ru
Feedback

Не попадитесь на канал ботавода! Telemetrio находит и помечает такие каналы 👉 Хотите видеть метку — оформите подписку

محاضرات الشيخ محمود الجياشي

محاضرات الشيخ محمود الجياشي

Открыть в Telegram
3 085
Подписчики
-224 часа
+137 дней
+530 дней
Привлечение подписчиков
окт. '26
октябрь '26
+144
в 4 каналах
сентябрь '260
в 1 каналах
Get PRO
август '260
в 0 каналах
Get PRO
июль '260
в 2 каналах
Get PRO
июнь '260
в 4 каналах
Get PRO
май '260
в 4 каналах
Get PRO
апрель '260
в 2 каналах
Get PRO
март '260
в 0 каналах
Get PRO
февраль '260
в 0 каналах
Get PRO
январь '260
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '250
в 0 каналах
Get PRO
ноябрь '250
в 2 каналах
Get PRO
октябрь '250
в 4 каналах
Get PRO
сентябрь '250
в 1 каналах
Get PRO
август '250
в 0 каналах
Get PRO
июль '25
+31
в 0 каналах
Get PRO
июнь '25
+36
в 0 каналах
Get PRO
май '25
+44
в 1 каналах
Get PRO
апрель '25
+46
в 2 каналах
Get PRO
март '25
+542
в 4 каналах
Get PRO
февраль '25
+41
в 0 каналах
Get PRO
январь '25
+81
в 6 каналах
Get PRO
декабрь '24
+52
в 1 каналах
Get PRO
ноябрь '24
+42
в 0 каналах
Get PRO
октябрь '24
+60
в 0 каналах
Get PRO
сентябрь '24
+58
в 1 каналах
Get PRO
август '24
+28
в 0 каналах
Get PRO
июль '24
+62
в 8 каналах
Get PRO
июнь '24
+56
в 4 каналах
Get PRO
май '24
+58
в 3 каналах
Get PRO
апрель '24
+44
в 5 каналах
Get PRO
март '24
+236
в 4 каналах
Get PRO
февраль '24
+59
в 2 каналах
Get PRO
январь '24
+52
в 3 каналах
Get PRO
декабрь '23
+53
в 1 каналах
Get PRO
ноябрь '23
+47
в 3 каналах
Get PRO
октябрь '23
+58
в 1 каналах
Get PRO
сентябрь '23
+83
в 0 каналах
Get PRO
август '23
+50
в 0 каналах
Get PRO
июль '23
+59
в 0 каналах
Get PRO
июнь '23
+45
в 0 каналах
Get PRO
май '23
+78
в 0 каналах
Get PRO
апрель '23
+108
в 0 каналах
Get PRO
март '23
+51
в 0 каналах
Get PRO
февраль '23
+70
в 0 каналах
Get PRO
январь '23
+66
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '22
+57
в 0 каналах
Get PRO
ноябрь '22
+52
в 0 каналах
Get PRO
октябрь '22
+47
в 0 каналах
Get PRO
сентябрь '22
+44
в 0 каналах
Get PRO
август '22
+47
в 0 каналах
Get PRO
июль '22
+112
в 0 каналах
Get PRO
июнь '22
+43
в 0 каналах
Get PRO
май '22
+74
в 0 каналах
Get PRO
апрель '22
+48
в 0 каналах
Get PRO
март '22
+50
в 0 каналах
Get PRO
февраль '22
+48
в 0 каналах
Get PRO
январь '22
+63
в 0 каналах
Get PRO
декабрь '21
+75
в 0 каналах
Get PRO
ноябрь '21
+30
в 0 каналах
Get PRO
октябрь '21
+42
в 0 каналах
Get PRO
сентябрь '21
+57
в 0 каналах
Get PRO
август '21
+1 292
в 0 каналах
Дата
Привлечение подписчиков
Упоминания
Каналы
25 октября0
24 октября0
23 октября+1
22 октября+7
21 октября+7
20 октября+2
19 октября+3
18 октября+1
17 октября0
16 октября0
15 октября0
14 октября0
13 октября+1
12 октября+4
Посты канала
وفي قبال ذلك فإن المحق ليس دائماً قلة الموجود، وإنما قد يكون قلة الخير والأثر فيه. وعليه يمكن القول إن العقل يهدي الإنسان إلى العلاقة الصحيحة بين الوسائل والغايات، بينما الجهل قد يفصل الوسائل عن غاياتها ، فالعقل يسأل عن قيمة ما يملكه الإنسان وأثره، بينما قد ينشغل الجهل بمجرد امتلاكه وتكثيره ، ولذلك لا تكون البركة مجرد نتيجة للزيادة الكمية، بل قد تتحقق في القليل حين يكون موضوعاً في موضعه الصحيح. ثامناً: البركة والمحق بين الوجود والغاية يمكن أن نصل من خلال هذه الثنائية إلى تأمل معرفي أعمق ، وهو أن الموجودات في حياة الإنسان ليست مجرد أشياء متراكمة، وإنما لها غايات وآثار ينبغي أن تتحقق من خلالها. فالعلم غايته أن يكشف الحقيقة ويهدي إليها ، والمال من غاياته أن يكون وسيلة لإقامة الحياة وصناعة الخير ، والعمر ميدان لتحقق الكمال الإنساني ، والقدرة ينبغي أن تكون وسيلة لإقامة العدل ودفع الظلم ، والعلاقات الإنسانية ينبغي أن تكون مجالاً للمودة والرحمة والتكافل. فإذا انفصلت هذه الموجودات عن غاياتها الخيّرة، أمكن أن تصاب بنوع من المحق، حتى لو بقيت صورها الخارجية قائمة. وهنا تتجلى إحدى النتائج المهمة في منظومة الجهل: وهي إن الجهل قد لا يسلب الإنسان الأشياء، وإنما يسلب الأشياء قيمتها في حياته ، وهذا هو المحق المستتر؛ لأنه يقع في عمق العلاقة بين الموجود وغايته. أما البركة فهي حضور الخير ونمائه في تلك العلاقة، بحيث يصبح الموجود وسيلة لتحقيق ما ينبغي له من الكمال. وعليه، يمكن أن نقرأ البركة والمحق كمفهومين يكشفان عن العلاقة بين وجود الأشياء وثمارها. فالبركة تعني نماء الخير في الموجود، والمحق يعني ذهاب ذلك الخير أو تآكله، وقد ينتهي إلى زوال الموجود نفسه. تاسعاً : النتيجة المعرفية تكشف ثنائية البركة والمحق عن بُعد جديد في علم الجهل، وهو أن الجهل لا يقتصر على تعطيل المعرفة أو إفساد السلوك، وإنما قد يمتد إلى إفراغ حياة الإنسان وأعماله وإمكاناته من ثمارها الحقيقية. فالإنسان قد يمتلك المال والعلم والعمر والقوة، ولكنه يفقد بركتها حين تنفصل عن غاياتها الصحيحة ، وقد يكون المحق ظاهراً بزوال الأشياء، وقد يكون مستتراً ببقائها مع ذهاب خيرها وأثرها. واستناداً لذلة يمكن أن نقرر أن: المَحْق هو تآكل الخير والقيمة والأثر في الموجود، وقد يبلغ حدَّ زواله، بينما البركة هي ثبوت الخير ونماؤه وامتداد أثره. وبذلك نفهم لماذا كانت البركة من جنود العقل، والمحق من جنود الجهل؛ لأن العقل يهدي الإنسان إلى حسن توظيف إمكاناته في طريق الحق والكمال، بينما قد يجعل الجهل هذه الإمكانات عاجزة عن تحقيق غاياتها، بل قد يحولها إلى أسباب للفساد والخسارة. وعليه، فإن هذه الثنائية تضيف إلى منظومة الجهل بعداً معرفياً ووجودياً مهماً؛ فبعد أن رأينا أن الجهل قد يصنع التعب والصعوبة، نكتشف هنا أنه قد يصنع حياةً كثيرة الموجودات، قليلة البركة، وافرة الوسائل، ضائعة الغايات. وهذه من أخطر صور الجهل ، وهي أن يمتلك الإنسان أسباب الحياة، ولكنه يفقد ثمارها الحقيقية. محمود نعمة الجياشي يتبع .. الجندي السادس والستون ..

