أن شريف العلماء كان شخصية علمية جليلة، إلا أنه توفي شابًا في نحو الأربعين من عمره، وكان بحق عالمًا مدققًا.
غير أن المرحوم #السيد_إبراهيم_القزويني دوّن تقريرات أستاذه شريف العلماء في كتاب #ضوابط_الأصول، كما ألّف له مختصرًا بعنوان #تحرير_الضوابط، وقد طُبع هذا المختصر على هامش الكتاب الأصلي.
وهذه المؤلفات تشتمل على بحوث علمية نافعة وقيمة، إلا أن كتابات الشيخ الأنصاري تبقى أرقى منها؛ فهي أجمع، وأحكم تنظيمًا، وأكثر فنية، وأعمق تأصيلًا، وأدق تناولًا للمسائل.
ومن هنا، فإن نسبة كتاب «الرسائل» إلى غير الشيخ الأنصاري احتمال بعيد لا يستحق الالتفات إليه.
الهوامش:
1️⃣ أما كتاب #المكاسب، فأسلوب الشيخ فيه ليس على وتيرة واحدة؛ إذ يظهر بوضوح أن تعابيره في بحث بيع الوقف تختلف عن بقية المباحث، ويبدو مستواه فيها أقل.
وكذلك في مباحث الشروط، ولا سيما خيار تخلف الشرط، حيث اعتمد على قاعدة «المؤمنون عند شروطهم»، مما يكشف أن هذا البحث كان في الأصل رسالة مستقلة أُلحقت لاحقًا بباب الخيارات.
وعليه، فإن كتاب #المكاسب ليس متجانسًا في جميع أجزائه؛ فبعض فصوله بالغة الدقة والعمق، ويُحتمل أنها كُتبت في أواخر حياة الشيخ، بينما تخلو بعض أجزائه الأخرى من ذلك المستوى من الدقة.
وكان أحد مشايخنا، وهو مفتي الشيعة، ينقل عن أستاذه المرحوم #السيد_البروجردي أنه قال:
«في بعض مباحث المكاسب عباراتٌ، لو استطاع أحد أن يشرحها شرحًا صحيحًا، لأجزت له الاجتهاد.»
2️⃣ ويبدو أن الشيخ الأنصاري في تلك الفترة كان لا يزال يحضر دروس أبناء المرحوم #الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء، وكان يقول:
«إن للفقه أسرارًا ودقائق لا توجد في الكتب، وإن أسرة كاشف الغطاء تمتلك هذه الأسرار الفقهية.»
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 14/7/1390)
#أصول_الفقه
#الشيخ_الأنصاري
#ملاحظات_حول_الشخصية_العلمية_والأصولية_للشيخ
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 الاحتياط العقلي والشرعي، ومدى قيامهما مقام القطع (القسم التاسع)
(بما أن الأصول العملية من الأمور الاعتبارية والإبداعية، فإنها تتعامل مع حدود علم المكلف، وتحكم على وفق ما يبلغه علمه، بخلاف الأمارات، فإن التعامل فيها يكون مع الواقع نفسه.
وعليه، فالأصول التي تبقى في هذا المقام تنحصر في أصالة التخيير وأصالة الاحتياط.
وقد ذهب بعض الأصوليين إلى عدم جريان أصالة التخيير، وقالوا: إن المورد من باب اللابدية العقلية، فلا مجال لأصالة التخيير.
وسنبين – إن شاء الله – في موضعه أن أصالة التخيير جارية ولا مانع منها.
إلا أن موارد الابتلاء بها قليلة جدًا؛ لأنها تدور غالبًا بين المحذورين، ولذلك يبقى البحث الأساس في أصالة الاحتياط، وهل تقوم مقام العلم أم لا؟
وفي ذلك ثلاثة احتمالات:
1. أنها تقوم مقام العلم.
2. أنها لا تقوم مقامه.
3. التفصيل بين الاحتياط العقلي والاحتياط الشرعي.
ففي الاحتياط العقلي، لا يقول العقل: «هذا خمر»، وإنما يقول: «اجتنب عنه».
وكذلك لا يقول: «لقد وقعت قطرة الدم في هذا الإناء»، وإنما يقول: «اجتنب الإناءين معًا».
فإذا كان تنزيل العقل لا يتجاوز هذا المقدار، فلا يترتب عليه أن يقام حد شرب الخمر على من شربه.
أما في الاستصحاب، ومع وجود دليل مثل «لا تشرب الخمر»، فإذا كان لدينا خمر ثم شككنا هل انقلب إلى خل أم لا، فقال الإمام (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك»، فكأن المعنى: «كنت على يقين من خمريته، فهو الآن أيضًا خمر».
وعندئذٍ يشمله دليل «لا تشرب الخمر»، كما يشمله أيضًا الدليل الآخر القائل: «شارب الخمر يُجلد».
أما إذا شك المكلف وهو في السجود: هل ركع أم لا؟، فقال الإمام (عليه السلام): «إذا شككت في السجود، فبلى، قد ركعت»، فهنا يطرح السؤال:
هل يقتصر أثر قوله: «امض في صلاتك» و«بلى، قد ركعت» على تصحيح الصلاة، أم يترتب عليه كل أثر شرعي يكون الركوع موضوعًا له؟
كما لو كان شخص مريض قد نذر أنه إذا تمكن من الركوع تصدق.
فالقول الذي ينفي ترتب هذا الأثر يقول: إن «امض في صلاتك» و«بلى، قد ركعت» ناظران إلى صحة الصلاة فقط، ولا نظر لهما إلى دليل آخر، مثل قوله: «إذا ركعت اليوم فعلي أن أتصدق».
أما القول الآخر، فيرى أن قوله: «بلى، قد ركعت» معناه أن الإمام حكم بتحقق الركوع، وأن مفاده – على تعبير المرحوم #الميرزا_النائيني – هو انكشاف الواقع، وبذلك يثبت الركوع، ويجب الوفاء بالنذر أيضًا.
