ru
Feedback
Multifarious Writings

Multifarious Writings

Открыть в Telegram

I jot down stuff when possible

Больше
Страна не указанаКатегория не указана
1 036
Подписчики
-124 часа
+107 дней
+3130 дней
Архив постов
ما رأيت رجلًا يتشكّى من الفقر إلّا وعلمت أنه مستحق له. مَن هو مستحق للغنى لن يكون الفقر عنده مصيبة جسيمة. زد على ذلك أن الفقر أصلح لمعظم الناس من الغنى. على العُمُوم، لا يكون المرء مستحقًا لشيء إلّا بقدر ما هو مستغن عنه، والمستغني لا يستفظع العاقل عليه الفقر، لعلمه بأن قدره أجلّ وأعلى من أن يرفعه مال يملكه أو يضعه افتقاد له. لكن لأن سفهاء الناس لا يفقهون ما العظيم وما الحقير، يظهر لهم أن الغنى في حد ذاته سبب كاف لرفع قدر المرء. مزية المجتمعات الأرستقراطية أنها ترسخ معاييرًا متجاوزه لتقلبات الجماهير الأنثوية، فلا يمكن لرجلٍ أن يترقى في هذه المجتمعات إلا بقدر ما هو حائز لقيمة ذاتية بمعزل عن الأمور الثانوية كالمال ونحوه. من مظاهر العدل القليلة في هذه الدنيا، أنّ السمات الأرستقراطية مستعصية بطبيعتها على مَن لا يكون مستحقًا لها بوجه حق. أورد الرازي في رسائله الفلسفية قصة يصح ذكرها في هذا السياق: "ويقال إن رجلاً دعا بعض الحكماء إلى منزله، وكان كل شيء له من آلة المنزل على غاية السرور والحسن، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة. ويقال إنّ ذلك الحكيم تأمل كل شيء في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه. فلما استشاط وغضب من ذلك قال له لا تغضب، فإني تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج ولا أرذل من نفسك، فجعلتها موضعاً للبصاق باستحقاق منها لذلك." الغاية من هذا الكلام ليس التسفيه من المال في حد ذاته، وإنما توضيح حقيقة أنه لا يضفي على الرجل قيمة إلا وسط البلهاء والسفهاء. ثمة فرق هائل بين البرجوازية والأرستقراطية: الأولى تستمد قيمتها من الغنى، أما الأرستقراطي فهو غني كتبعة لفضائل أخرى. وليس المقصود هو الطبقة في حد ذاتها بل مجموعة القيم التي تعكسها، فكل واحدة تعبّر عن طريقة محددة في الوجود. قارن رجل الأعمال بشيخ أدنى قبيلة عربية لتعرف بالضبط ما أتحدث عنه.

ما رأيت رجلًا يتشكّى من الفقر إلّا وعلمت أنه مستحق له. مَن هو مستحق للغنى على وجه حق لن يكون الفقر عنده مصيبة جسيمة. زد على ذلك أن الفقر أصلح لمعظم الناس من الغنى. على العُمُوم، لا يكون المرء مستحقًا لشيء إلّا بقدر ما هو مستغن عنه، والمستغني لا يستفظع العاقل عليه الفقر، لعلمه بأن قدره أجلّ وأعلى من أن يرفعه مال يملكه أو يضعه افتقاد له.

رأْسُ الذُّنُوبِ الْكَذِبُ: هُوَ يُؤَسِّسُهَا وَهُوَ يَتَفَقَّدُهَا وَيُثَبِّتُهَا. وَيَتَلَوَّنُ ثَلاَثَةَ أَلْوَانٍ: بِالْأُمْنِيَّةِ، وَالْجُحُودِ، وَالْجَدَلِ. يَبْدُو لِصَاحِبِهِ بِالْأُمْنِيَّةِ الْكَاذِبَةِ فِيمَا يُزَيَّنُ لَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ فَيُشَجِّعُهُ عَلَيْهَا بِأَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى. فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَابَلَهُ بِالْجُحُودِ وَالْمُكَابَرَةِ. فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ خَتَمَ بِالْجَدَلِ، فَخَاصَمَ عَنِ الْبَاطِلِ وَوَضَعَ لَهُ الْحُجَجَ، وَالْتَمَسَ بِهِ التَّثَبُّتَ وَكَابَرَ بِهِ الْحَقَّ حَتَّى يَكُونَ مُسَارِعًا لِلضَّلاَلَةِ وَمُكَابِرًا بِالْفَوَاحِشِ. ــــ عبد الله بن المقفَّع ، كتاب الأدب الصغير.

أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّوْقِيرِ الْمَلِكُ الْحَلِيمُ، الْعَالِمُ بِالْأُمُورِ وَفُرَصِ الْأَعْمَالِ وَمَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَاللِّينِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمُعَاجَلَةِ وَالْأَنَاةِ، النَّاظِرُ فِي أَمْرِ يَوْمِهِ وَغَدِهِ وَعَوَاقِبِ أَعْمَالِهِ. ــــ عبد الله بن المقفَّع ، كتاب الأدب الصغير.

ليس مصادفة أن يؤكد كل رجل عظيم على العلاقة الوطيدة بين الحكمة وانتفاء التعلق بالعالم الظاهر الذي يتبدى للحواس. دائمًا ما كان الشيء المهم محجوبًا ومستترًا وراء فيضان الظواهر المتقطعة. في الأنطولوجيا البوذية مثلًا، عالم الظواهر شبكة من الأشياء المتصلة التي لا يقوم واحد منها بدون الآخر، ونهج البوذية تفكيكي في هذا الصدد، فهي تفكك الواقع الظاهر شيئًا فشيئًا على المستوى السيكولوجي لترسخ اعتقاد الأناتا Anattā الذي مفاده أنه لا يوجد جوهر ثابت في أي شيء في العالم الظاهر الذي يتبدى للمرء في واقعه المعاش، وهذا من الأمور التي يشق على المرء استيعابها على الصعيد السيكولوجي خصوصًا. كذلك، في الرؤية الهندوسية للعالم، الإنسان هو الباروشّا الساقطة (مبدأ الكينونة) في تعلّقها بالظواهر وإيمانها بالكثرة وإضفائها للجوهرية على أشياء، وبالتبعية، معنى التحرر هو التخلص من ربقة العالم الظاهر على كافة الأصعدة، وهو ما يفهم على نحو خاطئ بأنه نوع من الفوران السيكولوجي الذي يهدف إلى الهروب من العالم المادي بشكل تام، بينما هو في الواقع مرادف لمعنى التحوّل الذاتي الذي يتم في طقوس الإدخال الديني الباطنية، أي إدراك الواقع على نحو متجاوز لعالم الظواهر، ولا يقصد بذلك أن الظاهر في ذاته باطل في المجمل، فهو ليس على هذا النحو إلا في الوعي العادي، بينما في الوعي الفائق، تنتفي الضدية المتصوّرة بين الظاهرة والشيء في ذاته. تعكس عقيدة الدوكها، الكلمة التي تترجم بالمعاناة والألم، ما يحدث للمرء حينما يضفي جوهرية على الظاهرة؛ من هنا ينبع الشقاء، من التعلق بما هو ليس ثابتًا في ذاته، وهذا أمر لا ينطبق على العالم الخارجي فحسب، بل يشمل إحساس المرء بذاته وما ينطوي عليه ذلك من أفكار وأحاسيس، حتى هوية المرء الذاتية تمثل عائقًا يتعين عليه تجاوزه. على عكس ما يتصوّر عادة، هذا التجاوز الذي يصوَّر كأنه من الأمور التي تخص الكاهن المتأمل وحده، يمكن أن يتم على المستوى العملي، وفي بعض الطرق الروحيّة الآرية المتأخرة، مثل دروب التنترا، التي تقدم نفسها على أنها عقيدة عهد الكالي يوغا (العصر الأخير)، تغدو الطريقة الفاعلة في العالم هي النهج الوحيد المتاح لبني البشر. أحد الأمثلة على طريقة الفعل هذه، تتضح فيما وصفه إيفولا بأنه المعنى الميتافيزيقي للحرب، ويقصد بذلك أن الحرب وسيلة يتخطى من خلالها المحارب ذاته باعتبارها تجسيدًا لمعركة الداخلية ضد التعلّق بالظاهرة. والعنف الذي يتم في هذه الحرب هو ليس من النوع الشخصي الذي يهدف إلى تحقيق غاية مادية محددة، كملك أو نحوه، وإنما هو انعكاس لمعركة المحارب الذاتية. يضفى على الحرب نوع آخر من الملحمية في هذه العقائد بناءً على الاعتقاد في أن المُطلق يحل في المحارب في محاولته لتجاوز ذاته وارجاعها إلى أصلها، بمعنى تجاوز فيضان الظواهر، ونفي الكثرة الظاهرة.