2
فالحرص قد يزيد الممتلكات ولكنه يمحق القناعة ، والطمع يمحق الرضا ، والحسد يمحق صفاء القلب وراحته ، والإسراف يمحق المال ويبدد الموارد ، والخيانة تمحق الثقة بين الناس ، والكذب يمحق المصداقية ، والرياء يمحق القيمة القربية للعمل ، والعدوان يمحق الأمن والسلام ، والعقوق يمحق المودة والوفاء في العلاقة مع الوالدين ، والكبر يمحق قابلية الإنسان للانتفاع بالحق ، وسوء الخلق يمحق بركة العلاقات الإنسانية ، وحب الدنيا، حين يتحول إلى غاية تستولي على القلب، قد يمحق المعنى الأخروي للحياة. وعند ذلك يظهر أن جنود الجهل لا تنتج أفعالاً منحرفة فحسب، وإنما قد تستهلك الخير الموجود في حياة الإنسان ، وبذلك يكون المحق من النتائج التي قد تنتهي إليها حركة الجهل في النفس والمجتمع. وبناء على ذلك يمكن أن نفهم العلاقة بين هذا الجندي وبين الجنديين السابقين: التعب والصعوبة. فالجهل قد يجعل حياة الإنسان شديدة التعقيد والصعوبة، وقد يستنزف طاقاته في التعب والعناء، ثم ينتهي به إلى المحق، حين لا تتناسب الثمار الحقيقية مع ما بذله من إمكانات وجهود ، فيصبح الإنسان كثير الحركة، قليل الثمرة، كثير الانشغال، قليل الإنجاز النافع ، وهذه من الصور الدقيقة لحياة يستهلكها الجهل دون أن تحقق ما ينبغي لها من الخير والكمال. خامساً: المحق بين الفعل الإلهي وأثر الجهل الإنساني في هذا المجال تبرز مسألة معرفية تستحق الوقوف عندها ، وهي : إذا كان المحق من جنود الجهل، فكيف ينسبه القرآن إلى الله تعالى بقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾؟ والجواب يتوقف على التمييز بين جهتين: الجهة الأولى: المحق من حيث أسبابه الإنسانية. فالإنسان قد يتسبب في ذهاب الخير والبركة عن حياته وأعماله بسبب جهله وظلمه وانحرافه عن القيم الإلهية. ومن هذه الجهة يكون المحق مظهراً من مظاهر الجهل وآثاره. الجهة الثانية: المحق من حيث نسبته إلى الفعل الإلهي. فالله تعالى يمحق الربا وفق حكمته وسننه، ويذهب ببركته أو آثاره، وليس ذلك فعلاً ناشئاً عن الجهل، بل هو فعل قائم على الحكمة والعدل. وبالتالي ينبغي ألا نخلط بين المحق كحالة مذمومة في منظومة الجهل، وبين إيقاع المحق بعنوانه فعلاً إلهياً حكيماً. أي أن المحق من جهة أسبابه الإنسانية قد يكون أثراً للجهل، ومن جهة إجرائه الإلهي يكون مظهراً للحكمة والعدل. وهذا التمييز مهم؛ لأن الألفاظ قد تتحد في صورتها اللغوية، بينما تختلف قيمتها المعرفية والأخلاقية باختلاف الفاعل والمتعلق والغاية. سادساً: المحق في حياة المجتمعات لا يقتصر المحق على حياة الأفراد، بل يمكن أن يمتد إلى حياة المجتمعات والحضارات ، فقد يمتلك مجتمع ثروات طبيعية واسعة، وطاقات بشرية كبيرة، ومؤسسات متعددة، ولكنه يعجز عن تحويل هذه الإمكانات إلى أمن وعدالة وازدهار ، وهنا نستطيع أن نتحدث عن صورة اجتماعية من المحق؛ لأن الموجودات كثيرة، ولكن ثمارها الحقيقية قليلة. فالفساد يمحق ثمار الثروة ، والظلم يمحق الاستقرار ، والكذب يمحق الثقة الاجتماعية ، والعدوان يمحق الأمن ، والجهل يمحق فاعلية المؤسسات ، والأنانية تمحق روح التعاون والتكافل. وفي المقابل، فإن العدل والعلم والأمانة وحسن التدبير والتعاون تجعل الإمكانات المحدودة أكثر قدرة على إنتاج الخير ، وهذا يعيدنا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. فالبركة هنا ذات أفق اجتماعي، وليست مجرد حالة فردية. ومن هنا يمكن أن نستفيد أن المجتمع قد يصاب بمحق معنوي وحضاري، حين تفقد موارده ومؤسساته قدرتها على تحقيق الخير الذي ينبغي أن يتحقق من خلالها. لكن لا يصح أن نجعل كل فقر أو أزمة أو مصيبة دليلاً على المحق الناشئ عن الجهل؛ لأن القرآن يقرر أيضاً سنن الابتلاء والامتحان، وقد تكون الشدائد طريقاً إلى التكامل ورفعة الدرجات. وإنما المقصود أن الجهل والفساد من الأسباب التي قد تؤدي إلى ضياع البركة وتعطيل الثمار الحقيقية للإمكانات الاجتماعية. سابعاً: لماذا كانت البركة من جنود العقل؟ إن مقابلة البركة بالمحق تكشف عن حقيقة مهمة في وظيفة العقل ، فالعقل لا يمنح الإنسان مجرد القدرة على جمع الأشياء أو إنجاز الأعمال، وإنما يهديه إلى حسن توظيف الإمكانات وتوجيهها نحو غاياتها الصحيحة. وهذا يعني أن يكون العقل سبباً في تحصيل مقتضيات البركة، من خلال المعرفة الصحيحة والاستقامة وحسن التدبير والعمل الصالح، مع بقاء البركة الحقيقية بيد الله تعالى ، فالبركة قد تظهر في العلم والعمر والمال والذرية والعمل والوقت والعلاقات الإنسانية. وقد يعيش إنسان سنوات محدودة، لكنه يترك أثراً صالحاً يمتد قروناً ، وقد يكتب صفحات قليلة، فتفتح أبواباً واسعة للمعرفة والهداية ، وقد يمتلك مالاً محدوداً، ولكنه يكون سبباً لخير عظيم ، وقد يبذل جهداً يسيراً، فتكون له آثار كبيرة بسبب إخلاصه وحسن تدبيره وتوفيق الله له.
139
3
فالربا يبدو زيادةً في المال، لكنه يقوم على علاقة مالية محرمة، وقد يترتب عليه اختلال في العدالة والعلاقات الإنساني ، ولذلك يخبر القرآن عن محقه، سواء تجلى ذلك في ذهاب المال، أو ذهاب بركته، أو سقوط قيمته الأخروية، وفق ما تقتضيه السنن الإلهية. أما الصدقة، فإنها تبدو نقصاناً من جهة خروج المال من يد صاحبه، ولكنها تمثل نماءً في الخير والثواب والتكافل الاجتماعي. وهنا تنكشف المفارقة ، وعي أن الربا زيادة في الظاهر قد تنتهي إلى المحق، والصدقة نقصان في الظاهر يتحول إلى نماء ، وبمقدار ما يتعلق ببحثنا هنا فإن الجهل يقف عند ظاهر الزيادة، بينما العقل ينظر إلى حقيقتها ومآلها. وبالتالي لا ينبغي أن نقيس الخير بمقدار ما يدخل في حيازة الإنسان فحسب، وإنما بما يحققه ذلك من آثار صالحة. ▪️البركة والإيمان والتقوى قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. تربط الآية بين الإيمان والتقوى وبين انفتاح أبواب البركة ، وهذا الربط يكشف عن أن البركة ليست مفهوماً مادياً محضاً، وإنما لها صلة بالنظام القيمي الذي يحكم حياة الإنسان. بمعنى الإيمان والتقوى يصححان علاقة الإنسان بالله وبنفسه وبالآخرين، ويجعلان حركته أقرب إلى العدل والاستقامة ، ومن هنا يمكن أن نفهم أن الجهل، بما ينتجه من ظلم وفساد وانحراف، قد يكون سبباً في تعطيل أسباب البركة. واللافت أن الآية تتحدث عن أهل القرى، مما يمنح البركة بعداً اجتماعياً يتجاوز حياة الفرد إلى حياة المجتمع. ▪️المعيشة الضنك وفقدان البركة قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. الآية هنا لا تنفي وجود المعيشة، وإنما تصفها بالضنك ، وهذا يفتح لنا باباً للتأمل في الفرق بين وجود أسباب الحياة وبين تحقق السعة المعنوية فيها ، فقد يمتلك الإنسان كثيراً من وسائل العيش، ولكنه يفتقد السكينة والرضا والمعنى. ومن هنا يمكن الاستئناس بالآية في بيان أن كثرة الموجودات لا تستلزم بركة الحياة ، غير أن المعيشة الضنك ليست مرادفة للمحق من جميع الجهات، وإنما تلتقي معه في إمكان بقاء ظاهر المعيشة مع فقدان بعض ثمارها المعنوية. ▪️المحق وإحباط الأعمال من الشواهد القرآنية المهمة التي يمكن أن نربطها بمفهوم المحق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264]. وهنا نلاحظ أن الصدقة قد وقعت بالفعل، وأن المال قد خرج من يد صاحبه، وربما انتفع به الفقير، ولكن المنَّ والأذى قد يذهبان بقيمتها القربية وثوابها ، فالعمل باقٍ من حيث وقوعه الخارجي، ولكنه يفقد ثمرته الأخروية. وهذه صورة قريبة جداً من المحق المعنوي؛ إذ لا يتعلق الأمر بزوال صورة العمل، وإنما بزوال الخير المترتب عليه. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. فإن هذه الآية تكشف عن أعمال لا تحقق لأصحابها الثمرة الأخروية التي يتوهمونها. وهنا ينبغي التمييز بين المحق والإحباط؛ فهما ليسا مترادفين اصطلاحياً، وإن اشتركا في معنى ذهاب الأثر والخير. فالإحباط يتعلق بسقوط أثر العمل وثوابه في موارده، بينما المحق أوسع من جهة إمكان تعلقه بالمال والعمر والعمل وسائر مظاهر الحياة ، وبذلك يمكن أن نقرأ إحباط الأعمال كأحد الشواهد على زوال الثمرة المعنوية للعمل، وهو المعنى الذي نريد الاستفادة منه في دراسة هذا الجندي. ▪️المحق التدريجي والرَّين على القلوب قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. تكشف الآية عن أثر الأعمال في تكوين الحالة الباطنية للإنسان، حتى يصبح القلب محجوباً بما اكتسبه صاحبه ، وهذا المعنى يلتقي مع أحد الأبعاد الدقيقة للمحق، وهو التآكل التدريجي للخير في النفس. فكما يتناقص النور الظاهر للقمر حتى يدخل في المحاق، قد تتناقص في الإنسان ملكات الصدق والإخلاص والرحمة والحياء نتيجة تكرار السلوك المنحرف ، والأخطر أن هذا التآكل قد يحدث دون أن يشعر الإنسان بحقيقته. فالكذب المتكرر قد يضعف ملكة الصدق، والرياء قد يفسد الإخلاص، والحسد قد يذهب بصفاء القلب، والاعتياد على المعصية قد يضعف حساسية الضمير. لكننا لا نقصد أن الرَّين والمحق لفظان مترادفان، وإنما نستفيد من الآية أن فساد الباطن قد يتراكم بفعل الأعمال حتى يحجب القلب عن صفائه وهدايته. وفي ضوء ذلك يمكن القول: المحق قد يكون موتاً تدريجياً للخير في باطن الإنسان، حتى يصبح فقدان البركة حالةً مألوفة لا يشعر بخطورتها. رابعاً: علاقة المحق ببقية جنود الجهل المحق ليس حالة معزولة عن سائر جنود الجهل، وإنما يمكن أن يكون نتيجة تتولد من تفاعل عدد كبير منها.