فالنكتة الفنية في محل النزاع هي:
إذا أنشأ الشارع أصلًا تنزيليًا لأجل أثر معين، فهل يمكن ترتيب جميع الآثار الشرعية الأخرى التي تدور مدار ذلك العنوان، أم يقتصر على الأثر الذي سيق الدليل من أجله؟
ومن هنا نشأ الخلاف:
فبعضهم يرى أن قوله: «بلى، قد ركعت» إنما هو بلحاظ قوله: «امض في صلاتك» فقط، لا بلحاظ الوفاء بالنذر.
بينما يرى آخرون أن إثبات الركوع يوجب ترتيب جميع آثاره الشرعية.
وعليه، فالأقوال ثلاثة:
1. ذهب بعض الأعلام – ومنهم المرحوم #الآشتياني – إلى أنه إذا قال الإمام (عليه السلام): «بلى، قد ركعت» أو «امض في صلاتك» وجب أيضًا الوفاء بالنذر؛ لأن الأمر بالجري العملي لا يتحقق إلا بعد فرض تحقق الركوع.
2. وذهب آخرون إلى أن الوفاء بالنذر لا يجب في كلا التعبيرين؛ لأن موضوع النذر هو الركوع الواقعي، لا الركوع الثابت بالأصل.
3. وذهب فريق ثالث إلى التفصيل:
فإذا كان لسان الدليل هو «بلى، قد ركعت»، ترتبت جميع آثار الركوع.
أما إذا كان لسانه «امض في صلاتك»، فهو مجرد أمر بالجري العملي، وهو أصل غير تنزيلي، ولا يدل على تحقق الركوع، ولذلك لا يشمله دليل وجوب الوفاء بالنذر.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#الاحتياط_الشرعي
#الاحتياط_العقلي
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 البراءة العقلائية والشرعية، والأصول غير التنزيلية (القسم الثامن)
(نعم، الأصول غير التنزيلية تجري في الأحكام؛ لأنها لا تتكفل بإثبات الحكم الشرعي، فلا تقول: هذا واجب، وإنما تقول – مثلًا –: بما أن شكك واقع في أطراف العلم الإجمالي، فعليك الاحتياط.
ونحن نرى أن مفاد أصالة البراءة هو أنه متى لم تجد دليلًا على حرمة فعلٍ ما، فلا يكون التكليف منجَّزًا، وإذا لم يتنجز التكليف فلا عقوبة عليه.
أما المشهور، فقد استدلوا بحديث الرفع، وسمّوا ذلك بالبراءة الشرعية.
وأما نحن، فنعتقد أن حديث الرفع وغيره من الأدلة قاصر، إما من جهة السند، أو من جهة الدلالة، أو من كلتيهما.
ولذلك لا نقبل إلا البراءة العقلائية.
وقد أوضحنا مرارًا أن البراءة العقلائية ليست أصلًا عمليًا، بل هي أيضًا ليست حكمًا عقليًا بالمعنى الدقيق، وإنما هي بناء عقلائي، ولا ترتبط بحكم العقل بما هو عقل.
وقد ذكر المرحوم #الميرزا_النائيني في صدر كتاب #فوائد_الأصول، وفي أوائل مباحث الأصول، أن الفرق بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية هو أن:
مفاد حديث الرفع هو البراءة الشرعية، أي إن الحرمة مرفوعة ظاهرًا، ومن لازم ذلك عدم استحقاق العقوبة.
وبعبارة أخرى:
- البراءة الشرعية: مفادها الأصلي الحلية الظاهرية، ولازمها نفي العقوبة.
- البراءة العقلية: مفادها الأصلي نفي العقوبة، ولازمها الحلية الظاهرية.
ففي البراءة الشرعية يحكم أولًا بالحلية الظاهرية، ثم يترتب عليها عدم العقوبة.
أما في البراءة العقلية، فيحكم أولًا بعدم العقوبة، ومن ثم يُستكشف منه الترخيص الظاهري.
واعتراضنا على هذا المبنى هو أن الأدلة لا تدل أصلًا على الحلية الظاهرية.
وإنما المستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو أن الحكم والتكليف ما لم يصلا إلى المكلف لا يكونان منجزين، وإذا لم يكونا منجزين فلا يكون المكلف موضوعًا للأحكام الجزائية.
وكذلك فسّرنا حديث الرفع: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون»، أي إن الحكم المجهول غير منجز، ومعنى ذلك أنه لا يترتب عليه عقاب ولا جزاء ولا مؤاخذة.
وكذلك فإن مخالفة القانون إذا كانت ناشئة عن السهو، أو النسيان، أو الخطأ، أو الإكراه، أو الاضطرار، لا تعد عصيانًا، مع أن الأحكام الجزائية إنما تترتب على عنوان العصيان.
وخلاصة الكلام في الأصول الجارية في الأحكام الكلية هي:
1. نحن لا نؤمن بوجود أصول تنزيلية أصلًا، ومع عدم وجودها ينتفي تلقائيًا البحث عن قيامها مقام القطع.
2. البراءة – بحسب رأينا – ليست أصلًا عمليًا.
3. أما التخيير والاحتياط، فهما من الأصول العملية؛ لأن الضابط العام عندنا هو أن كل مورد يكون فيه التعامل مع الواقع فهو من باب الأمارات، وكل مورد يكون فيه التعامل مع حدود العلم فهو من باب الأصول.
فإذا علمنا بسقوط قطرة دم في أحد إناءين، فإن الواقع واحد، ولكن لما كان احتمال وقوعها في كل واحد منهما متساويًا، وكان العلم طريقًا إلى الواقع، وجب الاجتناب عن الإناءين معًا.
