قناة ( رِياض الرِّبِّيِّين )
Закритий канал
إذَا وَصَلنا بِرَبِّ الكونِ أنفُسَنا *.*.*.* فما الذي في حَياةِ النّاسِ نَخْشَاهُ ؟
Показати більшеКраїна не вказанаКатегорія не вказана
735
Підписники
Немає даних24 години
-27 днів
-230 день
Архів дописів
مجلس وعظي في فضائل الجهاد للشيخ الشهيد أبي سليمان العتيبي رحمه الله بحضور فضيلة الشيخ الفقيه الشهيد أبي يحيى الليبي رحمه الله
وبعد دخول جيش الأمريكان أفغانستان فالعراق، وصدرت فتاوى أهل العلم بوجوب جهادهم، خرج شقيقه الأكبر إلى العراق فقُتل رحمه الله شهيدًا بأرض الفلوجة كما نحسبه، فزاد حرصه على الجهاد والإعداد له، وطلبُه لأخبار المجاهدين التي لم يكن متابعًا لها باهتمام، ثم خرج إلى العراق مجاهدًا بعد مقتل أخيه بنحو عام، قبل أن يرى ابنه سليمان الذي كان حمْلًا في بطن أمه.
وقد أمَرَه بعض أهل العلم والدراية، باللحاق بالأمير الهمام أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله، فلحِقه وجاهد تحت إمرته، ثمّ نُصِّب قاضيًا لما سُمِّي حينها بـ (مجلس شور المجاهدين)، ثم قاضيًا لـ(لدولة العراق الإسلامية) منذ الإعلان عنها.
وبعد نحو السنتين انتقل إلى #أفغانستان متحيّزًا إلى فئة المجاهدين هناك كما كان يحبّ أن يعبّر رحمه الله، فأكرم إخوانُه هناك وِفادته، وأحسنوا ضيافته وأهلَه، ولم يُرَ الشيخ أبو يحيى الليبي رحمه الله فرحا جذلا مثل فرحه يوم أن بلغه وصول الشيخ أبي سليمان لثغر #خراسان .
وبعد قرابة ستة أشهر منَّ اللهُ عز وجلّ عليه بالشهادة التي كان يسألها ويلحّ في طلبها ولا نزكّي على الله أحدًا، فكان استشهاده في جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن عجيب أمره رحمه الله أنه كان يقول قبل مقتله بنحو أسبوعين: (أشعر كأني أمشي بين السماء والأرض)، فاللهم اغفر لأبي سليمان وارحمه وأنزل على جدثه شئابيب رحماتك وسحائب مغفرتك، واجعله للمتقين إماما.
#أهل_العلم_والجهاد_والاستشهاد_في_خراسان
٥- ترجمة فضيلة الشيخ العالم المجاهد الشهيد أبي سليمان العتيبي تقبله الله
القاضي الشرعي لدولة العراق الإسلامية
هو فضيلة الشيخ المجاهد الشهيد أبو سليمان محمد بن عبد الله بن مطر بن عايش الثبيتي الروقي العتيبي رحمه الله
وُلد في مدينة #الطائف، ورحل مع والده إلى مدينة الخُبر من المنطقة الشرقية، حيث عمل والده، فترعرع بها، ونشأ رحمه الله مائلًا إلى الجدِّ، محبًّا للعلم، فاشتغل بحفظ القرآن منذ صغره، فأتمّ حفظه بعد بلوغه بيسير، وكان متقنًا له لا يكاد يخرِمُ منه حرفًا.
ابتدأ رحمه الله طلبه للعلم في المنطقة الشرقية، فاستفاد من أهل العلم فيها، وحضر دروسَهم ومجالسَهم، فمن شيوخه الذين أخذ عنهم فضيلة الشيخ العالم محمد صالح المنجّد فك الله أسره، فقد حضر دروسه في علم التفسير والحديث، ولازمه مدة طويلة، وكان يقرأ عليه في الفقه أثناء ذهابه إلى الدرس وإيابه في سيارته.
وحفِظ عليه نصيبًا وافرًا من المتون العلمية، والأحاديث النبوية.
ثم ارتحل في طلب العلم إلى مدينة الرياض، وتوثّقت علاقته بالشيخ الدكتور ناصر العمر فك الله أسره، وأخذ عنه العلم والدعوة والخطابة، وحثّه الشيخ العمر على الانصراف الكلّي لطلب العلم؛ لما رأى من همّته وتوقّده، وكان مما قرأه عليه كتاب (بلوغ المرام) كاملا، مع حفظه وضبطه، ثم ابتدأ بقراءة (مختصر صحيح مسلم) للمنذري في درسه العام في بيته، ونشر له الشيخ ناصر العمر بعض مقالاته في موقعه (موقع المسلم) حينَها.