87
4
🟥منظومة الجهل ☑ الجندي الخامس والستون: المَحْق ويقابله من جنود العقل: البركة. ثنائية (البركة ـ المَحْق) من الثنائيات المعرفية العميقة في حديث جنود العقل والجهل؛ لأنها لا تكشف عن مجرد التقابل بين الزيادة والنقصان، وإنما تفتح أمامنا باباً لفهم العلاقة بين وجود الأشياء وقيمتها، وبين ما يمتلكه الإنسان وما يتحقق له من الخير والكمال ، وقد جمع القرآن الكريم بين المحق والنماء في قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. فالربا يمثل في ظاهره زيادةً مالية، ولكنه قد يكون محقاً في حقيقته ومآله، بينما تبدو الصدقة نقصاناً في المال، لكنها تتحول إلى نماء وبركة ، وهنا تظهر حقيقة معرفية مهمة ، وهي : ليست كل زيادة نماءً حقيقياً، وليست كل خسارة ظاهرية نقصاناً في الخير. واستناداً لذلك يمكن أن نقرأ المحق كأحد الآثار العميقة للجهل؛ لأن الجهل لا يقتصر على إفساد الأشياء أو إضاعتها، بل قد يسلبها بركتها وقيمتها وغايتها، حتى تصبح حياة الإنسان كثيرة الموجودات، قليلة الثمار ! أولاً: الدلالة المعرفية المَحْق في اللغة يدور حول النقص والذهاب والمحو والإزالة، وقد يتحقق تدريجياً حتى ينتهي إلى زوال الشيء واستئصاله ، ومنه مُحاق القمر، وهو ذهاب نوره الظاهر حتى يختفي عن الأبصار. وعليه، فالمحق قد يكون زوالاً للشيء نفسه، وقد يكون زوالاً لخيره ونفعه وبركته مع بقائه في الظاهر ، وهذه الدلالة تكتسب عمقاً خاصاً حين نقابلها بالبركة. أي أن البركة ليست مجرد الكثرة العددية، وإنما هي ثبوت الخير ونماؤه ودوامه، بحيث يكون الموجود مصدراً للخير والأثر النافع ، أما المحق فهو ذهاب ذلك الخير أو تآكله، سواء اقترن بزوال الموجود نفسه أم بقي الموجود فاقداً لثمرته المطلوبة. ومن هنا يمكن أن نميز بين مستويين للمحق: الأول: محق الموجود ، وهو زوال الشيء نفسه أو نقصانه، كما يقع في الأموال والممتلكات وسائر الإمكانات المادية. الثاني: محق كمال الموجود ، وهو بقاء الشيء في الظاهر مع فقدانه القيمة أو الغاية الخيّرة التي ينبغي أن تتحقق من خلاله. فقد يبقى العلم في ذهن الإنسان، ولكنه يفقد أثره في الهداية ، وقد يبقى المال في يده، ولكنه لا يكون سبباً للخير والطمأنينة ، وقد يمتد عمر الإنسان، ولكن تضيع ثماره في الغفلة والعبث. وهذا المستوى الثاني من المحق أشد خفاءً؛ لأن الإنسان قد يتوهم امتلاك الخير لمجرد امتلاكه صورته الخارجية. وبناءً على ذلك يمكن تعريف المحق معرفياً بأنه: زوال الخير والنماء والأثر النافع من حياة الإنسان وأعماله، أو تآكلها، نتيجة اختلال علاقته بالحق والقيم الإلهية، وقد يبلغ ذلك حدَّ زوال الموجود نفسه. وليس أخطر المحق دائماً أن يفقد الإنسان ما يملك، بل أن يبقى ما يملك ويفقد الغاية التي ينبغي أن يتحقق من أجلها. ثانياً: موقع المحق في منظومة الجهل يحتل المحق موقعاً مهماً في منظومة الجهل؛ لأنه يكشف عن مستوى من الفساد يتجاوز فساد الفعل إلى فساد الثمرة والنتيجة ، فالجهل قد يدفع الإنسان إلى سلوك منحرف، ولكنه قد يفعل ما هو أعمق من ذلك، وذلك حين يجعل الإمكانات الموجودة بين يديه عاجزة عن تحقيق غاياتها الخيّرة. بعبارة أخرى : قد يمتلك الإنسان المال والعلم والجاه والقوة والعمر، ومع ذلك تكون حياته واقعة تحت المحق. فليس المعيار دائماً: كم يملك الإنسان؟ وإنما: ماذا ينتج ما يملك؟ وإلى أي غاية يتجه؟ قد يمتلك مالاً كثيراً، لكنه لا يجد فيه طمأنينة ، وقد يمتلك علماً واسعاً، لكنه لا يهتدي به إلى الحق ، وقد يعيش عمراً طويلاً، ولكنه قليل الثمرة ، وقد تكون له علاقات اجتماعية واسعة، لكنها خالية من المودة والثقة. وفي هذه النقطة يظهر الفرق الجوهري بين الكثرة والبركة ، فالكثرة وصف لما يوجد من الأشياء، أما البركة فهي وصف لما يتحقق فيها وبها من الخير والنماء. ولذلك قد يصنع الجهل كثرةً خالية من البركة، حين يفصل الموجود عن غايته الصحيحة ، وهذه نتيجة مهمة في مشروع علم الجهل ، وهي أن المحق ليس بالضرورة زوال الموجود، وإنما قد يكون زوال القيمة من الموجود. ومن هنا نستطيع القول إن الجهل لا يهدد ممتلكات الإنسان فحسب، وإنما يهدد قدرته على الانتفاع الحقيقي بها. وهذا ينسجم مع رؤيتنا العامة للجهل القرآني، الذي لا نختزله في فقدان المعلومات، وإنما ندرسه بعنوانه اختلالاً في الإدراك والهداية والسلوك، وما يترتب على ذلك من تعطيل حركة الإنسان نحو كماله. ثالثاً: الشواهد القرآنية ▪️محق الربا ونماء الصدقات قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. هذه الآية من أوضح الشواهد على أن معيار الزيادة والنقصان في المنظور القرآني لا ينحصر في الحساب المادي.
152
5
Нет текста...
152
6
🟥⬛️ الزهراء (عليها السلام) بين قداسة الرسالة الإلهية ومشروعية السلطة الحاكمة لعلّ من أكثر المفارقات إثارةً للتأمل في التاريخ الإسلامي أن تكون سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) -إبنة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله الذي أسّس دولة الإسلام ، وبضعته التي كان يجلّها ويعظّم مقامها ويصفها بأنها روحه التي بين جنبيه بل أم أبيها ويؤذيه ما يؤذيها - في طليعة الذين واجهوا الإنحراف والظلم بعد رحيله صلى الله عليه وآله ، وأن تنتهي حياتها بالشهادة في سياق تلك المواجهة ! مما لا شكّ فيه أنها مفارقة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً .. فالزهراء عليها السلام لم تخرج لمواجهة دولة كافرة تحارب الإسلام ! ولم تكن معارضتها امتداداً للصراع بين المسلمين والمشركين ! وإنما واجهت ما اعتقدت أنه انحراف عن الحق والعدل داخل الدولة التي قامت باسم الإسلام نفسه! وفي هذه النقطة بالذات تكمن الدلالة العميقة في موقفها التاريخي إزاء السلطة آنذاك . لقد كشفت الزهراء عليها السلام في مرحلة مبكرة جداً من التاريخ الإسلامي، عن حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الظلم لا يفقد حقيقته عندما يُمارَس تحت عنوان الدين والإسلام ! وأن السلطة لا تكتسب حقانيتها ومشروعيتها الأخلاقية لمجرد انتسابها إلى الدين ! فالإسلام كدين إلهي شيء، وممارسات السلطة التي تحمل اسمه شيء آخر، ولا إستحالة في وقوع التعارض بينهما في مجال التنفيذ والتطبيق مع فرض عدم عصمة السلطة الحاكمة . في ضوء ذلك فإن قضية الزهراء عليها السلام لم تكن مجرد مطالبة بأرض أو حق مالي، أو ذات بُعد شخصي أو عائلي ، بل كانت في عمقها مواجهة تتصل بالحقوق والشرعية ومستقبل الرسالة الالهية الخاتمة بعد غياب النبي الخاتم صلى الله عليه وآله. واستناداً لذلك يمكن أن نفهم من خطبتها المعروفة ومواقفها وطريقة احتجاجها بأنها إعلانٌ مبكرٌ عن ضرورة إخضاع السلطة غير المعصومة لمعيار الحق والعدل ، لا إخضاع الحق والعدل لإرادة السلطة بمجرد انتسابها لعنوان الدين والإسلام ! ولعل الأمر الأشد إثارةً هو أن صاحبة هذا الموقف العظيم لم تكن شخصية بعيدة عن مركز الرسالة الإلهية ، بل كانت أقرب الناس نسباً ومقاماً ومكانة روحية استثنائية إلى صاحب الرسالة صلوات الله عليه ! وهذا يكشف لنا عن مفارقة تاريخية مؤلمة ، وهي أن المجتمع - الذي عرف الزهراء بنتاً وبضعة لنبيه الأكرم ، بل مهجة قلبه المبارك وسيدة لنساء العالمين - شهد بعد رحيله نزاعاً سياسياً وعقائدياً وشرعياً محتدماً كانت الزهراء عليها السلام نفسها في قلبه .. حتى ذهبت صابرة محتسبة شهيدة ! ومن هذه الزاوية بالذات سوف لا تعود شهادة الزهراء مجرد حادثة أو مأساة تستدعي الحزن - على عظمة الحزن والمصيبة فيها - وإنما ستتحول إلى قضية معرفية وأخلاقية وسياسية تتجاوز زمانها .. وذلك لإنها تطرح سؤالاً سيبقى حاضراً في حياة المسلمين الى الأبد ، وهو : ماذا يحدث أو ماهو الموقف عندما تصبح السلطة التي تتحدث باسم الدين طرفاً في النزاع حول العدالة والحق الذي جاء به الدين نفسه؟ لقد قدّمت الزهراء عليها السلام بموقفها التاريخي والعقائدي وشهادتها المفجعة جواباً عميقاً عن هذا السؤال؛ إذ لم تجعل الانتماء الظاهري إلى الإسلام سبباً للصمت عن المظلومية ! ولم تعتبر الاعتراض على انحراف السلطة اعتراضاً على الدين الذي تنتسب إليه ! وبذلك أصبحت الزهراء رمزاً لمواجهة الظلم من داخل المجتمع الديني والاسلامي نفسه ، ولعلّ هذه واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي استحضارها عند الحديث عن ذكرى شهادتها الأليمة. وهي أن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع الاسلامي ليس الظلم الذي يأتيه من أعدائه فحسب، وإنما الظلم الذي يقع داخله، ثم يُطلب من الناس قبوله باسم الدين! وهكذا يمكن أن نقرأ شهادة الزهراء عليها السلام بأنها شهادة أخلاقية خالدة على أن الحق لا يستمد قيمته من السلطة، وإنما تستمد السلطة مشروعيتها من التزامها بالحق .. والسلام على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها .. محمود نعمة الجياشي النجف الأشرف
482
7
Нет текста...