ولا بد من التنبيه إلى أن كلما لم يكن المطلوب مترتبًا على حدود العلم، كان من الأصل المثبت.
فمثلًا، إذا كان حد علمك هو حياة زيد، أمكن أن تثبت أن هذه المرأة ما تزال زوجته، فلا يجوز لها الزواج بغيره.
أما أن تثبت بذلك أن له أولادًا، أو أنه تزوج زوجة أخرى، فلا يمكن؛ لأن هذه الآثار لا ترتبط بما أثبته العلم، إذ قد يكون حيًا من دون أن يكون له أولاد أو زوجة أخرى.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#البراءة_الشرعية
#البراءة_العقلائية
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 هل توجد أصول مُحرِزة في الشبهات الحكمية؟ (القسم السابع)
(غير أن النكتة الفنية في هذا البحث لا تقف عند هذا الحد، بل تتمثل في أننا لا نقبل أصلًا بوجود أصلٍ مُحرِز في الشبهات الحكمية الكلية.
وبناءً عليه، فإن البحث عن قيام الأصول المُحرِزة مقام القطع إنما يتصور في الشبهات الموضوعية فقط.
بل إن جميع ما يسمى بالأصول المُحرِزة – حتى لو سلّمنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية – لا يجري في الشبهات الحكمية سوى الاستصحاب وحده.
وتوضيح ذلك:
1. أصالة الطهارة:
أي فيما إذا كان الشك في الحكم نفسه، لا في الموضوع الخارجي، كأن يشك في طهارة شيء من حيث الحكم الشرعي.
إلا أن هذا الاستدلال يواجه عدة إشكالات:
أولًا: إن دليل أصالة الطهارة منحصر برواية واحدة لعمار الساباطي:
«كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك.»
ومن المعروف أن روايات عمار الساباطي كثيرة الشذوذ وكثيرة الاشتباه.
ثم إن الرواية وردت بلفظ «نظيف»، لا بلفظ «طاهر».
ثانيًا: إن قوله: «حتى تعلم أنه قذر...» – مع غض النظر عن انفراد الرواية – ظاهر في الانصراف إلى الشبهات الموضوعية، ولا أقل من احتمال ذلك احتمالًا قويًا، فلا يكون ناظرًا إلى الشبهات الحكمية.
ثالثًا: وحتى لو سلّمنا بدلالتها، فإنها تختص بالطهارة فقط، بينما الأصول العملية التي يبحث عنها في علم الأصول ينبغي أن تكون جارية في جميع أبواب الفقه.
2. الاستصحاب:
أما الاستصحاب، فمنذ عصر الصحابة اختلف العلماء في حجيته؛ فأنكره بعضهم، وقبله بعض كبار علماء أهل السنة.
وكذلك الحال بين فقهائنا وأصوليينا، فقد قبله فريق، وتوقف فيه فريق آخر، إلى أن جاءت المدرسة الأخبارية، فأعطت الاستصحاب في الشبهات الحكمية أهمية كبيرة، حتى صار إحدى أبرز نقاط الخلاف بينها وبين المدرسة الأصولية.
فقد أصر الأخباريون على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وكان من أشد المسائل التي خالفوا فيها الأصوليين.
ثم جاء #الوحيد_البهبهاني، وتبعه الأصوليون من بعده، مثل #الشيخ_الأنصاري، وصاحب #كفاية_الأصول، والمرحوم #الميرزا_النائيني، و#آقا_ضياء_العراقي، فالتزموا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية.
وقد أثار المرحوم #المحقق_النراقي شبهة تعارض استصحاب الحكم مع استصحاب عدم الجعل.
وقد قوّى أستاذنا هذه الشبهة، وانتهى – كما انتهى الأخباريون – إلى إنكار جريان الاستصحاب.
ونحن أيضًا نؤيد الأخباريين في هذه النتيجة، وبنحوٍ قريب من منهجهم، مع بعض الإضافات، فلا نقبل الاستصحاب في الشبهات الحكمية.1️⃣
3. القياس:
وأما الثالث، فهو القياس.
وقد عده الأعلام – ومنهم المرحوم #الشيخ_الأنصاري في بحث الانسداد – من الأمارات غير المعتبرة.
أما نحن، فقد أوضحنا في محله أن القياس في حقيقته نوع من الاستصحاب، ومن الأصول العملية، بل هو في جوهره أصل تنزيلي.
وعليه، فإذا لم يكن لدينا أصل تنزيلي في الشبهات الحكمية، فإن هذا البحث يصبح من الأساس لغوًا في هذا الباب، وينحصر أثره في قيام الأصول التنزيلية مقام القطع في الشبهات الموضوعية فقط.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
الهامش:
1️⃣ وذلك من جهة عدم جريانه في نفسه.
وخلاصة رأينا هي أن الأصول العملية – بما أنها من إبداعات الذهن – لا تمتلك كاشفية عن الواقع، ولا يعد من البناء العقلائي أن تُكتشف القوانين بواسطة هذه الإبداعات الذهنية.
نعم، يمكن لهذه الإبداعات أن تنشئ نوعًا من الارتباط بالواقع الخارجي؛ فنقول مثلًا: هذا الكتاب كان ملكًا لشخص، فنستصحب ملكيته، أو كان باب الحرم مفتوحًا فنحكم ببقائه مفتوحًا.
أما أن نستكشف بها حكم الشارع أو القانون، فهذا غير صحيح.
وهذا ليس مختصًا بالشريعة الإسلامية، بل لا يُعرف في أي نظام قانوني أن تُكتشف القوانين بواسطة الإبداعات الذهنية والأصول التنزيلية.
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#الأصول_الجارية_في_الشبهات_الحكمية
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 الأصول الجارية في الشبهات الحكمية والموضوعية وموقع البحث عنها (القسم السادس)
(إن ما ذكره الأعلام من أن الأصول التنزيلية والأمارات تقوم مقام القطع الطريقي، بخلاف الأصول غير التنزيلية، هو في الجملة كلام صحيح ومقبول.