ثم لازم عددًا من كبار أهل العلم في مدينة الرياض وحضر دروسَ بعضهم ومجالسَهم، وأفاد منهم، من أمثال فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز الراجحي حفظه الله، والذي استفاد منه استفادةً بالغةً، ورافقه في حلِّه وترحاله، وقرأ عليه في العقيدة والفقه والحديث.
وكذلك أخذ العلم عن فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن البراك حفظه الله، وقد قرأ عليه في علم العقيدة والفقه الحديث.
كما قرأ على فضيلة الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن عقيل رحمه الله في الفقه الحنبلي.
وأخذ علم الحديث وعلله عن فضيلة الشيخ المحدث عبد الله بن مانع الروقي حفظه الله، فقرأ عليه (موطّأ مالك) وغيره من كتب السنة.
وحضر دروس غيرهم من أهل العلم وأخذ عنهم كفضيلة الشيخ الفقيه العلامة عبد الله بن جبرين رحمه الله، والشيخ العلامة عبد الرحمن المحمود حفظه الله، والشيخ العلامة المتفنن عبد الكريم الخضير حفظه الله، والشيخ العلامة المحدث سعد الحميّد حفظه الله، والشيخ العلامة المحدث عبد الله السعد حفظه الله، والذي استفاد من سؤالاته وأشرطته المسموعة كثيرًا.
وقد حضر الشيخ الشهيد أبو سليمان العتيبي قبل ذلك مجالس الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مدينة الطائف، وأخذ بالطائف أيضًا عن الشيخ فايز الصلاح وقرأ عليه، وكان يستفيد منه إيضاح ما استغلق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكان يقول عنه: (إذا عاش هذا الفتى فسيكون له شأنٌ)، وقد قال هذه العبارة غير واحد من مشايخه، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
كما استفاد شيئًا يسيرًا من بعض أساتذة (كليّة الشريعة) بـ (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) حينَ انتظامه فيها.
وكان رحمه الله مثلًا في الحرص على العلم، والمثابرة عليه، والانصراف إليه بالكليّة.
كما كان مهتمًّا بأصول الدين وأمر التوحيد والاعتقاد، وحُبِّب إليه حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته بعد القرآن، فاشتغل به حفظًا ودراسةً، درايةً وروايةً.
وقد اشتغل مع طلبه للعلم بالإمامة وإرشاد الناس والدعوة والتعليم، بأمر بعض شيوخه له؛ فأمّ جامع (النفل الغربي)، ثم جامعًا بـ (حي العزيزية)، واشتغل قبل ذلك وبعده بالتدريس والشرح، فشرح لبعض طلبة العلم بعض رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وطرفًا من (شرح الطحاوية)، و(بلوغ المرام)، و(الدرر البهيّة) للشوكاني، وغيرها.
وعُني رحمه الله بالدعوة والرحلة لها في المناطق النائية، شرقًا وغربًا وجنوبًا.
وقد اشتغل زمنًا يسيرًا بالكتابة والتأليف، وكان حريصًا على أن لا ينشر شيئًا قبل إحسانه، وعَرْضه على شيوخه.
وممّا صنّف -رحمه الله-:
• جزء فيما جاء في الرقى والتمائم، (وهو مطبوع بدار ابن الأثير بالرياض).
• جزء في أحكام المولود، (وهو مخطوط).
• رسالة في موالاة الكافرين، (وهي مخطوطة).
• شرح مختصر للقواعد الأربع للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، (وهي مفقودة).
• جزء في أذكار الصباح والمساء رواية ودراية.
وكان مع هذا كلِّه وهو في ريعان شبابه مهتمًّا لأمور المسلمين في مختلف بلدانهم، يحزن لمصابهم، ويفرح لفرحهم، وتشغل فِكره قضاياهم.
وقد كانت تحدّثه نفسه بالجهاد؛ وهي حال المؤمن الذي يخشى أن يموت على شعبة من النفاق، حتى تتابعت مصائب أهل الإسلام، وعظم تسلّط الكافرين، واحتلالهم لبلاد المسلمين.
Repost from لقمان عبد الحكيم
السلوك إلى الله جـ.ـهاد...