249
8
رابعاً: العقل لا يزيل جميع العقبات، ولكنه يمنح الإنسان القدرة على فهمها، واختيار الوسائل المناسبة لمواجهتها، وتجنب مضاعفتها. خامساً: قد تتراكم الصعوبات التي يصنعها الجهل حتى تتحول إلى تعب وإرهاق وشعور بالعجز، وبذلك يصبح الجهل عاملاً في تعطيل حركة الإنسان وإضعاف قدرته على الإنجاز. سادساً: العلاقة بين الصعوبة والتعب، وبين السهولة والراحة، تكشف عن ترابط مهم بين هذه الجنود؛ لأن الخلل المعرفي قد ينتقل إلى التدبير والعمل، ثم ينعكس على الحالة النفسية والبدنية للإنسان. واستناداً لما تقدم يمكن صياغة القاعدة المركزية لهذا الجندي: أن العقل لا يلغي صعوبة الواقع، ولكنه يمنع الجهل من إضافة صعوبات جديدة إليه. وبعبارة أخرى: العقل يختصر الطريق، والجهل يعقّده. وهنا نصل إلى حقيقة معرفية مهمة في منظومة الجهل، وهي أن الجهل لا يحرم الإنسان من معرفة الطريق الصحيح فحسب، بل قد يجعله يدفع من عمره وجهده وطاقته ثمناً إضافياً بسبب الطريق الخاطئ الذي اختاره ، فكم من صعوبة لم تكن في الواقع، وإنما صنعها الجهل به! وكم من مشقة كان يمكن تجنبها لو امتلك الإنسان نور المعرفة وحسن التدبير! وهكذا تصبح الصعوبة الجهلية شاهداً عملياً على أن فقدان المعرفة لا يعني مجرد غياب الحقيقة عن الذهن، بل قد يعني أيضاً تعقيد الحياة، واستنزاف الجهد، وإضاعة الفرص والإمكانات. فالجهل لا يجعل الإنسان أقل معرفةً فحسب، بل قد يجعل حياته أشد صعوبة مما تقتضيه طبيعتها. محمود نعمة الجياشي يتبع .. الجندي الخامس والستون ..
306
9
وهذا يمنح الصعوبة موقعاً متميزاً؛ لأنها تمثل أحد الآثار العملية للجهل في إدارة الحياة ، ولكن قد تتطور هذه الحالة إلى مستوى آخر، وهو صناعة الشعور بالعجز. بمعنى الإنسان الجاهل قد لا يكتفي بتعقيد الأمور، بل قد يصل إلى الاعتقاد بأنه عاجز عن إنجازها ! وقد تبدأ هذه الحالة بالجهل بطبيعة المشكلة أو وسائل حلها، ثم تتضخم الصعوبة في ذهنه، وتتكرر الإخفاقات، حتى يتكون لديه اعتقاد بأنه لا يستطيع الوصول إلى النتيجة المطلوبة. وعندئذ تتحول الصعوبة من عائق عملي إلى عائق معرفي ونفسي ، ويمكن تسمية هذه الحالة بـالعجز المعرفي المصنوع . وليس المقصود هنا العجز الحقيقي، وإنما الاعتقاد بعدم القدرة نتيجة تصورات خاطئة أو تجارب لم تُفهم أسباب إخفاقها. وهذه الحالة تكشف عن أثر آخر للجهل، وهو أنه قد يحجب الإنسان عن رؤية إمكاناته الحقيقية، كما يحجبه عن رؤية الطريق الصحيح ، فالعقل لا يقتصر دوره على اكتشاف الوسائل المناسبة، بل يسهم أيضاً في تصحيح التصورات الخاطئة عن الإمكانات والقدرات. خامساً: لماذا كانت «السهولة» من جنود العقل؟ السهولة هنا لا تعني البحث عن الطريق الأسهل دائماً، ولا الهروب من المسؤوليات أو تجنب المشقة اللازمة للوصول إلى الغايات الصحيحة ، وإنما يمكن فهمها كثمرة من ثمار حسن الإدراك والتقدير والتدبير. فالعاقل يعرف أين يبدأ، وما الذي يقدم، وما الذي يؤخر، وما الوسيلة المناسبة، ومتى يتوقف، ومتى يغير طريقته ،وهو يميز بين الصعوبة التي ينبغي تحملها، والصعوبة التي ينبغي إزالتها. ومن هنا يصبح العقل قوة لرفع التعقيد غير الضروري عن الحياة ، فالسهولة العقلية ليست إلغاءً للجهد، وإنما حسن توجيهه. وقد يبذل العاقل جهداً كبيراً في عمل صعب، ولكنه لا يبدد طاقته في الوسائل الخاطئة أو التعقيدات التي لا ضرورة لها ، وبذلك تظهر قيمة المعرفة في تحويل الجهد من حركة عشوائية إلى حركة هادفة ومنظمة. فالمعرفة الصحيحة تختصر المسافات، وتكشف الأولويات، وتحدد الوسائل المناسبة. ولذلك يمكن القول: أن العقل لا يجعل كل صعب سهلاً، ولكنه يمنع الإنسان من أن يزيد الصعب صعوبة بجهله. وهذا المعنى ينسجم مع المنهج النبوي القائم على التيسير ورفع الحرج، ومع الحكمة التشريعية التي تراعي طبيعة الإنسان وقدرته وطاقته. وفي ضوء ذلك ينبغي التمييز بين السهولة العقلية والسهولة التي تنشأ عن اتباع الهوى ، فقد يختار الإنسان الطريق الأسهل لأنه يتهرب من المسؤولية، وهذا لا يكون من العقل بالضرورة ، بينما قد يختار العاقل الطريق الأصعب لأنه الطريق الصحيح الذي يحقق الغاية المشروعة. وعليه، فمعيار السهولة العقلية ليس قلة المشقة وحدها، وإنما مناسبة الوسيلة للغاية، وحسن إدارة الجهد، وتجنب التعقيد الذي لا تقتضيه الحكمة. سادساً: العلاقة المعرفية بين الصعوبة والتعب من النتائج المهمة التي يمكن استخلاصها في قراءة حديث جنود العقل والجهل وجود ترابط معرفي بين الصعوبة والتعب، وبين السهولة والراحة ، فالصعوبة قد تولّد التعب، كما أن التعب قد يزيد من شعور الإنسان بالصعوبة. وحين يصنع الجهل صعوبة غير ضرورية، فإن الإنسان يحتاج إلى جهد مضاعف لمعالجتها، وهذا الجهد قد يولّد التعب والإرهاق ، ثم قد يؤدي التعب إلى ضعف التركيز وحسن التقدير، فتزداد الأخطاء وتتضاعف الصعوبات. وهذا يكشف عن أن بعض صور التعب ليست ناشئة عن كثرة العمل وحدها، بل عن سوء إدارة العمل والجهد. أما العقل فيمكنه أن يكسر هذه الدائرة من خلال حسن الفهم، واختيار الوسائل المناسبة، وتنظيم الجهد، ومعرفة أوقات العمل والراحة. وبذلك تتضح العلاقة بين جنود العقل وجنود الجهل: فالجهل قد يصنع الصعوبة، والصعوبة تولّد التعب ، والعقل يسهم في تحقيق السهولة، والسهولة تهيئ أسباب الراحة. ولكن ينبغي ألا نفهم هذه العلاقة على أنها قانون مطلق؛ فقد يتعب العاقل في أداء واجبه، وقد يواجه صعوبات كبيرة في سبيل الحق، كما قد ينعم الجاهل براحة بدنية مؤقتة ، وإنما المقصود بيان العلاقة بين الجهل والتعقيد غير الضروري، وبين العقل وحسن إدارة الجهد. وبالتالي يمكن أن نقرأ التقابل بين هذه الجنود بأنه ترابطٌ معرفيٌ ووظيفي ، دون الجزم بأن ترتيبها في الرواية قد سيق لإثبات علاقة سببية بينها. ▪️النتيجة المعرفية يمكن أن نخرج من دراسة هذا الجندي بجملة من النتائج المهمة في مشروع «علم الجهل». أولاً: ليست كل صعوبة جهلاً؛ لأن بعض الصعوبات تقتضيها طبيعة الأشياء أو المسؤوليات أو طريق التكامل الإنساني. ثانياً: الجهل يصنع كثيراً من الصعوبات غير الضرورية، لأنه يعطّل حسن الفهم والتقدير والتدبير، فيسلك الإنسان الطريق الأطول والأعقد إلى ما كان يمكن الوصول إليه بطريق أقوم وأيسر. ثالثاً: الصعوبة ليست دائماً وصفاً للواقع الخارجي، بل قد تكون نتيجة خلل في إدراك الإنسان لذلك الواقع أو في استعداده للتعامل معه.