إلا أن هناك نكتةً أخرى، وهي أن هذا البحث إنما يجري فيما إذا كان القطع متعلقًا بحكمٍ فرعي كلي؛ لأن البحث في الأحكام الفرعية الكلية هو موضوع علم الأصول، أما الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية فلم يُبحث عنها في علم الأصول.
فقد بحث الأصوليون الأصول الأربعة، وهي: الاستصحاب، والبراءة، والاشتغال، والتخيير؛ لأنها تجري في الشبهات الحكمية، وهي من المباحث الكلية.
أما أصالة الطهارة، وقاعدة الملك، وقاعدة اليد، وقاعدة التجاوز، فقد قالوا: إن هذه لا ترتبط بعلم الأصول.
وعليه، فإن إيراد الأصول الأربعة في علم الأصول إنما كان لأنها تجري في الأحكام الفرعية الكلية، وإلا فإن الأصول الجارية في الموضوعات الخارجية أكثر بكثير من ذلك، غير أنهم قرروا أن علم الأصول لا يتعرض للموضوعات الخارجية.
ومن هنا، فإن إدراج قاعدة التجاوز ضمن الأصول المُحرِزة يقتضي – بحسب هذه القاعدة – الالتزام بنفس هذا الضابط؛ لأن قاعدة التجاوز لا تجري إلا في الشبهات الموضوعية.
فإذا شك الإنسان في أثناء السجود هل أتى بالركوع أم لا؟، قيل له: «بلى، قد ركعت».
أما في الشبهات الحكمية فلا وجود لقاعدة التجاوز.
وكذلك قاعدة الفراغ، وقاعدة التجاوز، وقاعدة سوق المسلمين، وقاعدة عدم الاعتناء بشك كثير الشك، وقاعدة عدم اعتناء الإمام بشكه مع حفظ المأموم، كلها تجري في الشبهات الموضوعية.
ولهذا، فهي بحوث فقهية تُبحث في علم الفقه، ولا ترتبط بالشبهات الحكمية.
ومن جهة أخرى، فإن أصل البحث هنا كان مفروضًا في الشبهات الحكمية الكلية، أي إن المقصود عند بحث القطع هو القطع بالحكم الكلي، لا القطع بكون هذا الشيء ملكًا، أو طاهرًا، أو نجسًا، أو مغصوبًا.
وعليه، فعندما يذكر الأعلام الأصول التنزيلية، ويمثلون لها بقاعدتي الفراغ والتجاوز، فلا بد من الالتزام بأن مرادهم في هذا البحث أعم من الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية.
ونحن لا نجد في ذلك إشكالًا؛ لأننا نعدّ هذه التقسيمات أمورًا اعتبارية.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#الأصول_الجارية_في_الشبهات_الحكمية_وموقع_البحث_عنها
#الأصول_الجارية_في_الشبهات_الموضوعية_وموقع_البحث_عنها
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 الاستصحاب والحكومة الظاهرية في ضوء نظرية الميرزا النائيني (القسم الخامس)
(وعلى هذا الأساس، إذا قطع المكلف بأن هذا السائل خمر فشربه، أُقيم عليه الحد.
وكذلك إذا قامت البينة على أنه خمر ثم شربه، ثبت عليه الحد أيضًا.
بل حتى إذا ثبتت خمرية السائل بالاستصحاب ثم شربه، أُقيم عليه الحد؛ لأن الاستصحاب من الأصول التنزيلية، فهو بمنزلة أن يقول: «هذا خمر».
وكذلك في قوله (عليه السلام): «فإنك كنت على يقين من وضوئك»، فكأن الإمام يقول: أنا أرى وضوءك، وأنت لا تزال على وضوئك، ولا يريد مجرد إثبات وجود كاشف.
ومن هنا كان السر في اختلاف الأصوليين حول الاستصحاب: هل هو من الأمارات أم من الأصول؟
ذلك لأنهم وجدوا فيه جهة انكشاف الواقع، مع عدم وجود كاشفية، مع أن اجتماع الانكشاف من دون كاشف يبدو غير معقول.
وعلى هذا التحليل الذي ذكره المرحوم #الميرزا_النائيني، يبقى الاستصحاب من الأصول، ولكن بهذا المعنى الخاص.
أما #السيد_الخوئي، فيعدّ الاستصحاب من الأمارات، وإن كان قد فصّل في الأمارات من جهة اشتمالها على الكاشفية أو عدم اشتمالها عليها.
وأما أستاذنا، فقد اعتبر الانكشاف في باب الأمارات انكشافًا حقيقيًا، ولذلك يرى أنها من سنخ الأمارات حقيقة.
أما نحن، فنعتقد أن الانكشاف في القطع انكشاف حقيقي، بينما في الاستصحاب فهو انكشاف إبداعي بجعل الشارع.
وأما بالنسبة إلى الاحتياط، فأول ما ينبغي بحثه هو الفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية.
فبحسب رأي المرحوم #الميرزا_النائيني، تتحقق الحكومة الواقعية عندما يتصرف الشارع بنفسه في موضوع الحكم، كما في قوله:
«الطواف بالبيت صلاة».
فكما أن تحية سائر المساجد هي صلاة ركعتين، فإن تحية المسجد الحرام هي الطواف، وكثير من الأحكام المعتبرة في الصلاة – كاشتراط الطهارة، وكونها قربة إلى الله تعالى، وأنها «قربان كل تقي» – تجري أيضًا في الطواف.
أما الحكومة الظاهرية، فهي عنده الموارد التي يجعل فيها الشارع الحجية؛ كما إذا جعل الحجية لخبر الثقة.