السلوك إلى الله «جهاد»؛ بل هو رأسه وأساسه، وإذا نظر المتفكِّر في حال المـ.ـجاهدين وأوجاعهم والفتن التي تحيط به.. عَلِمَ معنى كون تزكية النفس جـ.ـهادًا؛ فالسَّير في طريق التعبُّد فيه كُلفَة ومشقَّة كالهجرة والجـ.ـهاد، وفيه استغناء عن كثير من ملاذِّ الدنيا التي يتمتع بها الغافلون دون المجـ.ـاهدين. لكنها مع ذلك فيها الظفَر المحقَّق، والهداية الربانية التي يفتح الله بها على المجـ.ـاهدين؛ كما قال الحق سبحانه: {وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ} [العنكبوت ٦٩].
لذلك؛ على السالك طريقَ الاستقامة أن يتعامل مع هذا السبيل معاملة المجـ.ـاهد مع الأخطار والأشرار، ويكون على حذر من الأعداء، مستعدًّا في نفسه مجهِّزًا ذخائرَه، راضيًا بقضاء الله، عالِمًا مستيقنًا بنصر الله الذي وعده لعباده المجـ.ـاهدين؛ قال سبحانه: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَـٰرَةࣲ تُنجِیكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِیمࣲ (10) تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَ ٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (11) یَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَیُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَیِّبَةࣰ فِی جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲۚ ذَ ٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ (12) وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحࣱ قَرِیبࣱۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ (13)} [الصف ١٠-١٣].
وهذه المواطن يُختَبَر فيها الإيمان الحقُّ؛ فمَن ثبت على الصواب وأحسنَ الجـ.ـهاد.. تنزَّلَت عليه رحمات الهداية، وبقدر ما ينهزم فيها.. يخفت نور قلبه، ويُحجَب عنه مِن الهداية بقدر فشله.
ولا يُنتظَر تمكينٌ في مواجهة المشـ.ـركين، ولا نصرٌ في حرب المرتـ.ـدين، ولا علوٌّ في مدافعة الباغين... ممَّن هُزموا في دواخلهم؛ إذ الغلبة في الخارج تابعة للغلبة في الداخل. ولا يتخلَّف هذا الأصل -تلازم النصر بين الظاهر والباطن- إلا بمانع من الموانع وضعه الله لحِكمَةٍ عندَه. ومع علمنا أنه قد يتخلَّف لا ينبغي أن «ننتظر» التمكين مِن غير الأصفياء، بل نتطلَّب صفاء المجـ.ـاهدين ثم النصر مِن الله.
لذا؛ فليبدأ المرء مِن أقرب الثغور: من قلبه أولًا، ومِن إصلاح باطنه قبل ظاهره؛ فإن صلحت هذه الجبهة.. لانَت له سائر الجبهات، وانفتح له باب التوفيق في شأنه كله.
قال العلامة المحقِّق [الفوائد ٨٢]: «قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
علق سبحانه الهداية بالجـ.ـهاد؛ فأكمل الناس هداية أعظمهم جهـ.ـادا، وأفرض الجهـ.ـاد جهـ.ـاد النفس وجهـ.ـاد الهوى وجهـ.ـاد الشيطان وجهـ.ـاد الدنيا؛ فمن جاهـ.ـد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهـ.ـاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهـ.ـاد.
قال الجنيد: والذين جاهـ.ـدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص.
ولا يتمكن من جهـ.ـاد عدوه في الظاهر إلا من جاهـ.ـد هذه الأعداء باطنا؛ فمن نصر عليها نصر على عدوه، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه».
لا يخفى على كريم علم القارئ أن أولى معارك الإسلام النبوية (غزوة بدر) كانت قد وقعت في منتصف شهر رمضان المبارك، فهذا الشهر هو شهر الغزوات والقتال والانتصارات، فمن الفقه أن يتجهز المجاهدون لقتال أعداء الله من شهر رجب وشعبان لتكون غزواتهم موافقة لشهر رمضان الكريم، ومن المناسب أن يتدبر المرء في تفسير سورة الأنفال والتوبة والقتال ليدرك أحكام القتال وفضائله في شهر رمضان.
10- معسكر الاستشهاد:
إن من أعظم أوسمة الحياة أن ينال المرء اسم الشهيد ورسم الشهيد، فإن اسم الشهيد من أسماء الله جل جلاله، ولهذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يتمنى ويطلب أعلى مراتب الشهداء، كما جاء في الصحيحين وغيرهما أنه قال: "والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل".