238
10
توجد مجموعة من الآيات القرآنية التي يمكن أن نستفيد منها في فهم العلاقة بين اليسر والعسر، وبين الحالة المعرفية والروحية للإنسان وما يواجهه من صعوبات. ▪️اليسر في الإرادة التشريعية الإلهية قال تعالى:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 28]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. هذه الآيات تكشف عن حضور اليسر والتخفيف ورفع الحرج في التشريع الإلهي ، ولا يعني ذلك أن التكاليف الشرعية تخلو من المشقة مطلقاً، وإنما يدل على أن الشريعة لا تقوم على التعسير غير المبرر، وأن التكاليف الإلهية لا تنفصل عن الحكمة ومراعاة القدرة الإنسانية. ويمكن أن نستفيد من ذلك أن التيسير ليس مجرد قيمة عملية، بل يرتبط بالحكمة التي يقوم عليها التشريع ، ومن هنا يكون التعسير الناشئ عن الجهل بمقاصد الأحكام وحدودها ومواردها من مظاهر سوء الفهم الديني. فقد يضيف الإنسان إلى الدين مشقات لم يجعلها الله فيه، نتيجة الجهل أو التشدد أو الخلط بين الاحتياط المشروع والتعسير غير المشروع. ▪️اليسر والعسر بوصفهما مسارين قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى .. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى .. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى .. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى .. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى .. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]. وهذه الآيات من أهم الشواهد القرآنية في بحثنا؛ لأنها تكشف عن مسارين مختلفين يرتبطان بمواقف الإنسان واختياراته ، فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى تقترن بالتيسير لليسرى، بينما يقترن البخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى بالتيسير للعسرى. واللافت هنا أن القرآن لم يجعل اليسر والعسر مجرد حالتين خارجيتين، بل ربطهما بالمنظومة الإيمانية والأخلاقية للإنسان. وهذا يسمح لنا باستنتاج أن بعض صور العسر ترتبط بالاختيارات التي يتبناها الإنسان، لا بمجرد الظروف التي تحيط به ، لكن ينبغي الالتفات إلى أن التيسير للعسرى في الآية لا يعني بالضرورة أن جميع شؤون حياة الإنسان الجاهل أو المنحرف ستكون صعبة، وإنما يشير إلى مساره وعاقبته، بحسب ما تحتمله الآية من دلالات تفسيرية. وعليه، فالاستفادة المعرفية منها هي أن الموقف الإيماني والأخلاقي يسهم في تحديد اتجاه حركة الإنسان ومآلاتها. ▪️التيسير قد يكون في الإنسان لا في الطريق قال تعالى مخاطباً النبي الخاتم صلى الله عليه وآله: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: 8]. وهذه الآية تفتح أمامنا أفقاً معرفياً دقيقاً ، وذلك أن التيسير الإلهي لا يلزم أن يكون دائماً بإزالة الصعوبات الخارجية، بل قد يكون بإعداد الإنسان وتهيئته للسير في الطريق الصحيح ، وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: أن يصبح الطريق سهلاً، وأن يصبح الإنسان مؤهلاً للسير فيه. فقد يبقى الطريق محفوفاً بالتحديات، ولكن الإنسان يمتلك من البصيرة والحكمة والثبات ما يمكّنه من اجتيازها. ومن هنا لا تكون السهولة دائماً صفة للطريق، بل قد تكون صفة لكفاءة السائر فيه. وهذا المعنى ينسجم مع موقع السهولة في جنود العقل؛ لأن العقل يمنح الإنسان القدرة على التعامل الصحيح مع الصعوبات، وإن لم يكن قادراً على إزالتها جميعاً. ▪️الصعوبة وعلاقتها بالحالة الداخلية للإنسان قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. هذه الآية بالغة الأهمية في موضوع البحث ؛ لأنها تكشف عن اختلاف الشعور بثقل العبادة تبعاً للحالة الداخلية للإنسان ، فالصلاة التي تكون كبيرة وثقيلة على بعض النفوس لا تكون كذلك على الخاشعين ، وهذا يدل على أن درجة الصعوبة التي يشعر بها الإنسان لا تتحدد دائماً بطبيعة العمل وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بحالته المعرفية والروحية ، أي قد يكون العمل واحداً، ولكن الموقف الداخلي منه مختلفاً. وهنا نستطيع أن نميز بين الصعوبة الواقعية والصعوبة التي تتضخم في إدراك الإنسان نتيجة موقفه النفسي أو المعرفي ، وهذا لا يعني أن كل شعور بالصعوبة دليل على الجهل؛ فقد تكون له أسباب بدنية أو نفسية أو ظرفية حقيقية ، ولكن الآية تكشف عن أن الاستعداد الداخلي قد يغير طريقة تلقي الإنسان للتكاليف والتعامل معها. رابعاً: علاقة الصعوبة ببقية جنود الجهل تظهر الصعوبة في منظومة الجهل كنتيجة تراكمية لعدد من الجنود الأخرى. فالعجلة تجعل الإنسان يتخذ قراراً غير مدروس ثم يدفع ثمنه. والخرق وسوء التدبير يعقدان ما كان يمكن إنجازه بسهولة. والعناد والإصرار على الخطأ يمنعان الإنسان من تغيير الطريق غير الصحيح. واتباع الهوى يجعله يختار ما يشتهيه لا ما يصلحه. والغفلة تحجبه عن رؤية الحلول والوسائل المتاحة. وهكذا تتداخل هذه الجنود في صناعة الصعوبة، حتى تصبح النتيجة العملية للجهل أكثر وضوحاً.
121
11
🟥منظومة الجهل ☑ الجندي الرابع والستون: الصعوبة ويقابله من جنود العقل: السهولة. التقابل بين الصعوبة والسهولة في حديث جنود العقل والجهل يفتح أمامنا باباً معرفياً مهماً؛ لأن الصعوبة في ذاتها ليست أمراً مذموماً، كما أن السهولة ليست دائماً أمراً محموداً ، إذ لا يخفى أن كثيراً من الطاعات والعلوم والمجاهدات تحتاج إلى مشقة وجهد وصبر، وقد تكون الصعوبة طريقاً إلى التكامل الإنساني، بينما قد تكون بعض الطرق السهلة طريقاً إلى الانحراف والفساد. ولذلك لا يصح أن نفهم هذا التقابل على أساس أن كل أمر صعب ينتمي إلى الجهل، وكل أمر سهل ينتمي إلى العقل، وإنما ينبغي البحث عن الصعوبة من جهة كونها أثراً من آثار الجهل في الإدراك والسلوك وإدارة الحياة. فالجهل قد لا يكتفي بحجب الحقيقة عن الإنسان، بل قد يجعل الوصول إليها والتعامل معها أكثر تعقيداً ومشقة، في حين يمنح العقل الإنسان القدرة على اكتشاف الطريق المناسب، وحسن اختيار الوسائل، وتجنب التعقيدات غير الضرورية. ومن هنا يمكن أن نقرأ هذا الجندي كمظهرٍ من مظاهر انتقال الجهل من عالم المعرفة إلى عالم الممارسة والحياة. أولاً: الدلالة المعرفية الصعوبة لغةً من الصَّعْب، وهو خلاف السهل؛ يقال: أمر صعب، أي عَسُر وشقَّ ولم يسهل تناوله أو إنجازه. والصعوبة بهذا المعنى وصف لما يتعذر أو يشق الوصول إليه أو تحقيقه، سواء أكان ذلك بسبب طبيعة الشيء نفسه، أم بسبب الظروف المحيطة به، أم بسبب قصور الإنسان عن معرفة الطريق المناسب للتعامل معه. وفي منظومة الجهل يمكن أن نعطي الصعوبة معنى معرفياً أعمق، فنقول: إن الصعوبة الجهلية هي حالة التعسير والتعقيد التي تنشأ حين يفقد الإنسان الرؤية الصحيحة أو الوسيلة المناسبة للتعامل مع الأشياء. فالجاهل قد يجعل الأمر البسيط معقداً؛ لأنه لا يعرف مدخله، ولا يميز أولوياته، ولا يحسن تقدير الوسائل والنتائج. وعليه فإن الجهل لا يحجب الطريق فقط، بل قد يجعل السير فيه أصعب ، ولكن ينبغي هنا التمييز بين ثلاثة أنواع من الصعوبة: 1. الصعوبة التكوينية: وهي الصعوبة الناشئة عن طبيعة الشيء نفسه، كصعوبة بعض العلوم والمسائل العقلية، أو الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً أو ذهنياً كبيراً. وهذه الصعوبة لا ترتبط بالجهل بالضرورة، بل قد تكون جزءاً من طبيعة العمل أو مقتضيات الوصول إلى المعرفة. 2. الصعوبة التكليفية: وهي المشقة التي قد ترافق أداء المسؤوليات الشرعية والأخلاقية، كالجهاد والصبر ومجاهدة النفس وتحمل أعباء الإصلاح. وقد تكون هذه الصعوبة طريقاً إلى الكمال، لا مظهراً من مظاهر الجهل. 3. الصعوبة الجهلية: وهي الصعوبة الزائدة التي يصنعها الإنسان نتيجة سوء الإدراك أو التدبير أو الاختيار، فيعقد ما كان يمكن إنجازه بصورة أيسر وأقوم. وهذا القسم الثالث هو الذي نركز عليه في قراءة الصعوبة بوصفها جندياً من جنود الجهل. وعليه، ليست الصعوبة المذمومة هي التي تتطلب جهداً، وإنما الصعوبة التي تنشأ من فقدان الحكمة في توجيه الجهد. ثانياً: موقع الصعوبة في منظومة الجهل هذه النقطة مهمة جداً في مشروع «علم الجهل»؛ لأن الجهل عندما يصيب الإدراك لا يبقى محصوراً في عالم التصورات والأفكار، بل ينتقل إلى عالم السلوك وإدارة الحياة. أي أن الإنسان الذي لا يعرف طبيعة المشكلة قد يستعمل الوسيلة الخاطئة لمعالجتها، ثم يحتاج إلى جهد مضاعف، وربما يصنع مشكلة ثانية وهو يحاول حل الأولى ، وبهذا يمكن القول: أن الجهل يولّد التعقيد، والتعقيد يولّد الصعوبة. فالصعوبة هنا ليست دائماً موجودة في الشيء نفسه، وإنما قد تكون صعوبة مصنوعة بواسطة الجهل ، وهذا ما نشاهده في الحياة الفردية والاجتماعية؛ فكم من مشكلة صغيرة تحولت إلى أزمة كبيرة بسبب سوء الفهم والعناد والعجلة وسوء التدبير! وقد يتخذ الجهل هنا صورة أكثر عمقاً، وهي الجهل بطبيعة الأشياء والسنن التي تحكمها ، وذلك أن الإنسان يعيش في عالم تحكمه قوانين وسنن، ولا يستطيع الوصول إلى غاياته بصورة صحيحة إلا إذا عرف تلك السنن وتعامل معها ، وحين يجهلها، فقد يحاول تحقيق النتائج بوسائل لا تناسب أسبابها، فتظهر الصعوبة نتيجة مصادمة الواقع بدلاً من التعامل الصحيح معه. وبالتالي فإن الجهل بسنن الأشياء يحوّل التعامل معها من الانسجام إلى المصادمة. ويمكن الاستئناس لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]. فالآية تقرر ثبات السنة الإلهية في سياقها، ويمكن أن نستفيد من مجموع الآيات المتعلقة بالسنن الإلهية أن حركة الإنسان لا تنفصل عن القوانين الحاكمة للواقع ، فالعاقل يحاول اكتشاف السنن والتعامل معها، بينما قد يصادمها الجاهل، ثم يشكو من صعوبة النتائج. ومن هنا تكون المعرفة وسيلة لتقليل الصعوبات التي تنشأ من سوء التعامل مع الواقع ، وهذا يكشف أن الجهل لا يصنع المشكلات دائماً من العدم، وإنما قد يحوّل المشكلات الطبيعية إلى مشكلات أكثر تعقيداً. ثالثاً: الشواهد القرآنية
192
12
Нет текста...