فعلى هذا المبنى، إذا أخبر الثقة بأن شيئًا واجب، فإن معنى الحجية هو الحكم بأن هذا هو حكم الله، وأن مؤدى الأمارة يجب العمل به.
وسيتضح – إن شاء الله – في البحث الآتي أن مبنى المرحوم #الميرزا_النائيني هو «تتميم الكشف تعبّدًا»؛ أي إن الشارع تعبّد بجعل مؤدى الأمارة بمنزلة الواقع نفسه.
فهذا النوع من الحكومة هو حكومة ظاهرية على نحو التوسعة.1️⃣
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
الهامش:
1️⃣ قد تكون الحكومة على نحو التضييق، وقد تكون على نحو التوسعة، وكل منهما قد يكون واقعيًا أو ظاهريًا.
أما الحكومة الواقعية، فأمرها واضح، ومن أمثلتها قوله: «الطواف بالبيت صلاة».
وأما الحكومة الظاهرية، فمعيارها الالتزام بحجية الدليل؛ فكل مورد جعل فيه الشارع الحجية، كان ذلك حكومة ظاهرية توسعية.
إلا أننا لا نقول بالحجية التعبدية في باب القطع، ولذلك لا مجال عندنا لهذا النوع من التوسعة.
أما المرحوم #الميرزا_النائيني، فلما كان قائلًا بالحجية التعبدية، التزم بهذه الحكومة الظاهرية.
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#أقسام_الحكومة
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 أوجه الشبه والاختلاف بين القطع والأمارات والأصول التنزيلية وغير التنزيلية (القسم الرابع)
(حينما كنا نحضر دروس المرحوم #آية_الله_البجنوردي (قدس سره)، نقل لنا مطلبًا عن المرحوم #الميرزا_النائيني يختلف عمّا ورد في تقريرات درسه. ولعلّ ذلك لأنه سمعه منه مباشرة، أو لأن المرحوم النائيني قرّره في إحدى دوراته الأخيرة.
وبحسب هذا التحليل، فإن العقلاء يرون أن حصول العلم للإنسان يترتب عليه أربع جهات:
1. الصفة النفسية الخاصة:
وهي حالة قائمة بالنفس، تختص بالعلم، ولا توجد في الظن؛ فالظن شيء، والتردد شيء آخر.
2. الكاشفية:
أي إن هذه الصفة ترتبط بالواقع وتكشفه للإنسان.
3. انكشاف الواقع:
وهو أن الواقع نفسه يصبح منكشفًا وحاضرًا أمام الشخص، وهذه جهة غير الكاشفية.
ففي قوله (عليه السلام): «فإنك كنت على يقين من وضوئك»، فكأن الإمام يقول: إن الوضوء حاضر أمامك وما زلت متلبسًا به، ولا يريد مجرد إثبات وجود كاشف.
وكذلك إذا اشترينا لحمًا من سوق المسلمين، فإننا نتعامل معه على أنه مذكى، وكأن تذكيته منكشفة لنا، مع أنه لا توجد كاشفية حقيقية؛ لأن الكاشف الوحيد هو سوق المسلمين، وهو ليس كاشفًا قطعيًا، إذ يحتمل أن يكون اللحم غير مذكى.
4. الجري العملي على طبق الواقع المنكشف:
أي إن الإنسان يسلك عمليًا وفق ما انكشف له.
فإذا علم أن هذا حبل وأن ذاك حية، فإنه يفر من الحية ولا يفر من الحبل. وكذلك إذا علم بنجاسة شيء اجتنبه، وإذا علم بطهارته حمله وصلى به.
ولهذا نقول في باب الاشتغال: «اجتنب الإناءين»، ولا نقول: «لأنهما نجسان»؛ لأن الجري العملي لا يثبت الموضوع، وإنما غايته أن يقول: إذا كان أحد الإناءين خمرًا، فاجتنب كليهما، لا أنه يثبت أن كل واحد منهما خمر.
أما الأمارات، فتشتمل على ثلاث جهات:
- الكاشفية.
- انكشاف الواقع بها.
- الجري العملي.
وأما الأصول التنزيلية، ففيها انكشاف الواقع والجري العملي، ولكن لا كاشفية فيها.
ففي قوله (عليه السلام): «فإنك كنت على يقين من وضوئك»، يكون الوضوء بمنزلة الواقع المنكشف وكأنه ما زال حاضرًا، من دون وجود كاشفية.
وكذلك في رواية قاعدة التجاوز، عندما يقول المكلف: «شككت في الركوع وأنا في السجود»، فيجيبه الإمام (عليه السلام): «امضِ في صلاتك»، أو يقول: «بلى، قد ركعت»؛ فكأن الركوع لا يزال ثابتًا ومنكشفًا، لا أن هناك كاشفًا عنه.
وقد أضفنا إلى كلام المرحوم #الميرزا_النائيني ملاحظةً، وهي أن هذا الظهور في انكشاف الواقع وثبوت المنكشف إنما هو بجعل الشارع وإبداعه؛ وإلا فلو اقتصر الدليل على قوله: «امضِ في صلاتك»، لكان ذلك أصلًا غير تنزيلي.
وعليه، فإذا تحقق انكشاف الواقع من دون كاشفية، كان الأصل تنزيليًا؛ ولذا فإن قوله: «بلى، قد ركعت» معناه أن الركوع – وهو المنكشف – ثابت.
أما لو اقتصر على قوله: «امضِ في صلاتك»، لحكمنا بأنه أصل غير تنزيلي. ولكن لما قال: «قد ركعت»، عدَدْناه من الأصول التنزيلية.
وكذلك في قاعدة اليد، فإنك ترى شخصًا متصرفًا في مال، فتحكم بملكيته له، وهذا أيضًا من الأصول التنزيلية.
أما الأصول غير التنزيلية، فلا تشتمل إلا على جهة واحدة، وهي الجري العملي.