وإن مما لمسته من فقه بعض فتية الإيمان في هذا الزمان أنهم كانوا يطلبون ويتقصدون تنفيذ عملياتهم الانغماسية والاستشهادية في أواخر شهر رمضان، طلبا لما عند الله جل جلاله من الفضل والنعيم، فكانوا يطلبون من قادتهم تجهيز مفخخاتهم وأحزمتهم وأسلحتهم من شهر رجب وشعبان، ليكون تنفيذ أعمالهم في أواخر شهر رمضان، فالله ردهم وعلى الله أجرهم، ونسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيلهم ويلحقنا بهم.
وقد اختلف العلماء في سبب تسمية المجاهد إذا قتل في المعركة شهيدا على أقوال، ومن أفضل من جمعها وبينها الإمام أبو عبد الله المنبجي الحنبلي رحمه الله في كتابه (تسلية أهل المصائب) فقال:
(اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
- (أحدها): لأنه حي كما قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
- (الثاني): لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة.
- (الثالث): لأن الملائكة تشهده.
- (الرابع): لقيامه بشهادة الحق حتى قتل.
- (الخامس): لأنه يشهد ما أعده الله له من الكرامة بالقتل.
- (السادس): لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل لما شهد غيره بالقول.
- (السابع): لسقوطه بالأرض وهي الشاهد له.
- (الثامن): لأنه شهد له بوجوب الجنة.
- (التاسع): من أجل شاهده وهو دمه.
- (العاشر): لأنه شهد له بالإيمان وحسن الخاتمة.
- فهذه عشرة أقوال من أماكن متفرقة جمعت لك رخيصة الأثمان، فهذه
الأقوال في المخلص الذي قصد بجهاده وجه الله تعالى، والدار الآخرة، فإنه سبحانه وتعالى إذا علم قصد العبد وإخلاصه أغاثه). ا.هـ
ختاما؛ فهذه عشرة معسكرات إيمانية معدودة عند أهل العلم في قمة مراتب الجهاد الأكبر جهاد النفس والشيطان وأعداء الرحمن، فالموفق من وفقه الله للدخول فيها، والانسلاك في سلكها استعدادا لشهر رمضان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.
#رياض_الربيين
4- مُعَسكَر القرآن (تلاوة وتدبرا وعملا):
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه"، وقال سلمة بن كهيل: (كان يقال شهر شعبان شهر القراء)، وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن، والمرء الطموح لابد له من أنْ يعلم جيداً أن الأمر ليس مقتصراً على التلاوة باللسان فقط، ولكن لابد أيضاً مِن أنْ يتدبر القرآن، كما قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، وقال أيضاً: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}، فاللهُ تعالى وصف القرآن بأنه كِتابٌ مُبَارك، ثم وَضّحَ الطريق الذي تَحصُلُ به بَرَكَة هذا الكتاب، ألا وهو التدبر)، والتدبر هو الفَهمُ لما يُتلَى مِن القرآن، مع حضور القلب بالتركيز، وخشوع الجوارح وسكينتها، ثم العمل بمُقتضى القرآن، ولذلك كان لابد بعد تدبر القرآن مِن العمل بما فيه، والتَخَلُّق بآدابه، كما قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
5- مُعَسكَر الدعاء:
كان شيخنا الشهيد خالد الحسينان رحمه الله يؤكد على أن الدعاء معركة من أهم معارك الإنسان مع الشيطان، وله في ذلك كلمة رمضانية مهمة تجدونها منشورة في فضاء الانترنت، والمقصود أن أكثر الناس لا يتقنون فن الدعاء، ولا كيف يجتهدون في الخشوع فيه، ويصعب على الكثيرين إدمان الدعاء وتعويد النفس عليه، وإن من أفضل الأدعية التي ينبغي للمرء أن يحفظها أدعية القرآن ثم أدعية السنة، ومن أهم أدعية السنة التي كان السلف يدمنونها في شهر رجب وشعبان دعاء الله تعالى بأن يبلغهم شهر رمضان، وقد ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه خمسة أشهر بعدها أن يتقبله منهم، فليدعو المسلم ربَّه تعالى أن يبلِّغه شهر رمضان على خير في دينه في بدنه، ويدعوه أن يعينه على طاعته فيه، ويدعوه أن يتقبل منه عمله، وليستأنف المرء ومن الآن بأن يجعل لنفسه دُعاءً يَلتزِمُهُ على لسانه طوال رجب وشعبان وهو: (اللهم بَلِغنا رمضان، واجعلنا فيه من الفائزين)، فلعله يوافقُ ساعة إجابة فيفوزَ فيها فوزاً عظيماً.