187
13
في هذا المجال يمكن أن نذهب في فهم هذه الثنائية إلى مستوى أعمق، يرتبط بحقيقة التوحيد وآثاره في النفس الإنسانية ، فالإنسان، بحسب الرؤية القرآنية، ليس موجوداً بلا غاية، وإنما هو مخلوق يتحرك نحو الله تعالى. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. والكدح هنا يشير إلى الحركة المصحوبة بالمشقة والجهد ، واللافت أن الآية تجعل الكدح حقيقة ملازمة للمسير الإنساني نحو لقاء الله، بصرف النظر عن اختلاف الناس في هدايتهم وضلالهم. وهذا يفتح أمامنا تمييزاً معرفياً بالغ الأهمية ، فليس الفرق بين العاقل والجاهل أن أحدهما يكدح والآخر لا يكدح، وإنما الفرق في كيفية الكدح والغاية التي تنتظم حركته. فالعاقل يوظف جهده في الطريق الذي ينسجم مع غايته الوجودية، بينما قد يستهلك الجاهل قواه في اتجاهات تبعده عن تلك الغاية ، ومن هنا لا تكون الراحة الحقيقية نقيض الحركة والسعي، بل تكون ثمرة الحركة الصحيحة. أي أن الإنسان لا يجد راحته في تعطيل قواه، وإنما في توجيهها نحو الغاية التي خُلق من أجلها ، وبهذا المعنى يمكن أن نفهم الراحة التوحيدية بأنها وحدة الاتجاه الوجودي للإنسان، حين تتجه قواه ورغباته وأعماله نحو غاية عليا واحدة. أما التعب الذي تصنعه منظومة الجهل، فهو في أحد أبعاده نتيجة فقدان هذه الوحدة، وتوزع الحركة الإنسانية بين غايات متعارضة. وفي هذه النقطة تظهر لنا حقيقة دقيقة: وهي إن التوحيد لا يلغي الكدح الإنساني، ولكنه يمنحه وحدة الاتجاه والمعنى ، والجهل لا يخلق المشقة من العدم، ولكنه قد يحول الكدح الطبيعي إلى استنزاف لا يحقق للإنسان غايته الصحيحة. ▪️النتيجة المعرفية نستطيع أن نخرج من بحث هذا الجندي بنتيجة مهمة في مشروع «علم الجهل»، وهي أن التعب، بعنوانه جندياً من جنود الجهل، لا ينحصر في الإعياء الجسدي، وإنما يكشف عن أحد الآثار العميقة لاختلال النظام المعرفي والأخلاقي في الإنسان. فالجهل لا يضلل الإنسان في أفكاره فحسب، ولا يفسد أعماله وحدها، بل قد يحول حياته الداخلية إلى ساحة من التنازع والاستنزاف ، وذلك حين تتوزع النفس بين الحرص والطمع والحسد والخوف والهوى، تفقد وحدتها، وتستهلك قواها في اتجاهات متعارضة، وقد تبذل أعظم الجهود دون أن تبلغ غايتها الصحيحة. وقد يتجلى هذا التعب في ضياع السعي، أو في مقاومة الحقيقة، أو في الصراع بين الرغبات والغايات، أو في فقدان المعنى الذي يمنح الجهد قيمته. أما العقل، بما يحققه من معرفة بالحق، وانتظام للقوى، وتسليم لله تعالى، فإنه يعيد إلى النفس وحدتها واتزانها، فتتحقق الراحة بوصفها ثمرة للانسجام الداخلي، لا بوصفها مجرد غياب المشقة. واستناداً لذلك كله فإن الجهل لا يقتصر على صناعة الخطأ، بل قد يصنع العناء أيضاً؛ وإن العقل لا يقتصر على تصحيح المعرفة، بل يوجه حركة الإنسان نحو الراحة والطمأنينة. بمعنى أن الإنسان العاقل ليس بالضرورة أقل الناس جهداً، ولكنه أقدر على توجيه جهده نحو غايته الصحيحة. والإنسان الجاهل ليس بالضرورة أكثر الناس عملاً، ولكنه قد يكون أكثرهم استنزافاً لقواه في غير موضعها. وهكذا تنقلنا ثنائية «التعب والراحة» من البحث في صحة الأفكار والأعمال إلى البحث في كيفية عيش الإنسان لحياته، ومدى انسجام قواه الداخلية مع الحقيقة التي خُلق من أجلها. ويمكن أن نختصر النتيجة المعرفية لهذا الجندي في القاعدة الآتية: الجهل يُتعب الإنسان؛ لأنه يبعثره، والعقل يريحه؛ لأنه يوحّده. وهذه من الدلالات العميقة التي يمكن استكشافها في حديث جنود العقل والجهل؛ إذ تكشف أن آثار العقل والجهل لا تقف عند حدود الفكر والسلوك، بل تمتد إلى البنية الداخلية للإنسان، وإلى طبيعة تجربته الوجودية في الحياة. محمود نعمة الجياشي يتبع ... الجندي الرابع والستون ...
291
14
هذه الآية تنقل أثر الهداية والضلال إلى البنية الداخلية للإنسان ، فالهداية هنا تقترن بانشراح الصدر، والضلال يقترن بضيق الصدر وحرجه ، وهذا يكشف أن المعرفة الدينية ليست مجرد معلومات ذهنية، وإنما لها أثر في كيفية حضور الإنسان مع نفسه ومع الحياة. فحين تنفتح النفس على الهداية، وتنتظم علاقتها بالله، تصبح أقدر على استقبال الحق والتعامل مع أعباء الحياة ، أما حين تنغلق على الضلال، فقد تتحول الحياة إلى تجربة من الضيق والحرج ، وهذا لا يعني أن المؤمن لا يصاب بالقلق أو الحزن أو الإرهاق، وإنما يعني أن الهداية تمنحه مصدراً للسكينة والاتزان في مواجهة تلك الحالات. وفي ضوء ذلك نستطيع القول: أن الراحة التي يصنعها العقل ليست بالضرورة راحة الإنسان من أعباء الحياة، وإنما راحته من الفوضى الداخلية التي قد تضاعف تلك الأعباء. رابعاً: علاقة التعب ببقية جنود الجهل يرتبط التعب بشبكة واسعة من جنود منظومة الجهل، ويمكن أن نميز في هذه العلاقة بين قسمين: القسم الأول: جنود تنتج التعب ، ومن أبرزها: • الحرص: لأنه يجعل الإنسان في حالة طلب مستمر لا يبلغ معها الاكتفاء. • الطمع: لأنه يربط راحة الإنسان بما لا يملكه، ويجعل سعادته مؤجلة باستمرار. • الحسد: لأنه يحول نعم الآخرين إلى مصادر للألم الداخلي. • الحقد: لأنه يبقي الخصومة حاضرة في النفس، ويستنزف طاقاتها في استعادة الإساءة والتفكير في الانتقام. • اتباع الهوى: لأنه يجعل الرغبات المتجددة تتحكم بحركة الإنسان، دون أن تخضع لميزان العقل. • حب الدنيا: حين يتحول إلى تعلق يستغرق النفس، ويجعلها تطلب من المحدود ما لا يحققه إلا الاتصال بالغاية الحقيقية. القسم الثاني: جنود تضاعف التعب ، ومن أبرزها: • الجزع: لأنه يضاعف الأثر النفسي للمحنة، ويضعف قدرة الإنسان على تحملها. • السخط: لأنه يضيف إلى ألم الواقعة صراعاً داخلياً مع ما وقع. • اليأس: لأنه يسلب الإنسان أفق الرجاء، ويجعل المشقة تبدو بلا نهاية أو ثمرة. وهذا التمييز يكشف أن بعض جنود الجهل تصنع أسباب العناء، بينما يقوم بعضها الآخر بتضخيم أثر العناء في النفس. فقد يتعرض شخصان لمحنة واحدة، ولكن أحدهما يواجهها بالصبر والرضا، والآخر يواجهها بالجزع والسخط ، والمحنة الخارجية واحدة، ولكن كيفية الاستجابة لها قد تجعل مقدار الاستنزاف الداخلي مختلفاً. واستناداً لذلك يمكن أن نؤسس قاعدة أخرى ، حاصلها : ليست المشقة الخارجية وحدها هي التي تحدد مقدار تعب الإنسان، وإنما تسهم كيفية استجابته المعرفية والأخلاقية في تحديد ذلك التعب. مع ضرورة الالتفات إلى أن كثيراً من حالات التعب والإرهاق والمعاناة تنشأ من أسباب جسدية أو نفسية أو ظروف قاهرة، ولا يصح جعلها دليلاً على الجهل أو ضعف الإيمان. وهكذا يتضح أن التعب قد يكون نتيجة مركبة لتفاعل مجموعة من جنود الجهل، لا مجرد حالة مستقلة منفصلة عنها. خامساً: لماذا كانت «الراحة» من جنود العقل؟ في هذه النقطة تظهر أهمية المقابلة بين التعب والراحة في الرواية المباركة. وذلك أن الراحة ليست الكسل، وليست ترك العمل، وليست مجرد غياب المشقة الجسدية ، إنما يمكن أن نفهم الراحة، في بعدها المعرفي كحالة من الاستقرار والانسجام الداخلي تنشأ من انتظام علاقة الإنسان بالله وبنفسه وبالعالم. فالعقل لا يريح الإنسان من مسؤولياته، وإنما يحرره من الفوضى التي تجعل تلك المسؤوليات مصدراً للعناء غير الضروري ، وقد يكون المؤمن متعب الجسد، لكنه مستريح القلب، لأنه يعرف غايته، ويدرك قيمة عمله، ويرى في مشقته معنى يتجاوز حدود الألم الآني. وفي المقابل، قد يكون الإنسان مستريح الجسد، ولكنه يعيش أقسى أنواع التعب الداخلي، بسبب اضطراب غاياته وتنازع رغباته ومخاوفه. ومن هنا يمكن أن نميز بين نوعين من الراحة: الأولى: الراحة السلبية ، وهي مجرد توقف الجهد أو زوال المشقة الخارجية، وهذه قد تحصل للمؤمن وغيره. الثانية: الراحة الإيجابية ، وهي سكينة النفس الناتجة عن انتظام قواها، ووضوح غايتها، وانسجام حركتها مع الحق. وهذه الراحة الثانية هي التي يمكن أن نفهمها كثمرة معرفية وأخلاقية من ثمار العقل. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ .. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]. فالطمأنينة تمثل مرتبة عالية من الاستقرار الداخلي، يبلغ فيها الإنسان مقام الرضا بالله والتسليم له ، وهذا لا يعني أن الطريق إلى الطمأنينة خالٍ من المشقة، بل قد يكون محفوفاً بالابتلاءات والتضحيات ، ولكن الفارق أن المشقة هنا لا تمزق وحدة النفس، لأنها تتحرك في اتجاه غاية معلومة ومحبوبة. فالإنسان الموحد قد يحمل أعباء ثقيلة، ولكنه لا يحمل معها بالضرورة عبء التشتت وفقدان المعنى ، وهكذا تصبح الراحة ثمرة من ثمار العقل والهداية، لا بمعنى انتفاء التعب الجسدي، وإنما بمعنى تحقق الانسجام الداخلي الذي يمنح المشقة معناها الصحيح. سادساً: التعب والراحة في الرؤية التوحيدية
225
15