هناك حُجّة تافهة شائعة مفادها أن صورًا معينة من التشدد الديني تؤدي إلى تشويه الأفراد، أو تفسدهم على بعض الأصعدة النفسية والسلوكية، كما يقال بخصوص التربية الدينية التي تمنع الاختلاط بين الجنسين، أو بخصوص منع الأطفال من مشاهدة السينما وسماع الموسيقى باستمرار، أو إبعادهم عن الرفاهية ونحو ذلك. هذا النمط الذي يصفه الخبراء بأنه مشوه للأطفال هو، في واقع الأمر، النمط الأقرب لروح أي ثقافة تقليدية: خذ أي نمط تربية تقليدي في أي حضارة عليا وستجده أقرب لما يعتبر اليوم سببًا لتشويه الأفراد من النمط الحداثي الذي لا يخرج إلا الحمقى والمغفلين. ولا أعني تحديدًا هذا الشكل من أشكال التحريم، لأن التحريم صوره كثيرة، ودائمًا ما تكون محددة بسياقات تاريخية وجغرافية ودينية محددة، وإنما اخترت هذا المثال لشيوعه في ثقافتنا العامة. يضرب المثل بتعاليم التَّلمُود اليهودي عادةً في صدد الحديث عن التزمت الأخلاقي، على كل حال، لا أعتقد أن هذا النمط الحداثي قادر على تحقيق استمرارية كتلك التي حققها التلمود في قرن واحد، هذا إن افترضنا أنه سيقدر على حفظ نفسه أصلًا. السبب الذي يجعل التزمت مذمومًا هو أنه لم يعد ذا فائدة في حضارة الأقنان الحديثة، المطلوب اليوم هو الإنسان الاقتصادي العامل الذي يعيش كالبهيمة، عدا أنه لا يقدر على الدفاع عن نفسه وحفظ استمراريته الجماعية كما تفعل البهيمة. مع أول انهيار اقتصادي سيغدو من البديهي مجددًا أن الإنسان المتزمت الذي يظهر استعدادًا غريزيًا للعنف، هو القادر على النجاة وحفظ استمراريته. سبب عدم وضوح هذه الحقيقة في وقتنا هذا هو هزلية الواقع الفقاعيّ الذي نعيشه ليس إلا.