6- مُعَسكَر طلب العلم:
قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}، أي: على علم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن سلك طريقاً يلتمِسُ فيه عِلماً: سَهَّلَ الله له به طريقاً إلى الجنة"، فلذلك ينبغي على كل مسلم ومن الآن أنْ يتعلم أحكام الصيام والقيام حتى يتعبدَ اللهَ على علم وبَصِيرة، كما ينبغي أن يتزود بالعلم بفضائل رمضان حتى يدرك أهمية كل لحظة منه في نجاته الدنيوية والأخروية.
وإنني أنصح كل مسلم بأن يخصص ومن اليوم وقتا للجلوس مع أهل بيته وعائلته وزوجته وأولاده لتعليمهم أحكام الصيام، وتشجيع الأطفال الصغار على الصيام.
7- مُعَسكَر الدَعوَة إلى الله:
لا تقل أبدا: إنني لست طالب علم ولا بداعية، بل ادع إلى سبيل ربك بما تحسنه وتتقنه، ولو أن تهتم بصديق واحد فقط من أصدقائك لهدايته إلى صراط الله جل جلاله، وأوصيك بإعداد بعض الكتيبات الدعوية والمنشورات الإيمانية التي يمكن قراءتها في البيوت والمساجد في شهر رمضان المبارك.
8- معسكر الرباط:
الرباط من جنس الجهاد في سبيل الله، والمرابط داخل في سلك الجهاد والمجاهدين، فإن كان غريبا عن وطنه، مهاجرا في سبيل ربه، مرابطا في أشد وأخوف الثغور كَلَبًا، كان رباطه من أعلى مراتب الرباط في سبيل الله كما قال الإمام أحمد رحمه الله، ولا شك أن المرابط إن مات مرابطا في ثغره، وكان مستديما لنية الرباط، ومستعدا لقتال العدو وصيانة الثغر، باذلا نفسه لنصرة دين الله، والذب عن الإسلام وأهله، وصيانة العرض وحماية بيضة المسلمين، فهو أعظم من غيره من شهداء الآخرة كالغريق والمبطون والمهدوم، ومرتبته بلا ريب فوق مراتب من هم في أدنى مراتب شهداء الآخرة، وقد ثبت في نصوص السنة الصحيحة أن المرابط إذا مات فإنه يشترك في كثير من خصال الشهداء، وأعلى ما صح في ذلك ما رواه الإمام ابن ماجه في سننه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "مَن مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، ويبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع"، فهذا الحديث الصحيح فيه ما يدل على أن من مات مرابطا يعطى بعض خصال الشهادة، كالوقاية من الفتان، وأنه يرزق، وأنه يأمن الفزع الأكبر، وكل هذه من خصال الشهادة كما صحت بها الأخبار.
فالسعيد من اشتغل برباط العبادة ورباط القتال من شهر رجبان إلى شهر رمضان.
9- معسكر الغزو والقتال:
#رجب.. ومعسكرات الإيمان العشرة
ها قد دخل شهر رجب المرجب الحرام..
شهر الله الأصم الأصب الذي تصب فيه الرحمات صبا..
شهر رجبان الخيرات والاستعدادات والمعسكرات..
وهو الشهر الذي كان السلف فيه يستعدون منذ دخوله لشهر رمضان الكريم..
ويعسكرون فيه أنفسهم في معسكرات الإيمان والقرب من الرحمن..
فالمرء لن تسعفه عيونه بالدموع من خشية الله في شهر رمضان إن لم يستعد لذلك الأمر الجلل في معسكرات الإيمان من شهر رجبان..
والمرء إن اعتاد الكسل والنوم طوال العام فلا يتوهمن أن كسله سيتحول فجأة في شهر رمضان إلى جذوة وشعلة من روحانية الإيمان والإحسان!!
فمن أراد أن يغرس في قلبه الخشية من الرحمن في رمضان فليُعد عدته لذلك من شهر رجب..
وقد قال أبو بكر البلخي: (شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع)، بمعنى أنّ كل الذي تريد أنْ تحصده في رمضان: يجب أنْ تزرعه أولاً في رجب وشعبان..
فيا شباب الإسلام؛ هلموا إلى مُعَسكَرات الإيمان قبل أن يفجأكم شهر رمضان لتتريض نفوسكم فيه على أصناف العبوديات والإيمانيات، حتى إذا دخل عليكم رمضان: حصدتم الثواب مما زرعتموه حَصداً بإذن الله..