وعلى هذا الأساس، فإن القطع، والأمارات، والأصول التنزيلية تشترك في حكم واحد، بينما تنفرد الأصول غير التنزيلية بحكم آخر، ولذلك لا تقوم مقام القطع الطريقي.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#أوجه_الشبه_والاختلاف_بين_القطع_والأمارات_والأصول_التنزيلية_وغير_التنزيلية
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 هل تقوم الأصول التنزيلية مقام القطع الطريقي؟ (القسم الثالث)
(ذكر الأصوليون أنه إذا كان القطع مأخوذًا على نحو الطريقية، فإن التكليف يكون منجَّزًا سواء حصل القطع، أو قامت البينة (الأمارة)، أو ثبت أحد الأصول التنزيلية.1️⃣
أما الأصل غير التنزيلي (الأصل غير المُحرِز)، فلا يقوم مقام العلم ولا مقام الأمارة.
والنكتة الفنية في أصل هذا البحث هي أن مفاد الأصول العملية ليس مفاد الكاشفية.
وبيان ذلك: أن طريقية القطع – على حد تعبيرهم – ذاتية، بل هي عين ذاته. وكذلك الأمارات لها جهة كشف عن الواقع، غاية الأمر أن الشارع أمضى هذا الكشف وجعله تامًا.
فقد ترى الواقع بنفسك، كما إذا قطعت بأن هذا السائل خمر، وقد لا تراه، ولكن تقوم البينة على كونه خمرًا.
أما الأصول العملية – سواء كانت تنزيلية أم غير تنزيلية – فإنها لا تفيد الكشف عن الواقع، وإنما تحدد الوظيفة العملية (الجري العملي).
ولهذا قال فريق من الأصوليين: بما أن الاستصحاب والاحتياط من سنخ واحد، وكلاهما من الأصول العملية، فلا كاشفية فيهما، فلا يقومان مقام العلم.
وقال فريق آخر: لما كانا يحددان الوظيفة العملية، والجري العملي موجود أيضًا في مورد العلم – إذ إن الإنسان يعمل على وفق علمه – فإنهما يقومان مقام القطع.
وخلاصة هذا التحليل أنهم يرون أن للقطع ثلاثة آثار:
1. له صفة نفسية خاصة تميّزه، وهي حالة قائمة بالنفس.
2. له جهة الكاشفية عن الواقع، ومن هذه الجهة يشترك مع الأمارات.
3. له جهة الجري العملي، ومن هذه الجهة يشترك مع الأصول العملية.
وبناءً على ذلك، قال بعضهم: إن الأصول تقوم مقام القطع من هذه الجهة الأخيرة.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
الهامش:
1️⃣ الأصول التنزيلية هي – بإجمال – الأصول التي تتكفل بإحراز الموضوع وتنزيل مؤداها منزلة الواقع؛ ومن أوضح أمثلتها الاستصحاب، فإن قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» يُشعر بأن الشيء الذي كان خمرًا سابقًا يُعامل معه على أنه لا يزال خمرًا.
وقد ذكر المرحوم #الميرزا_النائيني (من ج3، ص15 فصاعدًا) أن الأصول التنزيلية هي:
««المتكفلة لتنزيل المؤدى منزلة الواقع، بحيث يكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع، وإلغاء الطرف الآخر.»»
ومثّل لها بـ الاستصحاب، وأصالة الصحة، وقاعدة التجاوز.
ويظهر أن مراده من أصالة الصحة هو أصالة الصحة في فعل الغير؛ لأن هذا هو المعنى المشهور لها، ولأن أصالة الصحة في فعل النفس تُرجع في الحقيقة إلى قاعدتي الفراغ والتجاوز.
فإذا كان الشك بعد الفراغ من العمل في صحته، سميت قاعدة الفراغ؛ كما لو شك الإنسان بعد الصلاة في صحتها.
أما إذا كان الشك أثناء العمل بعد تجاوز محل الجزء المشكوك فيه، سميت قاعدة التجاوز؛ كما لو شك في الركوع وهو في السجود.
وقد يطلق على كلتا القاعدتين أصالة الصحة في فعل النفس.
ومن الجدير بالذكر أيضًا أن أصالة الصحة في فعل الغير لا تستند – في ظاهر الأمر – إلى دليل واضح سوى العبارة المشهورة: «ضع فعل أخيك على أحسنه».
وسيأتي في موضعه – إن شاء الله – أن هذه القاعدة، حتى لو ثبتت، تُعد من الأصول غير المُحرِزة؛ لأن الشارع في قاعدة التجاوز يقول: «بلى، قد ركعت»، فيُنزّل الركوع منزلة الواقع، بينما في أصالة الصحة لا يقول إلا: «ضع فعل أخيك على أحسنه»؛ أي: احمل فعله على أنه لم يرتكب محرمًا، من دون أن يحكم بأن عمله قد وقع صحيحًا ومطابقًا للواقع.
ولهذا، فإن «ضع فعل أخيك على أحسنه» من الأصول غير المُحرِزة.
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#الأصول_التنزيلية
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 قيام الأمارات وبعض الأصول العملية مقام القطع الطريقي (القسم الثاني)
(ومن الأمثلة الأخرى: لو ورد في عبارة أو رواية: «ملاقي النجس نجس»، فعند ملاحظة الواقع الخارجي يمكن تصوير أربع حالات:
1. إذا تيقّنا بأن الشيء نجس، وهو ما يُعبَّر عنه اصطلاحًا بـ القطع، وقد تقدم أن كلما تعلّق الحكم بالواقع في الأدلة الشرعية والقوانين العرفية كان القطع مأخوذًا على نحو الطريقية، ومن دون إشكال فإن ملاقيه – كالثوب أو اليد إذا لامسته – يحكم بنجاسته.