أرى أنَ قراءة كتب التهذيب والأخلاق وقِراءة آثار القدماء وحياتهم ومعرفة خُطاهم أفضل من هراء التنميّة البشريّة. لم يعرفِ العرب التنمية في حياتهم قط بل أن كتبهم وشعرهم وأدبهم كان مثالًا يُحتذى به ولعمري أن هجر الناس اليوم ولا أقصد العامة "فهؤلاء عكس كل شيء" بل أقصد اولئك الذين يسعون لكهوف التنمية البشرية وهراء جوردن بيترسون ومن على شاكلتهِ لهو أمرٌ شنيع. فهذه الأفيونات الغريبة عن أجسادِنا وعقولنِا ليست سوى ضعفًا عند الغير. ليس الأمر ها هنا هو رفض تراث الآخرين رغم أن هذا التراث يجب أن يكون محصورًا بأيدِ الخواصِ لا العوام ولكن هنا محاولة لصد الإفتراء والكذب الذي تشدق بها الناس اليوم ألا وهو مراكز التنمية إلخ. حتى القدماء من كل العالم لو رأوا اليوم ماذا حل بأحفادهم وتراثهم لماتوا فزعا. ولعمري هذه طامة كُبرى تُبين لنا مدى ضعف رؤية الفرد الحديث واختلافه الكبير عن سلفهِ. وهذا ينطبقُ على الفنونِ والعلومِ والفلسفةِ والمنطق والتهذيب والأخلاق وكل شيء. قراءة التراث أهم من الكلام الفارغ الذي هو ليس سوى مصدرًا ماليًا في نهاية الأمر. كتلك العاهرة التي تنشر مقاطع لتطبيق اليوغا وهي في الحقيقة تسعى لكسب المال من خلال جسدها والطامة أن ترى الملايين يلهثون كالكلابِ بل أضل سبيل وراء تلك المقاطع. وهذا دليل على رداءة الذوق وضعف الروحيّة لدى الإنسان المعاصر.

photo content

photo content

من الدوافع الوجيهة للعزلة الانكباب على الأمور الجسيمة التي تستلزم الانقطاع عن العالم والانشغال بها دون غيرها، كوّنها تستأثر باهتمام المنكب عليها فلا تبقي له طاقة للأمور الأخرى. وهناك من يفضّل العزلة لضآلة ما يعود عليه من الاختلاط بالناس، وهذا لا يصحّ وصفه بالانطوائي بتاتًا، لأن أسلوبه هذا ما هو إلّا نتيجة لانتفاء الاجتماع الذي هو أهلٌ له. خلافًا لذلك، المنعزل هو زبالة المجتمعات البشرية. وزِد على ذلك أن العزلة التي حوّلها أراذل الناس إلى مفخرة هي من النوع الذي يُفرض قسرًا، وليست عزلة اختياريّة تنبع من نفس المرء لأسباب وجيهة.

photo content

photo content

كان نيتشه محقا في عدم اختزاله للفرق بين السادة والعبيد في الأبعاد الاقتصادية على غرار التأويلات الماركسية التي ترد كل تقسيم طبقي إلى البنى الاقتصادية للمجتمع. وفقا لنيتشه، ينبع الفرق الأساسي من وجهة نظر محددة تجاه الحياة تخص فئة السادة، وهي غير قابلة للمساومة إطلاقا، بل ومن الضروري وجود تفرقة حادة بينها وبين طريقة العبيد في الحياة، من خلال التأكيد على دونيه هذه الأخيرة. وذاك أمر لا يجوز رده إلى عوامل بيولوجية فحسب، فالعبد لم يكن عبدا للون بشرته أو لشكله الذي هو أقرب للحيوانات من البشر، أو نحو ذلك، وإنما السبب الأساسي هو انحطاط نظرته للحياة، النظرة التي تنبع من العجز والضغينة والحقد والكراهية والحسد، وهي ما يتم إسقاطها في صورة مبادئ أخلاقية يستمد العبد قيمته من خلالها. قديما، تعرض كبار علماء العرب للقضايا المرتبطة بالحلم والعفو عند المقدرة، وشروطهما وما تنطويان عليه من مشقة على نفس الإنسان النبيل، فالحلم في أحيان كثيرة قد يكون مساويا للرضا بالذل والمهانة. وقد قالوا: "الشهرة بالملاينة والخير شر من الاشتهار بالغلظة والشر، لأن من عرف بالخير اجترأ عليه الناس، ومن عرف بالشر هابه الناس وتجنبوه." وقال يزيد بن معاوية لأبيه: "هل ذممت عاقبة حلم؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليا إلا أعقبني ندما، ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا إلا أعقبني أسفا." كان الحلم من أعلى مظاهر المروءة عند العربي، فبه يتفاضل القوم، لتعلوا أسماء وتسفل أسماء، وتخلد أسماء وتنسى أسماء. إلا أنه في غير موضعه قد يستحيل إلى وسيلة للتسلط أو أداة للمزايدة تعلوا بها أصوات السفلة والسفهاء. كان يقال: من عرف بالحلم كثرت الجراءة عليه. وقال بعض السلف: الحلم ذل كله. هاهنا نجد أنفسنا بصدد قيمة تستحيل إلى مفسدة ما أن تخرج من إطارها المحدد، وهو أمر لا يقتصر على الحليم نفسه، لأنه إن كان حليما بحق، لن يجعل العائد معيارا في هذا الصدد، وإنما المقصود هو المفسدة الكلية الناجمة عن إخراج القيمة من سياقها. كأن الحلم في غير موضعه أشبه بغرس بذرة مقدر لها أن تطلع فوق الأرض بزهرها وريعها في بيئة منافية لظروف تكونها.