ألا وإن من أهم هذه المعسكرات الإيمانية التعبدية النسكية:
1- معسكر تطهير القلوب:
إياك ثم إياك أن يدخل عليك رمضان وأنت مُحَمَّلٌ بذنوب عام كامل من قترات الذنوب والعيوب، فالتوبة واجبة على كل إنسان وفي كل وقت، لكن بما أن المرء سيقدم على شهر عظيم مبارك فإن من الأحرى له أن يسارع بالتوبة وتطهير قلبه مما بينه وبين ربه من ذنوب، ومما بينه وبين الناس من حقوق؛ ليدخل عليه الشهر المبارك فينشغل بالطاعات والعبادات بسلامة صدر، وطمأنينة قلب.
قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وعَنْ الأَغَرَّ بن يسار رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ) رواه مسلم.
2- مُعَسكَر الصلاة وقيام الليل:
قيام الليل من العبادات المهمة التي يحتاج المرء لها إلى استعدادٍ خاص قبل دخول شهر رمضان، فعلى المرء أنْ يعَوِّد نفسه ويروضها على طول القنوت والصلاة، وأن يدربها على قيام الليل ولو بنصف ساعة كل ليلة من ليالي شهر رجب ولو بقصار السور، حتى إذا دخل رمضان كان المرء مُعتاد لطول التهجد والقيام، فيستطيعَ أنْ يعيش كلمة: (إيماناً واحتساباً) بكل معانيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الكلمة شرطاً لمغفرة ما تقدم من الذنب حين قال: "مَن قامَ رمضان إيماناً واحتسابا غُفِرَ له ما تقدمَ من ذنبه".
وليعلم المرء أنه إن ذهبت عليه عشرة ليال من شهر رجب أو شعبان في محاولة حضور القلب والخشوع في الصلاة، فإن ذلك خيرٌ له من أنْ تذهب أيام الاستعداد والترويض العشرة في شهر رمضان، فكل دقيقة من دقائق رمضان غالية على ذوي الألباب.
3- مُعَسكَر الصيام:
إن أهمية ترويض النفس على الصيام تنبع من آفة تمر بالكثير من الناس عند دخول شهر رمضان، ففي كل رمضان تضِيع أوقات النهار بدون طاعة جادة من قراءة القرآن، أو تلاوة الأذكار، أو الخشوع في الصلاة، أو التبتل بالدعاء أو غير ذلك، وذلك بسبب مَشَقَّة الصيام وعدم اعتياده، فلذلك لابد أنْ يعتاد الجسد ومن الآن على صيام يومَي الاثنين والخميس، وصيام الأيام البيض كيلا تَضعف عبادة المرء في رمضان أثناء نهاره، ومن المهم أيضا أن يبرئ المرء ذمته من الصيام الواجب في شعبان، وقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ.
وكذا روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ).
وروى النسائي عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ)، قَالَ: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". وحسَّنه الألباني في (صحيح النسائي).
وفي الحديث بيان الحكمة من صوم شعبان، وهو: أنه شهر تُرفع فيه الأعمال، وقد ذكر بعض العلماء حِكمة أخرى، وهي أن ذلك الصوم بمنزلة السنة القبلية في صلاة الفرض، فإنها تهيئ النفس وتنشطها لأداء الفرض، وكذا يقال في صيام شعبان قبل رمضان.
ما أحوج الحيارى والمتذبذبين اليوم إلى تدبر هذه الآيات وما فيها من الدروس والعبر
والأخذ بالآراء الشديدة من الآراء الفقهية والاعتقادية المختلفة لا يعد دليلاً على الغلو، فقد يكون تشدداً من وجهة نظر المخالف، لكن هو في الحقيقة لا يراه تشدداً، بل هو يراه حكم الله، فلذلك لا يجوز اتهام المخالف بالغلو أو التطرف ممن يرى رأي مخالفه مخالفاً ومتشدداً، لأن مخالفه يدين الله بأنه أقرب إلى حكم الله من حكم مخالفه.