والإعراض عن ذكر الله يعني - في أحد أبعاده - الانفصال عن المصدر الذي يمنح الحياة معناها وغايتها. ويقابله قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وهنا تظهر المقابلة: الإعراض عن الذكر يفضي إلى الضنك والضيق ، والاتصال بالله يفتح للنفس طريق الطمأنينة والراحة. فالمسألة إذن ، ليست مجرد اختلاف في الظروف الخارجية، وإنما اختلاف في علاقة الإنسان بالحقيقة التي تنتظم بها حياته. ▪️التعب الناتج عن ضياع السعي قال تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ .. تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 3-4]. وردت في تفسير الآية وجوه متعددة، منها ما يجعل العمل والنصب وصفاً لما يلقاه أهل العذاب في الآخرة، ومنها ما يربط ذلك بسعيهم وعملهم في الدنيا. وعلى الوجه الثاني، يمكن الاستئناس بالآية في بيان صورة الجهد الذي لا ينتهي إلى النجاة والفلاح ، وتتضح هذه الفكرة بصورة أصرح في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا .. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. فإن هذه الآية بالغة الأهمية في مشروع «علم الجهل»؛ لأنها تكشف أن الإنسان قد يبذل جهداً عظيماً، ولكنه يفتقد المعرفة الصحيحة بقيمة عمله وغايته. فالخلل هنا ليس في مقدار الجهد، وإنما في البصيرة التي توجه الجهد. وقد يكون الإنسان شديد النشاط والحركة والعمل، ولكنه يسير في اتجاه لا يوصله إلى غايته الحقيقية. وعندئذ يظهر أحد أخطر آثار الجهل: وهو أن الجهل قد يجعل الإنسان يستهلك عمره وقواه في عمل يعتقد أنه يحسن به صنعاً، بينما يكون سعيه ضالاً عن غايته الصحيحة ، ومن ثم، فليس كل عمل كثير عملاً مثمراً، وليس كل تعب دليلاً على صحة الطريق. ▪️التعب الناتج عن تعدد المرجعيات الداخلية قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29]. هذه الآية تقدم صورة قرآنية عميقة للتقابل بين التشتت والوحدة ، وذلك أن الرجل الأول تتنازعه إرادات متعددة ومتعارضة، وكل واحد من الشركاء يريد أن يستأثر به ويوجهه إلى ما يريد ، أما الثاني، فهو خالص لرجل واحد، فلا يعيش التنازع نفسه. والآية في سياق بيان الفرق بين الشرك والتوحيد، ولكن يمكن أن نستفيد منها معنى معرفياً وأخلاقياً أوسع. فالإنسان الذي تستولي عليه جنود الجهل قد تتنازعه مرجعيات داخلية متعددة؛ فهو يريد رضا الناس، وإشباع شهواته، وتحقيق أطماعه، والانتصار لنفسه، والمحافظة على مكانته، والتخلص من مخاوفه. وكل واحدة من هذه القوى تسحبه إلى اتجاه مختلف. وفي هذه الحالة ينشأ نوع من التعب يمكن أن نسميه «التعب الوجودي»، وهو التعب الناتج عن فقدان الوحدة الداخلية وتنازع الغايات. أما الإنسان الذي ينتظم باطنه على أساس التوحيد، فإن قواه لا تختفي، ولكنها تخضع لمرجعية عليا تضبط حركتها وتوحد اتجاهها. وبهذا نستطيع القول: إن التعب في منظومة الجهل قد يكون كلفة التناقض الداخلي، بينما تكون الراحة في منظومة العقل ثمرة الوحدة الداخلية. ▪️التعب الناشئ عن مقاومة الحقيقة قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. تكشف هذه الآية عن صورة دقيقة من صور اختلال العلاقة بين المعرفة والسلوك ، فقد يعرف الإنسان الحقيقة، بل يتيقن بها في داخله، ولكنه يرفض الاعتراف بها أو الالتزام بمقتضياتها. وهذا يعني أن الجهل، في بعض صوره، لا يتمثل في غياب المعرفة، وإنما في اتخاذ موقف مضاد للحقيقة المعلومة. ومن الممكن أن ينشأ عن هذا الموقف نوع من الاستنزاف الداخلي؛ لأن الإنسان يصبح مضطراً إلى الدفاع عن موقفه، واختلاق المبررات له، وإعادة تفسير الوقائع بما يحفظ صورته عن نفسه. فبدلاً من أن تكون المعرفة طريقاً إلى الاستقرار، تتحول مقاومة مقتضياتها إلى مصدر للصراع الداخلي. وهنا يمكن أن نتحدث عن «التعب المعرفي»، أي التعب الذي ينشأ من التناقض بين ما يدركه الإنسان من الحق وما يصر على مخالفته ، ولا يعني ذلك أن كل من يجحد الحق يشعر بالضرورة بهذا الصراع شعوراً واعياً، فقد يبلغ الإنسان مرحلة من التبلد أو الاعتياد على الباطل، ولكن الآية تكشف أصل التناقض بين اليقين والجحود. وهذه النتيجة مهمة في مشروع «علم الجهل»: فقد يكون الإنسان عالماً بالحقيقة، ولكنه يتعب في مقاومتها أكثر مما لو استجاب لها. ▪️الهداية وانشراح الصدر قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125].
125
16
🟥منظومة الجهل ☑ الجندي الثالث والستون: التَّعَب نصل في بحثنا إلى جندي دقيق من جنود الجهل، وهو «التعب»، الذي يقابله في حديث جنود العقل والجهل «الراحة». وهذه المقابلة تفتح أمامنا أفقاً معرفياً وأخلاقياً يتجاوز المعنى المتبادر من التعب والراحة؛ لأن التعب ليس مذموماً في نفسه، كما أن الراحة ليست ممدوحة على إطلاقها. فالتعب البدني قد يصيب الأنبياء والأولياء والعلماء، بل قد يكون ثمرة للجهاد والطاعة وطلب العلم والسعي في خدمة الآخرين. وفي المقابل، قد يكون الإنسان مستريح الجسد، ولكنه يعيش أشد حالات الاضطراب والعناء الداخلي. ومن هنا ينبغي أن نبحث عن التعب من جهة كونه حالة من الاستنزاف المعرفي والنفسي والروحي، تنشأ عندما تفقد النفس انسجامها مع الحق، وتستهلك قواها في غير غاياتها الصحيحة. وليس المقصود أن كل تعب ينشأ من الجهل، وإنما الكشف عن نمط خاص من التعب تصنعه منظومة الجهل حين تستولي على قوى الإنسان وتخرجها عن الاعتدال. وهذه قراءة معرفية للمقابلة الواردة في الرواية، لا تستلزم حصر المعنى الروائي بهذا المصداق دون سواه. أولاً: الدلالة المعرفية التعب في اللغة هو ما يلحق الإنسان من الإعياء والمشقة والعناء نتيجة بذل الجهد أو استمرار المعاناة، ويقابله الراحة ، ولا يختص التعب بالجانب البدني، بل قد يكون نفسياً أو ذهنياً، ناشئاً عن الهم والاضطراب والصراع الداخلي. ومن الألفاظ القرآنية القريبة من هذا المعنى «النَّصَب»، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: 48]. وقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]. غير أن القرآن يقرر أيضاً أن المشقة من طبيعة الحياة الإنسانية، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. وهذا يقتضي التمييز بين التعب الذي تفرضه طبيعة الحياة، والتعب الذي ينشأ من اختلال حركة الإنسان المعرفية والأخلاقية. وعليه، يمكن أن نعرّف التعب كجنديٍ من جنود الجهل، بأنه: حالة الاستنزاف الداخلي التي تنشأ من اختلال علاقة الإنسان بالحقيقة، وتشتت قواه بين الرغبات والمخاوف والغايات المتعارضة، بما يفقد النفس انسجامها واتزانها. فالجهل هنا لا يجعل الإنسان يخطئ في معرفة الأشياء فحسب، وإنما قد يجعله يعيش بطريقة متعبة؛ لأنه يضع الرغبة في غير موضعها، والخوف في غير موضعه، والحب والبغض في غير موضعهما، ويدفع الإنسان إلى مطاردة غايات لا تحقق له الاكتفاء والطمأنينة. ومن هنا يمكن أن نؤسس قاعدة مهمة في «علم الجهل»: وهي أن الجهل ليس منتجاً للخطأ فحسب، بل قد يكون منتجاً للاستنزاف والعناء أيضاً. ثانياً: موقع التعب في منظومة الجهل إذا كان العقل يضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، وينظم علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالله تعالى، فإن الجهل يخل بهذا النظام الداخلي، ويجعل القوى الإنسانية تتحرك في اتجاهات متعارضة. أي أن الإنسان قد يتعب بسبب الحرص؛ لأنه لا يصل إلى الاكتفاء ، ويتعب بسبب الطمع؛ لأنه يظل متعلقاً بما ليس عنده ، ويتعب بسبب الحسد؛ لأنه يجعل نعم الآخرين مصدراً لألمه ، ويتعب بسبب الحقد؛ لأنه يحمل خصومه في داخله، ويستبقي الصراع معهم حتى في غيابهم ، ويتعب بسبب حب الدنيا؛ لأنه يطلب من المحدود ما لا يستطيع أن يمنحه من الإشباع المطلق ، ويتعب بسبب اتباع الهوى؛ لأن الرغبات المنفلتة لا تقف بالضرورة عند حد معين. وبذلك يصبح التعب إحدى النتائج الداخلية لتزاحم جنود الجهل في النفس الإنسانية. ومن المهم هنا أن نميز بين نوعين من التعب: الأول: التعب الناتج عن بذل الجهد ، وهو تعب قد يكون ضرورياً ومحموداً، إذا كان الجهد موجهاً نحو غاية صحيحة، كطلب العلم والجهاد والعمل الصالح. الثاني: التعب الناتج عن ضياع الجهد ، وهو التعب الذي يبذل فيه الإنسان قواه وطاقاته، ولكنه لا يبلغ غايته الصحيحة؛ بسبب فساد التصور أو اختلال البصيرة أو الانحراف في تحديد الغاية. والفرق بينهما جوهري؛ لأن العقل لا يلغي المشقة من حياة الإنسان، ولكنه يمنحها معنى، ويوجهها نحو غاية صحيحة ، فالعقل لا يختصر الجهد بالضرورة، ولكنه يمنع ضياع الجهد. وعليه يمكن أن يكون الإنسان متعب الجسد، ولكنه مطمئن القلب، كما يمكن أن يكون مستريح الجسد، ولكنه مستنزف النفس والروح. ثالثاً: الشواهد القرآنية ▪️الإعراض عن الذكر والمعيشة الضنك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. هذه الآية من أهم الشواهد التي يمكن أن تضيء المعنى المعرفي للتعب. فإن الضنك يدل على الضيق والشدة، ولا يلزم أن ينحصر في الفقر المادي أو المشقة الجسدية؛ بل يمكن أن يشمل ضيق المعيشة في بعدها النفسي والروحي، مع ملاحظة ما ورد في التفسير من تطبيقات أخرى للآية. فقد يمتلك الإنسان المال والجاه والسلطة، ومع ذلك يعيش ضيقاً داخلياً، وقلقاً دائماً، وشعوراً بعدم الاكتفاء.