فَإِذَا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَمَلٌ أَصِيلٌ وَأَنْ يَقُولُوا قَوْلاً بَدِيعًا؛ فَلْيَعْلَمِ الْوَاصِفُونَ الْمُخْبِرُونَ أَنَّ أَحَدَهُمْ - وَإِنْ أَحْسَنَ وَأَبْلَغَ - لَيْسَ زَائِدًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ فُصُوصٍ وَجَدَ يَاقُوتًا وَزَبَرْجَدًا وَمَرْجَانًا، فَنَظَمَهُ قَلاَئِدَ وَسُمُوطًا وَأَكَالِيلَ ، وَوَضَعَ كُلَّ فَصٍّ مَوْضِعَهُ، وَجَمَعَ إِلَى كُلِّ لَوْنٍ شِبْهَهُ وَمَا يَزِيدُهُ بِذَلِكَ حُسْنًا، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ صَانِعًا رَفِيقًا. وَكَصَاغَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ صَنَعُوا مِنْهَا مَا يُعْجِبُ النَّاسَ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْآَنِيَةِ. وَكَالنَّحْلِ وَجَدَتْ ثَمَرَاتٍ أَخْرَجَهَا اللهُ طَيِّبَةً، وَسَلَكَتْ سُبُلاً جَعَلَهَا اللهُ ذُلُلاً؛ فَصَارَ ذَلِكَ شِفَاءً وَطَعَامًا وَشَرَابًا مَنْسُوبًا إِلَيْهَا، مَذْكُورًا بِهِ أَمْرُهَا وَصَنْعَتُهَا. فَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلاَمٌ يَسْتَحْسِنُهُ أَوْ يَسْتَحْسِنُ مِنْهُ، فَلاَ يَعْجَبَنَّ إِعْجَابَ الْمُخْتَرِعِ الْمُبْتَدِعِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا اجْتَنَاهُ كَمَا وَصَفْنَا. وَمَنْ أَخَذَ كَلاَمًا حَسَنًا عَنْ غَيْرِهِ فَتَكَلَّمَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَعَلَى وَجْهِهِ، فَلاَ تَرَيَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضُؤُولَةً؛ فَإِنَّ مَنْ أُعِينَ عَلَى حِفْظِ كَلاَمِ الْمُصِيبِينَ، وَهُدِيَ لِلاقْتِدَاءِ بِالصَّالِحِينَ، وَوُفِّقَ لِلْأَخْذِ عَنِ الْحُكَمَاءِ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَزْدَادَ؛ فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ، وَلَيْسَ بِنَاقِصِهِ فِي رَأْيِهِ وَلاَ غَامِطِهِ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَ يَكُونَ هُوَ اسْتَحْدَثَ ذَلِكَ وَسَبَقَ إِلَيْهِ. ــــ عبد الله بن المقفع