إن المتتبع لألفاظ الشارع، يجد أن الأوصاف التي يوصف بها المنحرف عن شرع الله - عز وجل - أياً كانت درجة الانحراف لا تطلق إطلاقاً عاماً، بل يختلف الأمر بحسب اختلاف درجة الانحراف، فإن كان كبيراً ساغ وصف صاحبه به وصفاً مطلقاً، وإلا لم يسغ وصفه به إلا مقيداً بعمل، فلا يصح إطلاق وصف الغلو، فيقال فلان غالٍ، أو الجماعة الفلانية غالية إلا إذا كان غلوه أو غلوها في أمر أصلي من الدين سواء في أصول الاعتقاد أم في أصول العمل.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه (الاعتصام) في بيان من تسمى فرقة خارجة عن أهل السنة والجماعة: (إن هذه الفرقة إنما تصير فرقاً، بخلافها الفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئ من الجزئيات).
الخلاصة:
1- إن تحرير مفهوم (الغلو) في الشريعة الإسلامية يجب على العلماء والمفكرون أن يرفعوا أصواتهم به، حتى تتضح عدالة الشريعة الإسلامية وشموليتها في تحديد مفهوم (الغلو) على كل المستويات، للخروج بتصور رشيد لقضية (محاربة الغلو) بحيث يكون المفهوم علميا فقهيا دقيقا، لا أن يكون مبنيا على روح البغي والتسلط والاستعلاء التي تصدر من أعداء الإصلاح والمصلحين.
2- إن العلم بحقيقة مصطلح (الغلو) والوعي بمفهومه الشرعي يعد مدخلاً أساسيا ورئيساً لتضييق دائرة الخلاف أو إزالته بين العاملين لنصرة الإسلام.
3- إن مصطلح (الغلو) المراد في أصل وضع الشارع قد دخل عليه في عصرنا الحاضر التحريف والتقليص والتزييف، فأصبح اليوم في ظل الحملة الصليبية المعاصرة أداة من أهم أدوات الصراع الحضاري والفكري مع أمة الإسلام، ونجح الغرب الكافر في إدخال هذا التحريف لمصطلح (الغلو) في داخل أوساط الأمة الإسلامية الواحدة عبر المنهزمين نفسيا والمتأثرين بالغرب الصليبي.
4- عند دراسة مصطلح (الغلو) في الشريعة الإسلامية يجب أن نعرف الوسيلة التي انحرف بها هذا المصطلح الشرعي، وكيف دخله التحريف في مفهومه والأهداف من محاربته.
5- المفهوم الحالي السائد لمصطلح (الغلو) مباين ومغاير لمفهومه الإسلامي الشرعي الوارد في نصوص الوحي، فقد فرضت الحملة الصليبية المعاصرة حصارا على مصطلح (الغلو)، فتم تقليصه وخناقه وتضييق نطاقه حتى صار مغايرا لمراد الشارع منه، ومباينا لمفهومه الأصيل الذي ورد في الكتاب والسنة، فأضحى أداة ومعولا من معاول الجاهلية لمحاربة الإسلام وفريضة الجهاد في سبيل الله، كما أن استعمالاته وتوظيفاته المعاصرة نسبية وحمالة وجوه غير منضبطة وليست محررة بالقيود الفقهية والعقدية، مع افتقار المعيار الذي يرجع إليه عند الاختلاف، وعدم وفاء المصطلح بالمعاني الداخلة فيه.
6- من الواجب على أهل العلم والفكر الحرص على تحرير الألفاظ والمصطلحات الشرعية ورعاية إطلاقها على محلها المشروع من الأعمال أو الأوصاف المذمومة بالشرع.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كلمات في تحرير مصطلح ( #الغلو ) في الشريعة الإسلامية
قضية (محاربة الغلو) قضية قديمة قِدَمَ الأديان على هذه الأرض، وهي من القضايا التي ملأت بضجيجها عالمنا المعاصر بشتى دوله ومؤسساته وأطيافه، فصارت حديثا مشتركاً بين الحضارات وبكل اللغات، غير أن الجميع مع اتفاقهم على مصطلح (الغلو) وإقرارهم بنسبته ووجوده ومخاطره وسلبياته، فإنهم مختلفون في تحديد مفهومه ومعناه بحسب اختلاف مصادرهم ومشاربهم وما تمليه أهواؤهم عليهم، فتعريفات (الغلو) في الكتابات القديمة والمعاصرة لا حصر لها، وفاقم من إشكالية الوضع الشرعي والاصطلاحي أن الجميع يدعو لمحاربة (الغلو) دون تحديد حَدِّهِ والاتفاق على مفهومه، وتلك معضلة كبرى توجب على العقلاء من أهل العلم والفكر أن يدرسوا الأمر لتوضيح الإشكال الواقع في مفهومه والهدف المنشود من تبيانه.