2. إذا قامت البينة على نجاسته، ثم لاقاه شيء، حُكم أيضًا بنجاسة الملاقي. وهذا هو ما يُعبَّر عنه في الاصطلاح بـ قيام الأمارات والحجج مقام القطع.1️⃣
3. إذا كان السائل الموجود في هذا الإناء نجسًا سابقًا، ثم احتملنا أن أحدًا قد طهّره، فنستصحب بقاء النجاسة ونقول: كان نجسًا سابقًا، فهو نجس الآن أيضًا، وهذا من الأصل المُحرِز.2️⃣ فإذا لامسته يدُنا حكمنا بنجاستها.
4. إذا دار الأمر بين إناءين، بحيث نعلم إجمالًا أن أحدهما نجس، فهذا هو مورد الاحتياط (الأصل غير المُحرِز). ففي هذه الحالة يقال: يجب الاجتناب عن كليهما، ولكن لو لاقت يدُك أحدهما، فلا يُحكم بنجاستها؛ لأن معنى وجوب الاحتياط هو وجوب الاجتناب عن كل واحد من الإناءين، ولا يلازم ذلك الحكم بنجاسة ملاقيه.3️⃣
وفي الحالتين الأوليين لا إشكال في الحكم بنجاسة الملاقي، أما الحالتان الأخيرتان – أي الاستصحاب والاحتياط – فهما محل بحث بين الأصوليين، وقد ذُكرت فيهما ثلاثة آراء:
1. لا يُحكم بنجاسة الملاقي لا في مورد الاستصحاب، ولا في مورد أصالة الاحتياط.
2. يُحكم بنجاسة الملاقي في مورد الاستصحاب، دون أصالة الاحتياط.
3. يُحكم بنجاسة الملاقي في كلا الموردين.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
الهوامش:
1️⃣ حجية البينة ليست عقلائية بالكامل، بل هي تعبدية؛ بمعنى أنه إذا شهد عدلان على موضوع خارجي، ثبت ذلك الموضوع تعبّدًا. وذلك لأن بناء العقلاء قائم على حجية الوثوق والاطمئنان، وقد لا يحصل الوثوق من خبر عدلين أو شهادتهما، ومع ذلك نحكم بحجية البينة تعبّدًا.
2️⃣ أي: إنه ناظر إلى مقام الموضوع ويُحرز وجوده، فنقول: كان هذا الشيء نجسًا سابقًا، فهو نجس الآن أيضًا؛ ولذلك يُسمّى الأصل المُحرِز أو الأصل التنزيلي.
3️⃣ محل الكلام هو ملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي، لا ملاقي الطرفين معًا؛ فإن ملاقي الطرفين نجس بلا إشكال.
وأما الاحتياط، فالبحث فيه مبني على رأي المشهور، وإلا فإذا علمنا إجمالًا بنجاسة أحد الإناءين، فهناك في الحقيقة ثلاثة اتجاهات:
1. وجوب الاجتناب عن الإناءين معًا، وهو الرأي المشهور، ويُعبَّر عنه في الاصطلاح بـ منجِّزية العلم الإجمالي.
2. ذهب بعض الأصوليين المتقدمين، وبعض #الأخباريين، إلى أنه بما أن الرواية تقول: «كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه»، ونحن لا نعلم أيَّ الإناءين هو الحرام بعينه، فتجري أصالة الحل أو أصالة الطهارة في كليهما.
3. ويرى الاتجاه الثالث: وجوب الاجتناب عن أحد الإناءين فقط، وجواز استعمال الآخر، وهو قريب من فكرة الانحلال التعبدي أو الحكمي. ثم إن تعيين الإناء المتروك إما أن يكون باختيار المكلف – كما قيل – أو بالقرعة.
إلا أننا لا نجد إلا عددًا نادرًا جدًا من الفقهاء من عمل بعموم رواية: «القرعة لكل أمر مشكل» أو «لكل أمر مجهول»، فعمّموا ما ورد في قطيع الغنم – إذا علم بوجود شاة محرمة فيه – إلى جميع موارد العلم الإجمالي.
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 قيام الأمارات وبعض الأصول العملية مقام القطع الطريقي (القسم الأول)
(1. إن أكثر ما ورد في لسان القرآن الكريم والروايات من ألفاظ العلم – كاليقين، والقطع، ونحوها – يرجع إلى القطع الطريقي، بحيث إن ما يزيد على ستةٍ وتسعين بالمائة منها ناظرٌ إلى هذا القسم، أما القطع الموضوعي فموارده في لسان الأدلة قليلة جدًا.
2. وكل مورد تعلّق فيه الحكم بالواقع نفسه – كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] – فإن القطع فيه مأخوذ على نحو الطريقية.
3. والمشهور بين علمائنا أن الأمارات تقوم مقام القطع الطريقي، كما ذهب جمعٌ من الأصوليين إلى أن الأصول العملية التنزيلية تقوم مقامه أيضًا، بخلاف الأصول العملية غير التنزيلية.1️⃣
وتوضيح ذلك:
ورد في الروايات أن من شرب الخمر يُجلد ثمانين جلدة. وهنا يمكن تصوير عدة فروض:
أولًا: إذا كان السائل مقطوعًا بكونه خمرًا، فشربه الشخص مع علمه بذلك، وجب عليه حدّ الثمانين جلدة.
ثانيًا: إذا قامت البينة على أنه خمر، فشربه بعد قيام البينة – وهي من الحجج والأمارات – ثبت عليه أيضًا حدّ الثمانين جلدة.
ثالثًا: إذا كان هذا السائل خمرًا سابقًا، ثم مضت مدة، فقال بعضهم: لقد انقلب إلى خلّ، وقال آخرون: بل لا يزال خمرًا، فإذا استُصحبت بقاء خمريته ثم شربه شخص، أُقيم عليه الحد أيضًا.