photo content

قرأت نصًا لابن المقفع الليلة الماضية يصف فيه أحد إخوانه، وهو رجل تحققت فيه معايير الرجولة الحقة وفقًا لما قدمه. وأنا على علمٍ
قرأت نصًا لابن المقفع الليلة الماضية يصف فيه أحد إخوانه، وهو رجل تحققت فيه معايير الرجولة الحقة وفقًا لما قدمه. وأنا على علمٍ بأن الكاتب غالبًا ما يضع معاييره في السماء ويؤكد صعوبة تحقيقها، ولما يراه فيها من ثِقَل ومشقة، يقول دائمًا أن أخذ القليل خير من ترك الجميع: هذا أسلوبه المعتاد. إلّا أن هذا الحد الأدنى الذي يفترض أن يتحقق في المرء ليقال عنه أنه رجل بمعنى الكلمة، يكاد يكون منعدمًا في وقتنا هذا. وليس هذا فحسب، وفقًا لما تمليه المعايير السائدة، التي تضع عبئًا هائلًا على كاهل الأفراد، يكاد يكون الرجل اليوم هو الضد المطلق لنموذج ابن المقفع.

عدم التدخل على المستوى السياسي كان انعكاسا لمبدأ روحي أعلى وهو "وو وي" Wu wei (بالصينية: 无为)، وهو يعني انعدام الفعل، ولا يُقصد به انعدام الفعل ماديا، وإنما يقصد به حالة من التمامية الأنطولوجية التي تنفي الحاجة إلى الفعل، لأن الفعل يعني بالضرورة الحاجة والنقص. ومن هذا المنظور، النوع الوحيد من الفعل الجائز هو الفعل الذي يتم على المستوى اللاشخصي الفائق، كما ذكرت آنفا. ومن الجدير بالذكر أن المعرفة الحقة في التقاليد القديمة كانت تتطلب بالضرورة تحولا أنطولوجية على المستوى الفردي، بمعنى أن المعرفة ترقي صاحبها في هرمية الموجودات، وأعلى مراحلها، هي التحقق المذكور آنفا. بالطبع، لا توجد حاجة لذكر أن ماهية المعرفة المقصودة مناقض تمامًا لما نعنيه اليوم بالكلمة. "أكدت تقاليد الشرق الأقصى بوجه خاص الفكرة التي مفادها أنه بترك النطاق البعيد عن المركز، من خلال عدم التدخل بصورة مباشرة، وعبر البقاء في المرتكز الروحي الأساسي (كمحور العجلة الذي يدفع حركتها)، فمن الممكن تحقيق "الفضيلة" التي تختص بها الإمبراطورية الحقة، حيث يحافظ الأفراد على شعورهم بالحرية ويسرى كل شيء بصورة منتظمة. إن هذا لأمر ممكن لأنه بفضل التعويض التبادلي الذي ينتج من المسار المستتر المتبع، فإن الاضطرابات الجزئية أو الإرادات الفردية ستساهم في النهاية في النظام العام. هذه هي الفكرة الأساسية الكامنة وراء أي وحدة حقيقية وأي سلطة صحيحة. على الضد من ذلك، أينما نرى في التاريخ انتصارا للسيادة والوحدة التي تترأس الكثرة فقط على نحو مادي ومباشر وسياسي – التدخل في كل صغيرة وكبيرة، إنهاء استقلال الجماعات الفردية، تسوية كل الحقوق والامتيازات بصورة شمولية، وتغيير وفرض إرادة مشتركة على جماعات اِثنية متباينة – آنئذٍ يستحيل أن تكون هناك سلطة إمبراطورية حقيقية إذ حينذاك لم نعد نتعامل مع نظام عضوي وإنما نظام ميكانيكي: هذا النوع (الميكانيكي) هو ما تمثله الدولة القومية والمركزية الحديثة على أتم وجه. حينما يهوي ملك إلى هذه المنزلة السفلى، أو بكلمات أخرى، حينما يقوم، بالتوازي مع فقدان وظيفته الروحية، بدعم الشمولية والمركزَة السياسية والمادية عبر تخليص نفسه من كل مسئولية تجاه السلطة المقدسة، وإهانة النبالة الإقطاعية، والاستئثار بالقوى التي كانت موزعة بين الأرستقراطيين، فهو كالباحث عن حتفه بظلفه." https://multifariouswritings.blogspot.com/.../blog-post...