إن الإسلام دينٌ تميز فيما تميز به بدقة ألفاظه، وتحديد نطاق المعاني عند إسقاطها على المباني وبناء الأحكام الشرعية على ذلك، فليست ثمة أمة عنيت بنصوص السماء فدرست دلالات ألفاظها ومعانيها دراسةً شاملة كاملة وافية كهذه الأمة الإسلامية المرحومة، وإن مما بينه أهل العلم في تحرير مفهوم الغلو أن الغلو تجاوز لأحد سوري الشريعة الإسلامية، فالشريعة لها سوران: سور العزيمة، وسور الرخصة، فمن جاوز سور عزائم الشريعة يصل به التجاوز عادة إلى أن يصير خارجيا مارقا عن الدين، ومن جاوز سور رخص الشريعة يصل به التجاوز عادة إلى أن يصير مرتدا تاركا لأصل الدين.
إن من أهم ما يدعونا لتحرير مفهوم (الغلو) في الشريعة الإسلامية، أن الدعوة لـ (محاربة الغلو) أضحت ذريعة وستارا لمحاربة الإسلام المحمدي والجهاد في سبيل الله في أسسه وأصوله، ولهذا فيجب على الدعاة والعلماء أن يرفعوا هذا الستار عن أخطر ميادين الصراع بين الإسلام وبين الكفر، فإن مصطلح (الغلو) قد مورس عليه الخنق والتضييق، كما طرأت عليه معانٍ محدثةٍ طارئة، ولهذا فقد أصبحت الدعوة إلى (محاربة الغلو) اليوم من أهم الأدوات والمعاول التي تستغلها الجاهلية لتحطيم الإسلام وحرب الجهاد والمجاهدين والمصلحين في الأرض.
تعريف الغلو في اللغة:
تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على (مجاوزة الحد والقدر) كما أشار ابن فارس رحمه الله في (معجم مقاييس اللغة) بقوله: (العين واللام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر).
ويقول ابن منظور في (لسان العرب): (يقال غلا غلاء فهو غالٍ، وغلا في الأمر غلواً أي: جاوز حده، وغلا القدر تغلي غلياناً، فالغلو: هو مجاوزة الحد).
تعريف الغلو اصطلاحاً:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم): (الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك).
وعرف الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه (فتح الباري) الغلو بأنه: (المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد).
وهذه التعاريف متقاربة وتفيد أن الغلو هو تجاوز الحد الشرعي بالزيادة أو بالنقص، وبالإفراط أو بالتفريط، غير أن تعاليم الحملة الصليبية المعاصرة تحدد الغلو بالتشدد والزيادة في الدين، وأخرجت من مفهوم الغلو في الإسلام: الغلو بنقص الدين والتفريط فيه، كي يتسنى لهم دفع أهل الإسلام ليتبعوا ملتهم، وصدق الله إذ يقول: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}.
وما أجمل ما قاله الشيخ الشهيد سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تقبله الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد) عند بيانه لـ (ضابط الغلو) حيث قال: (وضابطه تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: {ولا تطغوا فيحل عليكم غضبي}).
إن مما ينبغي تحريره عند الكلام على الغلو: تحرير ضوابط الحكم بالغلو على مجرد القول وعين القائل ومجرد الفعل وعين الفاعل، فمن الغلو المسكوت عنه في الأوساط الإسلامية، والتي تشجعه الحملة الصليبية المعاصرة أن يصف المرء شخصًا بالغلو إذا التزم رأياً فقهياً اجتهاديا يقول به جماعة من أهل العلم والفضل، فيوصف المخالف بكونه (غاليا) أو بكونه (داعشيا) أو (إرهابيا) وهي صفة تستباح بها الأموال والدماء في عصرنا الحاضر من جميع الأطراف الفاعلة حتى السنية الجهادية منها، ، فوجهات النظر الفقهية والعقدية إذا كان لها دليل واضح من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة فلا يجوز وصف معتقدها ولا القائلين بها بأنها غلو وأن أصحابها غلاة خوارج يقتلون قتل عاد، فهذا الإنكار والتغليظ في مثل هذه المسألة بأنها غلو وتشدد لا يجوز بحال، بغض النظر عن التحقيق العلمي في القضية الفقهية أو العقدية؛ لأنه رأي ناشئ عن اجتهاد ممن هو موثوق بعلمه وفضله، وكان مأموناً في دينه وعلمه من عدم اتباعه للهوى.
مشكلة_الغلو_في_الدين_في_العصر_الحاضر_عبدالرحمن_معلا_اللويحق_ط2_مؤسسة.pdf34.69 MB