رابعًا: إذا علمنا إجمالًا أن أحد هذين السائلين خمر، فإن الفتوى تقضي بوجوب الاجتناب عنهما معًا، إلا أنه لو شرب أحدهما فلا يُقام عليه الحد؛ لأن الحد إنما يثبت على شارب الخمر، ولم يُحرز أن هذا الشخص قد شرب الخمر واقعًا.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 10 و11/7/1390)
الهامش:
1️⃣ كان #الشيخ_الأنصاري يرى في البداية – بقوله: «ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية والأصول العملية مقامه في العمل» – أن جميع الأصول العملية تقوم مقام القطع.
ثم عدّل رأيه بإضافة كلمة «بعض»، فأصبحت العبارة: «ثم من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية وبعض الأصول العملية مقامه في العمل» (#فرائد_الأصول، ج1، ص33)، وبذلك فرّق بين الأصول العملية التنزيلية وغير التنزيلية.
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#قيام_الأمارات_وبعض_الأصول_العملية_مقام_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
🔵 مناقشة في أحد تطبيقات القطع الطريقي: هل الفجر أمرٌ واقعي أم هو نفس التبيُّن؟
(في مثل قولهم: «إن خاف على نفسه الرمد»، يكون الخوف مأخوذًا على نحو الطريقية، ومع ذلك يشتمل أيضًا على صفةٍ نفسية، وهي حالة الخوف والقلق والاضطراب.
وكذلك الحال في سلوك الطريق المخوف؛ فإن الإنسان يسلك الطريق وهو يخشى أن يهجم عليه لص فيسلب أمواله، أو أن يفترسه حيوان مفترس. فهو يعلم بوجود واقعٍ محتمل، ومن هذه الجهة يكون الخوف طريقيًا، وفي الوقت نفسه يعيش حالة نفسية من الاضطراب والحرج وضيق النفس.
وقد يسلك الإنسان طريقًا وهو في حالة خوف، ثم يتبين أنه لم يكن هناك لص ولا حيوان مفترس أصلًا.
ولذلك كان الفقهاء والأصوليون على التفاتٍ إلى هذا الفرق، فجعلوا بحث العلم في علم الأصول، وأما أمثال الخوف فأدرجوها في الفقه؛ كما فيمن يظن أن الصوم يضره ويورثه رمدًا في عينه، ثم يصوم فلا يصاب بشيء، أو فيمن يسلك الطريق وهو في حالة خوف واضطراب، ثم يتبين أنه لم يكن هناك لا لص ولا ذئب...).
ومن الأمثلة المهمة جدًا: مسألة الليالي المقمرة، حيث قال أستاذنا:
«ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]؛ فإن الموضوع لوجوب الإمساك هو نفس طلوع الفجر، لا علم المكلف به.»
(#مصباح_الأصول، تقرير بحث #السيد_الخوئي للبهسودي، ج47، ص36-37).
ويقرر أن طلوع الفجر أمر واقعي، ولذلك لا فرق بين الليالي المقمرة وغيرها.
إلا أن هذا المثال الذي ذكره – مع اقتصاره عليه – محل إشكال.
فمبنَى #السيد_الخوئي هو أن الفجر حقيقة واقعية، ويُعبَّر عنها اليوم – اصطلاحًا – بوصول الشمس إلى درجة (18) تحت الأفق الحقيقي. وهذا هو الرأي الأشهر، وإن كان تحديد الفجر نفسه محل اختلاف بين الأعلام.
أما الذين يناقشون في مسألة الليالي المقمرة، فحاصل كلامهم أن الفجر ليس أمرًا واقعيًا مستقلًا أصلًا، وإنما التبيُّن نفسه هو الفجر.
وبيان ذلك: أنه في الليالي المقمرة، وبسبب ضوء القمر، لا يظهر الضوء على دائرة الأفق بسرعة، بل يحتاج الأمر إلى مضي مدة – تقارب خمس عشرة دقيقة – حتى يتضح النور.
وعليه، فإن قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ معناه: حتى يظهر النور على دائرة الأفق، ويتميز الضوء عن الظلمة، وهذا التبيُّن نفسه هو الفجر، لا أن الفجر حقيقة واقعية مستقلة يكون قوله تعالى: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ كنايةً عنها.
والواقع أن من أراد مراقبة الفجر بنفسه، فإنه لا يرى عند درجة (18) ما يشبه الخيط الأبيض؛ فالفجر في تلك المرحلة ليس على هيئة خيط.
وعلى مدار رأس السرطان – على حد تعبير بعضهم، وهو عند درجة (23) – إذا راقب الإنسان الأفق الحسّي، فإنه يرى أولًا الفجر الكاذب، والذي يظهر قبل الفجر الصادق بنحو عشر دقائق تقريبًا، على هيئة شعاع مستقيم يشبه ذَنَب الذئب، كما يعبّر عنه الفقهاء.
ثم عند درجة (18) – وهي الدرجة المعتمدة اليوم، والتي تُبنى عليها مواقيت الأذان في إيران – يظهر نور كأنه كرة أو كتلة ضوئية فوق الأفق ذي (23) درجة، ثم يتسع تدريجيًا حتى ينتشر على دائرة الأفق.
وعلى هذا، إذا فُسِّر «الخيط الأبيض» بأنه ذلك الضوء المنتشر على دائرة الأفق، فإن ظهوره يتأخر بنحو عشر إلى اثنتي عشرة دقيقة، بل قد يصل إلى خمس عشرة دقيقة.
(سماحة #آية_الله السيد #أحمد_المددي، بحث الخارج في أصول الفقه، 23/6/1390)
#أصول_الفقه
#القطع
#القطع_الطريقي
#القطع_الموضوعي
#مناقشة_في_مثال_من_القطع_الطريقي
https://t.me/KunnashatAlMaddadi