213
17
Нет текста...
209
18
🟥 نفثة .. في محراب الشهادة ... لستُ بصدد نقاش علمي .. ولا جدلٍ أو قراءات تاريخية عقيمة .. ولا أقصد هنا شخصاً بعينه .. فقد فات أوان ذلك .. واشتعل الرأس شيباً ... ولم أكن بتقليد الصدر والدفاع عنه شقياً ... وإنما هي نفثة في محراب الصدق والشهادة من روحٍ أناخت برحل الصدر وبلغت في ذلك من الكبر عتياً ... لقد فشلوا في مواجهة تاريخك الذي لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها ... وتقزّموا أمام منارة علمك المحمدي العلوي .. وتحطمت قواربهم البائسة على ساحل بحر معرفتك ... وعموا بمواجهة إشراقة نورك .. وصمّتْ أذانهم أمام نبرات صوتك الإلهي .. وتصدّعت جدران باطلهم بلسان الصدق الذي نطقت به ... وفرّوا برجسهم أمام نفحات طهارتك ... ومنعهم دنسُهم أن يواجهوا نقاء قدسك ... وحَرمَتْهم ظلمة قلوبهم من الاقتراب الى حرم حوزتك ونور مرجعيتك .. التي أحاطتها أسوار دماء الشهادة المقدسة ... ثم ساقهم حظّهم البائس الى النبش في مزابل البعث العفنة .. والتصيّد في مستنقعات أجهزته القمعية الآسنة .. ليبحثوا عن ورقة هنا وتقرير هناك كتبه أحد الأرجاس أو دوّنته أيادي عتاة المجرمين وسفاكي الدماء !! يا لها من مفارقة مذهلة !! ومشهد مثير من مشاهد سخرية القدر !! تبّاً لهذه الدنيا التي يكون فيها الجلاد هو الشاهد .. والضحية هو المشهود عليه !! بل يكون الشاهد المصدَّق هو البعثي المجرم ! والمشهود عليه هو المرجع نائب الإمام المعصوم !! وأي مرجع ؟ إنه الصدر الذي مازالت آثار الإعتقال والتعذيب البعثي الوحشي بادية على جسده المبارك !! لو نظرنا الى أبسط الموازين الشرعية فإننا لانقبل اللجوء الى مثل هذه الوريقات المبتذلة لإدانة أي إنسان مؤمن .. فكيف نقبل ذلك بحق شخص كالسيد الشهيد ؟!! وإن كان هناك شيء يستحق الإدانة والاستنكار والتعليق في هذا الموضوع فليس هو الا هذا الانحدار الخطير في الاخلاق ومقتضيات الايمان والتدين وانقلاب الموازين الشرعية والعقلية عند من يقبل العمل بذلك ... فمن أراد أن يصدّق حبوش والحبابيش فهذا شأنه وبالعافية عليه ! ومن المؤكد أنه سيجد له مكاناً واسعاً معه عندما تجتمع الخصوم يوم الحساب .. وليحتفظ بوريقاته جيداً فإنه سيحتاجها يوم تطاير الصحف . أما نحن فقد صدّقنا محمد الصادق وانتهى الأمر في لحظته .. ونربأ بأنفسنا عن أن نتزاحم معكم على مزابل البعث ! فقد جفّت الصحف المكتوبة بالدم الطاهر ورفعت الأقلام مع أرواح الشهداء في مقعد صدق عند مليك مقتدر ... وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. لقد زعموا وساقتهم أوهامهم الى أن الوريقات المستنسخة والأصلية التي كتبتها زُمر وكلاء الأمن ترغيباً وترهيباً .. سوف تُدين الصدر ! ولم يعوا أنها كشفت عن عظمة الصراع وفداحة المواجهة التي خاضها الصدر مع نظام دكتاتوري دموي بحجم النظام البعثي المقبور ! وكيف كان يتحرك مشروع الصدر بحنكة عميقة ليصل الى أهدافه في ظل هذه الشبكة المعقدة والخطيرة من الأجهزة الأمنية والقمعية التي تغلغلت في جميع مفاصل الحياة في العراق بما فيها الحوزة العلمية نفسها ! كل ذلك وسط حملة تسقيط شعواء داخلياً وخارجياً ما زلنا نحتفظ بأدق تفاصيلها ... وناهيك أن هذه المواجهة التاريخية وصلت الى ذروتها لتختتم بذلك المشهد المشرّف الذي إرتقى فيه الصدر شهيداً صادقاً مصدّقاً مع نجليه .. مقتدياً بجده علي عليه السلام الذي إتهمه أهل الشام بترك الصلاة ! تبعاً لتقارير أجهزة الأمن الأموي ! وشتموه على منابرهم ثمانين عاماً ! ومتأسياً بجدّه الحسين الشهيد الذي قالت عنه المخابرات الأموية أنه خارجي قُتل بسيف جدّه !! هذه دعوة من القلب الى جميع محبي ومقلدي السيد الشهيد محمد الصدر .. حذارِ من الإنجرار الى مزابل البعث العفنة ومتابعة نباشي قبور الشهداء والأولياء ... إثبتوا في حدائق الصدر اليانعة بخير الثمرات في الدنيا والآخرة .. وحافظوا على دينكم ومذهبكم ولا تدعوا زرع الصدر أن يضيع ويجف .. فإن الدين بذمتكم والمذهب بذمتكم ولا ينبغي التفريط فيه لا بقليل ولا بكثير . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ . محمود نعمة الجياشي وادي السلام- النجف الأشرف
1 502
19
Нет текста...
562
20
إن أخطر ما في العدوان ليس الضرر الذي يوقعه المعتدي بالآخرين فحسب، وإنما ما يحدثه العدوان في باطن المعتدي نفسه؛ إذ يحجبه عن نور العدل، ويضعف استعداده لتلقي الهداية، ويبعده عن مقتضيات المحبة الإلهية ، وهذا تفسير معرفي وأخلاقي يمكن استلهامه من الآية، لا أنه نصٌّ صريح في بيان كيفية المحبة الإلهية أو حقيقتها. ▪️العلاقة بين العدوان والجهل في ضوء المحبة الإلهية إذا رجعنا إلى حديث جنود العقل والجهل، وجدنا أن العدوان يقابل القصد ، والقصد يشير إلى الاعتدال والاستقامة وعدم مجاوزة الحد. وعليه فإن التقابل بينهما ليس مجرد تقابل بين سلوكين، بل بين منهجين في التعامل مع الوجود: منهج العقل: وهو معرفة الحدود، وإعطاء كل ذي حق حقه، وضبط الإرادة بميزان العدل. منهج الجهل: وهو تجاوز الحدود، وتقديم الهوى على الحق، وتحويل القدرة إلى وسيلة للاعتداء. وبهذا يظهر وجه العلاقة بين العدوان ونفي المحبة الإلهية؛ لأن الجهل حين يتحول إلى عدوان لا يبقى مجرد نقص معرفي، بل يصبح موقفاً عملياً يناقض مقتضيات الكمال الذي يحبه الله. فالعدوان هو أحد المواضع التي يتحول فيها ظلام الجهل الباطني إلى سلوك خارجي، ثم يعود هذا السلوك ليزيد ظلمة النفس وحجابها ، وهنا تتضح العلاقة المتبادلة بين المعرفة والعمل في منظومة الجهل. ▪️النتيجة المعرفية والتوحيدية إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يكشف عن حقيقة تتجاوز الحكم التشريعي بحرمة العدوان؛ إذ يبين أن العدوان يترك أثره في موقع الإنسان من المحبة الإلهية، فلا يعود الأمر مجرد مخالفة يرتكبها الإنسان، وإنما يصبح وصفاً يباعد بينه وبين مقتضيات القرب من الله. فالمعتدي حين يتجاوز حدود الحق لا يعتدي على الآخرين وحدهم، بل يعتدي على نظام الاستقامة الذي ينبغي أن يحكم نفسه، فيحجبها عن بعض كمالاتها، ويضعف فيها قابلية التخلق بالعدل والإحسان. ومن هنا فإن العدوان يحمل عقوبته المعنوية في داخله؛ لأن المعتدي، وهو يحاول تجاوز حدود الآخرين، يتسبب في إبعاد نفسه عن مقام المحبوبية الإلهية. فما أعظم خسارة الإنسان حين يظن أنه قد انتصر على غيره بالعدوان، بينما يكون قد ألحق بنفسه خسارة أعظم، هي الابتعاد عن محبة الله! وهكذا يتبين أن القصد بعنوانه جندياً من جنود العقل، ليس مجرد الاعتدال في التصرف، وإنما هو طريق لحفظ استقامة الإنسان في علاقته بالله، في حين أن العدوان بعنوانه جندياً من جنود الجهل، هو انحراف عن هذا الطريق. محمود نعمة الجياشي يتبع ... الجندي الثالث والستون ..
409