من أسمى علامات النبالة، انتفاء الحاجة إلى إظهار القوة بشكل زائد عن الحاجة. هذا لأن النبيل لا يرضى بمنزلة إنسان رد الفعل، ولا يترك كل صغيرة وكبيرة تحركه وتدفعه إلى اتخاذ خطوات ليست نابعة من ذاته. وقد كانت هذه العلامة وثيقة الصلة بفلسفة المُلك في الحضارات القديمة، وبلا أدنى مبالغة، يوجد نظير لفكرة ضرورة الفعل الذاتي للملك في كل حضارة عليا، أي أنها فكرة يجوز تأهيلها إلى منزلة الكونيّة. بشكل عام، لن يكون الحاكم حاكمًا مالم يؤسس قدرًا هائلًا من التحكم الذاتي، لأنه دون ذلك سيكون محكومًا وخاضعًا لألد أعدائه: نفسه. لهذا السبب، قديمًا، كان يُنظر إلى الحاكم الذي يُكثر إظهار القوة والبأس دون داع لذلك على أنه حاكم ضعيف، مهما بلغت سطوته المادية على أرض الواقع. وبالتبعية، كان يُنظر إلى السلام باعتباره تحققًا واقعيًا لسطوة الملك التي لم تعد في حاجة إلى تأكيد نفسها على نحو مادي، أي أن السلام كان دليلا على فائض القوة مع القدرة على كبحها. هذا لا يعني أن النبيل شخص مسالم بطبيعته، وإنما المقصد أن أعلى مراحل النبالة تقترن بقدر هائل من القوة النفسية والجسدية تنفي ضرورة الحاجة إلى إظهار القوة المادية، أو تقللها إلى أقصى درجة ممكنة. علاوة على ذلك، في التقاليد الباطنية المرتبطة بفلسفة المُلك في الشرائع القديمة، يتعين على الحاكم ألا يحكم بشكل شخصي، وألا تكونه نفسه هي الحاكمة في واقع الأمر، بدلاً من ذلك، كان الحكم السليم مرادفا للكينونة المحضة، التي تنطوي على الحيازة الذاتية والتحقق الكلي، أي من الناحية الأنطولوجية، الحاكم المثالي هو مساو لتصوّر أرسطو عن الإله، إلّا أنه يتدخل في العالم وينظم شؤونه ليس بدافع الرغبة الذاتية، باعتبار أن الرغبة دليل على النقص الأنطولوجي الذي يولّد الحركة ويدفع الكائنات إلى السعي نحو تحقيق ذاتها، بينما الملك الأعظم، هو، وفقًا لهذه الرؤية، متحقق كليًا، وبالتالي ليست مسألة الحكم بالنسبة له أمرًا شخصيًا، فالتحقق يعني بالضرورة تجاوز الشخصية والاتحاد بالنفس الإلهية العليا -الأتمان- التي تحمل نفس هوية البراهمان (الكائن الأسمى): هذه هي الصيغة الهندوسية للملك، وعلى نفس النحو، وُضعت باقي الصيغ الملكية باعتبارها مرادفة للترقي الروحي والاتحاد بالعنصر الفائق من النفس. من هذا المنظور، كان أساس المُلك مسألة روحية ونفسية، وكان الصراع الأسمى بالنسبة للملك، الذي يأخذ على عاتقه هذه المسئولية، صراع داخلي في المقام الأول، بينما الواقع الخارجي، هو تجسيد دنيوي مشوه للمعركة الأسمى التي يخوضها الملك على المستوى الذاتي. مِن هنا يفهم السؤال الأساسي: "لماذا كان إظهار القوة بشكل زائد عن الحاجة علامة على انحطاط المُلك؟".